النص المفهرس
صفحات 501-520
سنة ٣ ٥٠١ ابن أميّة: يا أبا عزّة، إنك امرؤٌ شاعرٌ ، فأعِنَّا بلسانك، فاخرج معنا . فقال : إنّ محمدًاً قد منَّ علىَّ فلا أريد أن أظاهِرَ عليه ، فقال: بلّى فأعنَّا بنفسك، فلك اللّه (١) إن رجعتَ أن أغنَيَك، وإن أصِبْتَ أن أجعل بناتِك مع بناتى يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسر ويسر . فخرج أبو عزّة يسير فى تهامة ، ويدعو بنى كنانة . وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حُذافة بن جُمح ؛ إلى بنى مالك بن كنانة يحرّضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ودعا جبير بن مُطْعِم غُلامًا له يقال له وحشى، كان حبشيًّا يقذف بحربة له قَدْف الحَبشة، قلَّما يُخْطِى بها ، فقال له : اخرج مع النَّاس، فإن أنت قتلت عمّ محمد بعمى طُعَيْمة بن عدىّ فأنت عَتيقٌ . فخرجت قريش بحدّها وجَدّها وأحابيشها، ومَن معها(٢) من بنى كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظّعُن (٣) التماس الحفيظة؛ ولئلاً" يفرّوا. فخرج أبو سفيان بن حرب - وهو قائد النَّاس، معه هند بنت عتبة ١٣٨٦/١ ابن ربيعة - وخرج عِكْرمة بن أبى جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة ، وخرج صفوان بن أميَّة بن خلف بَبَرْزَةَ - قال أبو جعفر: وقيل بيرَّة - بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثَّقفيّة؛ وهى أمّ عبد اللّه ابن صفوان - وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريْطة بنت منبّه بن الحجَّاج، وهى أمّ عبد الله بن عمرو بن العاص ، وخرج طلحة بن أبي طلحة ، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدّار بسُلافة بنت سعد بن شهيد - وهى أمّ بنى طلحة مُسافع والجُلاس وكلاب ؛ قتلوا يومئذ وأبوهم - وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بنى مالك ابن حِسْل، مع ابنها أبى عزيز بن عمير ؛ وهى أمّ مُصْعَب بن عمير ، (١) ابن هشام: ((لك الله)). (٢) م: ((تبعها)). (٣) الظمن : جمع ظعينة ؛ وهى المرأة ما دامت فى الهودج. ٥٠٢ سنة ٣ وخرجت عَمْرة بنت علقمة إحدى نساء بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة ؛ ١٣٨٧/١ وكانت هند بنت عُتْبة بن ربيعة كُلَّمَا مَرَّتْ بوحشىّ أو مَرَّ بها قالت: إيه (١) أبا دَسْمَة! اشْف واشْتَفٍ - وكان وحشىّ يكنى أبا دَسْمة. فأقبلوا حتى نزلوا بعَيْنين بجبل ببطن السَّبْخَة ؛ من قناة على شفير الوادى ممَّا يلِى المدينة . فلمَّا سمع بهم رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم للمسلمين: إنى قد رأيت بقرًا فأوّلتها خيرًا ، ورأيت فى ذُباب سيفى ثَلْمًا، ورأيت أنَّى أدخلت يدى فى درع حَصينية فأوّلتها المدينة؛ فإنْ رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام؛ وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها . ونزلت قريش منزلتها من أحد يوم الأربعاء . فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة. وراح رسولُالله صلَّى الله عليه وسلَّم حين صلَّى الجمعة، فأصبح بالشّعب من أحد. فالتقوْايومَ السّبت للنّصف من شوّال؛ وكان رأى عبد اللّه بن أبىّ ابن سلول مع رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يرى رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى ذلك: ألاّ يخرج إليهم؛ وكان رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم يكره الخروج من المدينة ، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغیرهم مِمَن كان فاته بدر وحضوره: يا رسول الله، اخرج ١٣٨٨/١ بنا إلى أعدائنا(٢)، لا يروْن أنَّا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنا، فقال عبدُ الله بن أبىّ بن سَلُول: يا رسولَ اللّه، أقمْ بالمدينة ولا تخرجْ إليهمْ؛ فوالله ما خرجنا منها إلى عَدوُّ لنا قطّ إلاّ أصاب منَّاً، ولا دخلها(٣) علينا إلا أصبنا منه ، فتَدعنهم يا رسولَ اللّه؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال فى وجوههم ، ورماهم النَّساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، (١) ابن هشام: ((ويها)). (٢) م: ((أعداء الله)). (٣) الأغانى: ((يدخلها)). ٣ سنة ٥٠٣ وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلّم الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم ؛ حتى دخل رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم ، فليس لأمته ؛ وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ، وقد مات فى ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو ، أحد بنى النَّجار ، فصلّى عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ؛ ثم خرج عليهم وقد ندم الناس ، وقالوا: استكرَ هْنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يكن ذلك لنا . قال أبو جعفر : وأما السدّىّ ؛ فإنَّه قال فى ذلك غير هذا القول ؛ ولكنه قال ما حدثنى محمَّد بن الحسين ، قال : حدثنا أحمد بن المفضل ، قال : حدّثنا أسباط، عن السدّىّ، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم لما سمع بنزول المشركين من قُريش وأتباعها أحداً ، قال لأصحابه : أشيروا على ما أصنع! فقالوا: يا رسولَ الله، أخرج بنا إلى هذه الأكلب ، فقالت الأنصار : يا رسول اللّه، ما غلبنا عدوٍّ لنا قطّ أتانا فى ديارنا (١)، فكيف وأنت فينا! فدعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبدَ الله بن أبيّ بن سَكُول - ولم يدعه قطّ قبلها - فاستشاره فقال: يا رسولَ اللّه، اخرج بنا إلى هذه ١٣٨٩/١ الأكلُب؛ وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة ، فيقاتلوا فى الأزقّة، فأتاه النّعمان بن مالك الأنصارىّ ، فقال : يا رسولَ الله لا تحرمْنى الجنة؛ فوالَّذى بعثك بالحقّ لأدخلنّ الجنّة، فقال له : بمَ ؟ قال: بأنّى أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول اللّه، وأنّى لا أفرُّ من الزّحف. قال: صدقَت ، فقتل يومئذ. ثم إنّ رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم دعا بدرعه فليسها، فلَّما رأوْه قد لبس السّلاح ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا ! نشيرُ على رسول الله والوحى يأتيه! فقاموا فاعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم : لا ينبغى لنبىّ أن يلبس لأمته فيضَعَها حتى يقاتل . فخرج (١) م: ((دارنا)). ٥٠٤ سنة ٣ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أحد فى ألف رجل ؛ وقد وعدهم الفتح إن صبروا . فلمَّا خرج رجع عبد الله بن أبي بن سلول فى ثلاثمائة ، فتبعهم أبو جابر السُّلمىّ يدعوهم، فلمّا غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ؛ ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا؛ قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفِتَانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلًا﴾(١) فهمّ بنوسَلِمة وبنو حارثة، هَمُّوا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبىّ، فعصمهم الله عزّ وجلّ، وبقىَ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم فى سبعمائة. # رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال : قالوا: لما(٢) خرج عليهم ١٣٩٠/١ رسولُ الله صلَّى اللهعليه وسلَّم قالوا: يا رسول الله؛ استكرهناك ولم یکنذلك لنا، فإنْ شئت فاقعُد صلى الله عليك! فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: ما ينبغى لنبىّ إذا لبس لأمََّه أن يضعها حتى يقاتل؛ فخرج رسولُ اللّه فى ألف رجل من أصحابه ؛ حتى إذا كانوا بالشَّوط بين أحد والمدينة انخزل عنه عبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الناس ، فقال : أطاعهم فخرج وعصانى ؛ والله ما ندرى علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس ! فرجع بمن اتَّبعه من الناس من قومه من أهل النِّفاق وأهل الرَّيْب ، واتَّبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام ، أخو بنى سلمة ، يقول : يا قوم أذكرُكم الله أن تخذلوا نبيًّكم وقومكم عند ما حضر من عدوّهم! قالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون ما أسلمناكم؛ ولكنًّا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه ، وأبَوْا إلاّ الانصراف عنه، قال: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغنى الله عنكم! قال أبو جعفر: قال محمد بن عمر الواقديّ : انخزل عبد الله بن أبىّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الشَّيْخين بثلثمائة، وبقىَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم فى سبعمائة ، وكان المشركون ثلاثة آلاف ، والخيل (١) سورة آل عمران ١٢٢. (٢) م: ((فلما)). سنة ٣ ٥٠٥ مائتى فرس ، والظُّعنُ خمس عشرة امرأة . قال : وكان فى المشركين سبعمائة دارع ؛ كان فى المسلمين مائة دارع ؛ ولم يكن معهم من الخيل إلاَّ فَرَسان: فرسٌ لرسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وفرس لأبى بردة بنِ نيار الحارثى. فأدلج(١) رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ١٣٩١/١ الشيخيْن حين طلعت الحمراء - وهما أطمان، كان يهودى ويهودية أعميان يقومان عليهما ؛ فيتحدّثان فلذلك، سُميّاً الشيخين ؛ وهو فى طرف المدينة - قال: وعرض رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المقاتلة بالشَّيْخين بعد المغرب ؛ فأجاز مَنْ أجاز، وردّ مَنْ رَدّ، قال: وكان فيمن ردّ زيد بن ثابت وابن عمر، وأسيد بن ظُهَيَر، والبَرَاء بن عازب، وعَرَابة بن أوس. قال: وهو الذى قال فيه الشَّماخ : رأيتُ عَرَابَةَ الأوسىَّ ينْمِى إلى الْخَيْراتِ مُنْقطعَ القَرين(٢) إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ تَّاهَا عَرَابةُ باليمِينَ قال : وردّ أبا سعيد الخُدْرِىّ، وأجاز سَمرة بن جندب ورافع بن خَدَيج ، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم، قد استصغر رافعًا ، فقام على خُفَّين له فيهما رقاع ، وتطاول على أطراف أصابعه ؛ فلما رآه رسول الله صلَّى اللّه تعالى عليه وسلّم أجازه. حدّثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : كانت أم سَمُرة بن جندَب تحت مُرَىّ بن سِنَان بن ثعلبة ، عمّ أبى سعيد الخُدرىّ، فكان ربيبه، فلمّا خرج رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أحد ، وعرض أصحابه ، فردّ من استصغر ردّ سَمرة بن جندب ، وأجاز رافع بن خديج ، فقال سَمرة بن جندب لربيبه مُرَىّ بن سنان : يا أبتِ ، (١) أدلج : سار فى آخر الليل. (٢) ديوانه ٩٦ ، ٩٧ ٥٠٦ سنة ٣ ١٣٩٢/١ أجاز رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم رافع بن خَدِيج، وردّنى وأنا أصرع رافع بن خديج، فقال: مُرَىّ بن سنان : يا رسول الله، رددت ابنى ، وأجزت رافع بن خَدِيج وابنى يصرعه! فقال النبى صلَّى الله عليه وسلّم لرافع وسمُرة: تصارعا، فصرع سُرة رافعًا، فأجازه رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ فشهدها مع المسلمين . قال : وكان دليل النبيّ صلى الله عليه وسلَّمَ أبو حَشْمَة الحارثىّ. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: ومضى رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم حتى سلك فى حَرّة بنى حارثة، فَذبّ فرس بذنبه(١) ، فأصاب كلاّب(٢) سيف، فاستلَّه، فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّمَ - وكان يُحبُّ الفأل ولا يعتاف - لصاحب السيف: شِمْ سيفتَك، فإنى أرى السيوف ستُسَلُّ اليوم. ثمّ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه: مَنْ رجُلٌ يخرج بنا على القوم من كثَبٍ، من طريق لا يمُرُّ بنا عليهم ؟ فقال أبو حثمة(٣) أخو بنى حارثة بن الحارث: أنا يا رسول اللّه، فقدّمه فنفذ به فى حَرّة بن حارثة وبين أموالهم حتى سلَك به فى مال المِرْبِع بن قيظىّ - وكان رجلا منافقاً ضرير البصر - فلمّا سمع حسّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومن معه من المسلمين، قام يَحْشِى فى وجوههم التراب، ويقول: إن كنتَ رسول اللّه؛ فإنى لا أحلُ لك أن تدخل حائطى ؛ قال : وقد ذكر لى أنه ١٣٩٣/١ أخذ حفنة من تراب فى يده ، ثم قال: لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تفعلوا ؛ فهذا الأعمى البصر ، الأعمى القلب . وقد بَدَر إليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الأشهل حين نهىَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عنه، (١) ذب بذنبه ، أى حركه ليذب به الطير. (٢) الكلاب : مسمار يكون فى قائم السيف ؛ وفيه الذؤابة لتعلقه بها . (٣) ابن هشام والأغانى: ((خيثمة)). سنة ٣ ٥٠٧ فضربه بالقوس فى رأسه فشجَّه، ومضى رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم على وجهه ؛ حتى نزل الشِّعب من أحد فى عُدْوة الوادى إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد ، وقال : لا يقاتلن" أحدٌ حتى نأمره بالقتال؛ وقد سرّحت قريش الظّهْر(١) والكُراع فى زروع كانت بالصَّمْغة (٢) من قناة للمسلمين. فقال رجل من المسلمين حينَ نهى رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم عن القتال: أتُرْعَى زروع بنى قيْلة(٣) ولمَّا نُضارب! وتعبَّأْ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم للقتال وهو فى سبعمائة رجل ، وتعبَّأْت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل؛ ومعهم مائتا فرس قد جَنَّبُوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عِكْمة بن أبى جهل، وأمَّرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الرُّماة عبد الله بن جُبَيْر ، أخا بنى عمرو بن عوف وهو يومئذ معلمٌ بثياب بيض ، والرماة خمسون رجلا ، وقال : انضح(٤) عنا الخيل بالنَّبل لا يأتونا من خلْفنا إن كانت لنا أو علينا ؛ فاثبت مكانك لا نؤْتيَنَّ من قِبَك، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين دِرْعين (٥). فحدثنا هارون بن إسحاق ، قال : حدّثنا مُصعب بن المقدام ، قال : حدثنا إسرائيل . وحدّثنا ابنُ وكيع ، قال : حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، قال : حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: لمَّا كان يومُ أحُد ، ولقِىَ رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم المشركين أجْلسَ رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّ رجالاً بإزاء الرّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير ، وقال لهم: لاتبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم، وإنْ رأيتموهم ظَهَرُوا علينا فلا تعينونا . فلمَّا لقِىَ القوم هزَم المشركين حتى رأيت النساء قد رَفْعن عن سوقهنّ، وبدت ١٣٩٤/١ (١) الظهر: الإبل. والكراع: الخيل. (٢) الصمغة : موضع قرب أحد . (٣) بنو قيلة: الأوس والخزرج. (٤) انضح الخيل ؛ أى ادفعهم . (٥) ظاهر بين درعين ؛ أى لبس درعا فوق درع. سنة ٣ ٥٠٨ خلاخيلهنّ، فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: مهلا، أما علمتم ما عهد إليكم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم! فأبَوْا، فانطلقوا، فلَّما أتوْهم صَرَف اللّه وجوههم ؛ فأصيب من المسلمين سبعون . حدثنى محمَّد بن سعد ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدّثْنى عمّى، قال : حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عبّاس ، قال : أقبل أبو سفيان فى ثلاث ليال خلوْن من شوّال ، حتَّى نزل أحدًا، وخرج النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّمَ، فأذن فى الناس فاجتمعوا، وأمَّرَ الزّبير على الخيل؛ ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندىّ، وأعطى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الدّواء(١) رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير ، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسَّرِ (٢)، وبُعث حمزةُ بين يديه ، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ؛ ومعه عِكْرمة بن أبى جهل، فبعث رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّمِ الزّبير، وقال: استقبلْ خالد (٣) بن الوليد؛ فكنْ بإزائِه حتَّى أوذنك ، وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر ، فقال : لا تبرحُنّ (٤) حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمل الَّلات والعُزَّى، فأرْسلَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الزُّبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد ؛ فهزمه الله ومَنْ معه، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾(٥)؛ وإنّ اللّه عزّ وجلَ وَعَدَ المؤمنين أن ينصرهم(٦)؛ وأنَّه معهم. وأنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث ناسًا من الناس ؛ فكانوا من ورائهم ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: كونوا ها هنا، فِرُدُّوا وجهَ مَن فرّ منَّا، وكونوا حرّاسًا لنا من قِبَل ظهورنا . وأنّ رسولَ ١٣٩٥/١ (١) الأغانى: ((الراية)). (٢) الأغانى: ((بالجيش)). (٣) و: ((خالدا)). (٤) و: ((لا تبرحوا)). (٥) سورة آل عمران ١٥٢. (٦) الأغانى: ((النصر)). ٥٠٩ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا هزم القوم هو وأصحابه ، قال الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم بعضهم لبعض ، ورأوا النساء مُصْعدات فى الجبل ، ورأوا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم ؛ فأدركوا الغنيمة (١) قبل أن يسبقونا(٢) إليها؛ وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم فنثبُت مكاننا ؛ فذلك قوله لهم: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ الذين أرادوا الغنيمة، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةِ ﴾ الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا ، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم كان يريد الدُّنيا وعرضها ؛ حتى كان يومئذ . حدّثّنى محمد بن الحسين ، قال : حدّثنا أحمد بن المفضّل ، قال : حدّثنا أسباط، عن السّدّىّ، قال: لمَّا برز رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى المشركين بأحد أمر الرُّماة ، فقاموا بأصل الجبل فى وجوه خيل المشركين ؛ وقال [لهم](٣): لا تبرحوا مكانكم إن رأيتم [ أننا](٣) قد هزمناهم، فإنَّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم . وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير أخا خوّات بن جُبير. ١٣٩٦/١ ثم إنّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام، فقال: يا معشر أصحابٍ محمد، إنَّكم تزعمون أنّ اللّه يعجلنا(٤) بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنة؛ فهل منكم أحدٌ يعجّله اللّه بسيفى إلى الجنة، أو يعجّلنى بسيفه إلى النار ! فقام إليه علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، فقال: والَّذى نفسى بيده لا أفارقك حتى أعجلك(٥) بسيفى إلى النار، أو تعجّلنى بسيفك إلى الجنَّة، فضربه علىّ فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرَّحمَ يا بن عمّ! فتركه، فكبَّرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال لعلىّ: ما منعك أن تجهزَ عليه ؟ قال : إنّ ابنُ عمَّى ناشدنى حين انكشفف (١) الأغانى: ((الغنائم)). (٢) الأغانى: ((يسبقوا)). (٣ - ٣) من الأغانى. (٤) الأغانى: ((تعجلنا)). (٥) الأغانى: ((يعجلك الله عز وجل بسيفى إلى النار)). إ في ٥١٠ سنة ٣ عورته فاستحييتُ منه . ثم شدّ الزبير بن العوّام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم؛ وحَمَل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلمَّا رأى ذلك خالد بن الوليد- وهو على خيل المشركين - حمل فرمَتْه الرماة فانقمع (١). فلَّما نظر الرّماة إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وأصحابه فى جوف عسكر المشركين ينتهبونه ، بادروا الغنيمة ، فقال بعضهم : لا نترك أمرَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وانطلق عامتهم فلحقوا(٢) بالعسكر، فلما ١٣٩٧/١ رأى خالد قلَّة الرّماة صاح فى خيله ، ثم حمل فقتل الرماة؛ وحمل على أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم. فلمَّا رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادَوْا فشدُّوا على المسلمين ، فهزموهم وقتلوهم . فحدّثنى بشربن آدم ، قال : حدّثنا عمرو بن عاصم الكلابىّ ، قال : حدّثنا عبيد اللّه بن الوازع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : قال الزُّبِير: عَرَض رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم سيفا فى يده يوم أحد ؛ فقال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه ؟ قال: فقمت فقلت : أنا يا رسول اللّه، قال : فأعرض عنِّى، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقِّه ؟ فقمت فقلت : أنا يا رسول الله، فأعرض عنِّى، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا السَّيف بحقِّه ؟ قال: فقام أبو دُجَانة سماك بن خَرَشةَ ، فقال: أنا آخذه بحقّه؛ وما حقُّه؟ قال: حقه ألاّ تقتل به مسلما، وألا" تفرّ به عن كافر؛ قال : فدفعه إليه . قال : وكان إذا أراد القتال أعْلِم بعصابة ؛ قال : فقلت : لأنظرنّ اليوم ما يصنع ، قال: فجعل لا يرتفع له شىء إلاّ هتكه وأفراه ؛ حتى انتهى إلى نسوة فى سفح جبل، معهنّ دُفوف لهنّ؛ فيهنّ امرأةٌ تقول : نَحْنُ بناتُ طارِقْ إِنْ تُقْبلوا نُعانقْ ونَبْسُطُ النَّمَارَقْ أو تدْبُرُوا نُفارقْ • فِراقَ غَيْرِ وَامِقْ. (١) انقمع: اختفى. (٢) و: ((فلحق)). سنة ٣ ٥١١ قال : فرفع السّيف ليضربَها ، ثم كفّ عنها. قال: قلت: كلّ عملك قد رأيت ، أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعد ما أهويت به إليها ! قال : فقال : أكرمت سيف رسول اللّه أن أقتل به امرأة . # رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه ١ /١٣٩٨ وسلَّم: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقِّه؟ فقام إليه رجال ، فأمسكهعنهم (١)؛ حتَّى قام إليه أبو دُّجَانة سماك بن خَرَشة أخو بنى ساعدة، فقال: وما حقّه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به فى العدوّ حتى ينحَنِىَ؛ فقال : أنا آخذه بحقِّه يا رسول الله؛ فأعطاه إياه - وكان أبو دُجَانة رجلا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت ، وكان إذا أعليمٍ بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم النَّاس أنه سيقاتل - فلمّا أخذ السيف من يد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم أخذ عصابته تلك ، فعصب (٢) بها رأسه؛ ثم جعل يتبختر بين الصّفَّين. فحدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : حدّثنى جعفر بن عبد الله بن أسلم ، مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بنى سلمة ؛ قال: قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين رأى أبا دُجَانة يتبختر: إنَّها لمشيْةٌ يبغِضُها اللّه عزّ وجلّ إلاّ فى هذا الموطن . وقد أرسل أبو سفيان رسولاً ، فقال : يا معشر الأوس والخزرج ، خلُّوا بيننا وبين ابن عمّنا ننصرفْ عنكم، فإنَّه لا حاجة لنا بقتالكم. فردّوه بما يكره . حدثنا ابنُ حمید ، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أنّ أبا عامر عبد(٣) عمرو بن صيفىّ بن مالك بن النعمان بن أمة (٤)، أحد بنى ضُبَيْعَة؛ وقد كان خرج إلى مكة مُباعدًا (١) الأغانى: ((بينهم)). (٢) ابن هشام: ((فاعتصب بها)). (٣) ساقطة من الأغانى . (٤) الأغانى: ((أمية)). ١٣٩٩/١ ٥١٢ سنة ٣ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، معه خمسون غلامًا من الأوْس؛ منهم عثمان ابن حُنَيْف - وبعض النَّاس يقول : كانوا خمسة عشر - فكان يعد قريشاً أنْ لو قد لقِىَ محمَّدًا لم يختلف عليه منهم رجلان ، فلمَّ التّقى الناس ، كان أوّل مَنْ لقيَهم أبو عامر فى الأحابيش وعُبْدَانِ أهل مكَّة ، فنادى : يا معشرَ الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينًا يا فاسق - وكان أبو عامر يسمَّى فى الجاهلية ((الراهب))، فسمَّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ((الفاسق)) - فلَّما سمع ردّهم عليه، قال: لقد أصاب قومى بعدى شرّ. ثم قاتلهم قتالا شديداً ، ثم راضخهم بالحجارة (١)، وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللّواء من بنى عبد الدار يحرّضهم بذلك على القتال: يا بنِ عبدِ الدّار ، إنّكم وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم ؛ وإنَّما يؤتى النّاس من قبَل ١٤٠٠/١ راياتهم؛ إذا زالت زالوا؛ فإما أن تكفونا لواءنا؛ وإما أن تخلُّوا بيننا وبينه فسنكفيكموه . فهمُّوا به وتواعدوه ، وقالوا : نحن نسلّم إليك لواءنا ، ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك الذى أراد أبو سفيان . فلمَّا التقى الناس ، ودنا بعضُهم من بعض ، قامت هند بنت عُتْبة فى النِّسوة اللَّواتى معها ، وأخذن الدُّفوفَ يضربْن خلْف الرّجال ويُحرّضْنهم ، فقالت هند فيما تقول : إنْ تُقْبلوا نُعانقْ وَنَفْـرش النَّارِقْ وامِقْ فِراقَ غيرِ أو تدْبرُوا نُفارقْ وتقول : وَيْها بنى عَبد الدَّار(٢)! وَيْهَا حُماةَ الأدْبار(٣)! • ضرْباً بكلِّ بَّارْ(٤). (١) الأغانى: ((الحجارة)). والمراضخة: المراماة. (٢) الأغانى: ((إِيهاً)). (٣) حماة الأدبار: الذين يحمون أعقاب الناس . (٤) البتار : السيف القاطع . سنة ٣ ٥١٣ واقْتتل الناس حتى حمييت الحرب ، وقاتل أبو دُجَانة حتَّى أمعن فى الناس ، وحمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب فى رجال من المسلمين ، فأنزل الله عزّ وجلّ نصّره، وصدَقهم وعدَه، فحسُّوهم (١) بالسيوف حتى كشفوهم ، وكانت الهزيمة لا شك فيها . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُبير، عن أبيه ، عن جدّه، قال: قال الزبير : والله لقد رأيتُنى أنظر إلى خَدَمِ هند بنت عتبة وصواحبها(٢) مشمّرات هوارب، مادون أخْذ هنَّ قليل كثير؛ إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنًا القوم عنه يريدون النَّهب، وخلَّوْا ظهورنا للخيل ؛ فأتينا من أدبَارنا وصَرخّ صَارٍخٌ: ألا إن محمداً قد قتِلَ! فانكفأنا(٣) وانكفأ علينا القوم؛ بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم . ١٤٠١/١ حدّثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أنّ اللَّواء لم يزل صريعًا حتَّى أخذتْهُ عَمْرَةُ بنت علقمة الحارثيّة، فرفعْتَهُ لقريش، فلاثوا به (٤)، وكان اللُّواء مع صَوَاب، غُلاَم لبنى أبى طلحة، حبشىّ، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل حتى قُطِعَتْ يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعُنُقِهِ حتى قُتِلَّ عليه ؛ وهو يقول: اللَّهمّ هل أعذرت! فقال حَسَّان بن ثابت فى قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر : لوَاءُ حينَ رُدَّ إلى صوَابٍ (٥) فَخَرْثم باللَّوَاءِ وشرٌّ فخْرٍ مِنَ الأُمِ مَنْ وَطِى عَفَرَ التَّرَابِ(٦) جَعْلُمْ فَخْرَكُمْ فِيها لمَبْدٍ (١) حسوهم : استأصلوهم . (٢) و: ((وصواحباتها)). (٣) انكفأنا : رجعنا . (٤) لاثوا به: اجتمعوا حوله. وفى الأغانى: ((فلاذوا بها)). (٥) ديوانه ٦٢ (٦) ابن هشام والديوان: ((من يطا عفر التراب)). (٣٣) ٥١٤ سنة ٣ ظَنْتُ والسفيهُ له ظُنُونٌ وما إن ذاك منْ أمْرِ الصَّوَابِ بِمَكَّةَ بَيْعُكُمْ حُمْرَ الِياب بِأَنَّ حِلادَنا يوْمَ الْتَقْنا ١٤٠٢/١ وما إنْ تُعصبَانِ على خضَاب(١) أقرَّ العَيْنَ أَنْ عُصِبَتْ يدَاهُ حدّثنا أبو كُرَيب، قال : حدّثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدّثنا حِبَّان ابن علىّ، عن محمد بن عبيد الله بن أبى رافع، عن أبيه، عن جدّه ، قال: لما قَّل علىّ بن أبى طالب أصحاب الألوية(٢)، أبصر رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم جماعة من مشركى قريش ، فقال لعلى": احمل عليهم ، فحمل عليهم ؛ ففرّق جمعهم ، وقتل عمرو بن عبد الله الجُمَحىّ . قال : ثم أبصر رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم جماعةً من مشركى قريش، فقال لعلىّ: احميل عليهم ، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم ؛ وقتل شيبة بن مالك أحد بنى عامر بن لُؤىّ، فقال جبريل: يا رسولَ اللّه، إنّ هذه للَلْمواساة، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنه منِّى وأنا منه ، فقال جبريل : وأنا منكما ، قال : فسمعوا صَوْتًا : لا سْفَ إِلَّا ذو الفَقَا ر ولا فَتَّى إِلَّ على قال أبو جعفر: فلمّا أتِىَ المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم المشركون ، وكان المسلمون لما أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثا: ثلث قتيل، وثلث جريح ، وثلث منهزم ؛ وقد جهدته الحرب حتى ما يدرى ما يصنع ، ١٤٠٣/١ وأصيبت رَبَاعِيّةُ (٣) رسول الله صلى الله عليه وسلم السفلى، وشُقَّتْ شفته، (١) قال ابن هشام: ((آخرها بيتا يروى لأبى خراش الهذلى، وأنشدفيه له خلف الأحمر : أقرّ العيْن أنْ عُصِبتْ يَدَاهَا وَمَا إنْ تُعْصَبَان عَلَى خضَاب فى أبيات له يعنى امرأته فى غير حديث أحد، وتروى الأبيات أيضاً لمعقل بن خويلد الهذلى)). (٢) الأغانى: ((لما قتل أصحاب الألوية)). (٣) الرباعية: السن التى بين الثنية والناب. ٥١٥ سنة ٣ وكُلِمٍ فى وجنتْه وجبْهته فى أصول شعره ، وعلاه ابنُ قميئة بالسيف على شقه الأيمن ؛ وكان الذى أصابه عُتْبة بن أبى وقاص . حدّثنا ابن بشار ، قال : حدثنا ابن أبى عَدِىّ ، عن حُمَيْد ، عن أنس بن مالك، قال: لمَّا كان يوم أحدٍ، كُسِرَتْ رَبَاعِيّةُ رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم وشُجَّ، فجعل الدم يسيل على وجهه ، وجعل يمسح الدم عن وجهه ، ويقول : كيف يُفلح قومٌ خضِّبُوا وجه نبيّهم بالدم. وهو يدعوهم إلى اللّه عزّ وجلّ! فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ لَكَ منَ الْأُمْر شَىْءٌ ... ﴾ (١) الآية . ٠ ٠ # قال أبو جعفر : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشية القوم: مَنْ رجلٌ يشرِى لنا نفسه! فحدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدثنا سلّمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : حدّثنى الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السَّكَن ، قال: فقام زياد بن السّكّن فى نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقول : إنَّما هو عمارة بن زياد ابن السَّكَّن، فقاتلوا دونَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجلا، ثم رجلا ، يقتلون دونه؛ حتَّى كان آخرهم زيادٌ- أو عمارة بن زياد بن السّكن(٢) - فقاتل حتى أثبتَتْه الجراحة، ثم فاءَت من المسلمين فِئَةٌ(٣) حَتّى أجهضوهم(٤) عنه، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أدنوهُ منى، فأدنوْه منه، فَوَسَّدَه قدمه ؛ فمات وخَدُّه على قَدَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتَرّس دون ١٤٠٤/١ (١) سورة آل عمران ١٢٨. (٢) الأغانى: ((زياد بن عمارة بن زياد بن السكن)). (٣) الفئة : الجماعة. (٤) أجهضوهم : أزالوهم وغلبوهم . (٥) الأغانى: ((من دون)). ٥١٦ سنة ٣ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبو دُجانة بنفسه يَقَعُ النَّبل فى ظهره وهو مُنْحَنِ عليه ؛ حتى كثُرت فيهِ النَّبل، ورمى سعد بن أبى وقاص دونَ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلّم، فقال سَعْدٌ: فلقد رأيتُه يناولى ويقول : ارْمِ فِداك أبى وأمِّى! حتى إنَّه ليُنَاوِلُى السَّهم ما فيه نَصْلٌ، فيقول: ارْمِ به ! حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلمة ، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم رَمَى عن قوسه حتى اندقَّتْ سِيَتُهَا (١)، فأخذها قتادة بن النعمان ؛ فكانت عنده ، وأصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان ؛ حتى وقعت على وجْنَتِهِ . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ردّها بيده ؛ فكانت أحسن عينيه وأحَدَّهما . ٠ قال أبو جعفر : وقاتَل مصعب بن عمير دون رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم ومعه لواؤه حتى قتل ؛ وكان الذى أصابه ابن قميئة (٢) الليثىّ. وهو يظنّ أنَّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فرجع إلى قريش ، فقال : قتلت محمدًاً. فلما قتِل مصعب بن عمير أعطى رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم اللواءَ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد(٣) شُرَ حْبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن ١٤٠٥/١ قصىّ؛ وكان أحد النّفر الَّذين يحملون اللَّواء، ثم مَرّ به سباع بن عبد العُزَّى الغُبْشانىّ - وكان يكنى بأبى نِيَار - فقال له حمزة بن عبد المطّلب: هلمّ إلىّ يا بنَ مُقَطِّعة البُظور - وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفىّ، وكانت ختَّنة بمكَّة - فلمَّا التقيا ضربه حمزة فقتله، فقال (١) سيه القوس : طرفه . (٢) الأغانى وابن هشام: ((ابن قبئة)). (٣) ساقطة من رواية الأغانى. ٥١٧ سنة ٣ وَحْشِىّ غُلاَمُ جبير بن مطعم: والله إنى لأَنْظُر إلى حمزة يَهُذُ (١) الناس بسيفه، ما يُليق (٢) شيئًا يمرُّ به؛ مثل الجمل الأورق؛ إذ تقدَّمنى إليه سباع بن عبد العزّى ، فقال له حمزة : هلُمَّ إلىّ يا بن مقطِّعة البظور ! فضربه ؛ فكأنما أخطأ رأسَه ، وهززت حربى حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعت فى لَبّته حتى خرجت من بين رجليه ، وأقبل نحوى ، فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذتُ حربتى ؛ ثم تنحَيّت إلى العسكر ؛ ولم يكن لى بشىء حاجة غيره . وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح أخو بنى عمرو بن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كلاَبَ بن طلحة ؛ كلاهما يُشعره (٣) سهماً؛ فيأتى أمّه سُلافة فَيَضَعُ رأسه فى حجرها، فتقول: يا بنىَّ، مَنْ أصابك ؟ فيقول: سمعتُ رجلاً حين رمانى يقول: خذها وأنا ابن الأقلح! ١٤٠٦/١ فتقول: أقلحىّ! فنذَرَتْ الله إن الله أمكنها من رأس عاصم أن تشرب فيه الخَمْرَ . وكان عاصم قد عاهد اللّه ألاّ يمسّ مشركًا أبدًا ولا يمسّه. فحدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : حدّثنى القاسم بن عبد الرحمن بن رافع؛ أخو بنى عدىّ بن النّجار ، قال: انتهى أنس بن النضر؛ عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلْحة بن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوْا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا: قتل محمد رسول اللّه، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا [كراما] (٤) على ما مات عليه رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم . ثم استقبل القوم ؛ فقاتل حتى قتل ؛ وبه سمّى أنس بن مالك . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدّثّنى حُميْد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : لقد وجدنا بأنس بن (١) هذه بالسيف : قطعه . (٢) ما يليق : ما يترك وما يبقى. (٣) أشعره سهما : خالطه به . (٤) من الأغانى . ٥١٨ سنة ٣ النَّضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه إلاّ أخته ، عرفتْه يحسن بنانِه . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : كان أوّل مَنْ عرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بعد الهزيمة وقول الناس: ((قُتِل رسول الله صلى الله علیه وسلم)) - کما حدثی ابن شهاب الزهرىّ- کعب بن مالك ، أخو بنى سلمة ، قال : عرفت عينيه تزهَرَان تحت المغْفر، فناديت : ١٤٠٧/١ بأعلى صوتى: يا معشر المسلمين أبشروا! هذا(١) رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم! فأشار إلىّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أن أنِصْت. فلمّا عرف المسلمون رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم نهضوا به، ونهضَ نحو الشَّعب، معه علىّبن أبى طالب ، وأبو بكر بن أبى قحافة ، وعمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، والحارث بن الصِّمَّة، فى رهط من المسلمين (٢). فلما أسند(٣) رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الشِّعب أدركه أبيّ بن خلف وهو يقول: أين مُحَمَّد! لا نجَوْتُ إن نجوتَ! فقال القوم : يا رسولَ اللّه ، أيعطف عليه رجل مِنًا؟ قال: دعوه، فلمَّا دنا تناول رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم الحربة من الحارث بن الصّمَّة- قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لى : فلمَّا أخذها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم، انتفض بها انتفاضة تطايرْ ناعنه تطاير الشَّعْراء(٤) عن ظهر البعير إذا انتفض بها ؛ ثم استقبله فطعنه فى عنقه طعنة تَدَأدَ أ(٥) منها عن فرسه مرّارًا . وكان أبىّ بن خلف - كما حدثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلّمة ، عن محمد ابن اسحاق، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - يلْقَى رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بمكّة، فيقول: يا محمَّد إن عندى العَوْد، أعلفه كلّ يوم فَرْقًا(٦) من ذُرة أقتلك عليه ! فيقول (١) م: ((هذاك)). (٢) الخبر إلى هنا فى التفسير ٧: ٣٠٨، ٣٠٩. (٣) أسند فى الجبل : رق فيه . (٤) الشعراء : ذباب أحمر، وقيل أزرق ، يقع على الإبل ويؤذيها أذى شديداً . (٥) تدأدا : تدحرج . (٦) الفرق : مكيال لأهل المدينة يسع ثلاثة أصواع. ٥١٩ سنة ٢ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم: بل أنا أقتلك إن شاء اللّه. فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه فى عنقه(١) خَدْشًا غير كبير ؛ فاحتقن الدم ، قال: قتلنى واللّه محمّدٍ. قالوا: ذهب واللّه فؤادك؛ والله إنْ بك بأس (٢). قال: إنه قد كان ١٤٠٨/١ بمكّة قال لى: أنا أقتلك؛ فوالله لو بصق علىّ لقتلى. فمات عدوّ اللّه بِسَرِف وهم قافلون به إلى مكَّة . قال : فلمّا انتهى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى فم الشّعب، خرج علىّ بن أبى طالب حتى ملأ دَرَقَتّه من المِهِرْاس(٣). ثم جاء به إلى رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ليشرب منه ؛ فوجد له ريحًا فعافه ؛ ولم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدّم؛ وصُبّ على رأسه؛ وهو يقول: اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وَجْهَ نَبَيِّه . حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلَمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : حدثنى صالح بن كيسان ، عمَّن حدّثه ، عن سعد بن أبى وقَّاص ، أنه كان يقول: والله ما حَرَصْت على قتل رجل قطّ ما حرّصْت على قتل عُتْبُة بن أبى وقَّص؛ وإن كان ما علمتُ لَسِِّىءَ الخلق ، مبغَّضًا فى قومه؛ ولقد كفانى منه قولُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وجه رسول الله)). حدّثنا محمد بن الحُسين ، قال : حدثنا أحمد بن المفضل ، قال : حدّثنا أسباط ، عن السُّدىّ ، قال : أتى ابن قميئة الحارثيّ أحد بنى الحارث ابن عبد مناة بن كنانة ، فرمى رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بحجَر ، فكسر أنفه ورباعيته ، وشجَّه فى وجهه ، فأثقله وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة ، فقاموا عليها ، وجعل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَدْعُو الناس: إلىّ عباد الله! (١) الأغانى: ((حلقه)). (٢) الأغانى: ((ما بك بأس)) (٣) المهراس : ماء يجبل أحد. سنة ٣ ٥٢٠ ١٤٠٩/١ إلىّ عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً ، فجعلوا يسيرون بين يديه ، فلم يقف أحد إلاّ طلحة وسهل بن حُنَيف، فحماه طلحة، فرُمى بسهم فى يده فيبِسَتْ يَدُه، وأقبل أبىّ بن خَلف الجُمحىّ؛ وقد حلف ليقتلنّ" النبى صلَّى اللّه عليه وسلّم، فقال: بل أنا أقتله ، فقال : يا كذّاب ، أين تَفِرُّ! فحمل عليه فطعنه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى جيب الدرع ؛ فجرح جرحًا خفيفًا، فوقع يخورُ خُوَارَ الثور ؛ فاحتملوه ، وقالوا : ليس بك جراحة، فما يجزعك ؟ قال: أليس قال: ((لأقتلنَّك))! لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتْهم! فلم يلبث إلاّ يومًا أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح . وفشا فى النَّاس أن رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة : ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن أبىّ ؛ فيأخذ لنا أمنة من أبى سفيان! يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. قال أنس بن النّضر: يا قوم إن كان محمَّد قد قتل ؛ فإن ربّ محمد لم يقتل. فقاتِلوا على ما قاتل عليه محمَّد: اللهمّ أنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء! ثم شدّ(١) بسيفه فقاتل حتى قتل ؛ وانطلق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدعو النَّاس حتَّى انتهى إلى أصحاب الصخرة ؛ فلمّا رأوه وَضَعَ رَجُلٌ سهمًا فى قوسه، فأراد أن يرميَه فقال: أنا رسولُ اللّه ؛ ففرحوا بذلك حين وجدوا رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم حيًّا، وفرح رسول ١٤١٠/١ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم حين رأى أنّ فى أصحابه مَنْ يمتنع به؛ فلمَّا اجتمعوا وفيهم رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ذهب عنهم الحزن ؛ فأقبلوا يذكرون الفتح ، وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا ، فقال الله عزّ وجلَ للذين قالوا: ((إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم)): ﴿ومَا يُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قِبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَاتَ أُوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (١) م: ((سل سيفه)).