النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ سنة ٦ قال: وفيها بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم محمد بن مسلمة فى عشرة نفر فى ربيع الأول منها ، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه؛ فما شعروا إلاّ بالقوم ؛ فقتل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلت محمد جريحا . قال الواقدى: وفيها أسْرَى رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم سرِيَّةَ أبى عبيدة بن الجَرَّح إلى ذى القَصّة فى شهر ربيع الآخر فى أربعين رجلاً ، فساروا ليلتهم مُشاةً، ووافوْا ذا القَصّة مع عماية الصُّبح، فأغاروا عليهم، ١٥٥٥/١ فأعجزوهم هَرَبًا فى الجبال، وأصابوا نعمًا ورِثَّة(١) ورجلا واحداً، فأسلم، فتركه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . قال : وفيها كانت سرّية زيد بن حارثة بالجَمُوم ، فأصاب امرأة من مُزَّيْنة؛ يقال لها حليمة ، فدَلَّتْهم على محلّة من محالّ بنى سُلَيِم ، فأصابوا بها نَعَمًا وشاء وأسراء ؛ وكان فى أولئك الأسراء زوج حليمة ، فلما قفل بما أصاب وَهَب رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم للمُزّنيَّة زوجتها ونفسها. قال : وفيها كانت سريّة زيْد بن حارثة إلى العِيص فى جُمادى الأولى منها . وفيها أخذت الأموال التى كانت مع أبى العاص بن الربيع ؛ فاستجار بزينب بنت النبى صلّى الله عليه وسلم فأجارَتْه . قال : وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة إلى الطَّرّف، فى جمادى الآخرة، إلى بنى ثعلبة فى خمسة عشر رجلا؛ فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسولُ اللّه سارَ إليهم، فأصاب من نَعَمهم عشرين بعيرا . قال : وغاب أربع ليال . قال : وفيها سريّةً زيد بن حارثة إلى حِسْمَى فى جمادى الآخرة ٠ (١) و: ((نعمة ورثاء))، والرث والرثة: السقط من المتاع. ٦٤٢ سنة ٦ قال : وكان أوّل ذلك - فيما حدثنى موسى بن محمّد ، عن أبيه ، قال : أقبل دِحْيَةُ الكلبىّ من عند قيصر؛ وقد أجاز دِحْيَةَ بمال، وكساه كُسَّى؛ فأقبل حتى كان بحِسْمَى، فلقيه ناسٌ من جُدام؛ فقطعوا عليه الطريق ، فلم يُترك معه شىء ؛ فجاء إلى رسول اللّه قبل أن يدخلَ بيته فأخبره ، فبعث رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم زيدَ بن حارثة إلى حِسْمى. ١٥٥٦/١ قال : وفيها تزوّج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبى الأقلح؛ أخت عاصم بن ثابت ، فولدت له عاصم بن عمر؛ فطلَّقها عمر فتزوّجها(١) بعده يزيد بن جارية ؛ فولدت له عبد الرحمن بن يزيد ؛ فهو أخو عاصم لأمّه . قال : وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى وادى القُرى فى رجب. قال : وفيها سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دَوْمة الجَنْدل فى شعبان؛ وقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إن أطاعوك فتزوّج ابنّة ملكهم ؛ فأسلم القوم، فتزوّج عبد الرحمن تماضر بنت الأصْبَغَ؛ وهى أمّ أبى سلمة؛ وكان أبوها رأستهم وملكهم . قال : وفيها أجدب الناسُ جدبًا شديدًا، فاستسقى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلّم فى شهر رمضان بالناس . قال : وفيها سرّية على بن أبى طالب عليه السلام إلى فَدَك فى شعبان . قال : وحد ثنى عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عُقْبة ، قال : خرج علىُ بن أبى طالب فى مائة رجل إلى فَدَك ، إلى حىّ من بنى سَعْد بن بكر ؛ وذلك أنَّه بلغ رسولَ اللّه أَنّ لهم جمعًا يريدون أن يمدّوا يهود خيبر ؛ فسار إليهم الليل وكَمَن النَّهار؛ وأصاب عَيْنًا؛ فأقرّ لهم أنه بُعِث إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم ثمر خيبر . قال : وفيها سرّية زيد بن حارثة إلى أمّ قِرْفة فى شهر رمضان. وفيها قتلت أمّ قِرْفة ؛ وهى فاطمة بنت ربيعة بن بدر، قتلها قتلاً ١/ ١٥٥٧ (١) س: ((فتزوجت)). ٦٤٣ سنة ٦ عنيفًا؛ ربط برجليها حبْلاً ثم ربطها بين بعيرين حتى شقَّاها شقًّا؛ وكانت عجوزًاً كبيرةً . وكان من قصَّتها ما حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدَّثَنِى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبى بكر، قال: بعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم زيد بن حارثة إلى وادى القُرى ؛ فلقىَ به بنى فزارة ؛ فأصيب به أناسٌ من أصحابه، وارْتُثَّ زيد من بين القتلى، وأصيب فيها ورد ابن عمرو أحد بنى سعد بنى هُدَيم ، أصابه أحد بنى بدْر ؛ فلمَّا قدم زيد نَذَرَ ألاّ يمسّ رأسه غسلٌ من جنابة حتى يَغْزُوَ فَزارة؛ فلمَّا استبلّ من جراحه (١)، بعثه رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم فى جيش إلى بنى فَزارة ، فلقيَهم بوادى القُرى، فأصاب فيهم ؛ وقتل قيس بن المسحَّر اليَعْمُرَىّ مَسْعَدَةَ بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أمَّ قرفة - وهى فاطمة بنت ربيعة بن بدر ، وكانت عند مالك بنُ حذيفة بن بدر ، عجوزًا كبيرة - وبنتً لها، وعبد الله بن مسعدة. فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قِرْفة؛ فقتلها قتلا عنيفًا، ربط برجليها حبلين ثم ربطهما (٢) إلى بعيرين حتى شقّاها. ١ / ١٥٥٨ ثم قدموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بابنة أم قِرْفة وبعبد الله بن مسعدة ؛ وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع ؛ كان هو الذى أصابها، وكانت فى بيت شرف من قومها ، كانت العرب تقول : لو كنت أعزّ من أم قرفة ما زدتَ فسألها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سلمة ، فوهبهاله، فأهداها لحاله حَزْن بن أبى وهْب؛ فولدت له عبد الرحمن بن حَزْن . وأما الرواية الأخرى عن سلمة بن الأكوع فى هذه السرّية ، أن أميرها كان أبا بكر بن أبى قحافة، حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا أبوعامر، قال: حد ◌ّثنا عِكْرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: أمَّرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم علينا أبابكر؛ فغزونا ناسًا من بنى فزارة، فلمَّا دنوْنا من الماء أمرنا (١) س: ((جراحته)). (٢) س: ((ربطها)). ٦٤٤ سنة ٦ أبو بكر فعرّسنا ؛ فلمَّا صلَّينا الصبح ، أمرنا أبو بكر فشنّئًا الغارة عليهم . قال: فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا. قال: فأبصرت عُثُقًا (١) من الناس؛ وفيهم النّساء والذرارىُّ قد كادوا يسبقون إلى الجبل ، فطرحت سهمًا بينهم وبين الجبل ، فلمَّا رأوا السَّهم وقفوا ، فجئت بهم أسوقهم إلى أبى بكر ؛ وفيهم ١٥٥٩/١ امرأة من بنى فزارة عليها قَشْعُ (٢) أدَم، معها ابنة لها من أحسن العرب. قال: فتفَّلِنِى أبو بكر ابنتها ، قال: فقدمت المدينة، فلقَينى رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم بالسوق ، فقال: يا ساسمة، لله أبوك! هب لى المرأة! فقلت : يا رسولَ الله؛ والله لقد أعجبَتْنى وما كشفت لها ثوبًا. قال: فسكت عنى حتى إذا كان من الغد لقيسَنى فى السّوقِ، فقال: يا سلّمة، لله أبوك ! هبْ لى المرأة، فقلت : يا رسولَ اللّه؛ واللّه ما كشفت لها ثوبا؛ وهى لك يا رسول" الله. قال : فبعث بها رسول اللّه إلى مكنَّةٍ؛ ففادى بها أسارى من المسلمين كانوا فى أيدى المشركين . فهذه الرواية عن سلمة . قال محمد بن عمر : وفيها سرّية كُرزبن جابر الفهرىّ إلى العُرَنِيِّين الذين قتلوا راعىَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، واستاقوا الإبل فى شوّال من سنة ستّ ؛ وبعثه رسول اللّه فى عشرين فارسًا . [ ذكر خروج رسل رسول الله إلى الملوك ] قال: وفيها بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرَّسُلَ؛ فبعث فى ذى الحجة ستّة نفر: ثلاثة مصطحبين؛ حاطب بن أبي بلتعة من لخْم حليف بنى أسد بن عبد العزى إلى المقوقس ، وشجاع بن وهب من بنى أسد بن خُزيمة - حليفا لحرب بن أمية شهد بدرًا - إلى الحارث بن أبى شَمِر الغسانىّ، ودِحْيَةَ ١٥٦٠/١ ابن خليفة الكلبىّ إلى قيصر، وبعث سليط بن عمرو العامرىّ عامر بن لؤى إلى هَوْذة بن على الحنفىّ. وبعث عبد الله بن حذافة السهمىّ إلى كسرى. وعمرو بن أمية الضَّمْرىّ إلى النجاشىّ. (١) عنقا: جماعة. (٢) القشع : الفرو الخلق. سنة ٦ ٦٤٥ وأمَّا ابنُ إسحاق، فإنَّه - فيما زعم، وحدثنا به ابنُ حميد - قال : حدّثنا سلّمة، عنه قال: كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد فرّق رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم، دعاةً إلى الله عزّ وجلّ فيما بين · الحديبيّة ووفاته . وحدّثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبى حَبيب المصرىّ، أنه وجد كتاباً فيه تسمية من بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ملوك الخائبين ، وما قال لأصحابه حين بعثهم ، فبعث به إلى ابن شهاب الزُّهرىّ ، مع ثقة من أهل بلدة فعرفه . وفى الكتاب أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم خرج على أصحابه ذاتَ غَدَاة ، فقال لهم: إنى بُعِثْتُ رحمةً وكافّة؛ فأدّوا عنّى يرحمكم الله(١)؛ ولا تختلفوا علىّ كاختلاف الحوارييِّن على عيسى بن مريم ، قالوا : يا رسول اللّه، وكيف كان اختلافُهم ؟ قال : دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه ؛ فأمَّا من قَرُبَ به(٢) فأحبّ وسِلِم، وأمَّا مَنْ بَعُد به فكرِه وأبى ؛ فشكا ذلك منهم عيسى إلى اللّه عزّ وجلّ ، فأصبحوا من ليلتهم تلك؛ وكلُّ رجل منهم يتكلّم بلغة القوم الَّذين بُعث إليهم. فقال عيسى: هذا أمرٌ قد عزم الله لكم عليه ؛ فامضوا (٣). قال ابنُ إسحاق: ثم فرّق رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بين أصحابه ؛ فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أخا بنى عامر بن لؤى إلى ١٥٦١/١ هَوْذة بن علىّ، صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمىّ إلى المنذربن ساوى أخى بنى عبدالقَيْس صاحب البحْرَيْن، وعمرو بن العاص إلى جَيْفَرَ بن جُلَنْدَى وعبّاد بن جُلَنْدَى الأزديَّيْن صاحِبَىْ عُمان . وبعث حاطب بن أبى بَكْتَعَة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية؛ فأدَّى إليه كتابَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأهدى المقوقس إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم أربع جوار، منهنَّ مارية أمّ إبراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم. وبعث رسول اللّه (١) س: ((رحمكم الله)). (٢) و: ((له)). (٣) سيرة ابن هشام ٢: ٣٥٣. ٦٤٦ سنة ٦ دِحْيَةَ بن خليفة الكلبىّ ثم الخزْجىّ (١) إلى قيصر، وهو هِرَقْل ملك الروم؛ فلَّما أتاه بكتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نَظر فيه ثم جعله بين فَخِذَيْهِ وخاصِرَتَه(٢). ٠ حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن شهاب الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن عبدالله ابن عباس، قال: حدثنى أبو سفيان بن حرب، قال (٣): كنَّا قومًا تجاراً، وكانت الحرب بيننا وبين رسول اللّه قد حصرْتنا حتى نَهَكَتْ أموالنا؛ فلمَّا كانت الهُدْنَة بيننا وبين رسول اللّه، لم نأمَنْ ألاّ نجد أمنًا؛ فخرجتُ فى نَفَرَ من قريش تُجّار إلى الشأم؛ وكان وجهُ متجرنا منها غَزَّة ، فقدمناها حين ظهر هِرَقْل على مَنْ كان بأرضه من فارس؛ وأخرجهم منها ، وانتزع ١٥٦٢/١ له منهم صليبه الأعظم؛ وكانوا قد استلبوه إياه ، فلمَّا بلغ ذلك منهم ، وبلغه أن صليبه قد استنقذ له - وكانت حِمْصُ منزله - خرج منها يمشى على قدميْه متشكرًا لله حين ردّ عليه ماردّ، ليصلّىَ فى بيت المقدس، تُبْسَطُ له البُسط ، وتلقى عليها الرياحين ، فلمّا انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته ، ومعه بطارقته وأشراف الروم ، أصبح ذات غداة مهموماً يقلّب طرفه إلى السماء ، فقال له بطارقته : والله لقد أصبحتَ أيها الملك الغداة مهمومًا، قال: أجلْ، أريت فى هذه الليلة أن مُلكَ الختان ظاهرٌ! قالوا له : أيها الملك؛ ما نعلم أمَّةً تختتن إلاّ يهود ؛ وهم فى سلطانك وتحت يدك؛ فابعث إلى كلّ مَنْ لك عليه سلطان فى بلادك، فمرْه فليضرب أعناق كلّ مَنْ تحت يديه من يهودَ، واستِرِحْ من هذا الهمّ؛ فوالله إنَّهم لفى ذلك من رأيهم يُديرونه؛ إذْ أتاه رسولُ صاحب بُصْرَى برجل من العرب، يقوده - وكانت الملوك تَهَادَى الأخبار بينها بـ فقال: أيها الملك؛ إنَّ (١) ط: ((الخزرجى))، والتصويب من القاموس، نسبة إلى الخزج بن عامر، وهوجد دحية. (٢) سيرة ابن هشام ٢: ٣٥٢، ٣٥٣. (٣) الخبر فى الأغانى ٦ : ٣٤٥ - ٣٤٩ ( طبعة دار الكتب). ٦٤٧ سنة ٦ هذا الرجل من العرب من أهل الشَّاءِ والإبل ؛ يحدّث عن أمر حَدَث ببلاده عجب ؛ فسلْه عنه . فلمَّا انتهى به إلى هِرَقْل رسول صاحب بُصرى ، قال هرقل لتَرْجُمانه: سلْه، ما كان هذا الحدث الَّذى كان ببلاده؟ فسأله فقال : خرج بين أظهرنا رَجُلٌ يزعم أنه نبيّ، قد اتّبعه ناسٌ وصدّقوه ، وخالفه ناس ؛ وقد كانت بينهم ملاحم فى مواطن كثيرة ؛ ؛ فتركتهم على ذلك . قال : فلمَّا أخبره الخبر قال: جَرّدُوه، فجرَّدوه ؛ فإذا هو مختُون ، فقال هرقل : هذا والله الذى أرِيت(١)؛ لا ما تقولون ؛ أعطوه ثوبه؛ انطلق عنا. ثم دعا صاحبَ شُرْطته، فقال له: قَلّب لى الشأم ظهرًا وبطنًا؛ حتى تأتيسى ١٥٦٣/١ برجل من قوم هذا الرجل - يعنى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. قال أبو سفيان : فوالله إنّا لبغَزَّةَ ، إذ هجم علينا صاحب شرطته ؛ فقال : أنتم من قوم هذا الرجل الذى بالحجاز ؟ قلنا : نعم ، قال : انطلقوا بنا إلى الملك ؛ فانطلقنا ؛ فلما انتهينا إليه قال: أنتم من رَهْط هذا الرجل ؟ قلنا : نعم ؛ قال: فأيّكم أمسّ به رحِمًا ؟ قلت: أنا .. قال أبو سفيان : وايمُ اللّه ما رأيتُ من رجل أرى أنَّه كان أنكتر من ذلك الأغلف ـ يعنى هرقل - فقال: ادْنُهُ فأقعدنى بين يديْه، وأقعد أصحابى خَلْفى، ثم قال: إنى سأسأله ؛ فإن كَذَبَ فَردُّوا عليه ؛ فوالله لو كذبتُ ما رَدُّوا علىّ؛ ولكنى كنتُ امرَأْ سيّدًا أتكرَّمُ عن الكذب؛ وعرفت أن أيْسرما فى ذلك إنْ أنا كذّبته أن يحفظُوا ذلك علىّ ؛ ثم يحدّثوا به عنى ؛ فلم أكذبه ، فقال : أخبرنى عن هذا الرجل الذى خرج بين أظهركم يدّعى ما يدّعى ! قال: فجعلتُ أَزَهّدُ له شأنه؛ وأصغِّرُ له أمره؛ وأقول له : أيّها الملك، ما يهمّك من أمره! إنّ شأنه دون ما يبلغك؛ فجعل لا يلتفت إلى ذلك ، ثم قال: أنبثنى عَمَّا أسألك عنه من شأنه . قلت : سَلْ عَمَّا بدا لك ؛ قال: كيف نسبُه فيكم؟ قلت: محضٌ(٢)؛ أوسطنا نسبًا. قال: (١) الأغانى: ((رأيت)). (٢) محض : خالص . ٦٤٨ سنة ٦ فأخبرنى هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول ، فهو يتشبَّه به ؟ قلت : لا : قال : فهل كان له فيكم مُلْكٌ فاستلبتموه إيَّاه ؛ فجاء بهذا الحديث لتردُّوا عليه ملكه؟ قلت: لا؛ قال: فأخبرنى عن أتْبَاعِه منكم ، مَنْ هم ؟ قال : قلت الضعفاء والمساكين والأحداث من الغِلْمان والنّساء ، وأما ١٥٦٤/١ ذوو الأسنان والشّرّف من قومه؛ فلم يتّبعه منهم أحدٌ. قال: فأخبرنى عَمَنْ تَبِعه، أيحبّه ويلزمُه(١) أم يقليه ويفارقه؟ قال: قلت : ما تبعه رجل ففارقه . قال : فأخِبْنى كيف الحرب بينكم وبينه ؟ قال : قلت : سِجَالٌ يُدال علينا وندال عليه ؛ قال: فأخبرنى هل يَغْدِرِ ؟ فلم أجد شيئًا ممَّا سألنى عنه أغمزه فيه غيرها ، قلت : لا ، ونحن منه فى هُدْنة ، ولا نأمن غَدْره. قال : فوالله ما التفت إليها منّى، ثم كرّ علىّ الحديث. قال: سألتك كيف نسبه فيكم ، فزعمتَ أنه مَحْضٌ، من أوسطكم نسباً ؛ وكذلك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه ؛ لا يأخذه إلا من أوْسَط قومه نسبًا. وسألتك : هل كان أحدٌّ من أهل بيته يقول بقوله ؛ فهو يتشبَّه به ؛ فزعمت أن لا؛ وسألتك: هل كان له فيكم مُلْكٌ فاستلبتموه إياه؛ فجاءَ بهذا الحديث يطلب به ملكه ؟ فزعمت أن لا . وسألتك عن أتباعه ، فزعمت أنَّهم الضعفاء والمساكين والأحداث والنساء ؛ وكذلك أتباع الأنبياء فى كلّ زمان ، وسألتكُ عَمّن يتَّبعه ، أيحبه ويلزمه أم يَقْلِيه ويفارقه؟ فزعمت أنه لا يتبعه أحدٌ فيفارقه؛ وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه . وسألتك : هل يغدر؟ فزعمت أن لا؛ فلئن كنتَ صدقتَنى عنه ليغلبَنَّى (٢) على ما تحت ١٥٦٥/١ قدمىّ هاتين ؛ ولوددت أنِّ عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك .. قال : فقمتُ من عنده وأنا أضرب إحدى يدىّ بالأخرى ؛ وأقول : أى عبادَ الله؛ لقد أمرَ أمْرُ (٣) ابن أبى كَبْشَةَ! أصبح ملوك بنى الأصفر يها بونَه فى سلطانهم بالشأم ! قال: وقدم عليه كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع دحية بن (١) س: ((ويكرمه)). (٢) الأغانى: ((فليغلبن)). (٣) أمر أمره: قوى واشتدّ . ٦٤٩ سنة ٦ خليفة الكلبىّ : بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول اللّه إلى هِرَقْل عظيم الروم . السَّلام على من اتّبع الهدى. أمَّا بعد: أَسْلِمْ تَسْلَم، وأسْلِمْ يُؤْتِك اللّه أجْرَك مرّتين؛ وإن تتولّ فإنّ إِثْمَ الأكارين عليك - يعنى تِحِمَّلَه . حدّثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدّثنا يحيى بن آدم ، قال : حد ◌ّثنا عبد الله بن إدريس ، قال : حدّثنا محمد بن إسحاق ، عن الزُّهرىّ ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن ابن عبّاس، قال: أخبرنى أبو سفيان ابن حَرْب، قال: لمَّا كانت الهُدْنة بيننا وبين رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم عامَ الحديبية ، خرجتُ تاجرا إلى الشأم . ثم ذكر نحو حديث ابنٍ حميد ، عن سلمة ، إلا أنه زاد فى آخره : قال : فأخذ الكتاب فجعله بين فخذيه وخاصرته . حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة، قال : حدثنى ابنُ إسحاق ، قال : قال ابنُ شِهاب الزُّهرىّ : حدّثّنى أسقفٌّ للنصارى أدركتُه فى زمان عبد الملك بن مروان، أنه أدرك ذلك من أمْرٍ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وأمْر هرقل وعَقَله، قال: فلمَّا قدم عليه كتابُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع دِ حْيَة بن خليفة ، أخذه هِرَقْل ، فجعله بين فخذيه وخاصرته . ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرءونه؛ يذكر له أمره ، ١٥٦٦/١ ويصفُ له شأنه ، ويخبره بما جاءَ منه؛ فكتب إليه صاحب رومية: إنَّه النَّبِىُّ الذى كنا ننتظُرُهُ(١) ؛ لا شكّ فيه ؛ فاتَّبعه وصدّقْه. فأمر هرقلُ ببطارقة الرُّومِ ؛ فجُمعُوا له فى دَسْكَرةٍ (٢)، وأمر بها فأشرِ جَتْ(٣) أبوابُها (٤) عليهم؛ ثم اطلع عليهم من عُلِّيَّة له؛ وخافهم على نفسه ، وقال : يا معشَرَ الروم ؛ إنى قد جمعتُكم لخير ؛ إنه قد أتانى كتاب (١) و: ((ننتظر)). (٢) الدسكرة : القرية، والصومعة، والأرض المستوية، وبيوت الأعاجم يكون فيها الشراب والملاهى ، وبناء بالقصر حوله بيوت ، وهو المراد هنا . (٣) أثرجت : سدت . (٤) و: ((بأبوابها)). ٦٥٠ سنة ٦ هذا الرّجل يدعونى إلى دينه؛ وإنَّه واللّه للنبىّ الذى كنّا ننتظره ونجده فى كتبنا ؛ فهلمّوا فلنَّتِبعه ونصدّقُه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا . قال : فَنَخَرُوا نَخْرةَ رجل واحد؛ ثم ابتدروا أبوابَ الدَّسْكرة ليخرجوا منها فوجدُوها قد أغلقت ؛ فقال: كرُّوهم علىّ - وخافهم على نفسه - فقال: يا معشَرَ الرُّوم ؛ إنى قد قلت لكم المقالة التى قلت لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الَّذى قد حَدَث؛ وقد رأيت منكم الذى أَسَرُّ به؛ فوقعوا له. سُجَّدًا؛ وأمر بأبواب الدَّسْكرة ففتحَتْ لهم؛ فانطلقوا (١) . حدثنا ابنُ حميد ، قال: حدّثنا سلمة ، قال : حدّثنا محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، أنَّ هرقل قال لدِحْيَة بن خليفة حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم: ويحك! والله إنِّى لأعلَمُ أن صاحبَك نبىٌّ مرسل؛ وأنَّ الَّذِى كنَّا ننتظره ونجده فى كتابنا؛ ولكنى (٢) أخاف الرُّوم على نفسى ؛ ولو لا ذلك لاتَّعتُه؛ فاذهب إلى صغاطر الأسقفّ فاذكر له أمرَ صاحبكم ؛ فهو واللّه أعظم فى الروم مِنّى، وأجوَز (٣) قولا ١٥٦٧/١ عندهم منىّ ؛ فانظر ما يقول لك . قال: فجاءَه دحْية؛ فأخبره بما جاءَ به من رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم إلى هرقل، وبما يدعوه إليه ، فقال صغاطر: صاحبُك واللّه نبى مرسَل؛ نعرفه بصفته ، ونجده فی کتبنا باسمه . ثم دخل فألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبس ثيابًا بيضا، ثم أخذ عصاه؛ فخرج على الرّوم وهم فى الكنيسة ، فقال : يا معشرّ الرُّوم ؛ إنه قد جاءَنا كتابٌ من أحمد ؛ يدعونا فيه إلى اللّه عزّ وجلّ ؛ وإنىّ أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ أحمد عبده ورسوله . قال : فوثبوا عليه وَثْبَةَ رجل واحد ، فضربوه حتى قتلوه . فلمّا رجع (١) الأغانى ٦: ٣٤٨، ٣٤٩ . (٢) و: ولكن)). (٣) ابن الأثير: ((وأحور)). ٦٥١ سنة ٦ دِحْية إلى هرقل فأخبره الخبر قال : قد قلت لك : إنا نخافهم على أنفسنا؛ فصغاطر - والله - كان أعظمَ عندهم وأجْوَزَ قولاً منى . حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سَلَمة ، قال : حدّثنا محمّد بن إسحاق ، عن خالد بن يسار ، عن رجل من قدماء أهل الشام ، قال : لما أراد هِرقْل الخروجَ من أرض الشأم إلى القسطنطينية ، لما بلغه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع الرّوم، فقال: يا معشرَ الرُّوم؛ إنى عارضٌ عليكم أمورًا، فانظروا فِيمَ قد أردتها ! قالوا: ما هى؟ قال: تعلمون والله أنّ هذا الرّجل لنبي مرسلٌ ؛ إنا نجده فى كتابنا نعرفه بصفتِه التى وصف لنا ، فهلُمَّ فَلْتّبِعْه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا ، فقالوا : نحن نكون تحتَ يدى العرب؛ ونحن أعظم الناس مُلْكًا ، وأكثرهم رجالاً ، وأفضلُهم بلدا ! قال: فهلم" فأعطيه الجزية فى كلّ سنة، اكسِرُوا عنى شوكتَه وأستريحُ من حَرْبِه بمال أعطيه إياه، قالوا: نحن نعطِى العرب الذلّ والصَّغار، بخَرَجٍ ١ /١٥٦٨ يأخذونه منا؛ ونحن أكثر الناس عدداً، وأعظمهم ملكاً، وأمنعهم(١) بلداً ؛ لا والله لا نفعل هذا أبداً. قال: فهلمَّ فلأصالحه على أنْ أعطيَه أرض (٢) سُورِيَة، ويَدَعنى وأرض الشأم - قال: وكانت أرضُ سورية أرضَ فلسطين والأردن" ودمشق وحِمْص ومادون الدَّرْب من أرض سورية؛ وكان ما وراء الدَّرْب عندهم الشأم - فقالوا له : نحن نعطيه أرضَ سوريّة؛ وقد عرفت أنها سرّة الشأم؛ واللّه لا نفعل هذا أبداً . فلما أبْوا عليه، قال: أما والله لترون" أنكم قد ظفرتُمْ إذا امتنعتم منه فى مدينتكم . ثم جلس على بَغْل له ؛ فانطلق حتى إذا أشرف على الدَّرْب استقبل أرض الشأم ، ثم قال : السّلام عليكم أرض سورية تسليمَ الوداع، ثم ركض حتى دخل القسطنطينيّة . (١) س: ((وأمنعه)). (٢) س: ((على أن أصالحه بأرض)). ٦٥٢ سنة ٦ قال ابن إسحاق : وبعثَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم شُجاع بن وهب ، أخا بنى أسد بن خُزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبى شَمِرِ الغسانىّ؛ صاحب دمشق . وقال محمد بن عمر الواقدىّ : وكتب إليه معه : سلام عَلَى مَن اتّبع الهدى ، وآمن به . إنّى أدعُوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك . فقدم به شجاع بن وهْب ، فقرأه عليهم ، فقال: مَنْ ينزع منّى ملكى! أنا سائر إليه ؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: بادَ مُلْكه(١) ! # حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سلمة، قال : حدّثنا ابنُ إسحاق، ١٥٦٩/١ قال: بعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضَّمْرِىّ إلى النجاشىّ فى شان جعفر بن أبى طالب وأصحابه ؛ وكتب معه كتابًاً . بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول اللّه إلى النجاشىّ الأصحم ملك الحبشة، سلمٌ(٢) أنت؛ فإنىّ أحْمَد إليك اللّه الملك القُدُّوس السَّلام المُؤمِن المهيمن ؛ وأشهدُ أن عيسى بن مريم روحُ اللّه وكلمته ، ألقاها إلى مريم البَتُول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى ؛ فَخلقه الله من رُوحِهِ ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإنَّى أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له ؛ والموالاة على طاعته ؛ وأن تتبعنى وتؤمِنَ بالذى جاءنى؛ فإنّى رسول اللّه ، وقد بعثت إليك ابنَ عمّى جعفراً ونفراً (٣) معه من المسلمين ؛ فإذا جاءك فأقرّهم، ودع التجبّر ؛ فإنّى أدعُوك وجنودَك إلى الله؛ فقد بلّغت ونصحت؛ فاقبلوا نصْحِى؛ والسلام على من اتبع الهدى . فكتب النجاشىّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى محمد رسول الله، من النجاشىّ الأصْحَم بن أبجر. سلامٌ عليك (١) باد ملكه : ذهب . (٢) س: ((سلام)). (٣) س: ((ومعه نفر)). سنة ٦ ٦٥٣ يانِيَّالله(١ ورحمة الله وبركاته١)، من اللّه الذى لا إله إلا هو، الذى هدانى إلى الإسلام . أما بعد؛ فقد بلغنى كتابُك يا رسولَ اللّه فيما ذكرتَ من أمر عيسى، فوربّ السماء والأرض إنّ عيسى ما يزيد على ما ذكرتَ ثُفْرُوقًا (٢)؛ إنه كما قلت؛ وقدعرفنا ما بُعثْتَ به إلينا؛ وقد قرَيْنا ابنَ عمّك وأصحابه (٣)؛ فأشهد أنك رسولُ اللّه صادقًا مصدَّقًا؛ وقد بايعتك وبايعتُ ابنَ عمك ؛ ١/ ١٥٧٠ وأسلمت على يديه (٤) لله ربّ العالمين؛ وقد بعثت إليك بابنى أرها بن الأصحم ابن أبيجر ؛ فإنى لا أملكُ إلاّ نفسى؛ وإن شئت أن آتيَك فعلت يا رسول الله؛ فإنّى أشهد أن ما تقول حقّ ، والسلام عليك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: وذُكرَ لى أنّ النجاشىّ بعث ابنه فى ستين من الحبشة فى سفينة ؛ فإذا كانوا فى وَسَط من البحر غرِقَتْ بهم سفينتُهم ، فهلكوا . وحُدَّثت عن محمد بن عمر ، قال : أرسل رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى النجاشىّ ليزوّجه أمَّ حبيبة بنت أبى سفيان؛ ويبعث بها إليه مع مَنْ عنده من المسلمين ، فأرسل النجاشىّ إلى أمّ حبيبة يخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها جارية له يقال لها أبرهة؛ فأعطتها أوْضَاحًا (٥) لها وفَتَخًا (٦)؛ سروراً بذلك، وأمرها أن توكّل مَنْ يزوجها، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص، فزوّجها ، فخطب النجاشى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطب خالد فأنكّح أمّ حبيبة ، ثم دعا النجاشىّ بأربعمائة دينار صداقها ؛ فدفعها إلى خالد بن سعيد ؛ فلما جاءت أمّ حبيبة تلك الدنانير ، قال: جاءت بها أبْرهة فأعطتها خمسين مثقالا ، وقالت : كنت أعطيتُكِ ذلك ؛ وليس بيدى شىء، وقد جاء اللّه عزّ وجلّ بهذا. (١-١) س: ((من الله ورحمته)). (٢) يقال: ماله ثفروق، أى شىء وأصله قمع التمر ، أو ما يلتزق به قمعها. (٣) و: ((وأصحابك)). (٤) س : ((يده )) . (٥) أوضاحاً، أى حلياً من فضة. (٦) الفتحة : خاتم كبير يكون فى اليد والرجل . ٦٥٤ سنة ٦ ١٥٧١/١ فقالت أبرهة : قد أمرنى الملك ألاّ آخذ منك شيئًا؛ وأن أرد إليك الذى أخذت منك ، فرددته وأنا صاحبة دُهن الملك وثيابه، وقد صدّقتُ محمداً (١) رسول الله وآمنتُ به؛ وحاجتى إليك أن تقرئيه منى السّلام. قالت: نعم؛ وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهنّ من عُود وعنبر ؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكره. قالت أمّ حبيبة : فخرجنا فى سفينتين ؛ وبعث معنا النّواتى حتى قدمنا الجار ، ثم ركبنا الظّهر إلى المدينة ؛ فوجدْنا رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم بخيْبر، فخرج مَنْ خرج إليه، وأقمت بالمدينة حتى قدم رسولُ اللّه؛ فدخلتُ إليه، فكان يسائلى عن النّجاشىّ؛ وقرأت عليه من أبرهة السلام ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها؛ ولما جاء أبا سفيانَ تزويجُ النبيّ صلىّ اللّه عليه وسلم أمّ حبيبة قال : ذلك الفحل لا يقدَعُ أنفه . ٠ ٠ وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ، وبعث الكتاب مع عبد الله بن حذافة السهمىّ؛ فيه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس . سلامٌ على من اتبع الهدى ، وآمن بالله ورسوله ؛ وشهد أن لا إله إلا الله، وأنىّ رسول اللّه، إلى الناس كافَّة، ليُنذِرَ مَنْ كان حيًّا؛ أسْلِمْ تسلّمْ، فإنْ أبيت فعليك إثم المجوس. فمزّق كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول اللّه: مُزِّق ملكه! حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن /١٥٧٢ يزيد بن حبيب، قال: وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم ، إلی کِسْری بن هرمز ملك فارس وكتب معه : بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى كِسْرى عظيم فارس ؛ سلام عَلَى من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده (١) س: ((لمحمد)). ٦٥٥ سنة ٦ لا شريك له ؛ وأن محمداً عبده ورسوله ؛ وأدعوك بدعاء اللّه؛ فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافَّةً لأنذر من كان حَيًّا ويحقّ القول على الكافرين ، فأسليم تَسلَ ، فإن أبيت ؛ فإن إثم المجوس عليك . فلمّا قرأه مزّقه ، وقال : يكتب إلىّ هذا وهو عبدى ! حدّثنا ابنُ حُصَيَد، قال: حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى بكر ، عن الزُّهرىّ ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ؛ أن عبد الله بن حذافة قدمَ بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على كسرى، فلمّا قرأه شقّه، فقال رسول اللّه: مُزّق ملكُه! حين بلغه أنه شقّ كتابه . ثم رجع إلى حديث يزيد بن أبى حبيب. قال: ثمّ كتب كمْرى إلى باذان ؛ وهو على اليمن : أن ابعث إلى هذا الرّجل الذى بالحجاز رجلْين من عندك جَلْدَيْن ، فلْيأتيانى به ؛ فبعث باذانَ قهر مانه وهو بابَوَيْه ـ- وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس. وبعث معه رجلا من الفُرْس يقال له خُرّ خُسره، ١٥٧٣/١ وكتب معهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابويه : انت بلد هذا الرجل ، وكلِّمه وأتِى بخبره ، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالا من قريش بنَخِب من أرض الطائف فسألاهم عنه ، فقالوا : هو بالمدينة ، واستبشروا بهما وفرحوا ؛ وقال بعضهم لبعض : أبشِرُوا فقد نَصِب(١) له كسرى ملك الملوك، كُفِيتم الرجل! فخرجا حتى قَدِ ما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلّمه بابويه ، فقال: إنّ شاهانشاه ملك الملوك كِسْرى ؛ قد كتب إلى الملك باذان ، يأمره أن يبعث إليك مَنْ يأتيه بك ؛ وقد بعثنى إليك لتنطلق معى ؛ فإن فعلتَ كتَب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفّه عنك ؛ وإن أبيتَ فهو من قد علمت! فهو مهلكُك ومهلك قومك ، ومخرّب بلادك ؛ ودخلا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما؛ فكره النظر إليهما ، ثم (١) نصب: جد واهتم. ٦٥٦ سنة ٦ أقبل عليهما فقال: ويلكُما ! مَنْ أمركما بهذا ؟ قالا: أمرنا بهذا رَبّنا - يعنيان كسرى- فقال رسول الله: لكنّ ربى قد أمرنى بإعفاء لحيتى وقصّ شاربى. ثم قال لهما : ارجعا حتى تأتيانى غداً، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السّماءِ أنّ اللّه قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه؛ فقتله فى شهر كذا ١٥٧٤/١ وكذا ليلة كذا وكذا من الليل؛ بعد ما مضى من الليل؛ سلّط عليه ابنُه شيرويه فقتله . - قال الواقدىّ: قَتَل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضيْن (١) من جمادى الأولى من سنة سبع لستّ ساعات مضت منها - رجع الحديث إلى حديث محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبى حبيب . فدعاهما فأخبرهما ، فقالا : هل تدرى ما تقول ! إنا قد نَقِمْنا عليك ما هو أيسرُ من هذا ؛ أفنكتب هذا عنك ، ونخبره الملك ! قال : نعم ، أخبراه ذلك عنّى، وقولا له : إنّ دينى وسلطانى سيبلغُ ما بلغ ملك كسرى ، وينتهى إلى منتهى الحُفّ والحافر؛ وقولا له: إنك إن أسْلمتَ أعطيتُك ماتحت يديك؛ وملتكتُك على قومك من الأبناء ؛ ثم أعطى خُرّ خسره مِنْطقة فيها ذهب وفضة ، كان أهداها له بعض الملوك . فخرجا من عنده حتى قد ما على باذان ، فأخبراه الخبر ، فقال : والله ما هذا بكلام مَلِك، وإنّ لأرى الرّجل نبيًّا كما يقول؛ ولننظرن" ماقد قال؛ فلئن كان هذا حقًّا ما فيه كلامٌ؛ إنه لنی مُرْسَلٌ ؛ وإن لم یکن فسنرى فیه رأينا . فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتابُ شيرويه ؛ أما بعدُ فإنّى قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلاغضبًا لفارس لما كان استحلّ من قتل أشرافهم وتجميرهم(٢) فى ثغورهم ؛ فإذا جاءك كتابى هذا فخذْ لى الطاعة ممّن قِبلك ؛ وانظر الرجل الذى كان كسرى كتب فيه إليك فلا تُهِجْه حتى يأتيك أمری فيه . فلمّا انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إنّ هذا الرجل لرسولٌ . فأسلم ١٥٧٥/١ وأسلمت الأبناءُ معه من فارس مَنْ كان منهم باليمن؛ فكانت حِمْيَر تقول (١) و: ((بقين)). (٢) التجمير: الحبس فى الثغور. ٦٥٧ سنة ٦ لخرّخُسره: ذو المِعْجَزَة، للمنطقة التى أعطاه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم - والمنطقة بلسان حمير المعجزة(١) - فبَنُوه اليوم ينسبون إليها خُرّخُسره ذو المِعْجَزَة. وقد قال بابويه لباذان : ما كلّمت رجلاً قطّ أهيبَ عندى منه ، فقال له باذان : هل معه شُرَّطٌ ؟ قال : لا. * قال الواقدىّ: وفيها كتب إلى المقوقس عظيم القبْط، يدعوه إلى الإسلام فلم يُسْلِيمِ . قال أبو جعفر: ولما رجع رسولُ اللّه صَّى اللّه عليه وسلم من غزوة الحديبية إلى المدينة أقام بها ذا الحجّة وبعض المحرّم - فيما حدثنا ابنُ حُمَيَد قال: حدثنا سلمة، عن ابن اسحاق . قال : وولى الحجّ فى تلك السنة المشركون . تم الجزء الثانى من تاريخ الطبرى ، ويليه الجزء الثالث ، وأوله : ذكر الأحداث الكائنة فى سنة سبع . (١) المعجزة: المنطقة؛ بالمانية، وفى و: ((المعجزة)). فهرس الموضوعات صفحة ٥ - ١٠ ذکر الخبر عن أصحاب أهل الكهف. ١١ - ١٧ يونس بن می إرسال الله رسله الثلاثة ١٨ - ٢١ شمسون . . ٢٢ - ٢٣ ذ کر خبر جرجیس ٢٤ - ٣٦ ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسنى ملكهم ذكر ملك أردشير بن بابك ٣٧ - ٤٣ ٤٤ - ٥١ ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد أردشير بن بابك . ٥١ - ٥٣ ذ کر ملك هرمز بن سابور ذكر ملك بهرام بن هرمز . ذكر ملك بهرام بن بهرام بن هرمز. ٥٣ ٥٤ ٥٤ · ذكر ملك شاهنشاه بن بهرام ذكر ملك نرسى بن بهرام. ٥٤ ٥٤ - ٥٥ ٥٥ - ٦٢ ذكر ملك هرمز بن نرسی . ذكر ملك سابور ذى الأكتاف . ذ کر ملك أردشیر بن هرمز ٦٢ ذ کر ملك سابور بن سابور ٦٢ ذكر ملك بهرام بن سابور ٦٢ - ٦٣ ٦٣ - ٦٨ ذكر ملك یزدجرد الأثيم ذ کر ملك بهرام جور ٦٨ - ٨١ ٨٢ - ٨٨ ذكر ملك فيروز يزدجرد . ذكر ما كان من الأحداث فى أيام يزدجردبن بهرام وفير وزبين ٨٨ - ٩٠ عمالهما على العرب وأهل اليمن ٦٥٩ ٦٦٠ صفحة ذ کر ملك بلاش بن فیروز ٩٠ - ٩٤ ذكر ملك قباذ بن فيروز ذكر ما كان من الحوادث التى كانت بين العرب فى أيام . قیاذ فی مملكته و بین عماله .. ذ کر ملك کسری أنو شر وان . ٩٥ - ٩٨ ٩٨ - ١٠٤ . ذ کر بقیة خبر تُبع أیام قیاذ وزمن أنو شروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة ٠ ١٠٥ - ١٥٤ . ٠ ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ١٥٥ - ١٦٦ رجع الحديث إلى تمام أمركسرى بن قباذ أنو شروان . ١٦٦ - ١٧٢ ذكر ملك هرمز بن كسرى أنو شروان ١٧٢ - ١٧٦ ذكر الخبر عن الأسباب التى حدثت عند إرادة الله إزالة ملك ٠ ذ کر ملك کسری أبرویز بن هرمز ٠ ١٧٦ - ١٨٧ ١٨٨ - ١٩٣ فارس عن أهل فارس ذکر خبر یوم ذی قار . . ١٩٣ - ٢١٢ : ذكر ملك شيرويه بن أبرويز . ٢١٨ - ٢٢٩ ذ کر ملك شهر براز. ٠ ٢٣١ ٠ ذكر ملك بوران بنت كسرى أبرويز . ٢٣١ - ٢٣٢ ٢٣٢ ذكر ملك جشنسده ذ کر ملك آزر میدخت بنت کسری ابرویز . ٢٣٢ - ٢٣٣ ٢٣٣ کسری بن مهرا جشنس . ٢٣٣ ذكر ملك خرّزا خسروا . ٢٣٣ ذ کر ملك فیروز بن مهرا جشنس ٠ . ذكر من كان على ثغر العرب من قبل ملوك الفرس بالحيرة بعد عمرو بن هند ٢١٣ - ٢١٨ ٠ ٠ ذ کر ملك أردشیر بن شیرویه ٢٣٠ ٠ ٩٠