النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سنة ٨
فقالت للمسلمين: تعلمون والله أنّى لأختُ صاحبكم من الرّضاعة؛ فلم يُصدّقُوها
حتى أتوا بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابنُ إسحاق،
عن أبى وَجْزَة يزيد بن عبيد السعدىّ، قال: لما انتُهِىَ بالشَّيْماء إلى رسول
اللّه صلّى الله عليه وسلّم قالت: يا رسولَ اللّه، إنّى أختُك، قال: وما علامة
ذلك ؟ قالت عَضَّةٌ عَضِضْتْنَيها فى ظهرى وأنا متورّ كتَتُك . قال : فعرَف
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءَه ، ثم قال : ها هنا،
فأجلسها عليه، وخيرها، وقال: إن أحببتِ فعندى ◌ُحبّةً مِكْرَمَةً، وإن
أحببتِ أمتِّعْك وترجعى إلى قومك ، قالت : بل تمتعنى وترّدنى إلى قومى ،
فتّعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّها إلى قومها ؛ فزعمت بنو سعد بن
بكر أنه أعطاها غلامًا له يقال له مكحول، وجارية؛ فزوجت أحدهما الآخر،
فلم يزل فيهم من نَسْلُهما بقيّة (١).
١٦٦٩/١
قال ابن إسحاق : استشهد يوم حُنّين من قريش ، ثم من بنى هاشم :
أَيْمَنُ بن عبيد - وهو ابن أمّ أيمن ، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم -
ومن بنى أسد بن عبد العُزّى يزيد بن زمّعة بن الأسود بن المطلب بن أسد -
جَمَحَ به فرس له يقال له الجناح، فقُتل - ومن الأنصار سُراقة بن الحارث
ابن عدىّ بن بلْعجلان، ومن الأشعر بين أبو عامر الأشعرىّ . ثم جُمعت
إلى رسول اللّه سَبَّايا حُنين وأموالها؛ وكان على المغانم مسعود بن عمرو القارىّ،
فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبسَتْ بها(٢)
حدّتنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سكمة ، قال : قال ابن إسحاق :
لما قدِمَ فَلّ(٣) ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع
للقتال ؛ ولم يشهد حُنيناً ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٩٤.
(٢) سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٤، ٢٩٥.
(٣) الفل: الجماعة المنهزمون من الجيش .
:

٨٢
سنة ٨
سلمة؛ كانا بجُرَش يتعلّمان صنعة الدّباب (١) والضُّبُور (٢) والمجانيق (٣).
٠٠٠
. [ غزوة الطائف ]
فحدّثنا على بن نصر بن على ، قال:حدثنا عبدُ الصمد بن عبد الوارث،
وحدّثنا عبدُ الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثنا أبى ،
١٦٧٠/١ قال: أخبرنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عُرْوة، عن عروة،
قال : سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم یوم حُنين من فوره ذلك - يعنى
منصرفه(٤) من حنين- حتى نزلَ الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسولُ
اللّه صلّى الله عليه وسلّم وأصحابُه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحِصْن؛ لم يخرج
إليه فى ذلك أحدٌ منهم؛ وأسلم مَنْ حولهم من الناس كلّهم؛ وجاءت رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفودهم؛ ثم رجع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ولم يحاصرهم
إلاّ نصفَ شهر حتى نزل الجِعْرانة؛ وبها السبْى الذِى سَبَى رسولُ اللّه من
حُنين من نسائهم وأبنائهم - ويزعمون أنّ ذلك السَّبْى الذى أصاب يومئذ من
هوازن كانت عدّته ستّة آلاف من نسائهم وأبنائهم - فلما رجع النبيّ صلى
اللّه عليه وسلم إلى الجِعْرانة، قدمتْ عليه وفود هَوَازِن مُسْلِمين ، فأعتق
أبناءهم ونساءهم كلهم، وأهلّ بعُمْرةٍ من الجِعْرانة ؛ وذلك فى ذى القعدة.
ثم إنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة ، واستخلف أبا بكر
رضى الله تعالى عنه على أهل مكة ، وأمره أن يقيم للناس الحجّ، ویعلّم الناس
الإسلام، وأمره أن يؤمّن مَنْ حجّ من الناس؛ ورجع إلى المدينة ؛ فلما
(١) فى ابن هشام: ((الدبابات)) قال السهيلى: ((الدبابة: آلة من آلات الحرب، يدخل
فيها الرجال فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها)). وقال أبو ذر الخشنى: ((الدبابات: آلات تصنع من
خشب وتغشى بجلود ويدخل فيها الرجال ويتصلون بحائط الحصن)).
(٢) قال السهيلى: ((الضبور: مثل رموس الأسفاط، يتى بها فى الحرب عندالانصراف،
وفى كتاب العين: الضبور: جلود يغشى بها خشب يتقى بها الحرب)).
(٣) المجانيق: جمع منجنيق؛ وهى من آلات الحصار ترمى بها الحجارة الثقيلة . والخبر فى
سيرة ابن هشام ٢ : ٣٠١.
(٤) و: ((من منصرفه)).

٨٣
سنة ٨
قَدِ مها قَدِم عليه وفود ثقيف، فقاضوْه على القضيّة التى ذكرت ؛. فبايعوه،
وهو الكتاب الذی عندهم کاتبوه عليه .
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سَلَمة ، قال : حدثنى ابنُ إسحاق
عن عمرو بن شعيب؛ أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم سلك إلى الطائف
من حُنين على نَخْلة المانية، ثم على قَرْن، ثم على المُلَيْح ، ثم على
بَحْرَة الرُّغاء من لِيّة، فابتنى بها مسجدًا، فصلّى فيه ، فأقاد يومئذ
بحْرة الرّغاة حين نزلتها بدم - وهو أول دم أقيد به فى الإسلام - رجلا
من بنى ليث؛ قتل رجلاً من هُذَيَل ، فقتله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛
وأمر رسول اللّه وهو بلِيّة بحصن مالك بن عوف فهُدم؛ ثم سلك فى طريق يقال
لها الضّيْقة، فلما توجّه فيها ، سألٍ على اسمها ، فقال : ما اسم هذه الطريق ؟
فقيل له : الضَّيْقة ، فقال: بل هى اليسرى . ثم خرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم على نَخْب ؛ حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة ، قريبًا
من مال رجل من ثَقِيف، فأرسل إليه رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إما
أن تخرُج ؛ وإما أن نُخرب عليك حائطك ؛ فأبى أن يخرُج ، فأمر رسولُ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإخرابه (١).
١٦٧١/١
۔
ثم مضى رسولُ اللّه حتى نزل قريبًا من الطائف ؛ فضرب عسكره ،
فقُتل أناس من أصحابه بالنَّبْل ؛ وذلك أنّ العسكر اقترب من حائط الطائف
فكانت الدّبْل تنالُهم.، ولم يقدر المسلمون أن يدخلوا حائطهم ، غدّقوه دونهم؛
فلما أصيبَ أولئك الّنفرُ من أصحابه بالنَّبْل ، ارتفع ، فوضع عسكره عند
مسجده الذى بالطائف اليوم ؛ فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة (٢)؛ ومعه امرأتان
من نسائه ؛ إحداهما أمّ سلمة بنت أبى أميّة وأخرى معها - قال الواقدىّ:
الأخرى زينب بنت جحش - فضرب لهما قبّتين، فصلّى بين القبّتين
ما أقام .
(١) س: ((بإخراجه)).
(٢) قال ابن هشام: ((ويقال: سبع عشرة ليلة)).

٨٤
سنة ٨
فلما أسلمتْ ثَقيف، بنَى عَلى مُصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم
١٦٧٢/١ ذلك أبو أميّة بن عمروبن وهب بن مُعتِّب بن مالك مسجداً، وكانت فى ذلك المسجد
سارِيّةٌ - فيما يزعمون - لا تطلع عليها الشمس يومًا من الدهر؛ إلا سُمح لها
نقيض (١)؛ فحاصرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلهم قتالاً شديداً ،
وترامَوْ بالنّبْل(٢) حتى إذا كان يوم الشدْخة عند جدار الطائف ، دخل نفر
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبّابة ؛ ثم زحفوا بها إلى جدار
الطائف ، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد مُحْمَاةً بالنار ، فخرجوا مِنْ
تحتِها ، فرمتهم ثَقِيف بالنّبْل ، وقتلوا رجالا؛ فأمر رسول اللّه بقطع أعناب
ثقيف ، فوقع فيها الناس يقطعون .
وتقدّم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شُعبة إلى الطائف . فناديا ثقيفاً:
أنْ أمَنُونا حتى نكلّمكم! فأمنوهما؛ فدعتَوَا نساءً من نساء قريش وبنى
كنانة ليخرُجْن إليهما - وهما يخافان عليهنّالسّباء - فأبيْنَ؛ منهنّ آمنة
بنت أبى سفيان ، كانت عند عروة بن مسعود له منها داود بن عروة وغيرها(٣).
وقال الواقدىّ: حدثنى كَثِير بن زيد، عن الوليد بن رَبَاح ، عن
١٦٧٣/١ أبى هريرة، قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف ، استشار رسول
اللّه تَوْفل بن معاوية الدّيلى، وقال : يا نوفل ، ما تَرَى فى المقام عليهم ؟
قال: يا رسول اللّه؛ ثعلب فى جُحْرِ؛ إن أقمت عليه أخذتَه، وإن تركته
لم يضرَّك.
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سلَمة، قال : حدّثنا ابنُ إسحاق ،
قال : قد بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر بن أبى قحافة،
وهو محاصرٌ ثُقيفًا بالطائف: يا أبا بكر، إنىّ رأيتُ(٤) أنه أهْد ◌ِيَتْ لى قَعْبةُ (٥)
(١) النقيض: الصوت .
(٢) قال ابن هشام: ((ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنجنيق؛ حدثنى من أثق به
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من رمى بالمنجنيق، ربى أهل الطائف)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٢، ٣٠٣.
(٤) و: ((أريت)).
(٥) القعبة : القلح .

سنة ٨
٨٥
مملوءة زُبْداً، فنقرَها ديكٌّ فأهَراق ما فيها؛ فقال أبو بكر: ما أظنّ أن
تدرك منهم يومك هذا ما تُريد يا رسول الله. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
وأنا لا أرى ذلك .
ثم إنّ خَوْلة بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوْقص السُّلَمِيّة
- وهى امرأة عثمان بن مظعون - قالت: يا رسولَ اللّه، أعْطِنِى إن فتح اللّه
عليك الطائف حُلِىَّ بادية بنت غيلان بن سلمة ، أو حُلِىَّ الفارعة بنت
عُقَيْل - وكانتا من أحْلَى نساء ثقيف - قال: فذكر لى أنّ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم قال لها: وإن كان لم يؤذن لى فى ثقيف يا خويلة ! فخرجت
خويلة ، فذكرَتْ ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل عمرُ على رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه، ما حديث حدَّثَتْنيه خويلة أنك قلته !
قال : قد قلتُه، قال: أوَ مَا أذن فيهم يا رسول اللّه! قال: لا، قال: ١٦٧٤/١
أفلا أؤَذِّنُ بالرّحيل فى الناس! قال: بلى؛ فأذَّنَ عمر بالرّحيل ؛ فلما
استقلّ الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبى عمروبن علاج الثقفىّ:
ألا إنّ الحىّ مقيمٌ! قال: يقول عيينة بن حصن: أجلْ واللّه ◌َجَدَةً كراما!
فقال له رجل من المسلمين : قاتلك الله يا عيينة! أتمدح قومًا من المشركين
بالامتناع من رسول اللّه، وقد جئت تنصره(١)! قال: إنى والله ما جئت لأقاتِل"
معكم ثقيفاً؛ ولكنى أردت أن يفتح محمدٌّ الطَّائف فأصيب من ثقيف
جارية أتبطّنُها لعلها أن تلد لى رجلاً؛ فإن ثقيفًا قوم مناكير(٢).
واستُشهد بالطائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر
رجلاً ؛ سبعة من قريش ورجل من بنى ليْث، وأربعة من الأنصار (٣).
(١) ابن هشام: ((تنصر رسول الله)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٣.
(٢) مناكير: ذوو دهاء .

٨٦
سنة ٨
[ أمر أموال هوازن وعطايا المؤلفة قلوبهم منها ]
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
ثمّ خرجَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين انصرف من الطائف على دَحْنَاً ؛
حتى نزل الجعرانة بمن معه من المسلمين ؛ وكان قدّم سبى هوازن حين سار
إلى الطّائف إلى الجِعْرانة، فحُبس بها ؛ ثم أتته وفود هوازن بالجِعْرانة؛
وكان مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سَبى هوازن من النساء والذرارىّ
عدد كثير ، ومن الإبل ستة آلاف بعير، ومن الشاء ما لا يُحْصَى (١).
١٦٧٥/١
حدثنا ابن حُمید ، قال : حدثنا سلمة قال: حدثنى محمد بن إسحاق،
قال : حدثنى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه عبد الله بن عمرو بن
العاص ، قال: أتى وفدُ هوازن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم وهو بالجِعْرانة؛
وقد أسلموا ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّا أصلٌ وعشيرة ؛ وقد أصابنا من البلاء
ما لا يخفى عليك، فامْنْ علينا مَنَّ اللّه عليك! فقام رجل من هوازن -
أحدُ بنى سعد بن بكر، وكان بنو سعد هم الذين أرضعوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم - يقال له زهير بن صُرَد ، وكان يكنى بأبى صُرَد - فقال:
يا رسولَ اللّه؛ إنّما فى الحظائر (٢) عمّاتك وخالاتك وحواضنك(٣) اللاتى كن"
يكفُلْك! ولو أننا ملحْنا (٤) الحارث بن أبى شمير أو النعمان بن المنذر ،
ثم نزل منّا بمثل ما نزلتَ به ، رجوْنا عطْفَه وعائدته، وأنت خير المكفولين!
ثم قال :
فإِنَّكَ المَرْءِ نِرْجُوه ونَدَّخِرُ (٥)
أُمِنُنَ عَلينا رسولَ اللهِ فِى كَرَمِ
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٥
(٢) الحظائر: جمع حظيرة؛ وهى الزرب الذى يصنع للإبل والغنم؛ وكان السبى فى
حظائر مثلها .
(٣) حواضنك: يعنى اللائى أرضعن النبى صلى الله عليه وسلم؛ وكانت حاضنته من بنى سعد
ابن بكر .
(٤) ملحنا: أرضعنا، والملح هنا: الرضاع. قال ابن هشام: ((ويروى: ((ولو أنا
(٥) قال السهيلى: ((ولم يذكر ابن إسحاق شعره فى النبي صلى الله عليه وسلم
ذلك اليوم فى رواية البكائى ؛ وذكره فى رواية إبراهيم بن سعد عنه)).
مالحنا)».

سنة ٨
٨٧
مُعَزَّقٌ شَمْلُهَا، فِى دهرِهَا غِيرُ
امننْ عَلَى بَيْضَةٍ قد عاقها قدرُ(١)
١٦٧٦/١
فى أبيات قالها(٢)، فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أبناؤكم ونساؤكم
أحبُّ إليكم أم أموالكم ؟ فقالوا: يا رسولَ اللّه ؛ خيّرتَنا بين أحسابنا وأموالنا ،
بل تردّ علينا نساءنا وأبناءنا فهم أحبّ إلينا ، فقال : أمّا ما كان لى ولبنى
عبد المطلب فهو لكم ؛ فإذا أنا صلّيت بالناس، فقولوا: إنا نستشفع برسول
الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول اللّه فى أبنائنا ونسائنا ؛ فسأعطيكم عند
ذلك ؛ وأسأل لكم؛ فلما صلّى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بالناس الظهر،
قاموا فتكلّموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله: أمّا ما كان لى ولبنى عبد المطلب
فهو لكم ، وقال المهاجرون : وما كان لنا فهو لرسول اللّه، وقالت الأنصار:
وما كان لنا فهو لرسول اللّه . قال الأقرع بن حابس : أمّا أنا وبنوتميم فلا ،
وقال عُينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فَزارة فلا، [ و] قال عباس بن مرداس: أمّا
أنا وبنوسليم فلا، قالت (٣) بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول اللّه.
قال : يقول العباس لبنى سليم: وهنتمونى (٤)! فقال رسولُ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم: أمّا مَنْ تمسّك بحقه من هذا السبى منكم فله بكلّ إنسان ستّ
فرائض من أوّل شىء نُصيبه ، فرَدّوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم(٥).
حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال: حدثنى يزيد بن عبيد السعدىّ أبو وَجْزة، أنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه
وسلم كان أعطى علىّ بن أبى طالب جاريةً من سَبْ حُنين يقال لها رَيْطة
بنت هلال بن حَيّان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قُصَيّة بن نصر بن ١٦٧٧/١
سعد بن بكر، وأعطى عثمان بن عفّان جاريةً يقال لها زينب بنت حيّان بن
(١) كذا فى السهيلى وفى ط: ((اعتاقها)).
(٢) ذكرها السبيلى فى الروض الأنف ٢ : ٣٠٦.
(٣) ابن هشام: ((فقالت)).
(٤) وهنتمونى : أضعفتمونى .
(٥) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٥، ٣٠٦.

٨٨
سنة ٨
عمرو بن حيّان، وأعطى عمر بن الخطاب جارية، فوهبها لعبد الله بن
عمر (١).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سَكمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق، عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر، قال: أعطى رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلم عمرَ بن الخطاب جاريةً من سبى هوازن ، فوهبها لى، فبعثت بها إلى
أخوالِى من بنى جُمَح ليُصلِحوا لى منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم ؛
وأنا أريد أن أصيبتها إذا رجعت إليها ، قال : فخرجتُ من المسجد حين
فرغت ؛ فإذا الناس يشتدّون ، فقلت : ما شأنكم ؟ قالوا : ردّ علينا رسولُ
اللّه نساءَنا وأبناءَنا ، قال : قلت: تِلْكمُ صاحبتكم فى بنى جُمح؛ اذهبوا
فخذوها ، فذهبوا إليها فأخذوها ؛ وأما عيينة بن حِصْن فأخذ عجوزاً من
عَجائز هَوازن ، وقال حين أخذها : أرى عجوزاً وأرى لها فى الحىّ نسبًا ؛
وعسى أن يعظُمُ فداؤها! فلمّا ردَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّمِ السبايا بستّ
فرائض أبى أن يردّها، فقال له زهير أبو صُرَد: خُذْها عنك؛ فوالله ما فُوها
ببارد ، ولا تَديُها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا دَرُّها بماكد ، ولا زوجها
بواجد (٢). فردّها بستّ فرائض حين قال له زهير ما قال؛ فزعموأنّ عيينة لقىَ
الأقرع بن حابس ، فشكا إليه ذلك، فقال: والله إنك ما أخذتَها بكْراً
غزيرةٌ(٣)، ولا نَصَفًا وثِيرَةً" (٤)؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوَفْد
هوازن ، وسألهم عن مالك بن عوف: ما فعل ؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثَقِيف؛
فقال رسول الله: أخبروا مالكًا أنه إن أتانى مسلمًا رددت عليه أهله وماله ،
وأعطيته مائة من الإبل ، فأتِىَ مالك بذلك ؛ فخرج من الطائف إليه ؛ وقد
كان مالك خاف ثقيفًا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قال له ما قال ، فيحبسوه، فأمر براحلته فهيّئَتْ له، وأمر بفرس له فأتى به
الطائف ؛ فخرج ليلا ، فجلس على فرسه فركضَه ؛ حتى أنى راحلته حيث
أمر بها أن تُحْبس له ، فركبها ، فلحق برسول الله فأدركه بالجعرانة - أو
١٦٧٨/١
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٦.
(٣) الغريرة: الصغيرة السن من النساء.
(٢) واجد: حزين، والماكد : الغزير.
(٤) الوثيرة : السمينة .
ء
٠٠

٨٩
صنة ٨
بمكة - فردّ عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسُن إسلامه (١).
واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومِه وعلَى مَنْ أسلم من تلك
القبائل حولَ الطائف: ثُمالة وساِمة وفَّهْم ؛ "فكان يقائل بهم ثَقِيفًا،
لا يخرج لهم سَرْحُ إلاّ أغار عليه، حتى ضَيَّقَ عليهم ، فقال أبو مِحْجَن
ابن حبيب بن عمرو بن عمير الثَّقَفِىّ:
هايَتِ الأعداءِ جَانِيَنَا ثُمَّ تَغْزُونا ◌َنَو سَلِمَهْ
وأتانا مالكٌ بِهِمُ نَاقِضَاً لِلَهْدِ والحُرُمَهْ
وأَنُوْنا فى مَنَازِلنا ولقد كنَّا أُولِى نَقِيَهْ
وهذا آخر حديث أبى وجزةٍ(٢).
٠ ٠
ثم رجع الحديث إلى حديث عمرو بن شعيب ، قال : فلما فرغَ رسولُ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ردّ سبايا حُنين إلى أهلها، ركب واتبعه الناس ١٦٧٩/١
يقولون: يا رسولَ اللّه، اقسمْ علينا فيئنا الإبل والغنم ، حتى ألجئوه إلى شجرة ،
فاختطفت الشجرة عنه رداءه ، فقال: رُدُّوا علىَّ ردائى أيها الناس ؛ فوالله
لو كان لى عدد شجر تهامة نَعَمًا لقسمتها عليكم، ثم ما لقيتمونى بخيلاً
ولا جَبَانًا ولا كَذَّابًا. ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وَبَرَةً من سنامه
فجعلها بين أصبعيه ، ثم رفعها فقال : أيّها الناس، إنه والله ليس لى من فيئكم
ولا هذه الوبرة إلاّ الخمُس، والخُمس مردودٌ عليكم، فأدُّوا الخِياطَ والمخيط (٣)؛
(١) فى رواية ابن هشام: ((فقال مالك بن عوف حين اسهم
:
ما إن رأيتُ ولا سَمِعتُ بمثلِهِ فى الناسِ كلّهم بمثل محمَّدٍ
ومتَى تَشَأْ يخبركَ عمّا فى غدٍ
أوفَى وأعطى للجزيل إذا اجتدِى
بالسمهرىّ وضربٍ كلّ مهنّد
وإذا الكتيبة عرّدَتْ أنيابُها
وسْطَ العباءةِ خادرٌ فى مرصَدٍ
فكأَنّه ليتٌ على أشبالِهِ
(٢) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٧، ٣٠٨.
(٣) الخياط هنا: الخيط، والمخيط: الإبرة .

٩٠
سنة ٨
فإن الغُلول (١) يكون على أهله عاراً ونارًا وشنّارًا يوم القيامة. فجاءَه رجل
من الأنصار بكُبَّة (٢) من خيوط شَعَر فقال: يا رسولَ اللّه أخذتُ هذه
الكُبَة أعملُ بها برذعة بعير لى دَبِر، قال: أمّا نصيبى منها فلَكَ ، فقال:
إنه إذا بلغت هذه فلا حاجةَ لى بها ، ثم طرحها من يده (٣).
إلى ها هنا حديث عمرو بن شعَيْب .
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله
ابن أبى بكر، قال: أعطى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم المُؤْلَّفَةَ قلوبهم
- وكانوا أشرافًا من أشراف الناس يتألفهم ويتألف به قلوبهم - فأعطى
١٦٨٠/١ أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم
ابن حزام مائة بعير ، وأعطى النُّضير (٤) بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بنى
عبد الدار مائة بعير ، وأعطى العلاء بن جارية الثقفىّ حليف بنى زُهْرة مائة
بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى صَفْوان بن أمية مائة بعير،
وأعطى سُهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حُويطِب بن عبد العُزَّى بن
أبى قيس مائة بعير ، وأعطى عُبَيْنَةَ بن حِصْن مائة بعير ، وأعطى الأقرع
ابن حابس التميمىّ مائة بعير ، وأعطى مالك بن عوف النصرىّ مائة بعير ،
فهؤلاء أصحاب المئين ؛ وأعطى دون المائة رجالاً من قريش؛ منهم مَخْرَمة
ابن نوفل بن أهيب الزهرىّ ، وعمير بن وهب الجمحىّ ، وهشام بن عمرو أخو
بنى عامر بن لؤىّ . لا يحفّظ عدّة ما أعطاهم؛ وقد عرف فيما زعم أنها
المائة - وأعطى سعيد بن يربوع بن عَنْكئة بن عامر بن مخزوم خمسين من
الإبل ، وأعطى السَّهْمِىَّ(٥) خمسين من الإبل، وأعطى عبّاس بن مرداس
السُّلُميّ أبا عرَ فنَسخطها(٦)، وعاتب فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
فقال :
(٢) الكبة، من قولهم أكب الغزل؛ إذا جعله كبيا.
(١) الغلول : الخيانة .
(٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٠٦ - ٢٠٨.
(٤) فى رواية أخرى عن ابن هشام: ((الحارث)).
(٥) ابن هشام: ((واسمه عدى بن قيس)).
(٦) ابن هشام: ((فسخطها)).

سنة ٨
٩١
کانت
تلافیتُها
نهابا
١٦٨١/١
بكرِّى على المھرِ فِی الأجْرَع(١)
إذا هَجَعَ الناسُ لمِ أَهْجَحِ
وإيقاظِىَ القَوْمَ أن يرْقدوا
فَأَصْبَحَ نَهْبِ ونَهْبُ الْعُبَيْ
وقد كنتُ فى الحربِ ذَا تَدْرَ!
د بيْن عُبَيْنَةَ والأفْرَع
(٢)
فلم أَعْطَ شَيْئًا ولم أَمْنعِ
عَدِيدَ قوائمها الأرْبَعَ (7)
إلّ أَفَائِلَ أُعْطِيْتُها
يَقُوْقَانِ مِرْ دَاسَ فِى الَجْمَعِ (٤)
وما كانَ حِصْنٌ ولا حَاِسٌ
ومَنْ تَضَعِ أَلْيَوْمُ لا يُرْفَع (٥)
وما كُنْتُ دونَ أَمْرِئٍ منهمَا
قال : فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا فاقطعوا عنى لسانه؛
فزادوه حتى رضىَ ؛ فكان ذلك قطع لسانه الذى أمر به (٦).
حدّثْنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
محمد بن إبراهيم بن الحارث، أنّ قائلاً قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم
من أصحابه : يا رسولَ اللّه، أعطيتَ عُيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس
مائةً مائةً، وتركتَ جُعَيْلَ بن سراقة الضّمْرىّ(٧)! فقال رسولُ الله صلّى الله
الله عليه وسلّم: أما والذى نفسى بيده، لَحُعَيْلُ بن سراقة خيرٌ من طِلاع (٨)
الأرض ، كلّهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ؛ ولكنّى تألَّفْتُهُما ١/ ١٦٨٢
ليُسْلما ، ووكلتُ جُعَيَل بن سُراقة إلى إسلامه (٩).
(١) النهاب: جمع نهب؛ وهو ما ينهب ويقيم، يريد الماشية والإبل. والأجرع: المكان
السهل .
(٢) ذا تدرأ، أى ذا دفع عن قومى.
(٣) الأفائل : صغار الإبل، واحدها أفيل .
(٤) ابن هشام: ((يفرقان شيخى)).
(٥) س: ((ومن تخفض)).
(٦) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٨، ٣٠٩.
(٧) قال السهيلى: ((نسب ابن إسحاق جعيلا إلى ضمرة؛ وهو معدود فى غفار؛ لأن غفاراً
هم بنو حليل بن ضمرة)) .
(٨) طلاع الأرض: ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل .
(٩) سيرة ابن هشام ٢ : ٣١٠.

٩٢
سنة ٨
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدثنا سلَمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال : حدثنى أبو عبيدة بن محمد ، عن مِقْسَمَ أبى القاسم مولى عبد الله بن
الحارث بن نوفل ، قال : خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثى حتى أتينا عبد الله
ابن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلّقًا فعليه (١) بيده، فقلنا له:
هل حضرتَ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم حين كلّمه التميمىُّ يوم حنين ؟
قال: نعم ، أقبل رَجُلٌ من بني تميم يقال له ذو الخويصرة،فوقف على رسول
الله صلّى الله عليه وسلم وهو يعطى الناس، فقال : يا محمد قد رأيت ما صنعت
فى هذا اليوم! فقال رسول الله: أجل ؛ فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلْت!
فغضِب رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: ويحك! إذا لم يكن العدل
عندى، فعند مَنْ يكون! فقال عمر بن الخطاب: يا رسولَ الله، ألا نقتله (٢)!
فقال : لا، دعوه (٣) ؛ فإنه سيكون له شيعة يتعمّقون فى الدين حتى يخرجوا منه
كما يخرج السهم من الرمية (٤)، يُنْظَرُ فى الفصل(٥)فلا يوجد شىء، [ ثم فى
القِدْح فلا يوجد شىءٌ](٦) ؛ ثم فى الفُوق (٧) فلا يوجد شىء ؛ سَبَقَ
الفَرْتَ(٨) وَالدّمَ (٩).
حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن أبى جعفر
محمد بن على بن الحسين بن على مثل ذلك؛ وستماه ذا الخويصرة التميمىّ(٩).
٠
قال أبو جعفر : وقد روى عن أبى سعيد الخُدْرِىّ أنّ الذى كلّم رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهذا الكلام؛ إنما كلّمه به فى مالٍ كان علىَّ عليه السلام
١٦٨٣/١ بعثه من اليمن إلى رسول اللّه، فقسمه بين جماعة؛ منهم عُيَينة بن حِصْن،
والأقرع ، وزيد الخيل ؛ فقال حينئذ ما ذُكر عن ذى الحُوَيصرة أنه قاله
رجل حضره .
(١) و: ((معلقاً فيهنعليه)).
(٢) ابن هشام: ((أقتله)).
(٣) ابن هشام: ((دعه)).
(٤) الرمية: الشىء الذى يرمى .
(٥) النصل : حديد السهم .
(٦) من سيرة ابن هشام، والقدح: السهم.
(٧) الفوق: طرف السهم الذى يباشر الوتر .
(٩) سيرة ابن هشام ٢: ٣١٠.
(٨) الفرث : ما يوجد فى الكرش.

٩٣
سنة ٨
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
عبد الله بن أبى بكر أنّ رجلاً من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممن شهد
معه حنَيْنًا، قال: والله إنىّ الأسير إلى جَنْب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
على ناقة لى ، وفى رِجْلى نَعل غليظة، إذ زحمت ناقتى ناقةَ رسول اللّه، ويقع
حرف نعلى على ساق رسول اللّه فأوجعته ، قال : فقرّع قدمِى بالسوط، وقال :
أوجعتنِیفتأخّر عنی ، فانصرفت؛ فلمّا كان منالغد إذا رسول الله يلتمسی،
قال: قلت: هذا والله لما كنت أصبتُ من رجْل رسول اللّه بالأمس. قال :
فجئته وأنا أتوقّع، فقال لى : إنّك قد أصبت رجلى بالأمس فأرجعتنى فقرعت
قدمك(١) بالسوط ، فدعوتك لأعوّضَك منها؛ فأعطانى ثمانين نعجة بالضَّرْبة
التى ضربنى .
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم
ابن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد ، عن أبى سعيد الخُدرِىّ، قال: لما
أعطَى رسولُ الله ما أعطى من تلك العطايا فى قريش وقبائل العرب، ولم يكن
فى الأنصار منها شىء، وَجَد هذا الحىّ من الأنصار فى أنفسهم، حتى كثُرَتْ
منهم القالة (٢)؛ حتى قال قائلهم: لقىَ واللّه رسولُ اللّه قومه! فدخل عليه
سعد بن عبادة فقال : يا رسولَ اللّه ؛ إن هذا الحىّ من الأنصار قد وجدوا
عليك فى أنفسهم لما صنعتَ فى هذا الفيء الذى أصبت؛ قَسَمت فى قومك
وأعطيت عطايا عظامًا فى قبائل العرب، ولم يكن فى هذا الحىّ من الأنصار ١٦٨٤/١
شىء ، قال : فأين أنت من ذلك يا سعد! قال : يا رسول الله ما أنا إلاّ من
قومى! قال: فاجمَعْ لى قومَك فى الحظيرة ، قال: فخرج سعدٌ فجمع الأنصار
فى تلك الحظيرة، قال: فجاءَه رجالٌ من المهاجرين، فتركهم فدخلوا ، وجاء
آخرون فردّهم، فلما اجتمعوا إليه أناه سعدٌ فقال : قد اجتمع لك هذا الحىّ
من الأنصار، فأتاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه
بالذى هو له أهلٌ ، ثم قال: يا معشر الأنصار ، ما قالةً بلغتی عنكم ،
(١) و: ((رجلك)).
(٢) القالة: الكلام السيء.

٩٤
سنة ٨
ومَوْجَدَةٌ(١) وجدتموها فى أنفسكم! ألم آتكم ضُلاَلاً فهداكم الله؛ وعالةً (٢)
فأغناكم الله، وأعداءَ فألف اللّه بين قلوبكم! قالوا: بلى، لله ولرسوله المنّ
وانفضل! فقال: ألا تجيبونى يا معشر الأنصار! قالوا: وبماذا نُجيبُكَ
يا رسول الله، لله ولرسوله المنُّ والفضلُ! قال: أما والله لو شئتم لقلتم فصّد قتم،
ولَصُدُ قْ؛ أتيتنا مُكَذَّبًا فصَدَّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك،
وعائلاً فآسيناك ؛ وَجَدْتم فى أنفسكم يا معشر الأنصار فى لُعَاعة (٣) من
الدنيا تألّفْتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم! أفلا ترضون يا معشر
الأنصار ؛ أن يذهب الناس بالشاء والبعير ، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم !
فوالذى نفس محمد بيده ؛ لولا الهجرةُ لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك
١٦٨٥/١ الناسُ شعبًا(٤) وسلكت الأنصار شِعْبًا، لسلكتُ شِعْب الأنصار! اللهم"
ارْحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار !
قال: فبكى القوم حتى أخْضَلوا لحاهم ، وقالوا: رضينا برسول الله
قسمًا وحظًا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرّقُوا(٥)
[عمرة رسول الله من الجعرانة]
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلّمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم .
خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمراً، وأمر ببقايا القىء ،
فحبس بمِجَنّةَ، وهى بناحية مَرّ الظّهران، فلما فرغ رسول الله من مُمْته
وانصرف راجعًا إلى المدينة ؛ استخلف عتّاب بن أسيد على مكة ، وخاُ معه
معَاذَ بن جبل يُفَقّهُ الناس فى الدين ويعدّمهم القرآن، واتُّبْع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ببقايا الفىء.
وكانت مُمرة رسول اللّه فى ذى القعدة، فقدم رسولُ الله صلى الله عليه
(١) كذا وردت هذه الرواية فى الطبرى، وفى ابن هشام: ((جدة))، قال السهيلى: ((هكذا
الرواية ((جدة))، والمعروف عند أهل اللغة الموحدة إذا أردت الغضب، وإنما الجدة فى المال)).
(٣) قال السهيلى: ((المعاعة: بقلة ناعمة)).
(٢) عالة: جمع عائل؛ وهو الفقير .
(٥) سيرة ابن هشام ٠٢ ٣١٠، ٣١١.
(٤) الشعب : الطريق بين جبلين .

٩٥
سنة ٨
وسلم المدينة فى ذى القعدة أو فى ذى الحجة ، وحجّ الناس تلك السنة على ما
كانت العرب تحجّ عليه ، وحجّ تلك السنة بالمسلمين عتّاب بن أُسيد ؛ وهى
سنة ثمانِ ؛ وأقام أهلُ الطائف على شركهم وامتناعهم فى طائفهم ما بين
ذى القعدة، إذ انصرف رسول الله عنهم إلى شهر رمضان من سنة تسع (١).
قال الواقدىّ: لمّا قسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بين المسلمين
بالجعرانة، أصاب كلَّ رجلٍ أربع من الإبل وأربعون شاة ؛ فمن كان منهم
فارسًا أخذ سهم فرسه أيضاً. وقال أيضًا: قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
المدينةَ اليال يقينَ من ذى الحجة من سفرته هذه .
قال: وفيها بعث رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمرو بن العاص إلى
جَيْفَرَ وعمرو ابنى الجُلَنْدَى من الأزْد مُصَدِّقًا، فخلّيا بينه وبين الصّدقة،
فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردّها على فقرائهم ، وأخذ الجزية من المجوس الذين
بها ، وهم كانوا أهل البلد، والعرب كانوا يكونون حولها .
قال: وفيها تزوّج رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم الكلابية التى يقال لها ١٦٨٦/١
فاطمة بنت الضّحاك بن سفيان ، فاختارت الدنيا حين خُيّرت . وقيل : إنها
استعاذتْ من رسول اللّه، ففارقها . وذكر أن إبراهيم بن وثيمة بن مالك بن
أوس بن الحدثان، حدثه عن أبى وجزة السعدىّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم
تزوّجها فى ذى القعدة .
قال : وفيها ولدت مارية إبراهيم فى ذى الحجة ، فدفعه رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم إلى أمّ بُرْدة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر
ابن غَنْ بن عدىّ بن النجار، وزوجها البَرَاء بن أوس بن خالد بن الجعد
ابن عوف بن مبذول بن عمرو بن غَنْم بن عدىّ بن النجار ؛ فكانت ترضعه .
قال: وكانت قابلتُها سَلْمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فخرجت
إلى أبي رافع فأخبرته أنها ولدت غلامًا؛ فبشربه أبورافع رسول اللّه، فوهب له
مملوكاً .
قال: وغارت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتدّ عليهنّحين
رزقتْ منه الولد .
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٣١١.

١٦٨٧/١
ثم دخلت سنة تسع
وفيها قَدِم وفدُ بنى أسد على رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما ذكر-
فقالوا : قد منا يا رسول اللّه قبل أن ترسل إلينا رسولا، فأنزل الله عز وجلّ فى
ذلك من قولهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَأَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَكُتُّوا عَلىَّ إِسْلاَمَكُمْ .. ﴾(١)
الآية .
وفيها قدم وفد بَلِىّ فى شهر ربيع الأوّل ، فنزلوا على رُوَيْفع بن ثابت
البَلَوِىّ .
وفيها قدم وفد الداريِّين من لخم ، وهم عشرة .
#
[ أمر ثقيف وإسلامها ]
وفيها قدِم - فى قول الواقدىّ - عُرْوة بن مسعود الثقفى" على رسول الله
صلى الله عليه وسلم مسلمًا، وكان من خبره- ما حدثنا ابنُ حُميد، قال:
حدثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق - أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم
حين انصرف عن أهل الطائف اتّبع أثرَه عروة بنُ مسعود بن مُعَتّب حتى أدركه
قبل أن يصل إلى المدينة ، فأسلم ؛ وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما يتحدث قومهم (٢): إنهم قاتلوك ؛ وعرف
وسولُ اللّه أنّ فيهم نخوةً بالامتناع الذى كان منهم - فقال له عُروة :
يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم(٣) - وكان فيهم كذلك محبباً مطاعًا -
(١) سورة الحجرات ١٧ .
(٢) ابن هشام: ((قومه)).
(٣) قال ابن هشام: ((ويقال: من أبصارهم)).
٩٦

سنة ٩
٩٧
فخرج يدعُو قومَه إلى الإسلام، ورجا ألاّ يخالفوه لمنزلته فيهم ؛ فلما أشرف
لهم على عُلَيَّة له وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموْه بالنَّبل ١٦٨٨/١
من كلّ وجه ، فأصابه سهمٌ فقتله ؛ فتزعم بنو مالك أنه قتله رَجُلٌ منهم
يقال له أوْس بن عوف ، أخو بنى سالم بن مالك ، وتزعم الأحلاف أنه قتله
رجلٌ منهم من بنى عتّاب بن مالك، يقال له وهب بن جابر . فقيل لعروة :
ما ترى فى دمك؟ قال : كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلىّ، فليس
فىّ إلاّ ما فى الشهداء الذين قُتلوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يرتحل
عنكم ، فادفتونى معهم، فدفنوه معهم . فزعموا أنّ رسول الله صلى الله عليه
وسلّم قال فيه: إن مَثّله فى قومه كمثل صاحب يَس فى قومه (١).
وفيها قدم وفدُ أهل الطائف على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قيل:
إنهم قدموا عليه فى شهر رمضان .
فحدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلّمة، عن محمّد بن إسحاق، قال:
ثمّ أقامت ثقيف بعد قتل عُرْوة أشهُرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ألاّ طاقة
لهم بحرب مَنْ حَوْلهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا .
وحدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
عن يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق الثقفىّ، أنّ عمرو بن
أميّة أخا بنى علاج كان مهاجراً لعبد ياليل بن عمرو، الذى بينهما سَبِّىءٌ
- وكان عمرو بن أمية من أدهی العرب- فمشی إلی عبد ياليل بن عمرو حتى
دخل عليه داره ، ثم أرسل إليه: إن عمرو بن أمية يقول لك: اخرج إلىّ ،
فقال عبد ياليل للرسول : ويحك! أعمرو أرسلك ؟ قال : نعم ، وهو ذا واقف
فى دارك. فقال: إنّ هذا لشىءٌ ما كنت أظنُّه! لَعَمْرو كان أمنعَ فى
نفسه من ذلك. فلمّا رآه رَحَّبَ به، وقال عمرو: إنه قد نزل بنا أمر ليست
معه هِجْرةٌ ، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيتَ ، وقد (٢) أسلمت
١٦٨٩/١
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٢٥.
(٢) ابن هشام: ((قد)).

٩٨
سنة ٩
العربُ كلُّها، وليست لكم بحربهم طاقة ، فانظروا فى أمركم . فعند ذلك ائتمرت
تَقِيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سِرْبٌ، ولا
يخرج منكم أحدٌ إلاّ اقتُطِع به! فائتمروا [بينهم](١)، وأجمعوا أن يرسلوا
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، كما أرسلوا عروة، فكلّموا عبد ياليل
ابن عمرو بن عمير - وكان فى سن٣(٢) عُروة بن مسعود - وعرضوا ذلك عليه ،
فأبى أن يفعل ، وخِشىَ أن يُصنَع به إذا رجع كما يُصنع بعروة، فقال: لست
فاعلاً حتى تبعثوا معى رجالاً ، فأجمعوا على أن يبعثوا معه رجليْن من الأحلاف
وثلاثة من بنى مالك ، فَيكونوا ستة : عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد
دُهْمان أخو بنى يَسَار، وأوس بن عوف أخو بنى سالم، ونُمَيْر بن خَرَشة بن
ربيعة أخو بلحارث ؛ وبعثوا من الأحلاف مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن
وهب بن معّتب وُشْرَحبيل بن غَيْلان بن سلمة بن معّتب ؛ فخرج بهم
عبد ياليلَ- وهو نابُ القوم(٣) وصاحب أمرهم؛ ولم يخرج إلا خَشْيَةً من
مثل ما صنع بعروة بن مسعود، ليشغلَ كلَّ رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف
رهطه - فلما دفوا من المدينة، ونزلوا قناة لقُوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته
١٦٩٠/١ ركاب أصحاب رسول اللّه، وكانت رِعِيْتُها ذُوَباً على أصحابه، فلما رآهم
المغيرة ترك الركاب وضّبر (٤) يشتدُّ ليُبَشّرّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم
بقدومهم عليه ، فلقيه أبو بكر الصّديق رضى الله عنه قبل أن يدخل على
رسول اللّه ، فأخبره عن ركْب ثقيف أنّهم قدموا يريدون البيعة والإسلام،
بأن يشرط لهم شروطًا، ويكتتبوا من رسول الله كتابًا فى قومهم وبلادهم وأموالهم.
فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك باللّه لا تسبقنى إلى رسول اللّه حتى أكون
أنا الذى أحدثه ، ففعل المغيرة ، فدخل أبو بكر على رسول اللّه ، فأخبره عن
ركب ثقيف بقدومهم ، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فرَوَّح الظّهر معهم ،
وعلّمهم كيف يُحيُّون رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم ، فلم يفعلوا إلا بتحية
الجاهلية.
(١) من ابن هشام.
(٣) ذاب القوم: سيدهم ورئيسهم.
(٢) ابن هشام: ((وكان سن عروة)).
(٤ ) ضبر : وثب .

سنة ٩
٩٩
ولما أن قد موا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبّة فى ناحية
مسجده - كما يزعمون - وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشى بينهم
وبين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؛ حتى اكتتبوا كتابهم ؛ وكان خالد هو
الذى كتب كتابهم بيده ، وكانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله
حتى يأكل منه خالد ؛ حتى أسلموا وبايعوا وفرغوا من كتابهم - وقد كان فيما
سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع الطاغية؛ وهى اللات ، لا يهدمها
ثلاث سنين ؛ فأبى رسولُ اللّه ذلك عليهم ؛ فما برحوا يسألونه سنة سنة، فأبى
عليهم حتى سألوه شهراً واحداً بعد مقدمهم ؛ فأبى أن يدَعها شيئًا يسمَّى؛
وإنما یریدون بذلك فما يُظهِرُون أن يسلموا بتر کھا من سفھائهم ونسائهم
وذراريّهم ، ويكرهون أنْ يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلَهم الإسلام - فأبى
رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم ذلك إلاّ أن يبعث آبا سفيان بن حرب والمغيرة
ابن شعبة فيهدماها؛ وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يُعفيَّهم من الصّلاة،
وأن يكسروا أوثانهم بأيديهم ؛ فقال رسول اللّه: أما كسر أوثانكم بأيديكم
فسنُعْفيكم منه ؛ وأما الصّلاة فلا خيرَ فى دين لا صلاة فيه؛ فقالوا : يا محمد،
أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة .
١٦٩١/١
فلمّا أسلموا وكتب لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتابهم؛ أَمَّرَ عليهم
عثمان بن أبى العاص - وكان من أحدثِهم سنًّا - وذلك أنه كان أحرصَهم على
التفقه فى الإسلام وتعقّم القرآن، فقال أبو بكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
يا رسول اللّه ؛ إنى قد رأيتُ هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه فى الإسلام
وتعلّم القرآن (١) .
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يعقوب
ابن عُتْبة ، قال: فلمّا خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجّهوا
إلى بلادهم راجعين ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب،
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٥، ٣٢٦.

١٠٠
سنة ٩
والمغيرة بن شعبة فى هدْم الطاغية ، فخرجا مع القوم ؛ حتى إذا قد موا الطائف
١٦٩٢/١ أراد المغيرة أن يقدُّم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه ، وقال: ادخل
أنتَ على قومك؛ وأقام أبو سفيان بماله بذى الهرم(١) ، فلما دخل المغيرة بن
شعبة علاها يضربها بالمعْوّل، وقام قومه دونه - بنو مُعتِّب- خَشْبةَ أن يُرْمَى
أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساءُ ثقيف حُسَّرًا(٢) يبكين عليها،
ويقلن :
أَلاَ أَبْكِيَنْ دُفَّاعُ(٣) أَسْلَمَهَا الرُّضَّاعُ(٤)
لم يُحْسِنُوا المِصَّاعِ(٥).
قال : ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واحاً لك (٦)! واهاً لك!
فلما هدمها المغيرة أخذ مالها وحُلِيَّها وأرسل إلى أبى سفيان وحليُّها مجموع ،
ومالُها من الذهب والجَزْع، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أبا سفيان أن
يقضىَ من مال اللات ديْنَ عروة والأسود ابنىْ مسعود ، فقضى منه
ديْنهما(٧).
:.
وفى هذه السنة غزا رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك .
#
ذكر الخبر عن غزوة تبوك
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال : أقامَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من الطائف،
ما بين ذى الحجة إلى رجب .
٠٥
(١) ابن هشام: ((الهدم)).
(٢) حسرا : مكشوفات الرموس.
(٣) ابن هشام: ((لتبكين)).
(٤) الرضاع هنا : اللئام.
(٥) المصاع : المصارعة .
(٦) ابن هشام: ((آها لك)).
(٧) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٢٦، ٣٢٧.