النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سنة ٨ صَدَقَ وعدَه، وقصر عيدَه، وهزم الأحزاب وحده. ألا كلّ مأثرة(١)، أودم، أومال يُدَّعى؛ فهو تحت قَدَمَيَّ هَاتَيْن إلا سدانة (٢) البيت وسقاية الحاجّ. آلاَ رقتيلُ الطل مثل (٣) العَمْد؛ السوط (٤) والعصا، فيهما الدية مغلظة [مائة من الإبل](٥)، منها أربعون فى بطونها أولادها. يا معشر قريش؛ إنّ اللّه قد أذهب عنكم نَخْرة الجاهلية وتعظُّمَها بالآباء - الناسُ مُنَ آدَمَ؛ وآدم خلق من تراب. ثم تلارسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَقْنَاكُممِنْ ذَكَرٍ وَأَنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِ لِتَعَارَفُوا إنّ أَكْرَ مَكُمْ عِدَاتِ أَنْقَاكُم .... )(٦) الآية. يا معشر قريش، ويا أهل مكة ؛ ما تُرَوْن أتى فاعلٌ بكم؟ قالوا : خيراً، أخ كريمٌ وابن أخ كريم. ثم قال: اذهبُوا فأنتم الطُّلَقَاءِ(٧). فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عشْرة، ١٦٤٣/١ وكانوا له فيْئاً، فبذلك يسمَّى أهل مكة الطلقاء. ثمّ اجتمع الناس بمكّة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس لهم - فيما بلغنى. على الصَّفاً وعمر بن الخطاب تحت رسول الله أسفل من مجلسه يأخذ على الناس . فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة لله ولرسوله. فيما استطاعوا - وكذلك كانت بيعتُه لمن بابع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس على الإسلام . فلما فرغ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرّجال بايعَ النساء، واجتمع إليه نساءً من نساء قريش ؛ فيهن هند بنت عتْبة، منتقبة متنكرة لحدتها وما كان من صنيعها بحمزة (٨)، فهى تخاف أن يأخذها رسولُ الّه صلى الله (١) الحرة: الخصلة التى تتوارث ويتحدث بها الناس. (٢) ابن هشام: ((شيه)). (٥) من ايق هشام . (٧) الخير إلى هنا فى ابن هشام ٢: ٢٧٤. (٢) سهاقة البيت: خلفه (٤) ابن هشام: «يالوط والماء. (٦) سورة الحجرات ١٣. (٨) س: ((لحمزة)). ۔ ٦٢ سنة ٨ عليه وسلم بحديثها ذلك، فلما دنوْنَ منه ليبايعنَه قال، رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغنى -: تبايعْنَنِى على ألاَ تشركْن باللّه شيئًا! فقالت هند: واللّه إنّك لتأخذ علينا أمرًا ما تأخذه على الرجال وستؤتیکه، قال: ولا تسرقْنَ، قالت: والله إن كنتُ لأصيب من مال أبى سفيان الهَنّة والهنّة، وما أدرى أكان ذلك حلاًّلى أم لا! فقال أبو سفيان - وكان شاهداً لما تقول: أمّا ما أصبتِ فيما مضى فأنت منه فى حِلٌّ، فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: وإنَّكِ لهند بنت عتبة! فقالت : أنا هند بنت عتبة ، فاعفُ عمّا سلف عفا الله عنك! قال: ولا تزنينَ، قالت: يا رسولَ اللّه، هل تزنى الحرّة ! قال: ولا تقتلْنَ أولادَ كُنّ، قالت: قد رَبَّيْناهم صغاراً، وقتلتتهم يوم بدر ١٦٤٤/١ كباراً، فأنت وهم أعلم! فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى استغرب (١). قال: ولا تأتينَ بيهتان تفترينَه بين أيديكُنّ وأرجلكُنَّ، قالت: والله إنّ إتيان البهتان لقبيح؛ ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصيتنى فى معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلسَ ونحن نريد أن نعصيتك فى معروف، فقالَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمر: بايعهنّ" واستغفر لهنّ رسولَ اللّه، فبايعهنّ مُمر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُصَافِحُ النساء، ولا يمسّ امرأة ولا تمسُّهُ إلاّ امرأة أحلّها الله له، أوذات محْرَمٍ منه. حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلَمة ، عن ابن إسحاق ، عن أبان ابن صالح، أنّ بيعة النساء قد كانت على نحويْن - فما أخبره بعض أهل العلم - كان يوضع بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء فيه ماء ، فإذا أخذ عليهنّ وأعطيْنَه غمسَ يدَه فى الإناء، ثم أخرجها ، فغمس النساءُ أيديهنّ فيه. ثم كان بعد ذلك يأخذ عليهنّ، فإذا أعطينَه ما شرط عليهنّ ، قال : اذهبْنَ فقد بايعتُكنّ ، لا يزيد على ذلك . ٠ ٥ قال الواقدىّ: فيها قتل خِرَاشُ بن أميّة الكعبىّ جُنَيْدبَ بن الأدْلع (١) استغرب، معلوماً، ومجهولا: بالغ فى الضحك. ٦٣ سنة ٨ الهُذلِىّ - وقال ابن إسحاق: ابن الأثْوَع الهذلىّـ وإنما قتله بذَحْل، كان فى الجاهليّة، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم: إنّ خراشًا قَتّال؛ إن خراشًاً قتّال! يَعِيبُهُ بذلك، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم خُزَاعَةَ أن يَدُوُه. حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفربن الزبير- قال محمد بن إسحاق: ولا أعلمه إلاّ وقد حدّثنی عن عروة بن الزبير - قال : خرج صَفْوان بن أميّة يريد جُدّة، ليركب ١٦٤٥/١ منها إلى اليمن(١)، فقال مُمير بن وهب، يا نبيّ اللّه، إنّ صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه فى البحر؛ فأمَّنْه صلّى الله عليك ! قال : هو آمِنٌّ ، قال : يا رسول اللّه ، أعِطِى شيئًا يعرف به أمانك ؛ فأعطاه عمامته التى دخل فيها مكة ؛ فخرج بها ◌ُمير حتى أدركه يُجُدّة ، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: ياصفوان، فداك أبى وأمى! أذكِّرك اللّهَ فى نفسك أن تُهْلِكَها! فهذا أمانٌ من رسول اللّه قد جئتك به ، قال : ويلك! اغرُبْ عَّى فلا تكلّمنى! قال: أىْ صفوان! فداك أبى وأمى! أفضلُ الناس ، وأبرّ الناس، وأحلمُ الناسُ، وخيرُ الناس ، ابن عمّتك، عِزَّهُ عِزّك، وشرفه شرفك ، ومُلْكه ملكك ! قال : إنىّ أخافه على نفسى ، قال : هو أحلَمُ من ذلك وأكرمُ ؛ فرجع به معه ، حتى قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال صَفْوان: إنّ هذا زعم أنك قد أمَّنَتَنى، قال : صدق ، قال: فاجعلنى فى أمرى بالخيار شهريْن ، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر(٢). حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزّهرى ، أنّ أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام وفاخِتَةَ بنت الوليد - وكانت فاختة عند صفوان بن أمية ، وأمّ حكيم عند عكرمة بن أبى جھل - أسلمتاً ، فأمّا أمّ حكيم فاستأمنت رسولَ الله ليعكرمة بن أبى جهل ، فَآمنه ، فلحقت به باليمن ، فجاءَتْ به ؛ فلمّا أسلم عِكْرمة وصفوان، أقرَّهما رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم عندهما على النّكاح الأول(٣). ١٦٤٦/١ (١) س: ((البحر)). (٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٧٨. (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٧٦. ٦٤ سنة ٨ حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سَلمة، قال : حدثنى محمد بن إسحاق؛ لما دخلَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم مكّة هرب هبَيْرَةُ بن أبى وهب المخزومىّ وعبد الله بن الزَّبَعْرَى السَّهْمى إلى نَجْران. حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصارىّ؛ قال: رمَى حسّانُ عبد الله بن الزُّبَعْرى وهو بنجران ببيت واحد، ما زاده(١) عليه : لاَتَعْدَمَنْ رجلا أَحَلَّكَ بُغْضُهُ أَجْرَانَ فِى عَيْشٍ أَحَذَّ لِيمِ(٧) فلما بلغ ذلك ابنَ الزَّبْعَرَى، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال حين أسلم : راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ(٣) يا رسولَ المليكِ إِنَّ لسانِی ح ومَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (٤) إِذْ أُبَارِى الشيطانَ فى سنْنِ ألرِّي آَمَّنَ اللَّحْمُ والعِظَامُ لِرَبِى ثم نفسى الشهيدُ أنْتَ النَّذِيرُ إنّى عنكَ زاجِرٌ ثَمَّ حَىّ (٥) من لؤْءٍ فَكُلُّهم مَغْرُورُ ١٦٤٧/١ وأما هُبيرة بن أبى وَهْب ، فأقام بها كافراً ، وقد قال حين بلغه إسلامُ أمّ هافى بنت أبى طالب وكانت تحته ، واسمها هند : أَشَافِتْك مِنْدٌ أم ناك سؤالُها كَذَاكَ النَّوَى أسبابُها وانقتالُها (٦) حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : وكان جميعُ مَنْ شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف؛ من بنی غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، ومِن مُزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بنى سُلَيْم (١) س: ((زاد). (٢) عيش أحذ: قليل منقطع. (٣) بور: مالك . (٤) ابن هشام: ((سنن الفى))، والسنن: وسط الطريق. ومثبور: هالك. (٥) كذا فى ابن هشام: وفى ط ((إنى عنك ناهى ... )). (٦) فى أبيات ذكرها ابن هشام مع الخبر فى السيرة ٢ : ٢٧٩. ٦٥ سنة ٨ سبعمائة ، ومن جُهينة ألف وأربعمائة رجل ؛ وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من بنى تميمٍ وقيس وأسد (١) . ٠ ٠ قال الواقدىّ : فى هذه السنة تزوّج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مليكة بنت داود الليْثِيّة، فجاء إليها بعضُ أزواج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت لها : ألا تسْتَحيين حين تزوّجين رجُلا قتل أباك! فاستعاذت منه ؛ وكانت جميلة ، وكانت حدثة ، ففارقها رسول اللّه ؛ وكان قتل أباها يوم فتح مكة . ٠ ٠ قال: وفيها هدم خالد بن الوليد العُزَى ببطن نَخْلة، لخمس ليال بقِينَ ١٦٤٨/١ من رمضان ؛ وهو صنمٌ لبنى شيبان ؛ بطن من سليم حلفاء بنى هاشم ، وبنو أسد بن عبد العزّى ، يقولون : هذا صَنمنا ، فخرج إليه خالد ، فقال : قد هدمته ، قال : أرأيتَ شيئًا ؟ قال : لا ، قال : فارجع فاهِدمْه ، فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيتَه، وكسر الصنم، فجعل السادنُ يقول: أعُزَّى اغضَّبِى بعض غضباتك ! فخرجت عليه امرأة حبشيّة عريانةٌ مُوَلْولَة ، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية ، ثم أتى رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزّى، ولا تعبَدُ العُزّى أبداً . حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلَمة ، عن ابن إسحاق ، قال : بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى الُعزّى - وكانت بنخلة، وكانت بيتًا يعظّمه هذا الحىّ من قريش وكنانة ومُضر كلّها ؛ وكانت سَدَنَتُها من بنى شيبان ، من بنى سُلَم حلفاء بنى هاشم - فلما سمع صاحبها بمسير خالد إليها ، علّق عليها سيفَه، وأسند (٢) فى الجبل الذى هى إليه فأصعد فيه ، وهو يقول : أَيَا عَزَّ شُدِّى شَدَّةٌ لا شَوَى لها على خَالِدٍ ألْفِى القِناعَ وَشَمِرّى(٣) فُبُولى بِإِنْمٍ عَاجِلٍ أو تنصّرى(٤) ويا ◌ُزَّ إن لم تَقْتُلِ اليومَ خَالِداً (١) ابن هشام ٢ : ٢٨٩. (٣) لا شوى لها؛ أى لا تبقى على شىء . (٢) أسند فى الجبل : ارتفع فيه . (٤) بونى : ارجعى . ١ ٦٦ سنة ٨ فلما انتهى إليها خالد هدمها، ثم رجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم(١) * قال الواقدىّ: وفيها هُدِمِ سُواع؛ وكان برُهاط الهذيل، وكان حَجَرًّا؛ ١٦٤٩/١ وكان الذى هدمه عمرو بن العاص لما انتهى إلى الصّم، قال له السّادن: ما تريد ؟ قال: هَدْم سُواع، قال : لا تطيق تهدمُه، قال له عمرو بن العاص: أنتَ فى الباطل بعد ! فهدمه عمرو ، ولم يجد فى خزانته شيئًا ، ثم قال عمرو للسادن : كيف رأيت ؟ قال : أسلمت واللّه . وفيها هدم مناة بالمشدّل ، هدمه سعد بن زيد الأشهلىُّ، وكان للأوس والخزرج . [مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك] وفيها كانت غزوة خالد بن الوليد بنى جذيمة ، وكان من أمره وأمرهم ما حدّثنا به ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال: قد كانَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بعث فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله عزّ وجلّ؛ ولم يأمرهم بقتال؛ وكان ممّن بعث خالد بن الوليد ، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيًا ، ولم يبعثه مقاتلاً ؛ فوطى بنى جذيمة ، فأصاب مُنِهم . حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمّد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم بن عبّاد بن حُنّيف ، عن أبى جعفر محمد بن على بن حسين ، قال: بعث رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم حين افتتح مكة خالد بن الوليد داعياً ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب: سُلَم ومُدْلِج، وقبائل من غيرهم؛ فلمّا نزلوا على الغُمَيْصاء - وهى ماء من مياه بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة ١٦٥٠/١ ابن كنانة - على جماعتهم، وكانت بنوجذيمة قد أصابوا فى الجاهلية عَوْف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة - وكانا أقبلا تاجرين من اليمن - حتى إذا نزلا بهم قتلوهما؛ وأخذوا أموالهما، فلمّا كان الإسلام، وبعث (١) سيرة بن هشام ٢ : ٢٨٦. ٦٧ سنة ٨ رسولُ الله صلّى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد ، سارحتى نزل ذلك الماء؛ فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح ، فقال لهم خالد : ضعوا السلاح، فإنّ الناس قد أسلموا (١) . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال: حدثنى بعضُ أهل العلم ، عن رجل من بنى جُديمة ، قال: لما أمرَنا خالدٌ بوضع السّلاح، قال رجل منّا يقال له جَحْدَم: ويلكم يا بنى جذيمة! إنّه خالد! والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار ، ثمّ ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق؛ والله لا أضع سلاحى أبدًا. قال: فأخذه رجال من قومه ، فقالوا : يا جحدم ؛ أتريد أن تسفك دماءنا! إنّ الناس قد أسلموا، ووضعت الحرب، وأمِن الناس؛ فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ، ووضع القوم السلاح لقول خالد ؛ فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكُتِفُوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل مَنْ قَتَل منهم . فلما انتهىّ الخبرُ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ، ثم قال : اللهمّ إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ! ثم دعا علىَّ بن أبى طالب عليه السلام، فقال: يا علىّ اخرج إلى هؤلاء القوم؛ فانظر فى أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميْك . فخرج حتى جاءهم ومعه مالٌ قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم به، فودَى لهم الدماء ١٦٥١/١ وما أصيب من الأموال؛ حتى إنه لَيَدِى مِيلغَةً (٢) الكلب ؛ حتى إذا لم يبقَ شىء من دم ولا مال إلاّ وَدَاه ، بقيتْ معه بقيّة من المال . فقال لهم علىّ عليه السلام حين فرغ منهم : هل بقىَ لكم دم أو مال لم يودّ إليكم ؟ قالوا : لا ، قال : فإنّ أعطيكم هذه البقيّة من هذا المال احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ممّا لا يعلم ولا تعلمون. ففعل، ثمّ" رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت . ثم قامَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم، فاستقبل القبلة قائمًا شاهراً يديه؛ حتى إنه ليُرى بياضُ (١) سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٤. (٢) الميلغة: شىء يحفر من خشب ويجعل ليلغ فيه الكلب، يكون عند أصحاب الغنم وأهل البادية . 3 ٦٨ سنة ٨ ما تحت منكبيه ؛ وهو يقول : اللهمّ إنّى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات ! قال ابن إسحاق: وقد قال بعض مَنْ يَعْذِ رُ خالداً: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبد الله بن حذافة السهمى"، وقال: إنّ رسولَ اللّه قد أمرك بقتلهم لامتناعهم من الإسلام ، وقد كان جَحْدم قال لهم حين وضعوا سلاحهم ، ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة : يا بني جذيمة ، ضاع الضّرب ، قد كنت حذّرتكم ما وقعتم فيه (١) ! حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنى عبد الله بن أبى سلمة، قال : كان بینخالد بن الوليد وبین عبدالرحمن ابن عوف - فيما بلغنى - كلام فى ذلك، فقال له: عملت بأمر الجاهليّة فى الإسلام ! فقال: إنّما ثأرت بأبيك ، فقال عبد الرحمن بن عوف : كذبت ! ١٦٥٢/١ قد قتلتُ قاتل أبى، ولكنك إنما ثأرت بعمّك الفاكه بن المغيرة ؛ حتى كان بينهما شىءٌ(٢) ،فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مهلا يا خالد! دع عنك أصحابى؛ فوالله لو كان لك أحدٌ ذهبًا ثم أنفقته فى سبيل اللّه؛ ما أدركت غَدْوةَ رجل من أصحابى ولا رَوْحته (٣). حدّثنا سعيد بن يحيى الأموىّ ، قال : حدّثنا أبى . وحد ثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ؛ جميعًا عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، عن ابن شهاب الزهرىّ ، عن ابن عبد الله بن أبى حَدْرَد الأسلمىّ، عن أبيه عبد الله بن أبى حَدْرد، قال: كنتُ يومئذ فى خَيْل خالد ، فقال لى فتى منهم - وهو فى السبى ؛ وقد جُمِعت يداه إلى عنقِهِ برُمَّةٍ (٤) ونسوة مجتمعات غير بعيد منه : يا فتى ! قلت : نعم ؛ قال : هل أنتَ آخذٌ بهذه الرُّمة فقائدى بها إلى هؤلاء النسوة ، حتى أقضىّ (١) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٨٤. (٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٨٤. (٢) ابن هشام: ((شرّ)). (٤) الرمة : الحبل البالى . ٦٩ سنة ٨ إليهنّ حاجة، ثم تَرُدّنى بعد، فتصنعوا بى ما بدا لكم؟ قال: قلت: واللّه تيسيرٌ ما سألت، فأخذت يرُمّتِه فقدْتُه بها حتى أوقفته عليهنّ ، فقال : اسلمى حُبَيَش (١)، على نفد العيش (٢): أُرَيْتَكِ إذْ طَالَبْتْكُم فَوَجَدْتُكُمْ ألم يَكُ حَقًّا أن يُنَوَّلَ عَاشِقٌ فلا ذَنْبَ لى قد قُلْتُ إِذْ أَهْلُنا مما أثيبى بُوُدٍ قبل أن تَشْحَطِ النَّوَى فإِىَ لاسِرًّا لَدَىَّ أَضَعْتُهُ عَلَى أَنَّ ما نابَ العَشِيرَةَ شَاغِلٌ بجَلْيَةَ أو أَلْفِيَكُمْ بَالحَوَانِقِ! ١٦٥٣/١ تَكَلَّفَ إِدْلاَ جَ السُّرى والوَدَائِقِ(٣)! أثيبى بوُدّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّغَائِ!(٤) ويَنْأَى الْأمِيرُ بالحبيب المفارق (٥) ولا راق عَيْنى بعد وَجهِك رائِقٍ ولا ذِكْرَ إلاَّ أن يكون لوامِقٍ قالت: وأنت فحُيِّيَتَ عشراً، وسبْعًا وِتْراً، وثمانيًا تَتري (٦)! ثم انصرفتُ به ، فقدُّم فُضربت عنقه . حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن أبیفِراس بن أبى سُنبلة الأسلمى؛ عن أشیاخمنهم، عمّن كان حضرها،قالوا: قامت إليه حين ضُربت عنقه، فأكبَّتْ عليه ، فما زالت تُقُّبِّلُهُ حتى ماتت عنده . حدّثنا ابنُ حميد ؛ قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود ، قال: أقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصُر الصلاة. ١٦٥٤/١ ٠٠٠ قال ابنُ إسحاق : وكان فتح مكة لعشر ليال بقِينَ من شهر رمضان سنة ثمان . # (١) حبيش: مرخّم حبيشة. (٢) على نفد العيش ؛ يريد على تمامه. (٣) الإدلاج: السير ليلا . والودائق: جمع وديقة؛ وهى شدة الحر فى الظهيرة . (٤) الصفائق : صوارف الخطوب وحوادثها ، الواحدة صفيقة. (٥) تشحط : تبعد . (٦) تترى : متتابعة. ذكر الخبر عن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن بحنين وكان من أمْر رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمْر المسلمين وأمْرِ هوازن ما حدّثنا علىّ بن نصر بن علىّ الجَهضمىّ وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث - قال على": حدثنا عبد الصمد ، وقال عبد الوارث: حدثنا أبى- قال : حدثنا أبان العطار ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، قال : أقام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بمكّة عام الفتح نصف شهر، لم يزد على ذلك؛ حتى جاءت هوازن وثقيف ، فنزلوا بحُنين - وحنين واد إلى جنب ذى المجاز- وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرج رسول اللّه من المدينة ، وهم يظنُّون أنه إنما يريدهم حيث خرج من المدينة ، فلمّا أتاهم أنه قد نزل مكة ، أقبلتْ هَوَازِن عامدين إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأقبلوا معهم بالنساء والصبيان والأموال - ورئيس هَوازن يومئذُ مالك بن عوف أحد بنى نصر - وأقبلت معهم ثقيف ؛ حتى نزلوا حُنَيْنًا يريدون النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فلما حُدِّث النبيّ وهو بمكّة أَنْ قد نزلت هوازن وثقيف بحنين ، يسوقهم مالك بن عوف أحد بنى نصر - وهو رئيسهم يومئذ - عمد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حتى قدم عليهم ، فوافاهم بحُنَين، فهزمهم اللّه عزّ وجلّ، وكان فيها ما ذكر اللّه عزّ وجلَ فى الكتاب؛ ١٦٥٥/١ وكان الذى ساقوا من النساء والصبيان والماشية غنيمة غنّمها الله عزّ وجل رسوله، فقسم أموالهم فيمن كان أسلم معه من قریش. حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما سمعتْ هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلّم وما فتح اللّه عليه من مكة ؛ جمعها مالك بن عوف النَّصِرىّ؛ واجتمعت إليه مع هوازن ثقيف كلّها ، فجُمعت نصر وجُشَ كلّها وسعد بن بكر وناس من بنى هلال ؛ وهم قليل ، ولم يشهدها من قَيْسَ عَيْلان إلاّ هؤلاء، وغابت عنها فلم يحضرها من هَوازن كعب ولا كلاب؛ ولم يشهدها منهم أحدٌ له اسمٌ، وفى جُثم دُرَيْد بن ٧١ سنة ٨ الصّمَّة شيخ كبير ؛ ليس فيه شىء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب ، وكان شيخًا كبيراً مجرّبًا؛ وفى ثقيف سيّدان لهم فى الأحْلاف: قارب بن الأسود ابن مسعود ، وفى بنى مالك ذو الخِمار سُبيْع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث فى بنى هلال ، وجِمَاع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرىّ . فلمّا أجمَعَ مالك المسِيرَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حطّ مع الناس ١٦٥٦/١ أموالهم ونساءهم وأبناءهم؛فلما نزل بأوطاس ، اجتمع إليه الناس؛ وفيهم دُرید بن الصمّة فى شِجَار(١) له يُقَادُ به؛ فلما نزَل قال: بأىّ وادٍ أنتم ؟ قالوا : بأوْطاس، قال: نعم مجالُ الخيل! لا حَزْن ضَرِسٍ (٢)، ولا سَهْل دهس(٣)؛ مالى أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، ويُعار الشاء (٤)، وبكاء الصغير ! قالوا : ساقَ مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم ، فقال : أين مالك ؟ فقيل : هذا مالك ، فدُعِى له ، فقال : يا مالك ، إنَّك قد أصبحتَ رئيس قومك ؛ وإنّ هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام ؛ مالى أسمع رُغاء البعير ، ونهاق الحمير ، ويعار الشاء ، وبكاء الصغير ! قال : سُقْتُ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم ، قال : ولِمّ ؟ قال : أردتُ أن أجعل خَلْف كلّ رجل أهله وماله ليقاتل عنهم ؛ قال: فأنقضَ به (٥) ثم قال : راعى ضأن (٦) والله! هل يردّ المنهزمَ شىءٌ! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلاّ رجلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحتَ فى أهلك ومالك. ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : لم يشهد منهم أحد ، قال : غاب الجدّ والحَدُّ؛ لو كان يوم علاء ورفعة لم تغيب عنه كعب وكلاب؛ ولوددت أنكم فعلتم ما فعلتْ كعب وكلاب ؛ فمن شهدها منكم ؟ قالوا : عمرو بن عامر وعوف بن عامر ؛ قال : ذانك الجَذعان(٧) من بنى عامر! لا ينفعان ولا ، (١) الشجار: شبه الهودج؛ إلا أنه مكشوف الأعلى . (٢) الحزن: المرتفع من الأرض ، والضرس : الذى فيه حجارة محددة . (٤) الأغانى: ((ثغاء الشاء)). (٣) الدهس: الين الكثير التراب. (٥) أنقض به ، أى زجره . (٧) الجذع : الشاب الحدث . (٦) فى الأغانى: ((أى أحمق)). ٧٢ سنة ٨ ١٦٥٧/١ يضرّان، يا مالك إنّك لم تصنع بتقديم البَيْضة؛ بيضة هوازن، إلى نُحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى متمتع (١) بلادهم وعُلْيا قومهم؛ ثم الق الصبدَّاء(٢) على مُتُون الخيل ، فإن كانت لك لحِقٍ بك مَنْ وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحْرزتَ أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرتَ وَكَبِرَ علمك ؛ واللّه لتطيعُْنى يا معشرَ هوازن أو لأنَّكَثَنَّ على هذا السيف حتى: يخرج من ظهرى ! وكره أن يكون لدُرَيْد فيها ذكرٌ ورأىٌ . قال دُريد بن الصمّة : هذا يوم لم أشهده ؛ ولم يَفْتَّى : يا لْيَتَى فيها جذَعْ أُخُبّ فيها وَأَضَعْ (٣). : أَقُودُ وَطْفَاءِ الزَّمَعْ كَأَّهَا شَاءٌ صَدَعْ (٤) وكان دُريد رئيسَ بنى جُشَم وسيدهم وأوسطهم؛ ولكن السنَّ أدركته حتى فَنِىَ - وهوُدُريد بن الصّمة بن بكر بن عَلْقمة بن جُدَاعة بن غَزِيّة ١٦٥٨/١ ابن جُشَ بن معاوية بن بكر بن هوازن - ثم قال مالك للناس: إذا أنتم رأيتم القومَ فاكسِرُوا جفونَ سيوفكم، وشُدَّوا شَدَّةَ رجل واحد عليهم (٥) . حدّثنا ابْنُ حميد ، قال : حدثنا سبَلمة ، عن ابن إسحاق ، عن أميّة ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ أنه حدّث أن مالك بن عوف بعث عيونًا من رجاله لينظروا له ، ويأتوه بخبر الناس ؛ فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالُهم ، فقال : ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا : رأينا رجالاً بيضًا على خيل بُلْق؛ فوالله ما تماسكْنا أن أصابنا ما ترى! فلم ينهَهُ ذلك عن وجهه؛ أن مصی على ما يريد (٦) . قال ابن إسحاق : ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث (١) الأغانى: ((أعلى بلادهم)). (٢) الصباء: جمع صابىُ؛ وهم المسلمون عندهم؛ كانوا يسمونهم بذلك؛ لأنهم صبئوا من دينهم ، أى خرجوا . (٣) الخبب والوضع: ضربان من السير . (٤) الوطفاء : الطويلة الشعر ، والزمع : الشعر الذى فوق مربط الدابة . (٥) الخبر فى ابن هشام ٢: ٢٨٧، والأغانى ١٠: ٣٠ - ٣٢ (طبع دار الكتب). (٦) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٨٧. ١ سنة ٨ ٧٣ إليهم عبدَ اللّه بن أبى حَدْرد الأسلمى"، وأمره أن يدخلَ فى الناس فيُقيم فيهم حتى يأتيه بخبر منهم ؛ ويعلم مِنْ علمهم . فانطلق ابن أبى حَدْرد ، فدخل فيهم ، فأقام معهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعلم أمر مالك وأمرَ هوازن وما هم عليه. ثم أتى رسولَ اللّه، فأخبره الخبر؛ فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره خبر ابن أبى حَدْرد ، فقال عمرُ : كذب ! فقال ابن أبى حدْرد : إِنْ تكذّبْنى فطالما كذّبْتَ بالحقّ يا عمر! فقال عمر: ألا تسمعُ يا رسول إلى ** يقول ابن أبى حَدْرد! فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قد كنت ضالاً فهداك الله يا عمر (١). حدثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنى أبو جعفر محمد بن على بن حسين، قال: لما أجمع رسولُ ١٦٥٩/١ الّهِ صلى الله عليه وسلم السَّيْرَ إلى هَوازن ليلقاهم، ذكر له أنّ عند صفوان بن أميّة أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه، فقال: يا أبا أميّة - وهو يومئذ مشرك: أعِرْنا سلاحك هذا نفق فيه عدوًّنا غداً. فقال له صفوان : أغَصْبًا يا محمد! قال: بل عارِيّة مضمونة حتى نؤدّيها إليك ، قال: ليس بهذا بأس ، فأعطاه مائة دِرْع بما يصلحُها من السلاح؛ فزعموا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيه حَمْلها ففعل (٢). قال أبو جعفر محمد بن علىّ: فمضت السنّة أن العاريَّة مضمونة مؤدّة . حدثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله ابي أميكْر، قال: ثمّ خرجَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ ومعه ألفان من أهل مكة ، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة ، فكانوا اثنى عشر ألفًا، واستعمل رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عَتّابَ بن أسيد ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس على مكّة أميراً على مَنْ غاب عنه من الناس ، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن (٣). (١) سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٧. (٢) سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٨. (٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٨٨. حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه ، قال : لما استقبلنا وادى حُنين ، انحدَرْنا فى واد من أودية تهامة أجوف (١)حَطُوط ، إنما ننحدر فيه انحداراً - قال : وفى حماية (٢) الصبح ، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادى ، فكمنوا لنا فى شِعَابه وأحنائه ومضايقه ، قد أجمعوا وتهيئوا ١٦٦٠/١ وأعدّوا - فوالله ما راعنا ونحن منحطّون إلاّ الكتائب قد شدّتْ علينا شدّة رجل واحد، وانهزم الناس أجمعون، فانشمروا(٣) لا يلوى أحدٌ على أحد؛ وانحاز رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ اليمين ، ثم قال : أين أيها الناس! هلمّ إلىَّ! أنا رسولُ اللّه، أنا محمد بن عبد الله! قال: فلا شىء، احتملت الإبل بعضها بعضًا، فانطلق الناس؛ إلاّ أنه قد بقىَ مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفرٌ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته . وممن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر، وعمر، ومن أهل بيته على بن أبى طالب، والعبّاس بن عبد المطلب، وابنُه الفضل ، وأبو سفيان بن الحارث ، وربيعة بن الحارث ، وأيْمَن بن عُبيد - وهو أيمن بن أمّ أيمن - وأسامة بن زيد بن حارثة . قال : ورجل من هوازن على جمل له أحمر ، بيده راية سوداء فى رأس رمح طويل ، أمام الناس وهوازن خلْفه ، إذا أدرك طعن برمحه ، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه ؛ فاتبعوه. ولما انهزم النّاس، ورأى مَنْ كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة ، تكلّم رجالٌ منهم بما فى أنفسهم من الضَّغْنِ، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر ؛ والأزلام معه فى كنانته ؛ وصرخ كَلَدَةُ بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن ١٦٦١/١ خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك فى المدّة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: ألا بطل السُّحْرُ اليوم ! فقال له صفوان: اسكت فَضَّ اللّهُ فاك! فوالله لأنْ يَرُبَّنِى رجل من قريش أحبُّ إلىّ من أن يَرُبَّنِى (١) أجوف : متسع . (٢) عماية الصبح: ظلامه قبل أن يتبين . (٣) انشمر الناس : انفضوا وانهزموا . سنة ٨ رجل من هوازن ! وقال شيبةُ بن عثمان بن أبى طلحة ، أخو بنى عبد الدار : قلت : اليوم أدْرِكُ تأرى - وكان أبوه قُتل يوم إِحُد - اليوم أقتل محمداً. قال: فأردت رسولَ اللّه لأقتله، فأقبل شىء حتى تغَشَى فؤادى فلم أطق" ذلك، وعلمت أنه قد مُنع منِی (١) . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عن الزّهرىّ، عن كَثِير بن العباس ، عن أبيه العباس بن عبد المطلب ، قال: إنىّ لمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذٌ بحكمة (٢) بغلته البيضاء ، قد شجرتُها(٣) بها، قال: وكنت امرأً جسيماً شديد الصوت، قال: ورسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول حين رأى مِن الناس ما رأى: أينَ أيّها الناس! فلمّا رأى الناس لا يَلْوُون على شىء قال : يا عباس ، اصرخ : يا معشر الأنصار ! يا أصحاب السَّمُرَة! فناديت: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السَّمُرة! قال: فأجابوا: أنْ لبَّيك لبّيك! قال: فيذهبُ الرّجُل منهم يريد ليَثنى بعيرَه ؛ فلا يقدر على ذلك ، فيأخذ دِرْعه فيقذ فها فى عنقه ، ويأخذ سيفه وتُرسه ، ثم يقتحم عن بعيره فيخلِّى سبيله فى الناس ، ثم يؤمّ الصوت، حتى ينتهى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؛ حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة رجل استقبلوا الناس ، فاقتتلوا ، فكانت الدَّعوى أوّلَ ما كانت: ياللأنصار! ثم جُعلت أخيراً: يا للخزرج! وكانوا صُبُرًا عند الحرب، فأشرف رسول الله صلّى ١٦٦٢/١ الله عليه وسلّ فى ركابه، فنظرُ مُجْتَد القوم وهم يحتلدون، فقال: الآن حَمِىَ الوَطِيس (٤)! حدّثنا هارونُ بن إسحاق ، قال : حدّثنا مُصعب بن المقدام ، قال : حدّثنا إسرائيل ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن البراء ، قال : كان أبو سفيان بن الحارث يقودُ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم بغلته يوم حُنين، فلمّاً (١) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٨٩. (٢) الحكمة محركة : ما أحاط بحنكة بغلته من لحامه . (٣) شجرتها بها ؛ أى وضعتها فى شجرها؛ وهو مجتمع اللحيين. (٤) الوطيس: التنور يخبز فيه. والخبر فى سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٠ . ٧٦ سنة ٨ غَشِىّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم المشركون ، نزل فجعل يرتجز ، ويقول: أنا النبيُّ لاَ كَذِبْ أَنَاَ ابنُ عبد الَطَلِبْ فما رئىَ من الناس أشدّ منه . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم ابن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه جابر بن عبد الله ، قال : بينًا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع ؛ إذ هَوَى له علىّ بن أبى طالب ورجل من الأنصار، يريدانه ، فيأتيه علىّ من خلفه ، فيضرب عُرْقُوبَىِ الجمل ، فوقع على عَجُزُه، ووثب الأنصارىّ على الرّجل فضربه ضربة أطَنَّ قدمه (١) بنصف ساقه، فانجعف (٢) عن رَحْله. قال : واجتلد الناس ، فوالله ما رجعتْ راجعةُ الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتّفين؛ وقد التفت رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أبى سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب - وكان ممّن صَبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان حسنَ الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثَفَرَ (٣) بغلته - فقال : من هذا ؟ قال : ابن أمّك يا رسول الله (٤) ! حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن ١٦٦٣/١ عبد الله بن أبى بكر، أنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم التَّفَت، فرأى : أمّ سُليم بنت مِلْحان - وكانت مع زوجها أبي طلحة - حازمة وسطها ببُرْد لها؛ وإنّها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة ، ومعها جمل أبى طلحة، وقد خشيتً أن يَعُزّها(٥) الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها فى خِزامته (٦) مع الخِطام ، فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أمّ سليم! قالت: نعم ؛ (١) أطن قدمه: أطارها؛ وجمع لضر به طنين؛ أى دوىّ. (٢) انجعف عن رحله: سقط عنه صريعا . (٣) الثفر: البير فى مؤخر السرج . (٤) سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٠. (٥) يعزها: يغلبها. (٦) الخزامة : حلقة من شعر تجعل فى أنف البعير . ٧٧ سنة ٨ بأنى أنت وأمي يا رسول الله! اقتُلْ هؤلاء الذين يفرُّون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهلٌّ، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: أوَ يكفى اللّهُ يا أمّ سُليم! ومعها خنجر فى يدها ، فقال لها أبو طلحة : ما هذا معك يا أمّ سليم ؟ قالت: خنجر أخذتْه معى ؛ إن دنا منّى أحدٌ من المشركين بعجتُه به(١). قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع ما تقولُ أمّ سليم يارسول الله! (١). حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدّثنى حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة ، عن أنس ابن مالك ، قال : لقد استلبَ أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلاً وحْدَه هو قتلهم (٢) . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن أبيه ، أنه حدّث عن جُبير بن مُطعِيمٍ، قال: لقد رأيتُ قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد (٣) الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم ؛ فنظرت فإذا نملّ أسود مبثوثٌ قد ملأ الوادى؛ فلم أشك أنها الملائكة ، ولم يكن إلاّ هزيمة القوم (٤). ١٦٦٤/١ حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال : فلمّا انهزمت هوازن استحرّ القتل من ثقيف ببنى مالك، فقُتِل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم ، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حُبِيِّب؛ جَدّ ابن أمّ حكم بنت أبى سفيان ، وكانت رايتهم مع ذى الخِمار، فلمّا قُتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قُتل (٤) . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سَكمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، عن عامر بن وهب بن الأسود بن مسعود ، قال: لمّا بلغ رسولَ الله صلى اللّه عليه وسلم قتلُ عثمان، قال: أبعَدَه الله! فإنه كان يبغض قريشاً(٤). (١) بعج بطنه : شقه. (٣) البجاد : الكساء. : (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٩٠. (٤) سيرة ابن هشام ٢: ٢٩١ . ٧٨ سنة ٨ حدثنا علِىّ بن سهل ، قال : حدّثنا مؤمّل، عن مُمارة بن زاذان ، عن ثابت، عن أنس ، قال : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حُنين على بغلة بيضاء ، يقال لها 'دُلْدُل، فلمّا انهزم المسلمون، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لبغلته: البُدِى(١) ◌ُدُلْدُل! فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حَقْنَةً من تراب، فرمى بها فى وجوههم، وقال: ((حمّ لا يُنْصَرون!)). فولى المشركون مُدْبرين، ما ضربَ بسيف ولا طعن برمْح ولا رمى بسهم . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سَكمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، قال: قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصرانىٌّ أغرلُ(٢). قال: فبينا رجلٌ من الأنصار يستلب قتلى من ثقيف، إذ كشف العبد ليستلبه ، فوجده أغرل ، فصرخ بأعلى ١٦٦٥/١ صوته: يعلم الله أن ثقيفًا غُرْل ما تختتن! قال المغيرة بن شعبة: فأخذت بيده ، وخشيت أن تذهب عنّا فى العرب، فقلت : لا تقُلْ ذلك فداك أبى وأمىّ! إنما هو غلامٌ لنا نصرانىٌّ، ثم جعلت أكشف له قتلانا فأقول: ألا تراهم "نحنين! قال: وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود بن مسعود ، فلمّاً هُزِمِ الناس أسند رايتَه إلى شجرةٍ، وهرب هو وبنوعمّه وقومه من الأحلاف ، فلم يُقَتَلْ منهم إلاّ رجلان ؛ رجل من بنى غِيرَة يقال له وهب ، وآخر من بنى كُنّة (٣) يقال له: الجُلاَح، فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين بلغه قتل الجُلاح : قُتل اليوم سيّد شباب ثقيف؛ إلا ما كان من ابن هُنَيدة - وابنُ هنيدة الحارث بن أوْس (٤). حدّثنا ابنُ حميد ، قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوْطاس، وتوجّه بعضُهم نحونَخْلة .. ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلاّ بنوغيرة من ثقيف - فتبعتْ خيلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ سلك فى نَخْلة (١) البدى: أمر من لبد بالمكان إذا لزمه فلم يبرحه . (٢) أغرل : غير محتون . (٣) ابن هشام: ((كبة)). (٤) سيرة ابن هشام ٢: ٢٩١، ٢٩٢، وفيه: ((الحارث بن أويس)). سنة ٨ ٧٩ من الناس ، ولم تتبع مَنْ سلَك الثنايا، فأدرك ربيعةُ بن رُفِيع بن أهْبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يَرْبوع بن سَمَّال بن عوف بن امرئ القيس - وكان يقال له ابن لذْعة (١) وهى أمّه، فغلبتْ على نسبه - دريدَ بن الصِّمّة، فأخذ ١٦٦٦/١ بخطام جمله ؛ وهو يظنّ أنه امرأة ؛ وذلك أنه كان فى شِجَارِ له ، فإذا هو رجل ، فأناخ به ، وإذا هو بشيخٍ كبير ؛ وإذا هو دُريد بن الصِّمّة، لا يعرفه الغلام ، فقال له دُريد: ماذا تريد بى؟ قال: أقتلك، قال: ومَنْ أنتَ ؟ قال : أنا ربيعة بنُ رفيع السُلَمِىّ، ثمّ ضربه بسيفه فلم يُغْن شيئًا ، فقال: بئسما سَلَحَتْك أمك! خذ سيفى هذا من مؤخّر الرّحل فى الشّجَار، ثم اضرب به وارفع عن العظام ، واخفض عن الدّماغ ، فإنى كذلك كنت أقتل الرجال . ثمّ إذا أتيتَ أمّكَ فأخبرْها أنك قتلتَ دُريد بن الصّمة؛ فرُبّ يومٍ واللّه قد منعت نساءَك! فزعمتْ بنوسُايم أنّ ربيعة قال: لما ضربتُه فوقع تكشف الثوب عنه ، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء (٢)، فلمّا رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًاً (٣). قال أبو جعفر: وبعث رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى آثار مَنْ توجّه قبلَ أوطاس؛ فحدّثنى موسى بن عبد الرحمن الكندىّ، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بُريْد بن عبد الله، عن أبى بُرْدة، عن أبيه، قال : لما قديم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من حُنين بعث أبه عامر على جيش إلى أوْطاس، فلقى ◌ُدُرَيْد بن الصّمّة ، فقتل دريداً، وهزم اللّه أصحابه . ١٦٦٧/١ قال أبو موسى : فبعثی مع أبى عامر ، قال : فرُمِی أبو عامر ڤی رکْبته، رماه رجلٌ من بنى جُشتَ بسهم فأثبته فى ركبته ، فانتهيت إليه ، فقلت : يا عمّ، مَنْ رماك؟ فأشار أبو عامر لأبى موسى، فقال: إنّ ذاك قاتلى ، تراه ذلك الذی رمانى ! (١) ابن هشام: ((الدغنة)). (٢) أعراء: جمع عرى وهو الفرس الذمى لا يسرج. . (٣) سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٣، والأغانى ١٠: ٣١، ٣٢. ٨٠ سنة ٨ قال أبو موسى : فقصدت له فاعتمدتُه، فلحِقْتُهُ، فلما رآنى ولّى عنى ذاهبًا، فاتبعته ، وجعلت أقول له: ألا تستحى! ألستَ عربيًّا! ألا تثبت ! فكرَّ، فالتقيت أنا وهو ، فاختلفنا ضريتين ، فضربته بالسيف ، ثم رجعت إلى أبى عامر، فقلت: قد قتل اللّه صاحبَك، قال: فانزع هذا السهم، فتزعتُهُ فتزَا منه الماء ، فقال : يا بن أخى، انطلق إلى رسول الله ، فأفِرِثْه منى السلام ، وقل له إنه يقول لك : استغفرلى . قال : واستخلفنى أبو عامر على الناس فمكث يسيراً . ثمّ إنه مات. حدثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : يزعمون أن سلمة بن دُريد ، هو الذى ربى أبا عامر بسهم فأصاب رُكْبته ، فقتله ، فقال سلمة بن دُرَيد فى قتله أبا عامر : إِنْ تَمْأَلُوا عنّى فإِنِّى سَلَمَهُ ابْنُ مَعَدِيرَ لَمَنْ تَوَسَّمَهْ (١) (( أضرِبُ بالسَّيْفِ رِ،وَسَ المُسْلِمَة * وسمادير أمّ سلمة ، فانتمى إليها . ١٦٦٨/١ قال : وخرج مالك بن عوْف عند الهزيمة ، فوقف فى فوارس من قَوْمه على ثنيّة من الطريق ، وقال لأصحابه : قِفوا حتى تمضى ضعفاؤكم وتلحق أخراكم؛ فوقف هنالك حتى مضَى مَنْ كان لحق بهم من منهزمة الناس (٢). حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، قال : حدثنى بعضُ بنى سعد بن بكر ، أنّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يومئذ لخيله التى بعث: إن قدرتم على بِجَادرجل من بنى سعد ابن بكر - فلا يفلتكم؛ وكان يجاد قد أحدث حدثًا، فلمّا ظفر به المسلمون ساقوه وأهله ، وساقوا أخته الشَّيْماء بنت الحارث بن عبد الله بن عبد العُزّى، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنّفوا عليها فى السياق معهم، (١) توسمه: استدل عليه وعرفه. (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٩٣.