النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سنة ١١ أودية اليمامة. ثم تحوّل إلى واد من أوديتها يقال له الوَبَر - كان(١) منزله بها . ذكر خبر أهل البَحْرَيْن وردّة الحطَم ومن تجمّع معه بالبحرين قال أبو جعفر: وكان فيما بلغنا من خَبر أهل البحرين وارتداد منٍ ارتدّ منهم ما حدّثنا عبيد الله بن سعد (٢)، قال: أخبرنا عَمَى يعقوب بن إبراهيم ، قال : أخبرنا سَيْف، قال: خرج العلاء بن الحضرىّ نحو البحرين ؛ وكان من حديث البحريْن أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم والمنذر بن ساوى اشتكيا فى شهر واحد ، ثم مات المنذر بعد النبيّ صلى الله عليه وسلّم بقليل، وارتدّ بعده أهلُ البحرين ، فأمَّا عبد القيس ففاءت ، وأمَّا بكر فتمَّت على رِدّها ؛ وكان الّذى ثنَى عبدَ القيس الجارودُ حتى فاءوا (٣). ١٩٥٨/١ حدّثنا عُبيد الله، قال: أخبرنا عمى ، قال : أخبرنا سيف ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن بن أبى الحسن ، قال : قَدم الجارود بن المُعَلَّى عَلَى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرتادًا، فقال: أسليمٍ يا جارود ، فقال: إنّ لى دينًا، قال له النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم: إنّ دينَك يا جارود ليس بشىء ، وليس بدين ؛ فقال له الجارود: فإنْ أنا أسلمت فما كان من تبعة فى الإسلام فعليك؟ قال : نعم. فأسلم ومكث بالمدينة حتى فُقْه (٤). فلما أرادَ الخروج، قال: يا رسولَ الله، هل نجدُ(٥) عند أحد منكم ظهرًا نتبلّغ (٦) عليه؟ قال: ما أصبح عندنا ظهر ، قال: يا رسول اللّه؛ إنّا (١) كذا فى س، وفى ط: ((وكان)). (٢) كذا فى الأغانى؛ وفى ط: ((عبيد الله بن سعيد))، وانظر تهذيب التهذيب وتاريخ بغداد. (٣) الخبر فى الأغانى ١٥: ٢٥٥ (دار الكتب). وروايته: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدوا ، ففاءت عبد القيس منهم ، وأما بكرفتمت على ردتها ، وكان الذى ثنى عبد القيس الجارود بن على » (٤) الخبر إلى هنا فى الأغانى ١٥: ٢٥٦ (٦) ب: ((يتبلغ عليه)). (٥) ب: ((ما نجد)). ٣٠٢ سنة ١١ نجد بالطريق ضَوال من هذِه الضوال، قال: «ملك حَرَقُ النار، فإِيَّاك وإِيَّاها . فلَّمَا قدم على قومه دعاهم إلى الإسلام فأجابوه كلُّهم ، فلم يلبث إلاّ يسيراً حتى مات النبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقالت عبد القيس: لو كان محمدٌ نبيًا لما مات؛ وارتدوا، وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم ، ثم قام فخَطَبهم ، فقال : يا معشر عبد القيس ؛ إنى سائلُكم عن أمر فأخبر ونى به ١١٩٥٩/١ إن علمتموه ولا تجيبونى إن لم تَعْلِموا(١). قالوا: سل عَمَّا بدا لك، قال: تعلمون (٢) أنَّه كان لله أنبياء فيما مضى ؟ قالوا: نعم ، قال: تعلمونه (٣) أو ترونه؟ قالوا : لا بل نعلمه، قال: فما فعلوا ؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدًا عبده ورسوله ، قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنَّك (٤) سيِّدنا وأفضلُنا. وثبتوا على إسلامهم، ولم يبسطوا ولم يُبْسَط إليهم وخَلَّوْا بين سائر ربيعة وبين المنذر والمسلمين ، فكان المنذر مشتغلاً بهم حياته ، فلمنَّا مات المنذر حُصِر أصحاب المنذر فى مكانين حتى تنقَّذهم (٥) العلاء. قال أبو جعفر : وأمّا ابن إسحاق فإنه قال فى ذلك ما حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عنه ، قال: لَمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليمامة بعث أبو يكر رضى اللّه عنه العلاء بن الحضرمى". وكان العلاء متهو الَّذِى كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعثه إلى المنذر بن ساوى العبدىّ، فأسلم المنذر، فأقام بها العلاء أميرًا لرسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فبات المنذر بن ساوى بالبحرين بعد متوفّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، وكان عمرو بن العاص بعُمان، فتوفّى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعمرو بها فأقبل عمرو ، فمرّ بالمنذر بن ساوى وهو بالموت (٦) فدخل عليه فقال المنذر له : (١) ز: ((تعلموه)). (٢) س: ((أتعلمون)). (٣) س: ((أتعلمونه)). (٤) ز: ((وأنت)). (٥) النويرى: ((أنقذهم)). (٦) ز: ((فى الموت)). سنة ١١ ٣٠٣ ١٩٦٠/١ كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل للميّت من المسلمين من ماله عند وفاته ؟ قال عمرو: فقلت له : كان يجعل له الثّلُث؛ قال : فما ترى لِى أن أصنع فى ثلُث مالى ؟ قال عمرو: فقلت له : إن شئت قسمتَه فى أهل قرابتك ، وجعلتَه فى سبيل الخير ؛ وإن شئت تصدّقت به فجعلته صدقةٌ مُحَرّمة تجرى من بعدك على مَنْ تصدّقت به عليه. قال: ما أحبّ أن أجعل من مالى شيئًا محرّمًا كالبحيرة والسَّائبة والوَصِيلة والحامِى(١) ولكن أقسمه ، فأنفذه على مَنْ أوصيتُ به له يصنع به ما يشاء . قال : : فكان عمرو يعجب لها(٢) من قوله. وارتدّت ربيعة بالبحرين فيمن ارتدّ من العرب، إلا الجارود بن عمرو بن حّنَش بن مُعَلَّى؛ فإنه ثبت على الإسلام ومَن معه من قومه ، وقامَ حين بلغته وفاة رسولِ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم وارتداد العرب، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وأكفّر من لا يشهد . واجتمعت ربيعة بالبحرين وارتدّت، فقالوا: فردُّ الملك (٣) فى آل المنذر ، فملَّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر ، وكان يُسَمَّى الغَرور ، وكان يقول حين أسلم وأسلم الناس وغلبهم السيف : لستُ بالغَرُور ؛ ولكنّى المغرور (٤) حدّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمّى، قال: أخبرنا سَّيْفٌ ، (١) هو ما تضمنته الآية الكريمة: ﴿ مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَاَ سَائِبَةٍ وَلَاَ وَصِيلَةٍ ولا حَامٍ} قال الزمخشرى: ((كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها، أى شقوها وحرموا ركوبها ، ولا تطرد عن ماء ولامرعى، وإذا لقيها المعيى لم يركبها ، واسمها البحيرة . وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفرى أو برئت من مرضى فناقتى سائبة ، وجعلها كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها . وقيل : كان الرجل إذا أعتق عبداً قال : هو سائبة، فلا عقل بينهما ولا ميراث وإذا ولدت الشاة أنثى فهى لهم ، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم ، فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى)). (٢) س: ((بها)). (٣) الأغانى: ((ردوا)). (٤) الأغانى ١٥ : ٢٥٦ (طبعة دار الكتب ). ٣٠٤ ١٩٦١/١ سنة ١١ عن إسماعيل بن مسلم، عن عُمَير بن فلان العَبْدىّ، قال: لمَّا مات النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرج الحُطَمُ بن ضُبَيعة أخو بنى قيس بن ثعلبة فيمَن(١) اتبعه من بكر بن وائل على الرّدّة، ومَنْ تأشَّب (٢) إليه من غير المرتدّين ممَّن لم يزل كافرًا ، حتى نزل القَطيف وهَجَر، واستغوى الخطّ ومن فيها من الزُّطّ والسَّيابجة، وبَعَث بعثًا إلى دارِين ، فأقاموا له ليجعلَ عبدَ القَيْس بينه وبينهم، وكانوا مخالفين لهم ، يمدّون المنذر والمسلمين؛ وأرسل إلى الغَرور بن سُوَيَد ، أخى النعمان بن المنذر؛ فبعثه إلى جؤاثَى ، وقال : اثبت ، فإنّى إن ظفرت ملَّكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة (٣. وبعث إلى جوائى، فحصرهم وألحُّوا عليهم٣) فاشتدّ على المحصورين الخصر (٤) ، وفى المسلمين المحصورين رَجُل من صالح المسلمين يقال له ١٩٦٢/١ عبد الله بن حذّف؛ أحد بنى أبى بكر بن كلاب، وقد اشتدّ عليه وعليهم الجوع حتى كادوا أن يهلكوا. وقال فى ذلك عبد الله بن حذف: وفِتْيَانَ المدينة أجمَعِينَا ألا أبلغْ أبا بكر رسولاً قُعُود فى جُؤْاتَى مُحْصَرينا! فهل لكُمُ إلى قوٍ كرًا. شُعَاعُ الشَّمس يغْشَى الناظر ينا كأنَّ دِمَاءُهُمْ فِى كلِّ فَجّ وَجَدْنَا الصَّبْرَ للمتوكِّلينا(٥) توكلنا على الرَّحمنِ إنّا كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصعب (٦) بن عطيّة ابن بلال ، عن سَهْم بن مِنْجاب ، عن مِنْجاب بن راشد ، قال : بعث أبو بكر الغَلاء بن الحضرىّ على قتال أهل الرّدّة بالبحرين؛ فلمّا أقبل إليها ؛ فكان بحيال اليمامة ، لحِقَ به ثُمامة بن أثال فى مُسْلِمة بنى حنيفة (١) الأغانى: ((ومن اتبعه)). (٢) تأشب إليه: تجمع من هاهنا وها هنا (٣ - ٣) الأغانى: ((وبعث إلى رواثا، وقيل: جواثى فحاصرهم، وألح عليهم)). (٤) الأغانى: ((فاشتد الحصار على المحصورين من المسلمين)). (٥) الأغانى ١٥ : ٢٥٦، ٢٥٧. (٦) الأغانى: ((الصقعب)). -- سنة ١١ ٣٠٥ من بنى سُحَيْم ومن أهل القرى مِن سائر بنى حنيفه ، وكان متلدّدًا ؛ وقد ألحق (١) عكرمة بُعمان ثم مَهْرة، وأمَر شرحبيل بالمقام حيث انتهى إلى ٩٦٣/١ أن يأتيه أمرُ أبى بكر ، ثم يغاور هو وعمرو بن العاص أهل الرّدّة من قُضَاعة. فأمَّا عمرو بن العاص فكان يُغاوِرِ سعدًاً وَبَلِيًّا وأمر هذا بكلْب ولفها ، فلما دنا منًّا ونحن فى عُلْا البلادٍ لم یکن أحد له فرس من الرِّباب وعمرو بن تميم إلاّ جنَبَه، ثم استقبله؛ فأمّا بنو حنظلة فإنَّهم قدّمُوا رِجْلا وأخَّروا أخرى . وكان مالك بن نويرة فى البُطاح ومعه جُموع يساجلنا ونساجله. وكان وكيع بن مالك فى القَرْعاء معه جموع يُساجل عمرا وعمرو يساجلُه ، وأمَّا سعد بن زيد مناة فإنَّهم كانوا فِرْقَتين ؛ فأمَّا عوف والأبناء فإنَّهم أطاعوا الزّبْرقان بن بدر، فثبتوا على إسلامهم وتمّوا وذَبُّوا عنه؛ وأمَّا المُقاعس والبُطون فإنَّهما أصاخا ولم يتابعا ؛ إلاّ ما كان من قَيْس بن عاصم ؛ فإنَّه قسّم الصدقات التى كانت اجتمعت إليه فى المقاعس والبطون حين شخص الزّبْرقان بصَدقاتٍ عَوْفٍ والأبناء ؛ فكانت عوف والأبناء مشاغيل بالمُقاعس والبطون . فلمَّا رأى قيس بن عاصم ما صنعت الرّباب وعمر و منْ تلقّى العلاء نَدم على ما كان فَرَط منه، فتلقَى العَلاءَ بإعداد ما كان قسم من الصدقات، ونزع عن أمره الَّذِى كان همَّ به ، واستاق حتى أبلغها إياه ، وخرج معه إلى قتال أهل البحرين ؛ وقال فى ذلك شعرًا كما قال الزبرقان فى صَدقته حين ١ /١٩٦٤ أبلغها أبا بكر ؛ وكان الذى قال الزبرقان فى ذلك : وَفَيْتُ بِأَذْوادِ الرَّسُول وقد أبتْ سُعاةٌ فَلمْ يَردُد بعيراً مُجِيرُها تَرَامِى الأعادى عِنْدَنا ما يضيرُها (٢) معاً ومَنْناها منَ النَّاسِ كُلُّهِمُ مَحَانِيق لم تُدُرَسْ لركبٍ ظهورُها فَأَدَّيْتُها كَىْ لا أخُونَ بِذِمَّتِى إذا عُصْبَة سامَى قَبِيلى فَخُورُها أَردتُ بها النَّقْوَى وَجْد حديثِها يرى الفَخْر منها حَيُّها وقُبُورها .. . (٣) وإنى لَمِنْ حَىّ إذا عُدَّ سَعْيُهم(٣) (٢) ب: ((نرامى)). (١) ز: ((لحق)). (٣) ز: ((شعبهم)). ٣٠٦ سنة ١١ أصاغِرُهم لم يَضْرَعُوا وَكِبَارُمٍ(١) ومن رَخْطِ کنَّادٍ توفّیتُ ذِمَّتی(٢) ولّهِ مُلْك قد دخلتُ وفارس (٤) فَفَوَّجْتُ أُولَاهَا بِنَجْلَاءَ ثَرَّةٍ ومَشْهَدٍ مِدْقٍ قد شهدتُ فےا كُنْ أَرَّى رَهْبَةَ الأعداء منّى جَرَاءَةً رِزَانٌ مَرَاسيها، عِفَافٌ صُدُورُها ولم يَْنِ سِفِى تَبْحُها وحَرِيرُها(٣) طعنتُ إذا ما الخيلُ شَدَّ مُغِيرُها بحيث الذى يَرُجو الحياةَ يَضِيرُها (٥) به خامِلاً واليومَ يُغْنَى مَصِيرُها ويبكى إذا ما النفسُ يُوحَى ضميرها (٦) وقال قيس عند استقبال (٧) العلاء بالصدقة : إذا ما أَتَتها بَيِّنَاتُ الودائع (٨) ألاَ أَبْلِنا على قريشاً رسالةً حَبَوْتُ بها فى الدَّهرأَ عراضَ مِنْقَرَ (٩) وأَيْأَسْتُ منها كلّ أَطْلَس طامعٍ(١٠) ء وَجَدْتُ أبى والحالَ كانا بنجوة بقاعٍ فِلمٍ يَخْلُلْ بها مَنْ أدافِعُ(١١) فأكرمه العلاءُ ، وخرج مع العلاء بن عمرو وسعد الرّباب مثل عسكره ، وسلك بنا الدَّهْناء؛ حتى إذا كنا فى بُحْبُوحتها والحَنَّانات والعَزَّافاتُ (١٢) عن يمينه وشماله، وأراد اللّه عزّ وجلّ أن يرَينا آياته نَزّل وأمر الناس بالَنّزول، فَنَفَرَت الإبل فى جَوْف الليل؛ فَمَا بَقِىَ عندنا بعير ولا زادٌ ولا مزاد ١٩٦٦/١ (١) ب: ((يصغروا))، ص: ((يصرعوا)). (٢) ب: ((كنان))، ز: ((كناز)). (٣) ز: ((نفخها)). (٤) س: ((وقبة ملك)). (٥) ب: ((بصيرها))، ز: ((نصيرها)). (٦) ب: ((ونبكى)). (٧) ب، ز: ((استقلال)). (٨) البيتان: الأول والثانى فى الأغانى ١٤: ٧٥ (طبع دار الكتب)، وفى ص: ((إذا ما أتتهم)). وفى الأغانى: ((إذا ما أتتهم مهديات الودائع)). (٩) الأغانى: ((حبوت بما صدقت فى العام منقرا)). (١٠) يريد بالأطلس هنا الص الخبيث؛ على التشبيه بالذئب. (١١) كانا بنجوة، أى كانا بمنجى. وفى البيت إقواه. (١٢) العزافات : الضاربات بالدفوف . ١٩٦٥/١ سنة ١١ ٣٠٧ ولا بناء إلا ذهب عليها فى عرض الرمل ، وذلك حين نزل الناس ، وقبل أن يحطّوا؛ فما علمت جمعًا هجم عليهم من الغَمّ ما هجم علينا وأوصى بعضُنا إلى بعض، ونادى منادى العلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه ، فقال : ما هذا الذی ظهر فیکم وغلب علیکم ؟ فقال الناس : و کیف نلامُ ونحن إن بلغنا غدًا لم تحْمَ شمسُه حتى نصير حديثًا! فقال: أيّها الناس؛ لاتُراعوا، ألستم مسلمين! ألستم فى سبيل اللّه! ألستم أنصار الله ! قالوا : بلى ، قال : فأبشروا؛ فوالمه لا يَخْذُل اللّه مَن كان فى مثل حالكم. ونادى المنادى بصلاة الصبح حين طلَعَ الفجر فصلَّى بنا، ومنَّا المتيمُّم، ومنَّا من لم يزل على طَهُوره؛ فلمَّا قضى صلاته جثا لرُكْبَتَيْه وجَثَا النَّاس، فنصِب (١) فى الدّعاء ونصبوا معه؛ فلمح لهم سرابُ الشمس؛ فالتفت إلى الصّفّ، فقال: رائد ينظر ما هذا ؟ ففعل ثم رجع ، فقال: سراب، فأقبل على الدّعاء ، ثم لمع لهم آخر فكذلك ، ثم لمع لهم آخر ، فقال : ماء، فقام وقام الناس، فمشينا إليه حتى نزلْنا عليه ، فشربنا واغتسلنا ، فما تعالى النَّهار حتى أقبلت الإبل تُكْرَه (٢) .. من كلّ وجه ، فأناخت إلينا ، فقام كلّ رجل إلى ظهره ، فأخذه ، فما فقدنا سلْكاً(٣). فأرويناها وأسقيناها العَلمَلَ بعد النَّهَلِ؛ وَتَبَرَوّينا ثم تروّحنا - وكان أبو هريرة رفيقِى - فلّما غِبْنًا عن ذلك المكان ، قال لى : كيف علمُك بموضع ذلك الماء ؟ فقلت: أنا من أهدَى العرب (٤) بهذه البلاد قال : فكن(٥) معى حتى تقيمسَى عليه ، فكررتُ به، فأتيت به (٦) على ذلك المكان بعينه ؛ فإذا هو لا غديرَ به ، ولا أثر للماء، فقلت له : والله لولا أنّ لا أرى الغدير لأخبرتك أنّ هذا هو المكان؛ وما رأيت بهذا المكان ماءً ناقعًا قبل (٧) اليوم؛ وإذا إداوة مملوءة، فقال: يا أبا سهم (٨)، هذا والله المكان؛ ١ ١٩٦٧/١ (٢) الكرد : الطرد . (١) نصب فى الدعاء ینصب ؛ إذا تعب فيه واجتهد . (٣) السلك: جمع سلكة ؛ وهو الخيط الذى يخاط به الثوب. (٤) الأغانى: ((أنا أهدى الناس)). (٥) الأغانى: ((فكر معى)). (٦) الأغانى: ((فأنخت على ذلك المكان)). (٧) الأغانى: ((وما رأيت بهذا المكان ماء قبل ذلك)). (٨) الأغانى: ((يا سهم)). ٣٠٨ سنة ١١ ولهذا رجعت ورجعت بك. وملأت(١) إداوتى ثم وضعتها على شفيره (٢) ، فقلت: إن كانَ مَنَّا من المنّ وكانتْ آية عرفتها؛ وإن كان غياثًا عرفته؛ فإذا منّ من المَنّ، فحمد الله، ثم سِرْنا حتى ننزل هَجَر. قال: فأرسل العلاء ١٩٦٨/١ إلى الجارود ورجل آخر أن انضما فى عبد القيس حتى تنزلا على الحطَم ممَّا يليكما ؛ وخرج هو فيمن جاء معه وفيمن قدم عليه ؛ حتى ينزل عليه ممّاً يلى هَجَرَ، وتجمَّعَ المشركون كلُّهم إلى الحُطَم إلاّ أهل دارين، وتجمّع المسلمون كلّهم إلى العلاء بن الحضرمىّ ، وخندق المسلمون والمشركون ، وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خَنْدقهم ؛ فكانوا كذلك شهرًا؛ فبينا الناس ليلةً إذ سمع المسلمون فى عسكر المشركين ضوضاء شديدة ؛ كأنها ضوضاءُ هزيمة أو قتال، فقال العلاء: مَنْ يأتينا بخبر القوم ؟ فقال عبد الله ابن حذف : أنا آتيكم بخبر القوم - وكانت أمّه عِجْليَّة- فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه ، فقالوا له : من أنت ؟ فانتسب لهم ، وجعل ينادى : يا أبْجَراه! فجاء أبجر بن بُجَير، فعرفه فقال: ما شأنُك ؟ فقال: لا أضِيعنَّ [الليلة] (٣) بين اللَّهَزم! عَلاَمَ أقتل وحولى عساكر من عِجْل وتيْم الَّلات وقيس وعَنْزَة! أيتلاعب بى الحُطم ونُزَّاع القبائل وأنتم شهود! فتخلَّصه ، وقال: والله إنَّى لأظنَّك بئس ابن الأخت لأخوالك ١٩٦٩/١ الليلة! فقال: دَعْنِى من هذا وأطِعِمْنى؛ فإنى قد متُّ جوعًا. فقرّب له طعامًا؛ فأكل ثمّ قال: زوّدنى واحمِلْنى وجَوزنى أنطلِقٍ إلى طِيَّى. ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب، ففعل وحَمَله على بعير ، وزوّده وجَوّزه؛ وخرج عبد الله بن حذف حتى دخل عسكر المسلمين ، فأخبرهم أنّ القوم سُكارى ، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عليهم عسكرهم، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاءوا، واقتحموا الخندق هُرّابا، فتردًّ، وناجٍ ودهشٍ ، ومقتول أو مأسور، واستولى المسلمون على ما فى العسكر ؛ لم يفليت (١) كذا فى ز والأغانى وابن الأثير، وفى ط: (( ملأت)) بدون الواو. (٢) الأغانى: ((شفير الوادى)). (٣) من الأغانى . سنة ١١ ٣٠٩ رجلٌّ إلاّ بما عليه؛ فأما أبجر فأفلتَ، وأَمَّ الحُطَم فإنَّه بَعِل (١) ودُهِش، وطار فؤاده؛ فقام إلى فرسه والمسلمون خلالهم يجُوسُونهم- ليركتبه؛ فلمًا وضع رجلَه فى الرّكاب انقطَع به ، فمرّ به عفيف بن المنذر أحد بنى عمرو بن تميم، والحُطم يستغيث ويقول: ألا رجلٌ مِنْ بنى قيس بن ثعلبة يَعْقِلِى! فرفع صوته ، فعرف صوته ، فقال : أبو ضُبَيعة! قال : نعم ، قال : أعطنى رِجْلك أعِقْلك، فأعطاه رِجْله يعقلُهُ، فنفَحتَها فأطنَّها(١) من الفَخِذ، وتركه، فقال: أجهز علىّ، فقال: إنى أحبّ ألا تموت حتى أمِضَّك. - وكان مع عفيف عدّة من ولد أبيه، فأصيبوا ليلتئذ - وجعل الحطم لا يمرُّ به ١٩٧٠/١ فى الليل أحدٌ من المسلمين إلاّ قال: هل لك فى الحُطَم أن تقتله ؟ ويقول : ذاك لمن لا يعرفه ، حتى مرّ به قيس بن عاصم ، فقال له ذلك ، فمال عليه فقتله، فلمَّا رأى فخذَه نادرة"(٣)، قال: واسوأتاه! لو علمت الَّذى به لم أحرّكه ؛ وخرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم ، فاتبعوهم ، فلحق قيس بن عاصم أبجر - وکان فرس أبجر أقوى من فرس قيس - فلمَّا خشِىَ أن يفوتَّه طعنه فى العُرقوب فقطع العَصَّب، وسَلِيم النَّسَا؛ فكانت رادّة ، وقال عُفَيف بن المنذر : فإنْ يرقَأ العرقوبُ لا يرْقأ النّسَا وماكُلُّ مَنْ يهوى بذلك عالِمُ (٤) بأسْرَةِ عمرو والرِّبابِ الأكارم(٥) ألم ترَ أَنَّا قد فَلْنَا حُمَاتَهِمْ. وأسرّ عفيف بن المنذر الغَرور بن سويد (٦)، فكلّمتْه الرّباب فيه، وكان أبوه ابن أخت التَّيْم (٧)، وسألوه أن يُجيره ، فقال للعلاء : إنى قد أَجَرْت هذا، قال: ومَنْ هذا ؟ قال: الغَرُور ، قال : أنت غررت هؤلاء ، قال : أيّها الملك، إنى لستُ بالغرور؛ ولكنى المغرور ، قال : (١) بعل: دهش وخاف فلم يدر ما يصنع. (٢) نفحه بالسيف: تناوله به . أطنها : قطعها . (٣) نادرة : ساقطة . (٤) الأغانى: ((وما كل من تلقى بذلك عالم)). (٥) فى البيت إقواء . (٦) بعدها فى الأغانى): ((ابن أخى النعمان بن المنذر)). (٧) الأغانى: ((وكان ابن أختهم)). ٣١٠ سنة ١١ أسْلِمْ، فأسلم وبقى بهجَر، وكان اسمه الغرور، وليس بلقب؛ وقتل عفيف المنذر بن سويد بن المنذر، [ أخا الغرور لأمُهُ(١)]، وأصبح العلاء فقسّم الأنفال ، ونفَّل رجالاً من أهل البلاء ثيابا ، فكان فيمن نفَّل عفيف بن المنذر وقيس بن عاصم وثمامة بن أثال؛ فأمًا ثمامة فتُفِّلَ ثيابًا فيها خميصة (٢) ذات أعلام ، كان الحُطَم يُباهى فيها، وباع الثياب. وقصد عُظْمُ الفُلال لدارين(٣)، فركبوا فيها السفن، ورجع الآخرون إلى بلاد قومهم ؛ فكتب العلاء بن الحضرميّ إلى مَن أقام على إسلامه من بكر بن وائل فيهم، وأرسل إلى عُنَيبة بن النَّهَّاس وإلى عامر بن عبد الأسود بلزوم ما هم عليه والقعود لأهل الردّة بكلّ سبيل، وأمر مِسْمَعًا بمبادرتهم، وأرسل إلى خَصَفة التميمىّ والمثنَّى بن حارثة الشيبانيّ، فأقاموا لأولئك بالطريق ، فمنهم مَنْ أناب ، فقبلوا منه واشتملوا عليه؛ ومنهم مَنْ أبى ولَجّ فمنع من الرجوع، فرجعوا عَوْدَهم على بدئهم ؛ حتى عَبَرُوا إلى دارين ، فجمعهم الله بها ، وقال فى ذلك رجل مِن بنى ضُبيعة بن عجل ، يدْعَى وهبا، يعيّر مَن ارقدَ من بكر بن وائل: فَيَخْبُثَ أَقوامٌ وَيَصْفُوَ مَعْشَرُ أَلم تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْبِكُ خَلْقَه أصابَهُمُ زيدُ الضَّلَالِ وَمَعْمَرُ! لَحَى اللهُ أقواماً أصيبوا بَخَيْمَةٍ (٤) ولم يزل العَلاءُ مقیمًا فیعسکرالمشرکین حتىرجعت إليه الكتبمن عند مَنْ كان كتب إليه من بكر بن وائل، وبلغه عنهم القيام بأمر الله ، والغضبُ لدينه ، فلمَّا جاءه عنهم من ذلك ما كان يشتهى ، أيقن أنه لن يؤتى من خلفه بشىء يكرهه على أحد من أهل البحرين ، وندب النَّاس إلى دارِين ، ثم جمعهم فخطبهم ، وقال : إنّ اللّه قد جمع لكم أحزاب الشياطين وشُرَّدَ الحرب (٥) فى هذا البحر (٦)؛ وقد أراكم من آياته فى البرّ لتعتبروا بها (١) من الأغانى . (٢) الخميصة : كساء أسود له علمان . (٣) الأغانى: ((وهرب الفل إلى دارين)). (٤) ب: ((بجمعة)). (٥) الأغانى: ((وشذاذ الحرب)). (٦) الأغانى: ((فى هذا اليوم)). ١٩٧١/١ ١٩٧٢/١ ٣١١ سنة ١١ فى البحر، فانهضوا إلى عدوّكم ، ثم استعرضوا البحر إليهم، فإنّ اللّه قد جَمعهم ، فقالوا : نفعل ولا نهاب واللّه بعدَ الدَّهناء هَوْلاً ما بقينا. فارتحل وارتحلوا ، حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصَّاهل(١)، والجامِل (٢)، والشاحج (٣) والنَّاهق؛ والراكبُ والراجل (٤)، ودعا ودعوْا؛ وكان دعاؤه ودعاؤهم : يا أرحم الراحمين ، يا كريم، يا حليم ، يا أحد ، يا صَمَد يا حىّ يا مُحيي الموتى ، يا حى يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا. فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعًا يمشون على مثل رَمْلة مَيْثاءَ، فوقها ماء يغمُر أخفاف الإبل ، وإنّ ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسُفُن البحر فى بعض الحالات ، فالتقوا بها ، واقتتلوا قتالا شديدًا، فما تركوا بها مُخْبِرًا (٥) وسبوا الذَّرارىّ، واستاقوا الأموالَ؛ فبلغ نَقتل الفارس سنَّة آلاف، والراجل ألفَيْن، قطعوا ليلهم وساروا يومتَهم ؛ فلمًّا فرغوا رجعوا عَوْدَهم على بدئهم حتى عَبروا ، وفى ذلك يقول عفيف بن المنذر : ١٩٧٣/١ أَلم تَرَ أَنَّ الله ذَلَّلَ بَحْرَه وأنزل بالكُفَّارِ إِحدَى الجَلَائِلِ! بأعجبٍ مِن فَلْقِ البحار الأوائلِ (٦) دَعَوْنَا الَّذِى شقَّ البحارَ فجاءَنا ولمَّا رجع العلاء إلى البحرين، وضرب الإسلام فيها بجِرَانِهِ ، وعزّ الإسلامُ وأهله، وذلّ الشرْك وأهلُه ؛ أقبل الَّذين فى قلوبهم ما فيها على الإرجاف ، فأرجف مُرْجِفُون، وقالوا: هاذاك مَفْرُوق، قد جمع رهطه . شيبان وتغلب والنّمر، فقال لهم أقوام من المسلمين: إذًا تشغلهم عنا اللَّهَازِم - واللَّهَازم يومئذ قد استجمع أمرهم على نصر العلاء وطابقوا. وقال عبد اللّه (١) الصاهل : الفرس ؛ والصهيل صوته . (٢) الجامل : القطيع من الإبل . (٣) الشاحج: البغل ، والشحيح : صوته . (٤) عبارة الأغانى: ((فارتحل وارتحلوا حتى أتى ساحل البحر؛ فاقتحموا على الخيل؛ هم والحمولة والإبل والبغال ، الراكب والراجل)). (٥) مخبراً، أى أحداً يخبر بما كان ؛ يريد أنهم استأصلوهم. (٦) الأغانى: ((من شق البحار » ٣١٢ سنة ١١ ابن حَذَف فى ذلك : إنْ يأْتِنَا يَلْقَ فينا سنّة أُلخطَمِ لا تُوعدونا بمَفَرُوق وأسْرَتِهِ لِأُمَّةٌ داخلون النارَ فى أممٍ وإِنّذَا الحىَّ من بَكرٍ وإنْ كثروا ١ /١٩٧٤ خيلٌ تَكَدَّسُ بالفِتيان فى النِّعمِ فالنخلُ ظاهره خیلٌ وباطنه وأقفل (١) العلاء بن الحضرمىّ الناس، فرجع النَّاس إلاّ مَن أحبّ المقام، فَقفلنا وقتَفَل ثُمامة بن أثال؛ حتى إذا كنَّا على ماء لبنى قَيْس بن ثعلبة ؛ فرأوا ثمامة ، ورأوا خَميصة الحُطَم عليه دسُوا (٢) له رجلاً ، وقالوا : سله عنها كيف صارت له ؟ وعن الحطم : أهو قتله أو غيره ؟ فأتاه ، فسأله عنها، فقال: نُفِّلْتُها. قال : أأنت قتلت الخُطَم ؟ قال: لا، ولوددت أنى كنت قتلته ، قال : فما بال هذه الخميصة معك ؟ قال : ألم أخبرك! فرجع إليهم فأخبرهم ، فتجمَّعوا له ، ثم أتوه فاحْتَوَشُوه ؛ فقال : مالكم ؟ قالوا : أنت قاتل الحُطَمْ؟ قال: كذبتم ، لستُ بقاتِله ولكنى نفِّتها، قالوا: هل ينَقَّل إلاّ القاتل! قال: إنها لم تكن عليه، إنما وُجِدَتْ فِى رَحْله، قالوا : كذبت . فأصابوه . قال : وكان مع المسلمين راهبٌ فى هَجَر ؛ فأسلم يومئذ فقيل : ما دعاك إلى الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخنى اللّه بعدَها إن أنا لم أفعل: فَيْضٌ فى الرمال، وتمهيد أثباج البحار(٣)، ودعاءٌ سمعته فى عسكرهم فى الهواء من السَّحَر. قالوا: وما هو ؟ قال: اللهم أنتَ الرّحمن الرّحيم؛ لا إله غيرُك، والبديع ليس قبلك شىء، والدائم غير الغافل ، والحىّ الذى لا يموت، وخالق ١٩٧٥/١ ما يُرَى وما لا يُرَى، وكلّ يوم أنت فى شأن، وعَلِمتَ اللهمّ كلّ شيء بغير تَعَلُّم (٤)؛ فعلمت أنّ القوم لم يُعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله (٥). فلقد كان أصحابُ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم يسمعون من ذلك الهَجَرَىّ(٦) بعد . (١) أقفل الناس : أرجعهم . (٢) الأغانى: ((بعثوا إليه)). (٣) الأغانى: ((البحور)). (٤) الأغانى: ((تعليم)). (٥) الخبر إلى هنا فى الأغانى ١٥: ٢٥٧ - ٢٦٢، مع تصرف واختصار. (٦) ابن الأثير: ((هذا منه بعد)). سنة ١١ ٣١٣ وكتب العَلاء إلى أبى بكر: أما بعدُ؛ فإنّ الله تبارك وتعالى فَجَّر لنا الدَّهْناءَ فيضًا لا تُرَى غواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غمّ وکرب ، لنحمد اللّه ونمجّده، فادعُ الله واستنصرْه لجنوده وأعوان دينه . فحمد أبو بكر اللّه ودعاه ، وقال : ما زالت العرب فيما تحدّث عن بلدانها يقولون: إنّ لقمان حين سُئل عن الدّهناء: أيحتفرونها أو يدعونها؟ نهاهم، وقال: لا تبلغها الأرْشِيَة، ولم تقرّ العيون؛ وإنّ شأن هذا الفَيْض من عظيم الآيات ، وما سمعنا به فى أمّة قبلها. اللهمّ أخلف محمدًا صلى الله عليه وسلم فينا . ثم كتب إليه العلاءُ بهزيمة أهل الخندق وقتْل الخطم، قتله زيد ومعمر (١): أمَّا بعد، فإنّ اللّه تبارك اسمه سلَب عدوّنا عقولهم، وأذهب رِيحتهم بشراب أصابوه من النّهار ، فاقتحمنا عليهم خندقتهم ، فوجدناهم سُكارى ، فقتلناهم إلاّ الشريد، وقد قتل اللّه الحُطَم. فكتب إليه أبو بكر : أمَّا بعد ، فإنْ بلغك عن بنى شيبان بن ثعلبة تمامٌ على ما بلغك ، وخاض فيه المُرْجفون ، فابعث إليهم جندًاً فأوطِئهم وشَرّد ١٩٧٦/١ بهم من خلفهم. فلم يجتمعوا ؛ ولم يصرْ ذلك من إرجافهم إلى شىء. ذكر الخبر عن ردَّة أهل عُمان ومَهْرة واليمن قال أبو جعفر: وقد اختُلف فى تاريخ حَرْب المسلمين ، فقال محمد ابن إسحاق - فيما حدثنا ابنُ حميد، عن سلمة عنه : كان فتحُ اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشَّم فى سنة اثنتى عشرة . وأمَّا أبو زيد فحدثنى عن أبى الحسن المدائنى فى خبر ذكره ، عن أبى معشر ويزيد بن عياض بن جُعْدُبّة وأبى عبيدة بن محمد بن أبى (١) ط: ((مسمع))، وانظر ص ٣١٠ س ١٥ .. ٣١٤ سنة ١١ عُبَيَدة وغسَّان بن عبد الحميد وجُوَيْرِيَة بن أسماء، بإسنادهم عن مشيختهم وغيرهم من عُلماء أهل الشأم وأهل العِرَاق ؛ أنّ الفتوح فى أهل الرّدّةَكُلَّهَا كانت لخالد بن الوليد وغيره فى سنة إحدى عشرة، إلاّ أمرربيعة بن بُجَيْر؛ فإنَّه كان فى سنة ثلاث عشرة . وقصّة ربيعة بن بجير التغلبىّ أنّ خالد بن الوليد - فيما ذكر فى خبره هذا الذى ذكرت عنه - بالمُصَيّخ والحَصِيد، قام وهو فى جَمْع من المرتدّين فقاتله، وغِّم وسَبَى، وأصاب ابنةً لربيعة بن بُجَير، ، فسباها وبعث بالسَّبْى إلى أبى بكر رحمه اللّه ، فصارت ابنة ربيعة إلى علىّ بن أبى طالب عليه السلام . ١٩٧٧/١ ... فأمَّا(١) أمْر عُمان فإنَّه كان- فيما كتبإلىّ السرىّ بن یحیی يخبرنى عن شُعيب ، عن سَيْف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد والغصن بن القاسم وموسى الجليوسىّ (٢) عن ابن مُحَيْريز، قال : نبغ بعمان ذو النَّاجِ لَقِيط (٣) بن مالك الأزدىّ، وكان يسامى (٤) فى الجاهليَّة الجُلَنْدَى؛ وادَّعى بمثل ما ادّعى به مَنْ كان نبيًّا، وغلب على عُمَان مرتدًّاً، وألجأ جَيْفَرًا وعبّادًا إلى الأجبال والبحر ؛ فبعث جَسْفر إلى أبى بكر يخبره بذلك، ويستجيشه عليه. فبعث أبو بكر الصّدّيق حُذيفة بن محصن الغَلْفانىّ من حِمْير، وعَرْفجةَ البارقىّ من الأزد ؛ حذيفة إلى عُمَان وعرفجة إلى مَهْرة. وأمرهما إذا اتَّفْقا أن يجتمعا على مَن بُعثا إليه، وأن يبتدئا بعُمان، وحُذيفة على عَرْ فجة فى وجْهِهِ، وعَرْ فجة على حذيفة فىوجهه . فخرجا متساندين ، وأمرهما أن يُجِدّا السَّيْرَ حتى يقدَمَا عُمان ؛ فإذا كانا منها قريباً كاتبًا جَيْفَرًا وعبّادًا؛ وعملابرأيهما . فمضيا لما أمرا به؛ وقد كان أبو بكر بعث عكرمة إلى مُسَيْلمة باليمامة، وأتبعه شُرّحبيل بن حَسَنة، (١) ب، س: ((قال أبو جعفرفأما)) (٢) كذا فى ز وفى ب: ((الحليوسى)). (٤) كذا فى ط، وفى س: ((يسمى)). (٣) س: ((ابن لقيط)). ٣١٥ سنة ١١ ١٩٧٨/١ وسمّى لهما اليمامة ؛ وأمرهما بما أمر به حُذيفة وعَرْفجة . فبادر عِكْرمة شُرَّحْبيل، وطلب حُظْوَةَ الظَّفَر، فنكبه مُسَيْلمة؛ فأحجم عن مُسيلمة، وكتب إلى أبى بكر بالخبر ، وأقام شُرَحبيل عليه حيث بلغه الخبر، وكتب أبو بكر إلى شُرَحْبيل بن حسنة ؛ أن أقم بأدنى اليمامة حتى يأتيَك أمرِى، وتَرَك أن يُمْضيَّه لوجهه الذى وجَّهه له؛ وكتب إلى عِكْرِمة بُعَنَّفه لتسرُّعه، ويقول: لا أرَيّنك ولا أسمعنَ بك إلاّ بعد بلاء، والحقْ بعُمَان حتى تقاتل أهلَ عُمان، وتُعين حُذيفة وعَرْفجة، وكلّ واحد منكم على خَيْله، وحذيفة ما دُمّم فى عمله على النَّاس ، فإذا فرغتم فامضٍ إلى مَهْرة، ثم ليكُنْ وجهُك منها إلى اليمن؛ حتى تُلاقىَ المهاجر ابن أبى أميّة بالیمن وبحضرموت ، وأوطِئ من بینعمان والیمن ممن ارتدّ ؛ وَلْيَبْلُغْنى بلاؤك . فضى عِكْرمة فى أثرٍ عَرْفجة وحُذيفة فيمَن كان معه حتَّى لحق بهما قبل أن ينتهيًا إلى عُمان، وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأى عكرمة بعد الفراغ فى السَّيْر معه أو المقام بعثمان ، فلمَّا تلاحقوا - وكانوا قريبًا من عُمَان بمكان يُدعى رجَامًاً(١) - راسلوا جَيْفَرًا وعَبَّادًا. وبلغ لتقيطا مجىء الجيش ، فجمع جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر وعباد من موضعهما الَّذِى كانا فيه ، فعسكرا بصُحَار، وبعثا إلى حُذيفة وعَرْفجة وعِكْرِمة فى القدوم عليهما ، فقدموا عليهما بصُحَار، فاستبرءُوا ما يليهم حتى رضُوا ممن يليهم؛ وكاتبوا رؤساء مع لقيط وبدءوابسيد بنى جديد، فكاتبهم وكاتبوه ١٩٧٩/١ حتى ارفضَّوا عنه؛ ونهدوا إلى لقيط، فالتقوا على دَبًا، وقد جمع لقيط العيالات ، فجعلهم وراء صفوفهم ليُجَرّبهم؛ وليحافظوا على حُرَمِهم - - ودَبّاً هى المِصْر والسوق العظمى - فاقتتلوا بِدَبًا قتالا شديداً؛ وكاد لقيط يستعلى النَّاس ؛ فبيناهم كذلك، وقد رأى المسلمون الخليل ورأى المشركون الظَّفَر، جاءت المسلمين موادًّهم العُظْمى من بنى ناجية ؛ وعليهم الخرّيتُ بن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سَيْحان بن صُوحان، وشواذب (٢) (١) س: ((رعاما)). (٢) الشواذب : جمع شاذب، وهو المتنحى عن وطنه . ٣١٦ سنة ١١ عُمان من بنى ناجية وعبد القيس ، فقوَّى اللّه بهم أهل الإسلام، ووهَّ اللّه بهم أهلَّ الشَّرْك؛ فولَّى المشركون الأدبار ، فقتلوا منهم فى المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتى أثخنوا فيهم، وسَبَوا الذّرارىّ، وقسموا الأموال على المسلمين ، وبعثوا بالخمس إلى أبى بكر مع عَرْفجة ، ورأى عِكْرمة وحذيفة أن يقيم حُذيفة بعُمان حتى يوطّئ الأمور، ويُسكُّن الناس ؛ وكان الخمس ثمانمائة رأس ، وغنموا السوق بحذافيرها. فسار عرفجة إلى أبى بكر بِخُمسِ السَّبْى والمغانم، وأقام حُذيفة لتسكين النَّاس ، ودعا القبائل حَوْلَ عُمان إلى سكون(١) ما أفاء اللّه على المسلمين، وشواذب عُمان، ومضى عِكْرمة فى الناس ، وبدأ بمهْرة ، وقال فى ذلك عَبَّاد الناجىّ : من الشَّرِّ ما أَخزى وجوهَ الثّعالِب لَعَمْرى لقد لا فَى لَقِيِطَ بنَ مالكٍ ١٩٨٠/١ خَلِيجَانِ مِنْ تَيَّارِهِ الْمُتَرَاكِبِ وبادَى أبا بكرٍ ومن هَلَّ فَارْتَمَى فألْوَتْ عليهِ خَيْلُهُ بِاَلجَنَائِبٍ (٢) ولم تَنْهَهُ الأولى ولم يُنْكَأ العِدَا ذكر خبر مَهْرَة بالنّجد ولمَّا فَرغ عِكْرِمة وعَرْفجة وحُذَيفة من رِدّة عُمان، خرج عِكْمة فى جنده نحو مَهْرة ، واستنصر مَن حول عُمان وأهل عُمان، وسار حتى يأتى منهرة، ومعه ممَّن استنصره من ناجية والأزْد وعبد القيس وراسب وستَعْد من بني تميم (٣) بشرٌ (٤)؛ حتى اقتحم على مَهْرة بلادَها ، فوافق بها جمعَيْن من مَهْرة: أمَّا أحدُهما فيمكان من أرض مَهْرة يقال له: جَيْرُوت، وقد امتلأ ذلك الحَيّز إلى نَضَدُون - قاعَيْن من قِيعان مَهْرة - عليهم شخريت، رجل من بنى شخراة؛ وأمَّا الآخر فبالنَّجد ؛ وقد انقادت (١) سكون ، بمعنى السكنى ، وهو الإقامة (٣) وهو سعد بن زيد، وانظر ص ٣٢٧ س ١٤. (٢) ب: ((بالحبائب)). (٤) ز : ((يسير)). سنة ١١ ٣١٧ مَهْرة جميعًا لصاحب هذا الجمْع ؛ عليهم المُصَبَّح ، ؛ أحد بنى مُحارب والنَّاس كلُّهم معه؛ إلاّ ما كان من شخريت، فكانا مختلفين؛ كلّ واحد ١٩٨١/١ من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه، وكلُّ واحد من الجُنْدَيْن يشتهى أن يكون الفُلْج (١) لرئيسهم؛ وكان ذلك ممَّا أعان اللّه به المسلمين وقتَوَّاهم على عدوّهم ؛ ووهّنهم . ولما رأى عِكْرِمة قلةَ مَنْ مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الإسلام ؛ فكان لأوّل الدعاء ، فأجابه ووهَّن الله بذلك المصبَّح. ثم أرسل إلى المصبَّح يدعوه إلى الإسلام والرجوع عن الكفر ؛ فاغترَّ بكثرة من معه ، وازداد مباعدة لمكان شخريت ، فسار إليه عِكْرمة ، وسار معه شخريت ، فالتقوا هم والمصبّح بالنَّجد؛ فاقتتلوا أشدّ منَ قتال دَبَا . ثمّ إنّ اللّه كشفَ جنودَ المرتدّين، وقتل رئيستهم، وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاءوا، وأصابوا ما شاءوا ، وأصابوا فيما أصابوا ألْفَىْ نَجِيبة ، فخمَّس عِكْرمة الفىء ، فبعثَ بالأخماس مع شخريت إلى أبى بكر، وقسّم الأربعة الأخماس على المسلمين ، وازداد عِكْرِمة وحنده قوّةً بالظّهر والمَّاع والأداة ، وأقام عِكْرِمة حتَّى جمعهم على الذى يحبّ، وجمع أهل النَّجد، أهل رياض(٢) الروضة، وأهل الساحل؛ وأهل الجزائر؛ وأهل المُرّ واللّبان وأهل جيْروت، وظهور الشَّحْر والصَّبَرات، وينعب، وذات الخيم؛ فبايعوا على الإسلام ، فكتب بذلك مع البشير - وهو السائب أحد بنى عابد من مخزوم- فقدم على أبى بكر بالفَتْح ، وقدم شخريت بعده بالأخماس ، وقال فى ذلك عُلْجُوم المحاربىّ : ١٩٨٢/١ وفِرْ ضِمَ إِذْسارت إِلينا الخلائِبُ(٣) جزى الله شخريتاً وأفناءَ هَيْشَمِ ولم يَرْجُها فيما يُرَجَى الأقاربُ جَزَاءَ مُسِئءٍ لَمْ يُرَاقِبِ لذِمَّةَ(٤) لضاقَتْ عليك بالفَضَاءِ المذاهب أعِكْرِمَ اولا جَمْع قومِی وفِلُهم (١) الفلج : الفوز والنصر . (٢) ط: ((رياضة))، ورياض الروضة: موضع ذكره ياقوت وقال: إنه بأرض مهرة من أقصى اليمن، له ذكر فى الردة. وانظر ص ٣٣٢ س ٤، ١٤ (٣) الحلائب : الجماعات . (٤) ط ((ذمة))، وما أثبته من ز، وفى ابن كثير: ((لدينه)). سنة ١١ ٣١٨ وكنّا كمن إقتاد كفًّا بأخْتها وحلَّتْ علينا فى الدُّهورِ النوائبُ ذكر خبر المرتدّين باليمن ١/ ١٩٨٣ قال أبو جعفر : كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة، عن عكرمة وسهل، عن القاسم بن محمّد، قال: توُفِّىَ رَسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلَّم وعلى مكَّة وأرضها عَتَّاب بن أسيد والطَّاهر بن أبى هالة؛ عتَّب على بنى كنانة، والطَّاهر على عكّ؛ وذلك أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلم قال: اجعلوا عمالة عكّ فى بنى أبيها مَعَدّ بن عدنان، وعلى الطَّائف وأرضها عُثمان بن أبى العاص ومالك بن عوف النّصرىّ ؛ عثمان على أهل المدر ومالك على أهل الوبر أعجازٍ هوازن ، وعلى نجران وأرضها عَمْرو بن حزم وأبو سفيان ابن حَرَّب ؛ عمرو بن حزم على الصّلاة وأبو سفيان بن حرب على الصَّدّقات ، وعلى ما بين رِمع وزَبيد إلى حدّ نَجْران خالد بن سعيد بن العاص ، وعلى هَمْدان كلّها عامر بن شَهْر، وعلى صنعاء فيروز الدَّيلمىّ يسانده(١) داذَوَيْه وقيس بن المكْشُوح ، وعلى الجنّد يعلى بن أميَّة، وعلى مأرِب أبو موسى الأشعرىّ، وعلى الأشعريين مع عكّ الطَّاهر بن أبى هالة، ومُعاذ بن جبل يعلّم القوم، يتنقل (٢) فى عمل كلّ عامل، فنَزَابهم(٣) الأسود فى حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم، فحارَبَه النبىّ عليه السَّلام بالرُّسل والكتب حتى قتله اللّه، وعاد أمر النبيّ عليه السلام كما كان قبل وفاة النبى عليه السّلام بليلة ؛ إلاّ أنّ مجيئهم لم يحرّك النَّاس، والنَّاس مستعدّون (٤) له. فلمّا بلغهم موتُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم انتقضت اليمن والبلدان؛ وقد كانت تذبذبَتْ خيولُ العَنْسِىّ - فيما بين نَجْران إلى صَنْعَاء فى (١) ط : ((مساندة )» وأثپت ما فى ذ (٢) ب: ((ينتقل)). (٣) نزابهم ، أى وثب . (٤) س: ((يستعدون)) ٣١٩ سنة ١١ عرض ذلك البحر - لا تأوى إلى أحد ، ولا يأوى إليها أحدٌ ؛ فعمرو بن معد يكرب بحيال فَرْوة بن مُسَيَك ، ومعاوية بن أنس فى فَالَّة العَنْسِىّ يتردّد؛ ولم يرجع من عمال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد وفاة النبيّ صلّى الله ١٩٨٤/١ عليه وسلَّم إلاّ عمرو بن حَزْم وخالد بن سعيد، ولجأ سائر العمَّل إلى المسلمين؛ واعترض عمرو بن معديكرب خالد بن سعيد، فسلَّبه الصَّمصامة . ورجعت الرُّسل مع مَن رجع بالخبر، فرجع جرير بن عبد الله والأقرع بن عبد اللّه ووَبَر بن يُحَنَّس، فحارب أبو بكر المرتدّة جميعًا بالرسل والكتب ، كما كان رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم حاربهم؛ إلى أن رجع أسامة بن زيد من الشَّام ، وحزْر ذلك ثلاثة أشهر ، إلاّ ما كان من أهل ذى حُسّ وذى القصّة. ثم كان أوّل مصادم عند رجوع أسامة هم (١). فخرج إلى الأبرق فلم يصمُد لقوم فَيَفلّهم (١) إلا استنفر مَنْ لم يرتدّ منهم إلى آخرين، فيغلّ بطائفة من المهاجرين والأنصار والمستنفرة ممن لم يرتدّ إلى الَّتِى تَلِيهم؛ حتى فَرَغ من آخر أمور النَّاس ، ولا يستعين بالمرتدّين . فكان أوّل مَنْ كتب إليه عتَّاب بن أسيد، كتب إليه بركوب من ارتدّمن أهلِ عمله بمَن (٢) ثبت على الإسلام، وعثمان بن أبى العاص بركوب من ارتدّ من أهل عَمَلِهِ بمن ثبتَ على الإسلام، فأما عتَّب فإنَّه بعث خالد ابن أسيد إلى أهل تيهامة، وقد تجمَّعت بها جُمَّاعٌ من مُدْلج، وتأشَّب إليهم شُذَاذٌ من خُزَاعَةِ وأفْنَاء كنانة، عليهم جُندَب بن سُلْمَىَ، أحد بنى شَنوق(٣)، من بنى مُدْلج، ولم يكن فى عملٍ عتَّب جمعٌ غيره ، فالتقوا بالأبارق ، ففرّقهم وقتلهم ، واستحرَّ القتل فى بنى شنُوق ، فما زالوا أذلاء قليلاً، وبرئت عمالةُ عتَّب، وأفلت جندب ، فقال جندب فى ذلك : ١٩٨٥/١ أَتَيْتُ الَّى يَبْقى على المَرْءِ عارُها بدمتُ وأيقنت الفَدَاه بأنَِّ بنى مُدْلج فاللّهُ رَبِّى وجارُها شهدتُ بأنَّ اللهَ لا شىء غیرُه (١) كذا فى ز، وفى ط: ((هو)) (٢) س: ((من)). (٣) ص: ((شبوى)» ٣٢٠ سنة ١١ وبعث عثمان بن أبى العاص بعثا إلى شنوءة ، وقد تجَّمعت بها جُمَّاع من الأزْد وبَجِيلة وخَتْعَم؛ عليهم حُمَيْضة بن النُّعمان، وعلى أهل الطَّائف عثمان بن ربيعة، فالتقوْا بشنوءة ، فهزموا تلك الجُمَّاعَ، وتفرّقوا عن حُميضة وهرب حُمَيَضة فى البلاد ، فقال فى ذلك عثمان بن ربيعة : وقد تُعْدِى على الغَدْرِ الفُتُوقُ فضضنا جَبْعهم والنّقْعُ کابٍ فعادت خُلَّبَا تلك البروقُ وَأَبْرَقَ بارقٌ لَمَّا التقينا ... خبر الأخابث من عكّ قال أبو جعفر: وكان أول منتقض بعد النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بتهامة ١٩٨٦/١ عكّ والأشْعُرون، وذلك أنَّهم حين(١ بلغهم موتُ(١) النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلّ تجمّعَ منهم طَخارير (٢)، فأقبل إليهم طَخاريرُ من الأشعرين وخَضَّم فانضْمُّوا إليهم ، فأقاموا على الأعلاب طريق الساحل ، وتأشَّب إليهم أوزاعٌ علی غیر رئیس ؛ فکتب بذلك الطاهر بن أبى هالة إلى أبى بكر ؛ وسار إليهم، وكتب أيضًا بمسيره إليهم ، ومعه مَسْرُوق العكِّىّ حتى انتهى(٣) إلى تلك الأوزاع، على الأعلاب، فالتقوا فاقتتلوا، فهزمهم اللّه ، وقتلوهم كلّ قِتْلة؛ وأنْتَنَتِ السُّبل لقتلهم؛ وكان مقتلُهم فتحًا عظيمًا. وأجاب أبو بكر الطَّاهر قبل أن يأتيه كتابه بالفتح : بلغنى كتابك تخبرُنى فيه مسيرك واستنفارَك مسروقًا وقومَه إلى الأخابث بالأعلاب، فقد أصَبْتَ ، فعاجِلوا هذا الضَّرْب ولا تُرَفُّهوا عنْهم ، وأقيموا بالأعلاب حتى يأمَن طريق الأخابث ، ويأتيكم أمرِى. فسمِّيَتْ تلك (١ - ١) س: ((حين مات)). (٢) يقال : جاء فى طخارير؛ أى فى أشابة من الناس متفرقين. (٣) ز: ((انتهيا)).