النص المفهرس
صفحات 101-120
سنة ٩ ١٠١ ١٦٩٣/١ ثم أمر النّاس بالتهيُّؤ لغزو الروم ؛ فحدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عن الزّهرىّ ويزيد بن رومان وعبد اللّه بن أبى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم؛ كلّ قد حدّث فى غزوة تبوك ما بلغه عنها ، وبعض القوم يحدّث ما لم يحدّث بعض ، وكلٌّ قد اجتمع حديثه فى هذا الحديث. إنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلم أمرّ أصحابه بالتهيُّؤُ لغزو الرُّوم ؛ وذلك فى زمن عُسْرة من الناس ، وشدّة من الحرّ، وجَدْب من البلاد ؛ وحين طابت الثمار وأحبّت الظلال ؛ فالناس يحبُّون المقام فى ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذى هم عليه، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قلّما يخرج فى غزوة إلاّ كنتى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الذى يصمد له ؛ إلاّ ما كان من غزوة تبوك ، فإنه بيّتها للناس لبُعْد الشُّفَّة وشدّة الزمان وكثرة العدوّ الذى يصمد (١) له ، ليتأهّبَ الناس لذلك أهبته، وأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم . فتجهّز الناس على ما فى أنفسهم من الكُرْه لذلك الوجه لما فيه ؛ مع ما عظّموا من ذكر الرّوم وغزوهم؛ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو فى جهازه ذلك للجَدّ بن قيس أخى بنى سلِمة: هل لك ياجدّ العام فى جلاد بنى الأصفر (٢)؟ فقال: يا رسول اللّه، أوَ تأذَنُ لى ولا تفتنّى! فوالله لقد عرف قومى ما رجلٌ أشدّ عجبًا بالنساء منّى؛ وإنى أخشى إن رأيتُ نساء بنى الأصفر ألاّ أصبرَ عنهنّ. فأعرض عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم وقال : قد أذنت لك ؛ ففى الجدّ بن قيس نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اثْذَنْ لِ وَلاَ تَفْتِى ... ) (٣) الآية؛ أى إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بنى الأصفر - وليس ذلك به - [فما] (٤) سقط فيه من الفتنة ١٦٩٤/١ بتخلّفه عن رسول الله والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم ؛ وإن جهنم لمن ورائه . وقال قائل من المنافقين لبعض : لا تنفِرُوا فى الحرّ ، زهادةً فى الجهاد ، (١) يصمد : يقصد. (٣) سورة التوبة ٤٩. (٢) بنو الأصفر : هم الروم . (٤) من ابن هشام . ٠١٠٢ سنة ٩ وشكًّا فى الحقّ، وإرْجافًا بالرسول، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: ﴿ وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِى الْحَرِّ قَلْ نَارُ جَهََّ أَشَدُّ حَرَّا لَوْكَانُوا يَفْتُهُونَ﴾ . إلى قوله: (جَزَاءُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(١). ثم إنّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم جَّدَّ فى سفره، فأمر الناس بالجهاز والانكماش ، وحضّ أهل الغِنَى على النفقة والحمْلان (٢) فى سبيل اللّه، ورغَبّهم فى ذلك ، فحمل رجال من أهل الغنى فاحتسبوا(٣) ، وأنفق عمان ابن عفان فى ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحدٌ أعظم من نفقته (٤). ثمّ إن رجالاً من المسلمين أتوا رسولَ الله؛ وهم البكتّاءُون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم (٥)، فاستحملوا (٦) رسولَ اللّه، وكانوا أهلَ حاجة، فقال: ﴿لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ)(٧). قال: فبلغنى أنّ يامين بن عُمَر بن كعب النضْرِيِّالقيّ أبا ليلى عبدالرحمن بن كعب وعبد الله بن مُغَفّل ، وهما يبكيان ، فقال لهما: ما يُبْكيكما ؟ قالا: جئنا رسولَ الله لیحملنا، فلمنجد عنده ما يحملُنا عليه ، وليس عندنا ما نتقوّى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحًا (٨) ١٦٩٥/١ فارتحلاه، وزوَّدهما شيئًا من تَمْر، فخرجا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم . (١) سورة التوبة ٨١، ٨٢ . (٢) الحملان : مصدر حمل يحمل . (٣) احتسبوا، أى جعلوا أجر ما بذلوا عند الله. (٤) قال ابن هشام: ((حدثنى من أثق به أن عثمان بن عفان أنفق فى جيش العسرة فى غزوة تبوك ألف دينار؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم ارض عن عثمان فإنى عنه راض)). (٥) ابن هشام: ((وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بنى عمرو بن عوف: سالم بن عمير ، وعلبة بن زيد أحد بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أحد بنى مازن بن النجار ، وعمرو بن حمام بن الجموح أخو بنى سلمة ، وعبد الله بن المغفل المزنى - وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزنى - وهرمى بن عبد اللّه أخو بنى واقف، وعرباض بن سارية الفزارى)). (٦) استحملوه: طلبوا منه ما يحملهم عليه . (٨) الناضح : الحمل يستقى عليه . (٧) سورة التوبة ٩٢ . . سنة ٩ ١٠٣ قال: وجاءَ المُعَذِّرون من الأعْراب، فاعتذروا إليه فلم يعذرهم اللّه عزّ وجلّ ؛ وُذكر لى أنهم كانوا من بنى غِفَار، منهم خُفاف بن إيماء بن رَحْضَة . ثم استتبَّ(١) برسول الله صلى الله عليه وسلم سفرُه، وأجمع السير ؛ وقد كان نفر من المسلمين أبطأتْ بهم النيّة عن رسول اللّه حتى تخلّفوا عنه من غير شكّ ولا ارتياب ؛ منهم كعب بن مالك بن أبى كعب أخو بنى سلِمة ، ومرارة بن الربيع أخو بنى عمرو بن عوف ، وهلال بن أميّة أخوبنى واقف ، وأبو خيثمة أخو بنى سالم بن عوف ؛ وكانوا نفرَ صدق لا يُتَّهمون فى إسلامهم، فلمّا خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنيّة الوَدّاع ، وضرب عبد الله بن أبيّ بن سَلُول عسكره على حدة أسفل منه بحذاءُ ذْبَاب؛ جبل بالجبّانة أسفل من ثنيّة الوداع. وكان - فيما يزعمون - ليس بأقل العسكرين؛ فلمّا ساررسولُ الله صلى الله عليه وسلم تخلّف عنه عبد الله بن أبىّ فيمن تخلّف من المنافقين وأهل الرّيب - وكان عبدُ اللّه بن أبىّ أخا بنى عوف بن الخزرج - وعبد الله بن نَبْتَل أخا بنى عمرو بن عوف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بنى قينُقَاع ؛ وكانوا من عظماء المنافقين ؛ وكانوا ممّن يكيد الإسلام وأهله (٢). قال : وفيهم - فيما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصرىّ - أنزل الله عزّ وجلّ: ١٦٩٦/١ ﴿لَقَدَ أُبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ . (٣) ، الآية . قال ابن إسحاق: وخلّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم علىّ بن أبى طالب على أهله ، وأمره بالإقامة فيهم ،، واستخلَف على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة ، أخا بنى غِفار، فأرجف المنافقون بعلىّ بن أبى طالب ، وقالوا : ما خَلّفَه (١) استتب: تتابع واستمر. (٣) سورة التوبة: ٤٨. (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٣١٦ - ٣١٧. ١٠٤ سنة ٩ إلا استثقالاله، وتخفّفًا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علىّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجُرف فقال : يا نبيّ اللّه؛ زعم المنافقون أنّكْ إنّما خَلّفتنى، أنك استثقلتنى وتخفّفَتَ منّى! فقال: كذبوا ، ولكنى إنما خلّفتُك لما ورائى، فارجع فاخلُفْنى فى أهلى وأهلِك ؛ أفلا ترضى يا علىّ أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؛ إلاّ أنه لا نبيّ بعدى! فرجع علىّ إلى المدينة، ومضى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم على سفره(١). ثم إنّ أبا خَيْئَمة أخا بنى سالم رجع - بعد أن سارَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أيامًا - إلى أهله فى يوم حارّ ، فوجد امرأتين له فى عريشين (٢) لهما فى حائط (٣)، قد رشّتْ كلُّ واحدة منهما عريشَها وبرَّدتْ له فية مَأةً! وهيَّأَتْ له فيه طعامًا ؛ فلمّا دخل فقام على باب العريشين ؛ فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، قال: رسولُ اللّه فى الضِّحِّ(٤) والريح، وأبو خيثمة فى ظلال ١٦٩٧/١ باردة وماء بارد وطعام مهيا وامرأة حسناء، فى ماله مقيمٌ! ما هذا بالنَّصَف! ثمّ قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحقَ برسول اللّه؛ فهّيثَاً لى زاداً؛ ففعلتًا. ثم قدّم ناضِحه فارتحله، ثمّ خرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى أدركه حين نزل تبُوك ، وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهب الجُمحىّ فى الطريق، يطلب رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فترافقا(٥) حتى إذا دنَوَا من تبوك قال أبو خيثمة لعُمير بن وهب : إنّ لى ذقبًا ، فلا عليك أن تَخلفَ عنّى حتى آتىَ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم. ففعل، ثم سار حتى إذا دنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو نازل بتبُوك، قال الناس : يا رسولَ الله، هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله: كُنْ أبا خيثمة! فقالوا: يا رسولَ اللّه، هو واللّه أبو خيثمة! فلمنا أناخ أقبل فسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسولُ اللّه: أَوْلَى لك (١) ابن هشام: ((ثم رجع على إلى المدينة؛ ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره)). (٢) العريش: شبيه الخيمة، يظلل ليكون أبرد الأخبية والبيوت. (٣) ابن هشام: ((حائطه))، والحائط هنا: البستان. (٤) الضح : الشمس . (٥) س: ((غواقفا)). 47 ء ١٠٥ سنة ٩ يا أبا خيثمة! ثم أخبر رسولَ الله الخبر"، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيراً ، ودعا له بخير . وقد كان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم حين مرّبالحجْر نزلها واستقى الناس من بئرها ، فلمّا راحوا منها قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تشربُوا من مائها شيئًا ، ولا تتوضّئوا منها للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ؛ ففعل الناس ما أمرهم به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بنى ساعدة ؛ خرج أحدهما لحاجته ، وخرج الآخر فى طلب بعير له ، فأما الذى ١٦٩٨/١ ذهب لحاجته فإنه خُنِقَ على مذهبه ، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتملْه الريح حتى طرحته فى جبلىْ طيّئ، فأخبر بذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألم أنهكم أن يخرج منكم أحدٌ إلا ومعه صاحب له ! ثم دعا للّذى أصيب على مذهبه فشُفِىَ، وأما الآخر الذى وقع بجبلَىْ طيّئ ؛ فإِنّ طيئاً هدتْهُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة(١). قال أبو جعفر : والحديث عن الرجلين (٢). حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى بكرر، عن العبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ: فلما أصبح النّاس - ولا ماءَ معهم - شكَوْا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوَى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء (٣) حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : قلت لمحمود بن لبيد : هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم ؟ قال : نعم ؛ والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن (١) سيرة ابن هشام ٢: ٣١٦، ٣١٨. (٢) فى ابن هشام: ((والحديث عن الرجلين، عن عبد الله بن أبى بكر عن عباس بن سهل ابن سعد الساعدى ، وقد حدثنى عبد الله بن أبى بكر أنه قد سمى له العباس الرجلين؛ ولكنه استودعه (٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٣١٨. إياهما، فأبى عبد الله أن يسميهما لى)). ١٠٦ سنة ٩ أبيه ومن عمّه ومن عشيرته ، ثم يلبس بعضهم بعضًا على ذلك؛ ثم قال محمود : لقد أخبرنى رجالٌ من قومى عن رجل من المنافقين معروف نفاقُه ، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار ، فلما كان من أمر الماء بالحجْر ما كان، ودعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول : ويْحَك ! هل بعد هذا شىء ! قال : سحابة مارَّةٌ . ثمّ إنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ١٦٩٩/١ ضلّتْ ناقتُه، فخرج أصحابُه فى طلَبِها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من أصحابه ، يقال له ◌ُمارة بن حزم ، وكان عقَبيًّا(١) بدريًّا، وهو عمّ بنى عمرو بن حزم، وكان فى رحله زيد بن لُصَيْب القَيْنُقَاعَّى، وكان منافقًا، فقال زيد بن لُصَيب(٢) وهو فى رحل ◌ُمارة، وُمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يزعم محمد أنه نبيّ يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - وعمارة عنده: إن رجلاً قال : إنّ محمداً هذا يخبركم أنه نبيّ، وهو يزعم أنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته! وإنى والله ما أعلم إلاّ ما عدّمنى اللّه، وقد دلنى الله عليها ، وهى فى الوادى من شِعْب كذا وكذا قد حبستْها شجرة بزمامها ، فانطلقوا حتى تأتُوا بها ، فذهبوا فجاءوا بها ، فرجع ◌ُمارة بن حزم إلى أهله ، فقال: والله لعجبٌ من شىء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفًا عن مقالة قائل أخبره اللّه عنه كذا وكذا - للذى قال زيد بن اللَّصَيب - فقال رجُلّ ممن كان فى رحْل عمارة، ولم يحضر رسول الله: زيد واللّه قال هذه المقالة قبل أن تأتِىَ . فأقبل عمارة على زيد يَجَأ فى عنقه (٣) ، ويقول: يا عباد الله ، واللّه إنّ فى رَحْلِى لداهية وما أدرى! اخرج يا عدوّ اللّه من رحلى فلا تصحَبْى! قال : فزعم بعضُ الناس أنّ زيداً تاب بعد ذلك ، وقال بعض : لم يزل مُتّهمًا بشرّ حتى هلك. ٠ (١) أى ممن شهد بيعة العقبة. (٢) ابن هشام فى إحدى روايتيه: ((لصيت)). (٣) يجأ فى عنقه : يطعنه . سنة ٩ ١٠٧٠٠ ثم مضى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم سائراً؛ فجعل يتخلّف عنه الرجل فيقولون: يا رسولَ اللّه، تخلّف فلان ، فيقول: دعوه ، فإن يكُ فيه خير ١٧٠٠/١ فسيُلْحِقِه اللّه بكم، وإنْ يكُ غير(١) ذلك فقد أراحكم الله منه؛ حتى قيل: يا رسول الله، تخلّف أبو ذر" وأبطأ به بعيره؛ فقال: دعوه، فإنْ يَك فيه خير فسيُلحقه الله بكم ، وإن يَكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه. قال : وتلوّم (٢) أبو ذرّ على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فحمله على ظهره ، ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه ماشيًا، ونزل رسولُ الله فى بعض منازله ، فنظره ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسولَ اللّه، إنّ هذا الرجل يمشى على الطريق وحده، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: كن أبا ذرّ! فلمّا تأمله القوم ، قالوا : يا رسول الله، هو أبو ذرّ! فقال رسولُ الله صلى اللّه عليه وسلم: يرحم الله أبا ذرّ! يمشى وحده، ويموت وحده، ويُبْعث وحده (٣) . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بُرَيْدة بن سفيان الأسلمىّ ، عن محمّد بن كعب القُرظىّ، قال : لما نفى عثمان أبا ذرّ نزل أبو ذرّ الرّبَذَة، فأصابه بها قَدَرُه، ولم يكن معه أحدٌ إلاّ امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غَسِّلاتى وكفنانى ، ثم ضعانى على قارعة الطريق ، فأوّل ركْب يمرّ بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللّه فأعينونا على دفنه . فلما مات فعلا ذلك به ، ثم وضعاه على قارعة الطريق ، فأقبل عبد الله بن مسعود ورهطٌ من أهل العراق مُمّارًا، فلم يَرُعْهم إلاّ بجنازة على الطريق قد كادت الإبل تطؤها ، وقام إليهم الغلام ، فقال : هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللّه، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلّ عبدُ الله بن مسعود يبكى ، ويقول: صدق رسول الله! تمشى وحدك، وتموت وحدك، وتُبْعث ١ /١٧٠١ وحدك ! ثم نزل هو وأصحابه فوارَوْه . ثمّ حدتهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول اللّه فى مسيره إلى تبوك . (١) ابن هشام: ((على غير ذلك)). (٢) تلوم : تمكث وتمهل . (٣) سيرة ابن هشام ٢° : ٣١٨، ٣١٩. ١٠٨ سنة ٩ قال : وقد كان رهط من المنافقين ، منهم وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو ابن عوف، ومنهم رجل من أشْجَعَ حليفٌ لبنى سلمة، يقال له محشىٌ (١) ابن حُمَيِّر، يسيرون مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو منطلق إلى تبوك ، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون قتال بنى الأصفر كقتال غيرهم! والله لكأنىّ بكم غداً مُقَرَّتين فى الحبال؛ إِرْجَافًا وترهيبًا للمؤمنين . فقال مخشىّ ابن حميّر: واللّه لَوَدِ دْتُ أنّى أقاضى على أن يُضرب كل رجل منّا مائة جلدة، وأنا نتفلت أن يُنزِلِ اللّه فينا قرآنًا لمقالتكم هذه. وقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغنى - لعمّاربن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، (٢) فسلْهم عمّاً قالوا؛ فإن أنكروا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا . فانطلق إليهم عمّار فقال لهم ذلك ؛ فأتوا رسولَ اللّه يعتذرون إليه ، فقام وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على ناقته ، فجعل يقول وهو آخذ بحقها (٣) : يا رسول" اللّه، كنّاً نخوض ونلعب؛ فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْنَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نْعَبُ﴾(٤). وقال مخشّى بن حميِّر: يا رسول اللّه، قعد بى اسمى واسم أبى؛ فكان الذى عُفِىَ عنه فى هذه الآية مخشىّ بن ١٢٠٢/١ حميّر؛ فسمتى عبد الرحمن، وسأل الله أنْ يقتله شهيداً لا يُعامَم مكانه ، فقُتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر . فلما انتهى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك، أتاه يُحَنّه بن رُؤبة، صاحب أيلة، فصالح رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأعطاه الجزية ، وأهل جَرْباء وأذْرُح أعطوْه الجزية ، وكتب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لكل كتابًا؛ فهو عندهم. ثم إنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة - وهو أكيدر بن عبد الملك ، رجل من كِنْدة ، كان ملكًا عليها ، وكان نصرانيًّا - فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده (١) ابن هشام فى إحدى رواياته: ٠((محشى)). بالتشديد. (٢) احترفوا، أى هلكوا، وفى ط: ((اخترقوا))، وأثبت ما فى ابن هشام. (٣) الحقب : حبل يشد على بطن البعير. (٤) سورة التوبة ٦٥ . سنة ٩ .: ١٠٩ يصيد البقر ، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين ، وفى ليلة مقعرة صائفة، وهو على سطح له ، ومعه امرأته ، فباتت البقر تحُكّ بقرونها باب القصر ، فقالت امرأته : هل رأيتَ مثل هذا قطّ! قال: لا والله ، قالت : فمن يترك هذا ؟ قال : لاأحد . فنزل فأمر بفرسه فأسْرج له ، وركب معه نفر من أهل بيته ، فيهم أخٌ له يقال له حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم؛ فلمّا خرجوا تَلَقَّتهم خيلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته، وقتلوا أخاه حسّان ، وقد كان عليه قباء له من ديباج مُخوّص بالذهب ، فاستابه خالد، فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه (١) عليه (٢) حدثنا ابنُ حمید ، قال: حدثنا سلمة ، قال: حدثنى محمد بنإسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أنس بن مالك ؛ قال : رأيتُ قباء أ كيدر حين قُدم به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فجعل المسلمون يلمسونه ١٧٠٣/١ بأيديهم، ويتعجّبون منه، فقال رسول الله: أتَعْجَبَون مِنْ هذا! فو الذى نفس محمد بيده لمناديل (٣) سعد بن معاذ فى الجنة أحسنُ من هذا ! حدّثنا ابنُ حُميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم إن خالداً قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه ، وصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته . رجع الحديث إلى حديث يزيد بن رومان الذى فى أول غزوة تبُوك. قال: فأقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها (٤)، ثم انصرف قافلا إلى المدينة، فكان فى الطريق ماء يخرج من وَشكلٍ ما يرْوِى الراكب والراكبَيْن والثلاثة، بواد يقال له وادى المُشَقّق، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: مَنْ سبقنا إلى ذلك الماء فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئًا حتى نأتيه . قال : فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقوْا مافيه، فلما أتاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم (١) و: ((مقدهه)). (٣) و((لمنديل)). (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٣١٩. (٤) ابن هشام: ((لم يجاوزها)). ١١٠ سنة ٩ ١٧٠٤/١ وقف عليه فلم يَرَّ فيه شيئًا؛ فقال : مَنْ سبقنا إلى هذا الماء ؟ فقيل له : يا رسول الله، فلان وفلان، فقال: أوَ لم نَنْهَهم أن يستمُوا منه شيئًا حتى فأتيه! ثم لعنهم رسولُ اللّه، ودعا عليهم. ثمّ نزل صلى الله عليه وسلم، فوضع يده تحت الوَشَل(١)، فجعل يصب فى يده ما شاء الله أن يصبّ، ثم نضحه به ومسحه بيده ، ودعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بما شاء اللّه أن يدعوّ ، فانخرق من الماء - كما يقول مَنْ سمعه: إن(٢) له حسًّاً كحسّ الصواعق؛ فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه ، فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: مَنْ بَقِى ◌َّمكم الَيَسمعنّ(٣) بهذا الوادى؛ وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه. ثمّ أقبل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم حتى نزل بذى أوان؛ بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ؛ وكان أصحاب مسجد الضَّرّار قد كانوا أتوْه وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا قد بنينا مسجداً لذى العلّة والحاجة والليلة المتطيرة والليلة الشائية؛ وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلّى لنا فيه . فقال : إنىّ على جنّاح سفر، وحال شغل - أو كما قال رسول الله - ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلّينا لكم فيه؛ فلما نزل بذى أوّان أتاه خبرُ المسجد ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مالك بن الدُّخشُ ، أخا بنى سالم بن عوف ومعن بن عدىّ - أو أخاه عاصم بن عدىّ أخا بنى العَجْلان ـ فقال: انطلقا إلى المسجد الظالم أهلُه فاهد ماه وحرِّقَاه ؛ فخرجا سريعيْن حتى أتيا بنى سالم ابن عوف؛ وهم رهط مالك بن الدُّخشُم، فقال مالك لمعن : أنظرْنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى ، فدخل إلى أهله ، فأخذ سَعَفًا من النّخل، فأشعل فيه ناراً ، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلا المسجد وعيه أهله ، فحرّقاه وهَدماه، وتفرّقُوا عنه، ونزل فيهم من القرآن مانزل: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَ كُفْرَا وَتَغْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِين﴾(٤)، إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا : خذام بن خالد ، من بنى عبيد بن (١) الوثل: حجر أو جبل يقطر منه الماء قليلا قليلا . (٢) ابن هشام: ((وإن له حسا)» .. (٣) ابن هشام: ((لئن بقيتم لتسمعن)). ( ٤) سورة التوبة ١٠٧ . . ١١١ سنة ٩ ١٧٠٥/١ زيد؛ أحد بنى عمرو بن عوف - ومن داره أخرج مسجد الشقاق - وثعلبة بن حاطب من بنى عبيد - وهو إلى بنى أمية بن زيد، ومُعَتِّب بن قُشَيْر من بنى ضُبَيْعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر من بنى ضُبيعة بن زيد ، وعبّاد ابن حُنَيْف؛ أخو سهل بن حُنَيْف من بنى عمرو بن عوف ، وجارية بن عامر، وابناه مجمّع بن جارية وزيد بن جارية ، ونَبَْل بن الحارث ، من بنى ضُبيّعة، وبحَزَج- وهو إلى بنى ضُبيعة ــ ويجاد بن عثمان- وهو من بنى ضُبيعة - ووديعة بن ثابت وهو إلى بنى أميّة رهط أبى لُبابة بن عبد المنذر . ٠ ۵ قال : وقدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة" - وقد كان تخلّف عنه رهط من المنافقين، وتخلّف أولئك الرّهط من المسلمين من غير شكّ ولا نفاق: كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أميّة - فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لا يكلّمن أحدٌ أحداً من هؤلاء الثلاثة، وأتاه مَنْ تخلّف عنه من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون ، فصفح عنهم رسول اللّه ولم يعذِرْهم الله ولا رسوله، واعتزل المسلمون كلامَ هؤلاء الثلاثة النفر، حتى أنزل الله عزّ وجلّ قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى الَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ﴾ - إلى قوله ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(١)، فتاب الله عليهم. قال: وقدِم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة من تَبُوك فى شهر رمضان. وقدم عليه فى ذلك الشهر وفْدَ ثَقِيف ، وقد مضى ذكر خبرهم قبل. [ أمر طبي وعدىّ بن حاتم ] قال : وفى هذه السنة - أعنى سنة تسع - وجدّه رسولُ الله صلى الله عليه ١٧٠٦/١ وسلم علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فى سريّة إلى بلاد طيّئ فى ربيع الآخر، فأغار عليهم ، فسبى وأخذ سيفين كانا فى بيتِ الصنم ؛ يقال لأحدمما : (١) سورة التوبة ١١٧ - ١١٩. ١١٢ سنة ٩ رَسُوبٍ، وللآخرِ المَخْذَم؛ وكان لهما ذِكْرٌ، كان الحارث بن أبى شمر نَذَرهما له ، وسبی أخت عدىّ بن حاتم . قال أبو جعفر : فأما الأخبار الواردة عن عدىّ بن حاتم عندنا بذلك فبغير بيان وقت ، وبغير ما قال الواقدىّ فى سبى علىّ أختَ عدىّ بن حاتم . حدّثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال: حدّثنا شعبة، قال : حدثنا سماك، قال: سمعت عَبَّاد بن حُبَيْش يحدّث عن عدىّ بن حاتم، قال: جاءت خیلُ رسول الله صلى اللهعليه وسلم- أو قال: رسل رسول الله- فأخذوا عمّتى وناسًا، فأتوا بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: فصُفّوا له . قالت: قلتُ : يا رسولَ اللّه ، نأى الوافد، وانقطع الولد ؛ وأنا عجوز كبيرة ما بى من خدمة؛ فمنّ علىّ مَنَّاللّه عليك يا رسول الله! قال: ومن وَافِدُكَ ؟ قالت: عدىُ بن حاتم ؛ قال: الذى فرَّ من الله ورسوله! قالت: فمَنَّ علىّ- وَرَجُل إلى جنبه ترَى أنه علىّ عليه السلام، قال: سلِيه حُمْلانًا - قال: فسألته ، فأمر بها فأتتنى ، فقالت : لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها ! قالت : اثته راغبًا وراهبًا ، فقد أتاه فلان فأصاب منه ، وأتاه فلان فأصاب منه . قال : فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان - أو صبىّ - فذكر قربهم من النبىّ ١٧٠٧/١ صلى الله عليه وسلم - فعرفت أنه ليس بملك (١) كسرى ولا قيصر، فقال لى: يا عَدَىّ بن حاتم، ما أفرّك (٢) أن يقال لا إله إلا اللّه! فهل من إله إلا اللّه! وما أفرّك أن يُقال اللّه أكبر! فهل من شىء هو أكبر من الله! فأسلمتُ فرأيتُ وجهه استبشر . حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن شيبان بن سعد الطائىّ، قال: كان عدىّ بن حاتم طيّئ يقول فيما بلغنى: ما رجل (٣) من العرب كان أشدّ كراهيةً لرسول اللّه حين سمع به منِّ؛ أما (٢) ما الذى جعلك تفر من الجهاد فى سبيل الله. (١) و: ((ملك)). (٣) ابن هشام: ((ما من رجل)). سنة ٩ ١١٣ أنا فكنتُ امرأ شريفًا، وكنتُ نصرانيًّا أسيرُ فى قومى بالمرْباع (١)، فكنت فى نفسى على دين ، وكنت ملِكًا فى قومى، لما كان يُصنع بى ، فلما سمعتُ برسول الله كرهْتُه، فقلت لغلام كان لى عربىّ وكان راعيًا لإبلى : لا أبالك ! أعدِدْ لى من إلى أجمالاً ذلُلًا(٢) سمانا مَسَانَ، فأحبسها قريبًا منّى؛ فإذا سمعتَ بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنّى، ففعل ، ثم إنه أتانى ذات غداة ، فقال : يا عدىّ ؛ ما كنت صانعًا إذا غَشِيتْك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى قد رأيتُ رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد، قال : فقلت : قَرّبْ لى جمالى، فقرّبها، فاحتملتُ بأهلى وولدى ، ثم قلت : ألحقُ بأهلِ دينى من النّصارى بالشأم ، فسلكت الحوشيّة وخلّفت ابنةً حاتم فى الحاضر، فلما قدمتُ الشأم أقمت بها ، وتُخالفنى خيلٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصیبُ ابنةَ حاتم فیمن أصيب . فقدم بها على رسول الله فی سبایا طيّئ ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هَرَبى إلى الشأم. قال: فجُعلت ابنة حاتم فى حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يُحْبَسن بها، فمرّ بها رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم فقامت إليه- وكانت امرأةً جَزْلَةٌ - فقالت: يارسولَ" اللّه؛ هلك الوالد، وغاب الوافد، فامننْ علىَّ مَنَّ اللّه عليك! قال: ومَنْ وافدك ؟ قالت : عدىُ بن حاتم ، قال: الفارُّ من الله ورسوله! قالت : ثم مضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وترکی ؛ حتى إذا كان الغد مر بى وقد أيِسْتُ، فأشار إلىَّ رجلٌ من خَلْفه: أن قومى إليه فكلّميه ، قالت : فقمتُ إليه، فقلت: يا رسولَ الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامننْ علىَّ مَنَّ الله عليك ! قال : قد فعلتُ فلا تعجلی بخروج حتى تجدِی من قومك منْ يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنينى. قالت : فسألت عن الرجل الذى أشار إلىّ أن كدّميه فقيل: علىّ بن أبى طالب . قالت : وأقمت حتى قدم ركبٌ من بَلِىّ - أو من قضاعة - قالت: وإنما أريد أن آتىّ أخى ١٧٠٨/١ (١) أسير بالمرباع؛ أى آخذ الربع من الغنائم ؛ لأنى سيدهم. (٢) ذللا: جمع ذلول؛ وهو الجمل السهل الذى قد ريض . ١١٤ سنة ٩ بالشأم، قالت: فجئتُ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسولَ الله، قد قدم رهط من قومى لى فيهم ثقة وبلاغ . قالت : فكسانى رسولُ الله صلى اللّه عليه وسلم، وحملنى وأعطانى نفقةً ، فخرجت معهم حتى قدِمْت الشأم . ٠١٧٠٩/١ قال عدىّ: فوالله، إنىّ لقاعدٌ فى أهلى إذا نظرت إلى ظَعينة(١) تُصَوّبُ إِلىّ (٢) تَؤمّنا. قال: فقلت: ابنة حاتم! قال: فإذا هى هى ؛ فلما وقفتْ علىّ انسحلَتْ (٣) تقول: القاطع الظالم! احتملتَ بأهلك وولدك، وتركت بُنَيّةَ والدك وعَوْرَتَهُ! قال: قلت: يا أخيّة، لا تقولى إلا خيراً، فوالله مالى عذر ، لقد صنعت ما ذكرت . قال : ثم نزلتْ فأقامت عندى ، فقلت لها - وكانت امرأة حازِمَةً: ماذا تريْن فى أمر هذ الرجل ؟ قالت: أرَى والله أن تلحق به سريعاً ، فإن يكن الرجل نبيًّا فالسابق إليّه له فضيلة ، وإن يكن ملكًاً فلن تذلَّ فى عزّ اليمن وأنت أنت ! قلتُ : والله إن هذا للرّأى . قال : فخرجت حتى أقدم على رسول الله المدينة ، فدخلتعليه وهو فى مسجده فسلّمت عليه ، فقال : مَنِ الرجل ؟ فقلت : عدىُّ بن حاتم ، فقام رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم فانطلق بى إلى بيته، فوالله إنه لعامِدٌ فى إذا لَقِينَتْه امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفّتْه ، فوقف لها طويلا تكلّمه فى حاجتها . قال : فقلت فى نفسى: والله ما هذا بملك، ثم مضى رسولُ اللّه حتى دخل بيته ، فتناول وسادةً من أدَم محشُوَّةً لِيفًا، فقذفها إلىّ ، فقال لى : اجلس على هذه ، قال : قلت : لا بل أنت ، فاجلس عليها . قال : لا بل أنت ، فجلستُ وجلس رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأرض. قال: قلت فى نفسى: واللّه ١٧١٠/١ ما هذا بأمر ملِك، ثم قال: إيه يا عدّى بن حاتم! ألم تك رَ كُوسيا (٤)! قال : قلت : بلى، قال : أوَ لم تكن تسير فى قومك بالمِرْباع ! قال : قلت : بلى ، قال: فإنّ ذلك لم يكن يحلّ لك فى دينك، قال: قلت: أجلْ واللّه - وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يُجهل - قال: ثمّ قال: لعلّه (٥) يا عدى بن (١) الظعينة : المرأة فى الهودج . (٢) تصوب إلى : تقصد . (٣) انسحلت: أخذت فى اللوم ومضت فيه مجدة. (٤) الركوسية : قوم لهم دين بين دين النصارى والصابئين. (٥) بن هشام: ((لعلك)). سنة ٩ ١١٥ حاتم ؛ إنما يمنعك من الدخول فى هذا الدين ما ترى(١) من حاجتهم ! فوالله ليوشِكَنَّ المال يفيض فيهم حتى لا يُوجَد مَنْ يأخذه؛ ولعله (٢) إنما يمنعك من الدخول (٣) فى هذا الدين ما ترى من كثرة عدوّهم وقلة عددهم؛ فوالله ليوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرُجُ من القادسيّة على بعيرها حتى تزور هذا البيت ، لا تخاف إلا الله؛ ولعلّه إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أنّ المُلك والسلطان فى غيرهم، وإيمُ اللّه ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت . قال: فأسلمت ، فكان عَدِىُّ بن حاتم يقول: مضت الثنتان وبقيت الثالثة، واللّه لتكونن" قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت ، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئاً حتى تحجّ هذا البيت ، وإيمُ اللّه لتكونَنّ الثالثة ليفيضَنَّ المال حتى لا يوجد من يأخذه. [ قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات ] قال الواقدىّ: وفيها قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم ، فحدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبى بكر، قالا: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عُطارد بن حاجب بن زرارة بن عُدَس التميمىّ فى أشراف من ١٧١١/١ تميم، منهم الأقرع بن حابس ، والزّبرقان بن بدر الشَّميمىّ ثمّ أحد بنى سعد، وعمرو بن الأهتم، والحتات بن فلان، ونعيم بن زيد، وقيس بن عاصم أخو بنى سعد فى وفد عظيم من بنى تميم ، معهم عُبينة بن حصن بن حُذيفة الفزارىّ - وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة بن حصْن شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحصار الطائف ، فلمّا وفد وفد بني تميم كانا معهم - فلمّا دخل وفد بني تميم المسجد، نادَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحُجُرات: أن اخرج إلينا يا محمد . فآذر ذلك من صياحهم رسولَ اللّه (١) كذا فى ابن هشام: وفى ط: «لما)). (٣) ابن هشام: ((دخول فيه)). (٢) ابن هشام: ((ولعلك)). ١١٦ سنة ٩ صلى الله عليه وسلم؛ فخرج إليهم ، فقالوا: يا محمد، جئناك (١) لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أذنت الخطيبكم فليقل"(٢) . فقام إليه عُطارد بن حاجب ، فقال: الحمدُ للّه الذى له علينا الفَضْل وهو أهله، الذى جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالاً عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عدداً . وأيسره عُدَّةً، فمن مثلُنا فى الناس! ألْسنا برءوس الناس وأولى فضلهم ! فمن يفاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا؛ وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام؛ ولكنا نحيامن الإكثار فيما أعطانا؛ وإنا نُعرف . أقول هذا الآن لتأتونا ١٧١٢/١ بمثل قولنا، وأمرٍ أفضلَ من أمرنا، ثم جلس. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شمّاس أخى بلحارث بن الخزرج : قمْ فأجب الرجل فى خطبته . فقام ثابت، فقال: الحمدُ لله الذى السمواتُ والأرضُ خَلْقُه، قضى فيهنّ أمره، وَوَسِعَ كُرْسيه علمه، ولم يك شىء قطّ إلاّ من فضله". ثم كان من قدرته أنْ جعلنا ملوكًا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمهم نَسَبًا، وأصْدَقهم حديثًا، وأفضلهم حسبًا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خَلْقِه ؛ فكان خِيرَةَ اللّه من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوى رَحِمِه؛ أكرم الناس أنسابًا، وأحسن الناس وجوهاً ؛ وخير الناس فعالاً ؛ ثم كان أوّل الخلق إجابةً - واستجاب الله حين دعا رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم - نحنُ؛ فنحنُ أنصارُ اللّه ووزراء رسوله، نقاتِل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله وَدَمَه، ومَنْ كفر جاهدناه فى اللّه أبداً، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولى هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات ؛ والسلام عليكم . قالوا : يا محمد، ائذَنْ لشاعرنا، فقال: نعم ، فقام الزَّبرقان بن بدر فقال (٣) : نحْنُ الكرامُ فلاَ حَىٌّ يُعَادِلُنا منَّا الملوكُ وفينَا تُنْصَبُ البَيَعُ(٤) ٠٠(٤) (١) و: ((قد جئناك)). (٢) س: ((فليفعل)). (٣) قال السهيلى: ((وإن بعض الناس ينكر الشعر له، وذكر أن الشعر لقيس بن عاصم)). (٤) البيع: مواضع الصلوات والعبادات ، واحدها بيعة . ١١٧ سنة ٩ وكَم قَسَرْنا من الأحياءِ كلّهم ونحن نُطْعم عند القَحْطِ مطعَمنا ثم ترَى الناسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمُ فَتَنْحَرُ الكُومَ عَبْطَا فِى أَرُوَمَتِنَا فِلاَ تَانا إلَى حَىّ نُفَاخِرُ هُمْ إذا أُبَيْنَا ولَنْ يَأْبِى لنا أحَدٌ فَمَنْ يُقَادِرِنَا فى ذاكَ يْرِفِنا ١٧١٣/١ عند النََّابِ وفَضْلُ العِزِّ يَتَّبِعُ مِنَ الشّوَاءِ إذا لم يُؤْنَس القَزَعُ(١) من كلِّ أرضِ هُوِ يَامَ نَصْطَنِعُ(٢) لِلنَّازِلِينَ إذا ما أنزِلُوا شَبِعُوا(٣) إلا اسْتَقَادُ واوَكَادَ الرَّأَسُ يُقْتَطَعُ إنا كَذلِكَ عند الفَغْرِ نَرْ تَفِعُ فيرجِع القَوْل والأخبَارُشْتَمَعُ(٤) وكان حسان بن ثابت غائبًا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حسان: فلمّا جاءنى رسولُه فأخبرنى أنه إنما دعانى لأجيبَ شاعر بنی تميم، خرجتُ إلى رسول اللّه ، وأنا أقول: على كلِّ باغٍ مِن مَعَدّ وراغِمٍ (٥) مَنَعَنَا رسولَ اللهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا بأسْيافنا من كلِّ عادٍ وظَالِم منْعْنَاه لمّا حَلَّ بين بُيُوتنا بجابِيَّةِ الْجَوْلانِ وَسْطَ الأعاجِمِ(٦ بَبَيْتٍ حَرِيدٍ عِزُّهُ وثَرَاؤُه وَجَاهُ الملوكِ وَاحتمالُ الْعَظَّائمِ ! هَلِ المَجْد إلا السُّؤْدُد العَوْدِ والنَّدَى ١٧١٤/١ قال: فلما انتهيتُ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقام شاعر القوم ، فقال ما قال، عرضتُ فى قوله وقلت على نحوٍ مما قال ؛ فلما فرغ الزّ برقان بن (١) القزع: السحاب الرقيق؛ يريد إذا أخلفهم المطر فأجدبت أرضهم. (٢) هويا: سراعا. قال السهيلى: ((وليس السراة جمع سرى)) كما ظنوا؛ وإنما هو كما تقول: ((ذروتهم وسنامهم، وسراة كل شىء: أعلاه)). (٣) الكوم: جمع كوماء؛ وهى العظيمة السنام من النوق. وعبط: من غير علة. أرومتنا، أى أن . هذا الكرم متأصل فينا . (٤) فى ابن هشام: ((فن يفاخرنا فى ذاك نعرفه))؛ وبعد هذا البيت فى ابن هشام: إنّا أَبْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحدٌ إِنّ كَذَلِكَ عِنْدَ الفَخْرِ نَرْتَفَعُ (٥) ديوانه ٢٤٦ (٦) البيت الحريد : الفريد. ١١٨ سنة ٩ بدرمن قوله قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لحسّان: قم يا حسان فأجب الرجل فيإ قال ، قال : فقال حسان : إِنَّ الذَّوَائِبَ مِن فِرٍ وَإِخْوتِهِم يَرْضَى بها كلُّ مَن كانت مَرِيرُ قومٌ إذا حَارَبوا ضَرُّوا عَدُوَّهُ سَجِيَّةٌ تلك منهم غير مُحْدَثَةٍ إنْ كانَ فى الناسِ سَبَّقونَ بَعْدَهٌُ لاَ يَرْفَعُ الناسُ مَا أَوْعَتْ أَكُثُّهِمُ إِنْ سابَقَوا الناسَ يَوْماً فازَ سَبْتُهُمُ أِنَّةُ ذكِرَتْ فى الوَحْىٍ عِنْتُهُمْ لاَ يُبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ إِذَا نَصَبْنَا لَيٍّ لمِ نَدِبَ لهم نَشْموَ إِذَا الْحَرْبُ نالَتْنَا ◌َخَالِبُها لاَ فخْرَ إِن هُمْ أصابوا من عَدَوِّمٍ كَأَنْهِمْ فِى الوَغَى والمُوْتُ مُكْتِنِعٌ ١٧١٦/١ خذْ منهمُ ما أَتُوا عَفْوًا إذا غَضِبُوا. ٠٠ (١) قد بَيِّئُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تَتَعُ تَقْوَى الإِلهِ وكلُّ الخير يُصطنع أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فى أشياءهِمْ نَفْعُوا إِنَّ الخلائق فاعلم شَرُّها الِدَعُ فَكلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ عند الدِّفاعِ وَلاَ يُوهُونَ مَا رَقَعُوا أَوْوَزَ نُوا أَهْلَ بَجْدٍ بِالنَّدَ ىَ سَتَمُو(٢) لا يَطَبَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمُ لَمَعُ(٣). وَلَا يَسُّهم من مَطْمَعَ طَبَعُ (٤) كما يَدِبُّ إِلَى الوَحْشِيّةِ الذّرَعُ(٥) إِذَا أُلزّعَانِفُ مِن أَظْفَارِ هَا خَشَكُوا(٦) وَإِنْ أَصِيبُوا فَلاَ خُورٌ وَلا هُلُمُ(٧) أُسْدٌ بَحَلْيَةَ فِى أَرْسَاغِها فَدَعُ (٨) ولا يَكّن مَّكَ الأمرُ الذِى مَتَّعوا (٩) ١٧١٥/١ (١) ديوانه ٢٤٨، ويريد بالذوائب، السادة. (٢) متعوا : زادوا . (٤) الطبع : الدنس . (٣) لا يطبعون : لايد نسون . (٥) نصبنا : أظهرنا العداوة ولم نسرها . والذرع: ولد البقرة الوحشية. (٦) الزعانف: أطراف الناس وأتباعهم . وخشعوا: تذالوا. (٧) الخور : الضعفاء . والملع: جمع ملوع ؛ وهم الجازعون. (٨) مكتنع: دان . وحلية: مأسدة باليمن. والأرساغ: جمع رسغ ؛ وهو موضع القيد من الرجل . وفدع : اعوجاج إلى ناحية . (٩) عفوا : من غير مشقة . ۔ سنة ٩ ١١٩ شَرَّا يُخَاضُ(١) عليه السُّّ وَالسَلَعُ(٣) فإنّ فى حربهم - فَاتُكعَدَاوَهُمْ أَكْرِمْ بقومٍ رسول الله شِيعَتهم إذا ' تفرَّقَتِ الأهوَاءِ وَالشِّيَعُ فيما أحَبَّ لسانٌ حائكٌ صَنَعُ (٣) أهدى لهم مِدْحَتِي قَلْبٌ يُوازِرُ. إِنْ جَدَّ بالناسِ جِدُّ القَوْلِ أَوْ شَمَعُوا(٤) فإِنِهِمْ أفضَلُ الأحيَاءِ كلّهِمُ فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله ، قال الأقْرَعُ بن حابس : وأبِى إنّ هذا الرجلَ لمُؤَتِّى (٥) له! لخَطِيبُه أخطب من خطيبنا، ولَشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم (٦) أعلى من أصواتنا . فلمّا فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأحْسَنَ جوائزهم - وكان عمرو بن الأهتم قد خلَّمه القوم فى ظهرهم- فقال قيس بن عاصم - وكان يُبغِض عمرو بن الأهم: يا رسولَ الله؛ إنه قد كان منا رجل فىرحالنا وهو غلام حدثٌ،وأزرى به، فأعطاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مثلَ ما أعطى القوم ؛ فقال عمرو بن الأمم حين بلغه ذلك من قول قيس بن عاصم ، وهو يهجوه : ١٧١٧/١ ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَا هَلبَاكَ تَشْتِمُنِى (٧). -- ---- -* عند الرسولِ فلم تَصَدُقْ ولم تُصِبٍ وَأَلُرُّومِ لا تَملِك البغضاءَ لِلعَرَبِ إِنْ تُبْغِضُونا فَإنَّ الرُّومَ أصْلَكُمُ مُؤَخَّرٌ عند أصلِ العَجْبِ والذَّبٍ (1) سُدْنَا فُودَدُنَا عَوْدٌ وسُودَدُ كُمْ (١) يخاض يخلط . (٢) السلع : نبات مسموم . (٣) صنع : يحسن القول ويجيده . (٤) شمعوا: هزلوا؛ وأصل الشمع اللهو والطرب. وقد أورد ابن هشام بعد هذا أبياتا أخرى الزبرقان ، أنشدها فى وفد بني تميم عند الرسول ، أولها : إذا احتفلوا عند احتضار المواسم أثْنَاكَ كَما يَعْلِمِ الناسُ فَضْلَنَا وأجابه حسان بأبيات أخرى أيضا ، أولها : هل المجْدُ إلا السّودَدُ العَوْدُ والندى وَجَاهُ المُوك واحتمال العظائِ! إلى آخر الأبيات . . (٥) مؤقى له : موفق . (٦) ابن هشام: ((ولأصواتهم)). (٧) ابن هشام ((مفترش الهلباء)). (٨) ابن هشام: ٣: ٣٢٣ - ٣٣٧ ١٢٠ سنة ٩ حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان ، قال : فأنزل الله فيهم القرآن: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾- من بنى تميم - ﴿أَ كْثَرُهُمْلاَ يَعْقِلُون﴾(١)؛ قال: وهى القراءة الأولى (٢). قال الواقدىّ: وفيها مات عبدُ الله بن أبىّ بن سَكُول، مرِضَ فى ليال بقِينَ من شوال ، ومات فى ذى الفَعْدة ، وكان مرضه عشرين ليلة . [ قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله بكتابهم] قال : وفيها قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابُ ملوك حمْيَر فى شهر رمضان مُقرين بالإسلام ؛ مع رسولهم الحارث بن عبد كُلآل ونعيم ابن عبد كُلّل، والنعمان قَبْل ذى رُعَيْن. حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سلّمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى بكر ، قال: قدم على رسول الله صلى الله ١٧١٨/١ عليه وسلم كتابُ ملوك حمْيَرَ مَقْدَمَهُ من تَبُوك ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال، والنعمان قبْل ذى رُعَين، وهَمْدان ومَعَافِرِ؛ وبعث إليه زُرْعة ذو يَزَن مالكَ بَن مُرّة الرَّهاوىّ بإسلامه، ومفارقتهم الشرك وأهله ، فكتب إليهم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبىّ رسول اللّه إلى الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال والنعمان (٣) قَيْل ذى رُعَيْن وهَمْدان ومعافر؛ أما بعد ذلكم؛ فإنىّ أحمَد إليكم اللّه الذى لا إله إلا هو. أما بعدُ ؛ فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا(٤) من أرض الرّوم ، فلقينا بالمدينة ، فبلّغ ما أرسلتم، (١) سورة الحجرات ٤ . (٣) ابن هشام: ((وإلى النعمان)). (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٣٧ (٤) ابن هشام: ((منقلبنا)).