النص المفهرس

صفحات 321-340

سنة ١١
٣٢١
الجموع من عكّ ومَنْ تأشَّب إليهم إلى اليوم الأخابث، وسُمّى ذلك
الطريق طريقَ الأخابث ؛ وقال فى ذلك الطاهربن أبى هالة :
وواللهِ أوْلا أُنْهُ لاشىءٍ غَيْرُه لَمَا فُضَّ بالأجراعِ جَمْعُ الثّاعِثْ (١)
يجَنْب صُحَارٍ فِى جموع الأخَابِثِ (٣)
فلم تَرَ عينى مِثْلَ يوم رأيُ
إلى القِيمَة الحمراء ذات النبائن(٣) ١٩٨٧/١
قَتَلْنَاهُمُ ما بين قْنَةٍ خَامِرٍ
جِهارًا ولم نَحْفِلْ بتلك المنامِثِ(٤)
وفِئْنَا بأموالِ الأخابث عَنْوَةٌ
وعسكر طاهر على طريق الأخابث ، ومعه مسروق فى عكّ ينتظر
أمر أبى بكر رحمه الله .
قال أبو جعفر: ولما بلغ أهلَ نَجْران وفاةُ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وهم يومئذ أربعون ألف مقاتل ، من بنى الأفْعى؛ الأمَّةِ الّتى كانوا بها
قبل بنى الحارث؛ بعثوا وفدًاً ليجدّدوا عهدًا، فقدموا إليه(٥) فكتب لهم
كتابًا :
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من عبد اللّه أبى بكر خليفة رسول
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم لأهل نَجْران، أجارهم من جُنْده ونفسه، وأجاز لهم
ذمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم إلاّ ما رجع عنه محمد رسول اللّه صلّى الله
عليه وسلَّم بأمر الله عزّ وجل فى أرضهم وأرض العرب؛ ألاّ يسكن بها دينان ؛
أجمارهم على أنفسهم بعد ذلك وملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم(٦) وعاديتهم ،
وغائبهم وشاهدهم، وأسقُفتهم ورهبانهم وبيعِهم(٧) حيثما وقعت؛ وعلى
ما ملكت أيديهم من قليل أو كثير ؛ عليهم ما عليهم ، فإذا أُدَّوْه فلا
(١) ياقوت ١ : ١٤٦.
(٣) ياقوت: ((إلى القيمة البيضاء)).
(٥) س: ((عليه)).
(٧) ب: ((وبيعتهم)).
(٢) ياقوت: ((بجمع مجاز)).
(٤) الهثهثة : التخليط فى الأمر .
(٦) س: ((وحاشيتهم)).

٣٢٢
١٩٨٨/١
سنة ١١
يُحْشرون ولا يُعَشَّرُون(١). ولا يغيَّر أسقفٌّ من أسقفِيّتِه، ولا راهبٌ من
رَهْبَانيَّته؛ ووفتى لهم بكل ما كتب لهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم وعلى
ما فى هذا الكتاب من ذمَّة محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وجوار المسلمين .
وعليهم النُّصْح والإصلاح فيما عليهم من الحقّ. شهد المِسْور بن عمرو،
وعمرو مولى أبى بكر .
وردّ أبو بكر جرير بن عبد الله، وأمره أن يدعوَ من قومه مَن ثبت
على أمر اللّه، ثم يستنفر مُقوِيتهم(٢)، فيقاتل بهم من ولَّى عن أمر اللّه، وأمره
أن يأتى خَشْعَم ؛ فيقاتل من خرج غَضَبًا لذى الخَلَصة؛ ومن أراد
إعادته(٣) حتى يقتلهم الله، ويقتلَ مَن شاركهم فيه ؛ ثم يكون وجهه إلى
نجران، فيقيم بها (٤) حتى يأتيه أمرُه .
فخرج جريرٌ فنفذ(٥) لما أمره به أبو بكر ، فلم يقرّ له أحدٌ إلا رجالٌ فى
عدّةٍ قليلة ، فقتلهم وتتبّعهم؛ ثمَّ كان وجهه إلى نَجْران ، فأقام بها انتظاراً
أمر أبى بكر رحمه الله .
وكتب إلى عثمان بن أبى العاص أن يضرِب بعثًا على أهل الطَّائف على
كلّ مِخْلاف بقدْره ، ويولّىَ عليهم رجلا يأمنه ويثِقِ بناحيته ؛ فضرب
على كلّ مخلاف عشرين رجلا ، وأمّر عليهم أخاه .
وكتب إلى عتَّاب بن أسيد ؛ أن اضرب على أهلِ مكَّة وعملها
١٩٨٩/١ خمسمائة مُقْوٍ؛ وابعث عليهم رَجُلاً تأمَنُه، فسمَّى مَن يبعث، وأمّر
عليهم خالد بن أسيد؛ وأقام أميركلٍ قوم، وقاموا على رِجْلٍ (٦) ليأتيتهم
أمر أبى بكر ، وليمرّ عليهم المهاجر .
(١) ز: ((يعسرون)).
(٢) ز: ((مقوّهم)) ومقويهم: القوى بنفسه ودابته.
(٣) ز: ((إعادتهم)).
(٤) ب: ((به)).
(٥) ز: ((فنفر)).
(٦) قاموا على رجل كما يقال: قاموا على قدم وساق.

سنة ١١
٣٢٣
رِدّة أهل اليمن ثانية
قال أبو جعفر: فممّن ارتدّ ثانية منهم، قيس بن عبد يغوث المكْشوح(١)؛
کتب إلىّ السریّ ، عن شُعیب ، عن سیف ، قال : کان من حديث قیس
فى رِدّته الثانية، أنه حين وقع إليهم الخبر بموت رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم انتكث، وعمل فى قتل فيروزوداذويه وجُشَيْش، وكتبَ أبو بكر إلى
عُمير ذى مُرّان وإلى سعيد ذى زود وإلَى سَمْفَعَ ذى الكتلاع ، وإلى
حَوْشب ذى ظُلَيْم ، وإلى شَهْر ذى يناف ؛ يأمرهم بالتمسك بالذى
هم عليه، والقيام بأمرِ اللّه والنّاس، ويعدهم الجنود:
من أبى بكر خليفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عُمَيَر بن أفْلَح
ذى مُرّان، وسعيد بن العاقب ذى زُود؛ وسَمْيفع بن ناكُور ذى الكلاع
وحَوْشب ذِى ظُلَيم، وشهر ذى يناف . أمَّا بعد، فأعينوا الأبناء على
مَنْ ناوَأهم وحُوطوهم واسمعوا مِنْ فيروز، وجِدُّوا معه، فإنى قد ولّيْتُه.
١٩٩٠/١
كتب إلىّ السرى، عن شعيب ، عن سيف ، عن المستنير بن يزيد ،
عن عروة بن غزيَّة الَّدثِينِىّ، قال: لمَّا ولِىَ أَبُو بكرٍ أمّر فيْروز؛
وهم قبل ذلك متساندون ؛ هو وداذويه وجُشَيش وقيس ؛ وكتب إلى وجوه
مِن وجوه أهل اليمن ؛ ولما سمع بذلك قيس أرسل إلى ذى الكتلاع وأصحابه :
إنّ الأبناء نُزّاع فى بلادكم، ونُقتَلاء فيكم (٢)؛ وإن تتركوهم لن يزالوا
عليكم؛ وقد أرَى من الرأى أن أقْتُل رءوسهم، وأخرِجهم من بلادنا . فتبرّءوا، فلم
يمالئوه ولم ينصروا الأبناء ، واعتزلوا وقالوا: لسنا ممَّا ها هنا فى شىء ، أنت
صاحبُهم وهم أصحابك .
فتربَّص لهم قيس ، واستعدّ لقتل رؤسائهم وتسيير عامَّتهم ؛ فكاتب
قيس تلك الفالَّة السيّارة اللَّحْجيّة ؛ وهم يصعّدون فى البلاد ويصوّبون ،
(١) المكشوح لقب عبد يغوث بن هبيرة بن الحارث بن عمرو بن عامر المرادى. وانظر التاج
(کشح) .
(٢) النزاع: جمع نازع ؛ وهو الغريب . والنقلاء: جمع نقيل ؛ وهو الغريب أيضاً .
،

٣٢٤
سنة ١١
محاربين الجميع من خالفهم؛ فكاتبهم قيس فى السرّ ؛ وأمرهم أن يتعجَّلوا
إليه؛ وليكون أمره وأمرهم واحدًا؛ وليجتمعوا(١) على نفى الأبناء من بلاد
اليمن. فكتبوا(٢) إليه بالاستجابة له، وأخبروه أنهم إليه سراعٌ؛ فلم يَفْجأ أهلَ
صنعاء إلا الخبر بدنوّهم منها ، فأتى قيس فيروزَ فى ذلك كالفرق من هذا
الخبر وأتى داذويه ؛ فاستشارهما لَيَلْبِس عليهما، ولئلاً يَتَّهماه، فنظروا
فى ذلك واطمأنُّوا إليه .
ثم إن قيسًا دعاهم من الغد إلى طعام، فبدأ بداذويه ، وثنَّى بفيروز ،
١٩٩١/١ وثلث بجشيش؛ فخرچداذویه حتىدخل عليه؛ فلما دخلعليه عاجله فقتله،
وخرج فيروز يسير حتى إذادنا سمع امرأتيْن على سطحين تتحدثان ، فقالت
إحداهما : هذا مقتول كما قُتِل داذويه؛ فلقيهما ، فعاج حتى يرى أوِىَّ القوم
الذى أرْبئوا(٣)، فأخبر برجوع فيروز؛ فخرجوا يركضون، وركض فيروز ،
وتلقّاه جُشْيَش، فخرج معه متوجُّهًا نحوجبل خَوْلان - وهم أخوال فيرور-
فسبقا الخيول إلى الجبل ، ثم نزلا، فتوقَّلا وعليهما خِفافٌ ساذجة ، فما وصَلا
حتى تقطّعت أقدامُهما ، فانتهيا إلى خَوْلان وامتنع فيروز بأخواله ، وآلى
ألاّ ينتعل ساذجًا، ورجعتْ الخيول إلى قيس ؛ فثار بصنعاء فأخذها ،
وجَبَى ما حولها، مقدّمًا رِجْلاً ومؤخِّرًا أخرى ، وأنته خيول الأسود .
ولمَّا أوى فيروز إلى أخواله خَوْلان فمنعوه وتأشَّب إليه الناس ، كتب إلى
أبى بكر بالخَّبَر. فقال قيس: وما خولان! وما فيروز! وما قَرَار أوَوْا إليه !
وطابق علی قیس عوامُ قبائل من کتب أبو بكر إلى رؤسائهم، وبقی الرؤساء
معتزلين ، وعمّد قيسٌ إلى الأبناء ففرّقهم ثلاث فرق: أقرّ مَنْ أقام وأقرّ
عياله، وفرّق عيال الذين هربوا إلى فيروز فرقَتَيْن؛ فوجَّه إحداهما إلى
عَدَن؛ ليُحملوا فى البحر، وحمل الأخرى فى البرّ، وقال لهم جميعًا: الحقوا
بأرضكم؛ وبعث معهم مَنْ يسيِّرهم؛ فكان عيال الديلمىّ مَمْن سُيِّر فى البَرّ
(١) س: ((وأن يجتمعوا)).
(٣) أربئوا : أشرفوا علوا.
(٢) ز: ((فقاموا)).

سنة ١١
٣٢٥
١٩٩٢/١
وعيال داذويه ممن سُيّرَ فى البحر ؛ فلمَّا رأى فيروز أن قد اجتمع عوام.
أهل اليمن على قيس ؛ وأنَّ العيال قد سيِّروا وعرَّضهم للنّهب، ولم يجد إلى
فراق عسكره فى تنقّذِ هِم سبيلا ؛ وبلغه ما قال قيس فى استصغاره الأخوال
والأبناء ، فقال فيروز منتميًاً ومفاخرًا وذكر الظُّعْن:
ألا ناديا ظُمْناً إلى الرّمْل ذى النَّخْلِ وقولاً لها ألاَّ يُقَالَ ولا عَذْلِى
وما ضَرَّهم قولُ العُدَةِ لو أنّه(١)
فَدَعْ عنك ظُمنا بالطريق التى هَوَتْ
وإنّا وإن كانت بصَنْعَاءَ دارُنا(٣)
ولَدَّيْلَمُ الرَّزَّامُ من بعد باسِل (٤)
وكانت مَّنَابِيتُ العراق جسَامُها .
وباسِلُ أَصْلِ إِن ◌َيْتُ وَمَنْصبِى
هُمُ تَرَكُوا مَجْرَاىَ سَهْلًا وحَصّنوا
فما عزّنا فى الْجَمْل من ذِى عَدَاوة
ولا عاقنا فى السَّلْم عن آل أَحْمَدٍ
أتى قَوْمه عن غير فحش ولا تَخْلِ
لِيَّتِهِا صَعْدَ الرِّمَالِ إلى الرَّمْل(٣)
لنا نَسْلُ قوم مِنْ عَرَانيتهم نَسْلى
أَبَى الْخَفْضَ وَاخْتَارَ الحَرور على القِّالّ
لرَهْطَى إذا كسرى مَرَاحِلَهُ تَغْلى
كما كلُّ عود مُنْتهاه إلى الأصل
فجاجى بحسن القَوْلِ والحسَبِ الجزل ١٩٩٣/١
أبى الله إِلا أَنْ يعزّ على اَلجَهْلِ
ولا خسَّ فى الإِسلام إِذا أُسْلَمُوا قَبْلِي
فإِى لَرَاجِ أن يُغَرِّفَهِمْ سَجْلى
وإنْ كان سَجْلٌ من قَبَلَى أَرَشَى
وقام فيروز فى حربه ، وتجرّد لها ، وأرسل إلى بنى عُقَيْلِ بن ربيعة بن
عامر بن صعصعة رسولاً بأنه متخفّر بهم ، يستمدّهم ويستنصرهم فى
ثتقتله على الَّذين يزعجون أثقال الأبناء ، وأرسل إلى عكّ رسولا يستمد هم
ويستنصرهم على الَّذين يزعجون أثقال الأبناء . فركبت عمقَيل وعليهم
رجل من الحُلفاء يقال له معاوية ، فاعترضوا خيل قَيْس فتنقّذوا أولئك
العيال ، وقتلوا الذين سيتروهم ، وقصروا عليهم القرى ؛ إلى أن رجع فيروز إلى
(١) ط: ((أثرى))، وأثبت ما فى ب.
(٣) ط: ((فإن كانت بصنعاء)) وما أثبته من س.
(٢) س: ((صم الرمال)).
(٤) ب، س: ((والديلم)).
ص٠٠٫

٣٢٦
سنة ١١
١٩٩٤/١
صَنْعاء ، ووثبت عكّ ؛ وعليهم مسروق ، فساروا حتى تنقَّذوا عيالات
الأبناء، وقصروا عليهم القرى، إلى أن رجع فَيْروز إلى صَنْعاء، وأمدّت
عَقَل وعكّ فيروز بالرّجال، فلما أتته أمدادُهم - فيمن كان اجتمع إليه -
خرج فيمن كان تأشَّب إليه ومن أمَدّه من عكّ وعُقيل ، فناهد
قيساً فالتقوا دون صَنْعاء ، فاقتتلوا فهزَم اللّه قيسًا فى قومه ومَن أنهضوا ،
فخرج هاربًا فى جنده حتى عاد معهم ، وعادوا إلى المكان الذى كانوا به (١)
مبادرين حين هربوا بعد مقتل العنسىّ، وعليهم قيس، وتَذَبْذَبَتْ (٢)
رافضة العنسى وقيس معهم فیما بین صنعاء ونجران، وكان عمرو بن معدیکرب
بإزاء فَرْوة بن مُسَيْك فى طاعة العَنْسِىّ.
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سَيْف، عن عطيّة ، عن عمرو بن
سلّمَة، قال : وكان من أمر فَرْوة بن مُسَيَك أنه كان قَدم على
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُسْلِمًا، وقال فى ذلك:
لّا رأيتُ ملوك حِمْيَرَ أعرَضَتْ كالرِّجْلٍ خان الرِّجْلَ عِرْقُ نسائها
يمّتُ راحلتى أَمام محمّدٍ أَرْجُو فواضلَها وحُسْنَ ثَغَائُها
وقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما قال له : هل ساءَك ما لقىّ
قومُك يوم الرَّزْم يا فروة أو سَرّك ؟ قال: ومن يُصَبْ فى قومه بمثل
الذى أصِبْتُ به فى قومى يوم الرّزْم إلا ساءه ذلك (٣) !
وكان يوم الْرّزْم بينهم وبين هَمْدان على يغوث ؛ وثَنٍ كان
يكون فى هؤلاء مرّة وفى هؤلاء مرّة ، فأرادت مراد أن تغلبهم عليه فى
مرّهم ، فقتلتهم هَمْدان ، ورئيسهم الأجدع أبو مسروق ؛ فقال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: أما إن ذلك لم يزدهم فى الإسلام إلا
خيرًا؛ فقال: قد سرّنى إذ كان ذلك، فاستعمله رسولُ الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم على صدقات مُراد ومَن نازلهم أو نزل دارهم . وكان
١٩٩٥/١ عمرو بن معديكرب قد فارق قومه سعد العشيرة فى بنى زُبيد وأخلافها ، وانحاز
(١) ب: ((فيه)).
(٢) ز: ((وتذبذب)).
(٣) انظر ص ١٣٦،١٣٥ من هذا الجزء.

٣٢٧
سنة ١١
إليهم ، وأسلم معهم ؛ فكان فيهم ، فلمَّا ارتدّ العنسىّ واتَّبعه عوامٌ" مذحج،
اعتزل فَرْوة فيمسَن أقام معه على الإسلام ، وارتدّ عمرو فيمن ارتدّ ، فخلّفه
العنسىّ ، فجعله بإزاء فَرْوة ، فكان بحياله، ويمتنع كلّ واحد منهما لِمكان
صاحبه من البَرّاح ، فكانا يتهاديان الشعر ، فقال عمرو يذكر إمارة
فَرْوةَ ويعيبها :
حِمَارًا سافَ مَنْخِرُهُ بِقَدْرِ
وَجَدْنَا مُلكَ فَرْوَةٍ شَرّمُلْكِ
ترى اُلْوَلاء من خُبْثٍ وَغَدْرِ
:
وكنتَ إذا رأيتَ أبا عُمَيْ
فأجابه فَرْوة :
وقِدْماً كان فى الأبغال يَجْرِى
أتانی عَنْ أبی قَوْر کلامٌ
عَلَى ما كان من خُبْتٍ وَغَدْرٍ
وكان اللهُ يُبْفِضُهُ قَدِيماً
فبيناهم كذلك قدم عكرمة أبْيَن.
وكتب إلىّ السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل ، عن القاسم
وموسى بن الغصن ، عن ابن مُحَيْريز ، قال : فخرج عكرمة من مَهْرة
سائرًا نحو اليمن حتى وَرَد أبْيَن، ومعه بشَرٌ كثير من مَهْة، وسعد بن
زيد، والأزد ، وناجية ، وعبد القيس، وحُدْبان من بنى مالك بن كنانة ،
ء
وعمرو بن جندب من العَنْبَر، فجمع النَّخَع بعد من أصاب (١) من مدبريهم ١٩٩٦/١
فقال لهم: كيف كنتم فى هذا الأمر ؟ فقالوا له : كنَّا فى الجاهليّة أهل
دينٍ ، لا نتعاطى ما تتعاطى العرب بعضها من بعض ، فكيف بنا إذا
صرنا إلى دين عرفنا فضلَه ، ودخلنا حبُّه! فسأل عنهم فإذا الأمر كما قالوا ،
ثبت عوامّهم وهربَ مَن كان فارق من خاصّتهم، واستبرأ النَّخَعَ وحِمْتَر،
وأقام لاجتماعهم ، وأرَزّ قيس بن عبد يغوث لهبوط عِكْرِمة إلى اليمن إلى
عمرو بن معديكرب، فلّما ضامّه (٢) وقع بينهما تنازُعٌ، فتعايَرًا، فقال
(١) ز: ((ما أصاب)).
(٢) ضامه، بمعنى ضمه ، يقال: نهض للقتال وضامه قومه.
--

٣٢٨
سنة ١١
عمرو بن معد يكرب يُعَيّر قيساً غَدْرَه بالأبناء وقتْله داذويه ، ويذكر
فراره من فيروز :
لِيَحْتمل الأسبابَ إلّ العَوَّدُ
غَدِرْتَ ولم تُحْسِنْ وَفَاءٍ ولم يكُنْ
إذا ماجرى والمَضْرِ حِىُّ المسوّهُ(١)!
وكيف لقيْسٍ أن يُنَوِّط نفسَه
وقال قیس :
أصابوا على الأحياء عَمْرًاً ومَرْتَدَا
وفَيْتُ لقومِى وَأُخْتَشِدْتُ لَمَعْشَرٍ
كأصيَدَ يسمو بالعَزازة أصْيدًا
وكنتُ لدَى الأبناء لّا لقيتهم
وقال عمرو بن معدیکرب :
ولكن دا ذَوَىْ فَضَحَ الذّمَارَا
فما إنْ داذَوَىْ لَكُمُ بِفَخْرِ
وأَضْرَبّ فى جموعكمُ اسْتَجَارَا(٢)
وفيروزٌ غَدَاةَ أصاب فَكمْ
١٩٩٧/١
ذكر خبر طاهر حين شخص مَدَدًا لفيروز
قال أبو جعفر الطبرى رحمه الله: قد كان أبو بكر رحمه الله كتب إلى
طاهر بن أبِى هَالَة بالنّزول إلى صنعاء وإعانة (٣) الأبناء؛ وإلى
مسروق ، فخرجا حتى أتَيَا صنْعاء ، وكتب إلى عبد الله بن ثَوْر بن أصغر ،
بأن يجمع إليه العرب ومن استجاب له من أهل تهامة ، ثم يقيم بمكانه حتى
یأتیه أمرُه.
وكان أوّلَ رِدّة عمرو بن معد يكرب أنَّه كان مع خالد بن سعيد
فخالفه ، واستجاب للأسود ، فسار إليه خالد بن سعيد حتى لقبه ؛ فاختلفا
ضربتين ، فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالةَ سَيْفِه فوقعَ ، ووصلت
الضربة إلى عاتقه، وضربه عمرو فلم يصنع شيئًا ، فلمَّا أراد خالد أن
يُثْنِّىَ عليه نزل فتوقَّل (٤) فى الجبل، وسَلَبَه فرسه وسيفّه الصَّمْصامةَ،
(١) ينوط نفسه: يكرمها . والمضرحى : السيد الكريم.
(٣) س: ((فى إعانة)).
(٢) ب، س: ((وأصوب)).
(٤) توقل فى الجبل : صعد فى أعلاه .

سنة ١١
٣٢٩
والحّج عمرو فيمن لحج(١). وصارت إلى سعيد بن العاص الأصغر مواريثُ
آل سعيد بن العاص الأكثبر. فلَّما ولِىَ الكوفَة عرض عليه عمرو ابنّته ، فلم
يقبلْها ، وأتاه فى داره بعدّة سيوف كان خالد أصابها باليمن ، فقال : أيّها
الصَّمصامة ؟ قال : هذا ، قال : خذه فهو لك ، فأخذه ، ثم آكف بغلاً له
فضرب الإكاف فقطعه والبرذعة ؛ وأسرع فى البغل ، ثم ردّه على سعيد ،
وقال : لو زرتَنِى فى بيتِى وهولِى لوهبتُه لك، فما كنت لأقبلَه إذ وقع.
كتب إلىَّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن المُسْتَنير بن يزيد ١٩٩٨/١
عن عُرْوة بن غَزِيّة وموسى، عن أبى زُرْعة السّيبانىّ، قال: ولما فَصَل
المهاجر بن أبى أمَّة من عند أبى بكر - وكان فى آخر مَنْ فَصَل ــ انَّخذ
مكة طريقًا، فمرّ بها فاتَّبعه خالد بن أسيد ، ومرّ بالطائف فاتَّبعه
عبد الرحمن بن أبى العاص ، ثم مضى حتى إذا حاذَى جرير بن عبد الله
ضمَّهَ إليه، وانضم إليه عبد الله بن ثَوْر حين حازَاه ، ثم قدم على
أهل نَجْران ؛ فانضم إليه فروة بن مُسیك ، وفارق عمرو بن معد یکرب
قيسا ، وأقبل مستجيباً ؛ حتى دخل على المهاجر على غير أمان ؛ فأوثقه
المهاجر ؛ وأوثق قیْسًا ، و کتب بحالهما إلى أبی بکر رحمه الله ، وبعث بهما
إليه . فلَّما سار المهاجر من نَجْران إلى اللحجيّة، والتفَّت الخيول على تلك
الفالة استأمنوا ، فأبى أن يؤمّنَهم ، فافترقوا فرقتين ؛ فلقى المهاجر إحداهما
بعجيب ، فأتى عليهم ، ولقَيْت خيولُهُ الأخرى بطريق الأخابث ، فأتوْا
عليهم - وعلى الخيول عبدُ اللّه - وقتل الشُّرَدَاء بكلّ سبيل، فُقِدم بقيس
وعمرو على أبى بكر ، فقال : يا قيس ، أعدوْتَ على عباد اللّه تقتلهم
وتتّخذ المرتدّين والمشركين وليجَةً من دون المؤمنين ! وهمّ بقتله لو وجد
أمرًا جليًّا. وانتفى قيم من أن يكون قَارف من أمر داذويه شيئًا، وكان ١٩٩٩/١
ذلك عملاً عُمِل فى سيرّ لم يكن به بيّنَةٌ، فتجافى له عن دمه، وقال لعمرو
ابن معديكرب: أما تخزَى أنَّك كلّ يوم مهزوم أو مأسور! لو نصرت هذا
(١) لحج، أى ذهب إلى لحج مع المرتدين الذين ذهبوا إليها، وهم اللحجية .

٣٣٠
سنة ١١
الدين لرفعك الله. ثم خلَّى سبيله، وردَّهما إلى عشائرهما، وقال عمرو:
لا جَرَمَ! لأقبلنّ ولا أعود .
كتب إلىّ السريّ، عن شعيب، عن سيف ، عن المستنير وموسى
قالا : سار المهاجر من عجيب، حتى ينزل (١) صَنْعاء، وأمر أن يتَّبعوا
شُدَّاذ(٢) القبائل الذين هربوا؛ فقتلوا مَنْ قَدَرُوا(٣) عليه منهم كلّ قِتْلة،
ولم يُعْفِ متمرّدًا، وقبل توبةَ من أناب من غير المتمرّدة ؛ وعملوا فى ذلك
على قَدْر ما رأوا من آثارهم، ورجوا عندهم. وكتب إلى أبى بكر بدخوله صنعاء
وبالذى يتّبع من ذلك .
#
٠
ذ کر خبر حَضْرموت فی ردهم
قال أبو جعفر: كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن سهل
ابن يوسف، عن الصَّلْت، عن كثير بن الصَّلْت، قال: مات رسولُ اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم وعُمَّاله على بلاد حَضْرموت: زياد بن لبيد البياضى"
على حَضْرموت، وعُكَّاشة بن مِحْصَن على السَّكاسِك والسَّكون ، والمهاجر
على كنْدة - وكان بالمدينة لم يكن خرج حتى توفّىَ رسولُ الله
٢٠٠٠/١ صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال مَن باليمن والمُضِىّ
بعد إلى عمله .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شُعيب ، عن سيف ، عن أبى السائب ، عطاء
ابن فلان المخزوميّ ، عن أبيه، عن أمَّ سَلَمة والمهاجربن أبى أمية، أنَّه كان
تخلَّف عن تَبَوك، فرجع رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم وهو عليه عاتبٌ ؛
فبينا أمّ سلَمة تغسل رأس رسولِ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم، قالت : كيف
ينفعنى شىء وأنت عاتب على أخى! فرأت منه رِقَّة ؛ فأومأت إلى خادمها ؛
فدعتْه ، فلم يزل برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَنْشُر عُذْرَه حتى
(١) س: ((نزل)).
(٣) ز: ((عليهم))
(٢) س: ((شراد)).
٠

٣٣١
سنة ١١
عَذَرَه ورضىَ عنه وأمَّره على كِنْدة . فاشتكى ولم يطق الذّهاب؛ فكتب
إلى زياد ليقوم له على عمله. وبَرَأْ بعد، فأتَمّ له أبو بكر إمْرَتَه، وأمره
بقتال مَن بين نَجْران إلى أقصى اليمن؛ ولذلك أبطأ زياد وعُكّاشة عن مناجزة
كندة انتظارًا له .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ،
عن القاسم بن محمد؛ قال : كان سبب رِدّة كِنْدة إحابتَهم الأسود العنسىّ
حتى لعن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الملوك الأربعة، وأنَّهم قبل
رِدّهم حين أسلموا وأسلم أهل بلاد حَضْرَموت كلّهم أمر رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم بما يوضع من الصَّدقات أن يوضع صدقة بعض حَضْرموت فى
كِنْدة، وتوضع(١) صدقة كِنْدة فى بعض حضرموت، وبعض حضرموت فى السَّكُون
والسّكون فى بعض حَضْرموت. فقال نفرٌ من بنى وَلِيعة: يا رسولَ اللّه، إنَّا
لسنا بأصحاب إبل؛ فإن رأيت أن يبعثوا إلينا بذلك على ظَهْر !فقال: إن رأيتم !
قالوا: فإنَّا ننظر، فإنْ لم يكن لهم ظَهْرٌ فعلنا. فلمَّا توفّى رسول الله صلّى ٢٠٠١/١
اللّه عليه وسلَّم ، وجاء ذلك الإبّان ، دعا زياد الناس إلى ذلك ، فحضروه ،
فقالت بنوولِيعة: أبلغونا كما وعدتم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فقالوا:
إنّ لكم ظهراً، فهلمتوا فاحتملوا ، ولا حَوْهم ؛ حتى لاحوا زيادا ؛
وقالوا له : أنت معهم علينا. فأبى الحضرميُّون، ولجّ الكنديّون، فرجعوا إلى
دارهم ، وقدّمُوا رِجْلاً وأخّروا أخرى ، وأمسك عنهم زياد انتظارًا للمُهاجر؛
فلمّا قدم المهاجر صنعاء ، كتب إلى أبى بكر بكلّ الذى صنَعَ، وأقام حتى
قدم عليه جواب كتابه من قِبَل أبى بكر ؛ فكتب إليه أبو بكر وإلى عكرمة ،
أن يسيرا حتى يقدَما حضرموت، وأقِرّ زيادًا على عمله، وأذَنْ لمن
معك من بين مكَّة واليمن فى القَفْل؛ إلا أن يؤثر قوم الجهاد. وأمِدّه بُعبَيْدَة
ابن سعد . ففعل : فسار المُهاجر من صَنْعاء يريد حضرموت ، وسار
عِكْزمة من أبْيَنَ يريد حضرموت، فالتقيا بمأرب؛ ثم فَوّزا (٢) من صَهيد؛
حتى اقتحما حَضْرموت ، فنزل أحدُهما على الأشعث والآخر على وائل .
(١) ط: ((ووضع))، وانظر التصويبات.
(٢) فوزا : سلكا المفازة.

٣٣٢
سنة ١١
کتب إلی السری ، عن شعیب،عن سیف، عن سهل بن يوسف ، عن
أبيه ، عن كثير بن الصّلْت؛ قال : وكان زياد بن لبيد حین رجع الكنديون.
ولجُّوا ولِجّ الحضرميون ، ولى صدقات بنى عمرو بن معاوية بنفسه ، فقدم عليهم
وهم بالرّياض ، فصدّق أوّل مَن انتهى إليه منهم ؛ وهو غلام ، يقال له
٢٠٠٢/١ شيطان بن حُجْر؛ فأعجبته بكْرة من الصّدقة، فدعا بنارٍ فوضع عليها
المِيسَم، وإذا النَّاقة لأخى الشيطان العَدّاء بن حُجْر، وليست عليه(١)
صدقة ، وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وظنَّها غيرها؛ فقال العدّاء : هذه
شَذْرة باسمها ؛ فقال الشيطان: صدق أخى؛ فإنى لم أعْطِكموها إلاّ وأنا
أراها غيرها ؛ فأطلقٍ شذرة وخذ غيرها ، فإنَّها غير متروكة . فرأى زياد أنّ
ذلك منه اعتلال، واتّهمه بالكفر ومباعدة الإسلام وتَحَرِّى الشرّ.
فَحَمِىَ وحَمِىَ الرجلان، فقال زياد: لا ولا تَنْعَم؛ ولا هى لك ؛ لقد
وقع عليها ميستم الصدقة وصارت فى حقّ اللّه، ولا سبيل إلى ردّها ، فلا
تكوننّ شذرة عليكم كالبَسُوس؛ فنادى العدّاء: يا آل عمرو، بالرياض
أضامُ وأضطَهد! إن الذليل مَنْ أكل فى داره! ونادى: يا أبا السُّمَيْط،
فأقبل أبو السّميط حارثة بن سُراقة بن معد يكرب؛ فقصد لزياد بن لبيد وهو
واقف، فقال : أطلقٍ لهذا الفتى بَكْرته ، وخذ بعيرًا مكانها ، فإنَّما بعير
مكان بعير ، فقال: ما إلى ذلك سبيل! فقال : ذاك إذا كنتَ يهوديًّا!
وعاج إليها ، فأطلق عقالها ، ثم ضرب على جَنْبها ؛ فبعثها وقام دونها ،
وهو يقول
مُلَمِّعٌ كما يُلَمَّعِ الثَّوْبْ
شيخٌ بخدَّيْهِ الشَّيْبْ
عنمها
٢٠٠٣/١
فأمر به زياد شبابًا من حضرموت والسَّكون، فمغثوه (٢) وتوطَّئَّوه، وكتفوه (٣)
وكتفوا أصحابه ، وارتهنوهم، وأخذوا البَكْرة فعقلوها كما كانت ؛ وقال زياد
ابن لبید فی ذلك :
(١) س: ((وليس عليه)).
(٢) مغثوه: نالوه بالأيدى، وفى ابن الأثير: ((فمنعوه)).
(٣) كتفوه : أصابوا كتفه ، أو ضربوه عليها .

سنة ١١
٣٣٣
لم يمنَعِ الشَّذْرَةَ أُرْكُوَبُ وَالشَّيْخُ قد يَثْنِهِ أَرْ جُوبُ
وتصايح أهلُ الرّيَاض وتنادَوْا ، وغَضِبَتْ بنو معاوية لحارثة ،
وأظهروا أمرهم ، وغضبت السَّكُون لزياد ، وغضبت له حَضْرموت، وقاموا جميعاً
دونه . وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء؛ لا تُحْدث بنو معاوية لمكان
أسَرائهم شيئًا، ولا يجد (١) أصحاب زياد على بنى معاوية سبيلا يتعلَّقون به
عليهم؛ فأرسل إليهم زياد: إمَّا أن تَضَعُوا السِّلاح، وإما أن تُؤْذِنوا بحرْب؛
فقالوا : لا نضع السَّلاح أبدًاً حتى ترسلوا أصحابنا، فقال زياد: لا يُرْسَكون
أبدًا حتى ترفضُّوا وأنتم صَغَرَةٌ قَمَأة. يا أخابثَ النَّاس، ألستُم سكَّانَ
حَضْرموت وجيران السَّكون ! فما عسيتم أن تكونوا وتصنعوا فى دار حَضْرموت ؛
وفى جنوب مواليكم! وقالت له السَّكون: ناهِد القوم ، فإنه لا يفطِمُهم إلاّ
ذلك ، فنَهد إليهم ليلاً ، فقتل منهم، وطاروا عَبَادِ يد ، وتمثّل زياد حين
أصبح فى عسكرهم :
وكنتُ امرأْ لا أبعثُ الحربَ ظالماً فلما أَبَوْا سامحتُ فى حَرْبٍ حاطِبٍ
ولمَّا هرب القوم خَلَى عن النفر الثلاثة ؛ ورجع زياد إلى منزله على
الظَّفْر. ولما رجع الأسراء إلى أصحابهم ذَمَرُوهم فتذامروا، وقالوا: ٢٠٠٤/١
لا تصلح البلدة علينا وعلى هؤلاء حتى تخلُوَ لأحد الفريقين . فأجمعوا
وعسكروا جميعًا ، ونادَوْا بمنع الصدقة ، فتركهم زياد لم يخرج إليهم ،
وتركوا المسير إليه. وأرسل إليهم الحُصَين بن نمير، فما زال يُسْفِرِ فيما بينهم
وبين زياد وحَضْرموت والسَّكُون حتى سكن بعضهم عن بعض ؛ وهذه
النَّفْرة الثانية ، وقال السَّكُونيّ فى ذلك :
لَيَجْتَلِبُنْ منها المرارَ بنو عَمْرِو
كَعَمْرِى وما عمرى بَعُرْضةِ جانبٍ
زياداً، وقد جئنا زياداً على قَدْرِ
كَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَمْنْمونها
(١) كذا فى ب، وفى ط: ((تجد)

٣٣٤
سنة ١١
فأقاموا بعد ذلك يسيرًا . ثم إن بنى عمرو بن معاوية خصوصًا خرجوا إلى
المحاجر، إلى أحماء حَمَوْها، فنزل جَمَد محجراً، ومِخْوص محجرًا،
ومِشْرح محجرًا، وأبضعة محجرًا، وأختهم العَمَرَّدة محجرًا - وكانت بنو عمرو
ابن معاوية على هؤلاء الرُّؤساء - ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها ، فنزل
الأشعث بن قيس مَحْجَرًا، والسِّمط بن الأسود محجرًا ، وطابقت معاوية
كلُّها على منع الصدقة، وأجمعوا على الرّدّة إلا ما كان من شُرَحبيل بن السّمط
وابنه، فإنهما قاما فى بنى معاوية، فقالا: والله إنَّ هذا لَقبيحٌ بأقوام أحرار التنقُّل؛
إنّ الكرام ليكونون على الشّبهة فيتكرّمون أن يتنقّلوا منها إلى أوْضَح منها مخافة
٢٠٠٥/١ العار؛ فكيف بالرجوع عن الجميل، وعن الحقّ إلى الباطل والقبيح! اللهم"
إنَّا لا نمالى' قومنا على هذا، وإنَّا لتنادٍ مون على مجامعتهم إلى يومنا هذا - يعنى يوم
البكرة ويوم النَّفرة - وخرج شُرَحبيل بن السّمط وابنه السّمط ؛ حتى أتيا
زياد بنَ لَبيد، فانضمًا إليه، وخرج ابن صالح (١) وامر ؤ القيس بن
عابس؛ حتى أتيا زيادًا، فقالا له: بَيِّتِ القوم، فإنّ أقوامًا من السّكاسك
قد انضموًّا (٢) إليهم، وقد تسرّع إليهم قوم من السَّكُون وشُذَّاذ من
حَضْرموت، لعلَّنَا نُوقع بهم وَقْعة تُورث بيننا عداوة ، وتفرِّق بيننا ؛ وإن
أبيتَ خشينا أن يرفضّ (٣) الناس عنَّا إليهم؛ والقوم غارّون (٤) لمكان من
أتاهم ، راجون لمن بقِىَ . فقال: شأنكم . فجمعوا جمعتهم ، فطرقوهم فى
محاجرهم، فوجدوهم حول نيرانهم جلوسًا، فعرفوا مَن يريدون ، فأكبُّوا على
بنى عمرو بن معاوية؛ وهم عدَد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه فى خمس (٥)
فرق ، فأصابوا مشرحًا ومخوصا وجَمَدا وأبضعة وأختهم العمّدة ، أدركتهم
اللعنة، وقَتَلوا فأكثروا، وهرب مَنْ أطاق الهَرَب، ووُهُّنت (٦) بنوعمرو بن
معاوية ، فلم يأتوا بخير بعدها ، وانكفأ زياد بالسَّبْى والأموال ، وأخذوا طريقًا
(١) ز: ((قيس)).
(٢) ب: ((انتموا)).
(٤) ز: ((عازون)).
(٣) س: ((ترفض)).
(٦) ز: ((ووهت)).
(٥) س: ((وخمس)).

سنة ١١
٣٣٥
يُفْضِى بهم إلى عَسكر الأشعث وبنى الحارث بن معاوية ؛ فلمَّا مرُّوا بهم
فيه استغاث نسوةُ بنى عمروبن معاوية ببنى الحارث ونادينه: يا أشعث، يا أشعث!
خالاتك خالاتك! فثار فى بنى الحارث فتنقِّذهم - وهذه الثالثة - وقال
الأشعث :
منعتُ بنى عمرو وقد جاءَ جمعُهُمْ بِأمْعَزَ من يوم البضيض وأصبرا
وعلم الأشعث أنّ زيادًا وجنْده إذا بلغهم ذلك لم يُقلعوا عنه ولا عن بنى ٢٠٠٦/١
الحارث بن معاوية وبنى عمرو بن معاوية ، فجمع إليه بنى الحارث بن معاوية
وبنى عمروبن معاوية ، ومَن أطاعه من السَّكاسك والخصائص مِن قبائل
ما حولهم ، وتباين لهذه الوقعة من بحضرموت من القبائل ، فثبتَ أصحاب
زياد على طاعةِ زياد، ولجَّتْ كِنْدة، فلَّما تباينت القبائل كتب زيادٌ إلى
المهاجر؛ وكاتَبَه النَّاس فتلقَّاه بالكتاب، وقد قطع صَهِيد - مفازةٌ ما بين
مأرب وحضرموت - واستخلف على الجيش عِكْرمة، وتعجّل فى سَرَعان(١)
النَّاس، ثم سار حتى قدِمٍ على زِياد ؛ فَنَهَد إلى كِنْدة وعليهم الأشعث ،
فالتقوْا بمحجر الزُّرْقان فاقتتلوا به فهُزمت كندة ، وقُتلت وخرجوا هُرّابًا،
فالتجأتْ إلى النُّجَيْر وقد رَمُّوه وحصّنوه، وقال فى يوم مَحْجر(٢) الزُّرْقان
المهاجر :
بحرٌ يُزَجَى فِى مَوْجه الخَطَبَا(٣)
كُنَّا بِزُرْقان إذ يُشَرِّدِكُمْ
حتى رَكْتُ من خَوْفِنَا السَّبَا
نحن قتلناكُمُ بمحْجركم
سَبْىُ الذَّرَارِى وَسَوْقُهَا خَيَباً
إلى حصارِ يَكون أهْوَنَه
وسار المهاجر فى النَّاس من مَحْجر الزُّرْقان حتى نزل(٤) على النُّجَير،
(١) سرعان الناس: أوائلهم المستبقون إلى الأمر.
(٢) قال ياقوت: زرقان بأرض حضرموت. والمحجر، كالناحية للقوم.
(٣) ياقوت ٤ : ٣٨٤.
(٤) ب: ((ينزل)).

٣٣٦
سنة ١١
٢٠٠٧/١ وقد اجتمعت إليه كنده ، فتحصّنوا فيه ، ومعهم من استغووا من السكاسك
وشُذّاذ من السَّكون وحضرموت والنُّجير، على ثلاثة (١) سُبُل ، فنزل زياد على
أحدها ، ونزل المهاجر على الآخر ، وكان الثالث هم يؤتون فيه ويذهبون فيه ،
إلى أن قدم عِكْرِمة فى الجيش (٢)، فأنزله على ذلك الطَّريق، فقطع عليهم المواد
وردّهم، وفرَّق فى كِنْدة الخيول، وأمرهم أن يُوطِئوهم . وفيمن بعث
يزيد بن قنان من بنى مالك بن سعد ، فقتل من بقرى بنى هند إلى
بَرَهُوت ، وبعث فيمتن بعث إلى السَّاحل خالدَ بن فلان المخزومىّ وربيعة
الحضرمىّ، فقتلوا أهل محا(٣) وأحياء أخَر؛ وبلغ كِنْدة وهم فى الحصار مالقىّ
سائر قومهم ، فقالوا: الموت خير ممَّا أنتم فيه ؛ جُزُّوا نواصيكم حتى كأنَّكم
قومٌ قد وهيتم الله أنفسكم، فأنعم عليكم فيؤتم بنعمه؛ لعلَّه أن ينصر كم على
هؤلاء الظَّلَمة. فجزُّوا نواصِيتَهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألاّ يفرّ بعضُهم عن
بعض (٤) ، وجعل راجزهم يرتجز فى جوف الليل فوق حصنهم :
صَبَحُ سَوْءِ لبنى قَتِيرهُ(٥) وللأمير من بنى المغِيره
وجعل راجزُ المسلمين زياد بن دينار يرد عليهم :
لا توعِدُونا واصْبِرُوا حَصِيرهُ(٦) نحنُ خيولُ وَلدِ المغيرهْ
• وفى الصَّبَاحِ تَظْفَرُ العشيرهُ(٧).
٢٠٠٨/١
فلمَّا أصبحوا خرجوا على النَّاس، فاقتتلوا بأفنية النُّجير ، حتى كثرت
القتلى بحيال كلّ طريق من الطرق الثلاثة ، وجعل عِكْرِمة يرتجز يومئذ ،
ويقول :
طَمْنَا أبوه به على مَجَاز (٩)
أَطُنُهمْ وأنا على أَوْفَازِ (٨)
(١) س: ((ثلاث))، والسبيل تذكر وتؤنث.
(٣) ز: ((محنا)).
(٢) ز: ((وفرق الجيش)).
(٤) ز: ((من بعض)).
(٥) س: ((قنيره)).
. (٧) ب: ((تظهر العشيرة)).
(٦) س: ((حضيره)).
(٩) أبوه به : أرجع به .
(٨) ز: ((أطعتهم)).

سنة ١١
ويقول :
معاذ
جاورنى
أَنْفِذُ قولى وله نَفَاذُ وكلُّ مَن
فهزِمت كِنْدة، وقد أكثروا فيهم القتل
وقال هشام بن محمد : قدم عِكْرِمة بن أبى جهل بعد ما فرغ المهاجر
من أمرِ القوْم مددًا له ، فقال زياد والمهاجر لمن معهما: إنّ إخوانكم قدِ مُوا
مَدَدًا لكم ، وقد سبقتموهم بالفتح فأشركوهم فى الغنيمة . ففعلوا وأشر كوا
من لحق بهم، وتواصوا بذلك، وبعثوا بالأخماس والأسْرَى ، وسار البشير
فسبقهم ؛ وكانوا يبشّرون القبائل ويقرءون عليهم الفتح .
وكتب إلىّ السّرىّ ، قال: كتب أبو بكر رحمه اللّه إلى المهاجر مع
المغيرة بن شعبة : إذا جاءكم كتابى هذا ولم تظفروا ؛ فإن ظفرتم بالقوم ناقتلوا
المقاتلة ، واسبُوا الذرّيّة إن أخذتموهم عَنْوة، أو ينزلوا على حكمى، فإن
جَرّى بينكم صُلْح قبل ذلك فعلى أن تخرجوهم من ديارهم ؛ فإنّى أكْرَهُ أن
أقرّ أقوامًا فعلوا فعلهم فى منازلهم ، ليعلموا أن قد أساءوا ، ولیذوقوا وبال بعض
الذى أتَوْا .
قال أبو جعفر: ولما رأى أهل النُّجَير الموادّ لا تنقطع عن المسلمين، ٢٠٠٩/١
وأيقنوا أنَّهم غيرُ منصرفين عنهم ، خشعت أنفسُهم ، ثُمَّ خافوا القتل ،
وخاف الرُّؤساء على أنفسهم ؛ ولو صبروا حتَّى يجىء المغيرة لكانت لهم فى
الثالثة الصّلح على الجلاء نجاةً . فعجّل الأشعث، فخرج إلى عِكْرِمة بأمان،
وكان لا يأمن غيرَه؛ وذلك أنَّه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجَوْن (١)،
خطبها وهو يومئذ بالجنّد ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قيل أن يبادُوا،
فأبلغه عكرمةُ المهاجرَ ، واستأمنه له على نفسه ، ونَفَر معه تسعة ؛ على أن
يؤمنهم وأهليهم وأن يفتحوا لهم الباب ؛ فأجابه إلى ذلك ، وقال : انطلق
فاستوثقْ لنفسك، ثم هلمّ كتابك أختمه.
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعَيب، عن سيْف ، عن أبى إسحاق
(١) النعمان بن الجون، كذا أورده الطبرى هنا وفى ص ٣٤٠، وفى ص ١٦٧ ((النعمان بن الأسود
ابن شراحيل بن الجون بن حجر)). وفى كتابه المنتخب من ذيل المذيل ص ٢٤٥٦: ((النعمان بن أبى الجون
الأسود بن الحارث بن شراحيل بن الجون آكل المرار)). وانظر الإصابة ٤: ٢٢٧، والاستيعاب ٠٣ لا.

٣٣٨
سنة ١١
الشَّيْبانى، عن سعيد بن أبى بُرْدة ، عن عامر ، أنه دخل عليه فاستأمنه على
أهله وماله، وتسعة ممَّن أحبّ ، وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلوا على قومه .
فقال له المهاجر : اكتب ما شئت واعْجل ، فكتب أمانته وأمانهم ، وفيهم
أخوه وبنو عمته وأهلُوهم ، ونسى نفسه ؛ عجل ود مش. ثم جاء بالکتاب
فختمه (١)؛ ورجع فسرّب الّذين فى الكتاب .
وقال الأجْلَح والمجالد: لمَّا لم يبق إلاّ أن يكتب نفسه وثب عليه جَحْدَم
بشَفَرْة ، وقال : نفسَك أو تكتبنى ! فكتبه وترك نفسه .
٢٠١٠/١
قال أبو إسحاق : فلمَّا فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يدعوا فيه مقاتلا
إلاّ قتلوه؛ ضربوا (٢) أعناقهم صبْرًا، وأحصى ألف امرأة ممَّن فى النُّجير
والخَنْدق؛ ووضع على السَّبْى والفَىْء الأحراس ، وشاركهم كثير .
وقال كَثِير بن الصّلت: لمَّا فُتح الباب وفُرغ ممَّن فى النُّجير، وأحصِىَ
ما أفاء الله عليهم، دعا الأشعث بأولئك النَّفَر ، ودعا بكتابه فعرضهم ،
فأجاز (٣) مَن فى الكتاب، فإذا الأشعث ليس فيه ، فقال المهاجر: الحمد لله
الَّذى أخطأك نوْءُك (٤) يا أشعث، يا عدوّ اللّه !قد كنت أشتهى أن يخزيك (٥) الله.
فشدّه وَثاقا، وهمّ بقتله، فقال له عكرمة: أخِّرْه ، وأبلْغه أبا بكر ، فهو
أعلمُ بالحكْم فى هذا . وإنه كان رجلا نسى اسمه أن يكتبه ؛ وهو ولىّ
المخاطبة . أفذاك يبطل ذاك (٦)! فقال المهاجر: إنّ أمره لبيِّنٌ، ولكنى أتَّبع
المشورة وأوثرها. وأخَّرَه وبعث به إلى أبى بكر مع السَّبْى، فكان معهم يلعنه
المسلمون ويلعنه سبايا قومِه، وسمَّه نساء قومه عُرْفَ النَّار - كلامٌ يمانٍ
يسمَّون به الغادر - وقد كان المغيرة تحيّر ليله للَّذى أراد الله، فجاء والقوم
فى دمائهم (٧) والسَّبْى على ظَهْر، وسارت السبايا والأسْرَى ، فقدم القوم
على أبى بكر رحمه اللّه بالفَتْح والسَّبَايا والأسرى. فدعا بالأشعث ، فقال :
(١) ز: ((يختمه)).
(٢) فى ب: ((وضربوا)).
(٣) ابن الأثير: ((فأجار)).
(٤). النود: النجم مال إلى الغروب، وهو كناية عن أنه لم يوفق إلى الصواب فى الرأى لعجلته
(٥) ز: ((يجزيك)).
وسوء طالعه .
(٧) ز: ((ذمامهم)).
(٦) س: ((ذلك)).

سنة ١١
٣٣٩
استزّلك بنو وليعة، ولم تكن لتستزلَّلهم - ولا يرونك لذلك أهلاً - وهلكوا(١)
وأهلكوك! أما تخشى أن تكون دعوةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد ٢٠١١/١
وصل إليك منها طرفٌّ! ما ترانى صانعاً بك ؟ قال : إنى لا علم لى برأيك ،
وأنت أعلم برأيك ، قال : فإنّى أرى قتلك. قال : فإنّى أنا الذى راوضتُ
القوم فى عشرة، فما يحلُ دمى، قال : أَفَوّضُوا إليك؟ قال : نعم ، قال :
ثم أتيتَهُمْ بما فَوّضُوا إليك فختموه لك؟ قال: نعم ، قال: فإنَّما وجب
الصّلح بعد خَتْم الصحيفة على من فى الصحيفة ، وإنَّما كنتَ قبل ذلك
مُرَاوِضًا. فلمَّا خَشِىَ أن يقع به قال: أو تحتسب فىّ خيرًا فتطلق إسارى
وتُقيلنى عثرتى، وتقبل إسلامى، وتفعل بى مثل ما فعلته بأمثالِى وتردّ علىّ
زوجتى - وقد كان خطب أمَّ فَرْوة بنت أبى قحافة مَقْدَمَه على رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم؛ فزوّجه وأخَّرها إلى أنْ يقدم الثانية، فمات رسولُ الله
صلّى الله عليه وسلَّم، وفعل الأشعث ما فعل ، فخشِىَ ألاّ تُرَدّ عليه -.
تجدُّنى خيْرَ أهل بلادى لدين الله! فتجافى له عن دمه ، وقبل منه ،
وردّ عليه أهله، وقال: انطلِقْ فلْيُبلغنى عنك خيرٌ، وخلّى عن القوم
فذهبوا، وقسم أبو بكرفى الناس الخُمْس ، واقتسم الجيش الأربعة الأخماس .
٠
قال أبو جعفر: وأمَّا ابنُ حُميد، فإنه قال: حدثنا سلمة ، عن
ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبی بکر، أنّ الأشعث لمَّا قُدم به على أبیبکر ،
قال : ماذا ترانى أصنع بك؛ فإنَّك قد فعلتَ ما علمتَ(٢)! قال: تمُنُّ على" ٢٠١٢/١
فَتَفُكّنى من الحديد وتزوّجنى أخَتَك؛ فإنى قد راجعتُ وأسلمتُ . فقال
أبو بكر : قد فعلتُ . فزوجه أمّ فروة ابنة أبى قُحافة ، فكان بالمدينة حتى
فتح العراق .
٥
٠
رجع الحديث إلى حديث سيف(٣). فلَّما ولِىَ عمر رحمه اللّه، قال: إنَّه
(١) ب: ((وأهلكوا)).
(٢) ب: (( ما فعلت)).
(٣) انظر أول الحديث ص ٣٣٧.

٣٤٠
سنة ١١
لَيَقبُح بالعرب أن يملك بعضهم بعضًا، وقد وسَّعَ اللّه، وفتح الأعاجم .
واستشار فى فداء سبابا العرب فى الجاهليّة والإسلام إلاّ امرأة ولدت لسيّدها،
وجعل فداء كلّ إنسان سبعةَ أبعرة (١) وستَّةَ أبعرة إلاّ حنيفة كندة؛ فإنَّه
خَقَّف عنهم (٢) لقتل رجالهم، ومَنْ لا يقدر على فداء لقيامهم (٣) وأهل دَباً،
فتتبَّعَتْ رجالُهم نساءَ هم بكلّ مكان . فوجد الأشعثُ فى بنى نَهْد وبنى
غُطْيف امرأتين ؛ وذلك أنَّه وقف فيها يسأل عن غُراب وعُقاب ، فقيل :
ما تريد إلى ذلك ؟ قال : إنّ نساءنا يوم النُّجير خطفهنّ العِقْبان والغربان
والذّئاب والكلاب . فقال بنوغطيف : هذا غُراب ، قال : فما موضعه
فيكم ؟ قالوا: فى الصيانة (٤)، قال: فنعم ، وانصرف. وقال عمر: لا ملْكَ
عّلَى عربىّ ، الذى أجمع عليه المسلمون معه .
قالوا : ونظر المهاجر فى أمر المرأة التى كان أبوها النُّعمان بن الجَوْن
أهداها لرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم؛ فوصفها أنَّها لم تَشْتَك قط،
٢٠١٣/١ فردَها، وقال: لاحاجة لنا بها، بعد أن أجلسها بين يديه وقال له (٥):
لو كان لها عند الله خيرٌ لاشتكت. فقال المهاجر لعِكْرِمة: متى تزوجتها؟
قال : وأنا بعدن ، فأهديتْ إلىّ بالجند ، فسافرت بها إلى مأرب، ثم
أوردتُها العسكر . فقال بعضهم: دعْها فإنَّها ليست بأهل أن يُرغَب
فيها . وقال بعضُهم : لا تَدَعْها . فكتب المهاجر إلى أبى بكر رحمه اللّه
يسأله عن ذلك، فكتب إليه أبو بكر: إنّ أباها النُّعمان بن الجَوْن أتى
رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فزيَّنها له حتى أمره أن يجيئه بها ، فلمَّا
جاءه بها قال: أزيدك أنَّها لم تِيجعْ"(٦) شيئًا قط، فقال: لو كان لها عند اللّه
خيرٌ لاشتكتْ ، ورغب عنها ؛ فارغَبُوا عنها . فأرسلها وبقی فی قریش بعد
ما أمر عمر فى السَّبْى بالفداء عدَّةٌ، منهم بشرى بنت قيس بن أبى الكيسم ،
(١) ز: ((أبكر)).
(٢) ابن الأثير: ((عليهم)).
(٣) كذا فى ط،وفى التصويبات: ((لفئامهم))، أى جماعتهم.
(٤) ز: ((الضيافة)). (٥) ب: ((وقال لها)).
(٦) لم تيجع شيئاً، أى أنها لم تشك ألماً قط .