النص المفهرس

صفحات 421-440

سنة ٢
٤٢١
ذكر وقعة بدر الكبرى
حدّثنا علىّ بن نصر بن علىّ، وعبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبدالوارث -
قال علىّ: حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث ، وقال عبد الوارث: حدثنى
أبى - قال : حدّثنا أبان العطار، قال : حدّثنا هشام بن عروة، عن عروة،
أنه کتب إلى عبد الملك بن مروان : أمّا بعد ، فإنك کتبت إلى فی أبى سفيان
ومخرجه ، تَسْألنى كيف كان شأنه ؟ كان من شأنه أنّ أبا سُفْيان بن حَرْب
أقبل من الشأم فى قريب من سبعين راكبًا من قبائل قريش كلّها ، كانوا ١٢٨٥/١
تجاراً بالشأم ، فأقبلوا جميعًا معهم أموالُهم وتجارتهم ، فذكروا لرسول اللّه
صلّى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك، فقُتلت
قتلى، وقُتِل ابن الحضرمىّ فى ناس بنَخْلَة، وأسِرَتْ أسارى من قريش؛
فيهم بعضُ بنى المغيرة ، وفيهم ابن كَيْسان مولاهم ، أصابهم عبد الله بن
جحْش وواقد حلیف بنی عدى بن کعب ، فى ناسٍ من أصحابرسول
اللّه صلّى الله عليه وسلّم بعثهم مع عبد الله بن جحش، وكانت تلك الوقعة
هاجت الحرب بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين قريش ، وأول ما أصاب
به بعضهم بعضاً من الحرب ، وذلك قبلَ مخرج أبى سفيان وأصحابه إلى الشأم.
ثم إنّ أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومن معه من ركْبان قريش(١) مقبلين
من الشأم ، فسلكوا طريق الساحل ، فلمّا سمع بهم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ندبَ أصحابه وحدّهم بما معهم من الأموال ، وبقلَّة عَدَدِ هِم ،
فخرجوا لا يريدون إلاّ أبا سفيان والركْبَ معه؛ لا يروّتها إلاّ غنيمة لهم؛
لا يظنّون أن يكون كبيرُ قتال إذا لقُوهم ، وهى التى أنزل الله عزّ وجلّ فيها:
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾(٢).
فلما سمعَ أبوسفيان أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضون له(٣)،
(١) الركبان والركب: أصحاب الإبل فى السفر. وفى م: ((رؤساء قريش)).
(٢) سورة الأنفال ٧، والخبر فى التفسير ١٣: ٣٩٩.
(٣) ر، و: ((لهم)).

٤٢٢
سنة ٢
بعث إلى قريش: إنّ محمداً وأصحابه معترضون لكم، فأجِيرُوا(١)
تجارتكم (٢). فلمّا أتى قريشًا الخبرُ - وفى عِيرِ أبى سفيان؛ من بُطون كعب
ابنِ لُؤْىّ كلّها - نَفَرَ لها أهلُ مكة ؛ وهى نَفْرة بنى كعب بن لُؤْىّ،
ليس فيها من بنى عامر أحدٌ إلاّ من كان من بنى مالك بن حِسْل ؛
ولم يَسمع بنَفْرَة قريش رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أصحابه؛ حتى
قدِمِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بدْرًا - وكان طريق ركبان قريش؛ مَنْ
أخذ منهم طريق الساحل إلى الشأم - فخفض(٣) أبو سفيان عن بدْر، ولزم
طريقَ الساحل ، وخاف الرّصَد(٤) على بدْر، وسار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم،
حتى عرّسَ قريبًا من بدر، وبعث النبيّ صلىّ اللّه عليه وسلم الزبير بن العوام
فى عصابة من أصحابه إلى ماء بدر ، وليسوا (٥) يحسِبُون أنّ قريشًا خرجت
لهم، فبينا النبيّ صلّى الله عليه وسلّمٍ قائم يصلّ؛ إذ ورد بعض روايا (٦) قريش ماء"
بدر ، وفيمن ورد من الرّوايا غلام لبنى الحجّاج أسودُ ؛ فأخذه النّفرُ الذين
بعثهم رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم مع الزبير إلى الماء ، وأفلت بعضُ أصحاب
العبد نحو قريش ، فأقبلوا به حتى أتوا به رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم
وهو فى مُعَرّسه ، فسألوه عن أبى سفيان وأصحابه؛ لا يحسبون إلاّ أنه معهم،
فطفِقِ العبد يحدّثهم عن قريش ومن خرج منها ، وعن رءوسهم ، ويصدقهم
الخبر ؛ وهم أكره شىء إليهم الخبر الذى يخبرهم ؛ وإنما يطلبون حينئذ بالركب
أبا سفيان وأصحابه ، والنبيّ صلىّ اللّه عليه وسلم يصلّى؛ يركع ويسجد يرى
ويَسمع ما يُصنع (٧) بالعبد، فطفقوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم ،
١٢٨٧/١ ضربوه وكذّبوه، وقالوا: إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه ؛ فجعل العبد إذا
(١) و: ((فأجيزوا)).
(٢) م: ((فأخبروا تجاركم)).
(٣) الخفض : السير اللين .
(٤) الرصد : المرتصدون المترقبون على الطريق.
(٥) و: ((ليس)).
(٦) روايا: جمع راوية، ويراد بالراوية هنا القوم يستقون الماء على الدواب.
(٧) م : ((ما صنع)).
١٢٨٦/١

٤٢٣
سنة ٢
أذَ لَقَوه بالضرب (١) وسألوه عن أبى سفيان وأصحابِه (٢) - وليس له بهم علم؛ إنما
هو من رَوَايا قريش - قال: نعم، هذا (٣) أبو سفيان، والرّكْب حينئذ
أسفل منهم (٤)؛ قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْمُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
بالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّ كْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ - حتَّى بلغ - ﴿أَمْراً كَانَ
مَفْعُولاً )(٥) ، فطفقوا إذا قال لهم العبد : هذه قريش قد أتتكم ضربوه ،
وإذا قال لهم : هذا أبو سفيان تركوه .
فلمّا رأى صنيعتهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم انصرف من صلاته وقد سمع
الذى أخبرهم، فزعموا أنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم، قال: والذى نفسى
بيده ، إنكم لتضربونه إذا صَّدَقَ ، وتتركونه إذا كذب ! قالوا : فإنه يحدثنا
أنّ قريشًا قد جاءت، قال : فإنّه قد صدق ؛ قد خرجت قريش تجير (٦)
رِكّابها ، فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش، وقال : لا عِلْمَ لى بأبى سفيان ،
فسأله : كم القوم(٧)؟ فقال: لا أدرى؛ واللّه هم كثير عددهم(٨). فزعموا
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: مَنْ أطعمهم(٩) أوّل مِنْ أمس ؟
فسمتى رجلاً أطعمهم ، فقال: كم جزائر نَحَرلهم (١٠)؟ قال: تسع جزائر،
قال : فمَنْ أطعمهم أمسِ ؟ فسمىّ رجلا ، فقال : كم نحر لهم ؟ قال :
عشر جزائر؛ فرعموا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: القومُ ما بين التسعمائة
إلى الألف . فكان نَفْرة (١١) قريش يومئذ خمسين وتسعمائة .
١٢٨٨/١
(١) أذلفوه بالضرب : أضعفوه.
(٢) ساقط من ح ، م .
(٣) م: ((هو)).
(٤) ر: ((منكم)).
(٥) سورة الأنفال ٤٢ .
(٦) و: ((تجيز)).
(٧) ح: ((فسأله عن القوم)).
(٨) ر: ((عدد كثير)).
(٩) ر: ((أطعمكم)).
(١٠) و: ((لكم)). والجزور: الناقة المجزورة، والجمع جزائر.
(١١) النفرة والنفر والنفير : القوم ينفرون إلى القتال.

٤٢٤
سنة ٢
فانطلق النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل الماء وملأ الحياضَ، وصفّ عليها
أصحابه، حتى قدم عليه القوم. فلمّا ورد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدراً
قال : هذه مصارعُهم ؛ فوجدوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد سبقهم إليه
ونزل عليه. فلمّا طلعوا (١) عليه زعموا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: هذه
قريش قد جاءت يجلبتها(٢) وفخرها؛ تحادُّك(٣) وتُكذّبُ رسولك! اللهمّ إنّى
أسألك ما وعدتنى .
فلما أقبلوا استقبلهم ، فحثّا فى وجوههم التراب ؛ فهزمهم الله . وكانوا
قبل أن يلقاهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد جاءهم راكب من أبى سفيان
والركب الذين معه: أن ارْجعوا(٤) - والركْب الذين يأمرون قريشًا بالرجمْعَة
بالجُحْفة - فقالوا: والله لا نرجع حتى ننزل بدرًاً، فنقيم به (٥) ثلاث ليال،
ويرانا من غشينا من أهل الحجاز ؛ فإنه لن يرائا أحد من العرب وما جمعْنا
فيقاتلنا ، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
بَطَرًا وَرِ نَاءَ النَّاسِ﴾(٦)؛ فالتقواهُمْ والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ففتح الله
على رسوله، وأخرى أئمة الكُفْر وشفى صدورَ المسلمين منهم(٧).
حدّثنى هارون بن إسحاق ، قال : حدثنا مصعب بن المِقْدام ، قال :
حدّثنا إسرائيل ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن حارثة ، عن علىّ عليه
السلام ، قال : لما قَدِ مْنا المدينة أصبنا من ثمارها ، فاجتَويْناها، وأصابنا
بها وعنْكٌ، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم يتخبّر عن بدر؛ فلما بلغنا
أنّ المشركين قد أقبلُوا سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر - وبدر
بئر - فسبَقْنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجليْن، منهم رجلٌ من
١٢٨٩/١
(١) و: ((اطلعوا)).
(٢) ح، و: ((بحليتها)).
(٣) ر، م: ((تجادل)).
(٤) فى التفسير: ((إنا أجزنا القوم، وأن ارجعوا)) ..
(٥) و، والتفسير: ((فبه)).
(٦) سورة الأنفال ٤٧ .
(٧) الخبر ورد مفرقاً فى التفسير ١٣ : ٤٤٣، ٥٧٨.

سنة ٢
٤٢٥
قريش، ومولّىَّ لعُقْبة بن أبى مُعَيْط؛ فأما القرشىّ فانفلت(١)، وأمّا مولى
عُقْبة فأخذناه ، فجعلنا نقول : كم القوم ؟ فيقول : هم واللّه كثير ،
شديدٌ بأسهم ؛ فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربُوه ، حتى انتهوا به إلى
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال له : كم القوم ؟ فقال: هم واللّه كثير،
شديد بأسهم ، فجهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يخبره كم هم، فأبى . ثمّ
إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: كم ينحرون من الجُزُّر؟ فقال :
عشراً كلّ يوم، قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: القوم ألف.
ثم إنه أصابنا من الليل طَشّ (٢) من المطر، فانطلقنا تحت الشجر
والحَجَف (٣) نستظلُّ تحتها من المطر، وبات رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم
يدعو ربه: اللّهمّ إنْ تَهلِكْ هذه العصابة لا تُعبَد فى الأرض. فلمّا أنْ
طلع الفجر نادى : الصلاة عباد اللّه ! فجاء الناس من تحت الشجر
والحجف، فصلى بنا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلّم، وحَرَّض على
القتال ، ثم قال : إنّ جَمْع قريش عند هذه الضُّلْعة(٤) من الجبل. فلما
أن دنا القوم منّا وصافَفْناهم(٥)؛ إذا رجلٌ من القوم على جمل أحمر يسير
فىالقوم ، فقال رسول ◌ُ الله صلی الله عليه وسلم : یا علیّ، نادٍ لى حمزة - وكان
أقربهم إلى المشركين -: مَنْ صاحبُ الجمل الأحمر ؟ وماذا يقول لهم؟ وقال
رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: إن يكن فى القوم مَنْ يأمر بالخير ؛ فعسى
أن يكون صاحبَ الجمل الأحمر ، فجاء حمزة ، فقال : هو عتْبة بن ربيعة ؛
وهو ينهى عن القتال ، ويقول لهم: إنّى أرى قومًا مُسْتَميتين لا تصلون(٦)
إليهم وفيكم خير ؛ يا قوم اعصِبُوها اليومَ برأسى، وقولوا: جَبُنَ عُشْبة
ابن ربيعة ؛ ولقد علمتم أنى لستُ بأجبنِكم .
١٢٩٠/١
(١) ر: ((فأفلت)).
(٢) الطش: المطر الصعيف فوق الرذاذ .
(٣) الحجف : ضرب من الترسة؛ واحدتها حجفة ؛ وهى من الجلود خاصة .
(٤) الضلعة : الجانب .
(٥) صاف القوم غيرهم فى القتال مصافة ، أى وقفوا مصطفين .
(٦) و: ((لا يوصل إليهم)).

٤٢٦
سنة ٢
قال : فسمعَ أبوجهل فقال : أنت تقول هذا ! والله لو غيرك يقول هذا
العضضتُهُ(١)! لقد ملئت رِئتُك وجوفك رُعبًا، فقال عتبة: إيّاىَ تُعَّر
يا مصَفِّر (٢) استِهِ! ستتعلم اليومَ أيّنا أجْبَن!
قال : فبرزعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة ، وابنه الوليد، حميّةً ،
فقالوا : مَنْ يبارز؟ فخرج فِتْيةٌ من الأنصار ستّة، فقال عُتبة : لا نريدُ
هؤلاء ؛ ولكن يبارزُنا من بنى ◌َمّنا من بنى عبد المطلب . فقال رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم: يا علىّ قُم، ياحمزة قم ، يا عُبيدة بن الحارث قم ،
فقتل اللّه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، وجرح عُبيدة بن
الحارث ؛ فقتلنا منهم سبعين ، وأسرْنا منهم سبعين .
قال : فجاء رجل من الأنصار قصير بالعبّاس بن عبد المطلب أسيراً،
فقال: يا رسولَ الله؛ والله ما هذا أسَرنى، ولكن أسرَنى رجل أجْلَح(٣)
من أحسن الناس وجهاً ، على فرس أبْلق ، ما أراه فى القوم ، فقال الأنصارىّ:
أنا أسرته ، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: لقد آ زرك الله بملك كريم.
قال علىّ: فأسر من بنى عبد المطلب العباس وعقيل ونوفل بن الحارث.
حدّثّنى جعفر بن محمد البزُوريّ ، قال : حدّثنا عبيد اللّه بن موسى ،
١٢٩١/١ عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن حارثة، عن علىّ، قال: لمّا أن كان
يومُ بدر ، وحضر البأس اتّقينا برسول الله، فكان من أشدّ الناس بأساً،
وما كان منّا أحدٌ أقربَ إلى العدوّ منه .
حدّثنا عمرو بن على ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدىّ ، عن شُعبة،
عن أبى إسحاق ، عن حارثة بن مُضرّب (٤)، عن علىّ، قال: سمعتُهُ
(١) ح: ((لقصصته)).
(٢) مصفر استه، قال السهيلى: ((إنما أراد مصفر بدنه؛ ولكنه قصد المبالغة فى الذم،
فخص منه بالذكر ما يسوء أن يذكر)) .
(٣) الجلح: انحسار الشعر عن جانبى الرأس، وفى ح: ((أجلح الرأس)).
(٤) و : ((مصرف)).

٤٢٧
سنة ٢
يقول: ما كان فينا فارسٌ يوم بدر غير مِقْداد بن الأسود ؛ ولقد رأيتُنا
وما فينا إلاَّ نائمٌ، إلاّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائمًا إلى شجرة يصلّى،
ويدعو حتى الصبح .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدّثنى محمّد بن
إسحاق ، قال: إنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم سمِعَ بأبى سفيان بن حَرْب
مقبلاً من الشأم فى عِيرٍ لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من
تجاراتهم؛ وفيها ثلاثون راكبًا من قريش - أو أربعون - منهم محرمة بن
نوفل بن أهَيْب بن عبد مناف بن زهرة ، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام
ابن سُعَيْد بن سهم .
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، قال : فحدثنى محمد بن مسلم الزهرىّ وعاصم بن عمر بن قتادة
وعبد الله بن أبى بكر ويزيد بن رومان ؛ عن عروة وغيرهم من علمائنا ،
عن عبد الله بن عباس، كلٌّ قد حدثنى بعض هذا الحديث ؛ فاجتمع حديثهم ١٢٩٢/١
فيما سُقْتُ من حديث بدر ، قالوا: لما سمع رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم
بأبى سفيان مقبلاً من الشأم، ندَب المسلمين إليهم، وقال: هذه عِيرُ قريش
فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها ، لعلّ اللّه أن يُنَفِّلكموها، فانتدب الناس فَخفّ
بعضهم وثقُل بعضهم؛ وذلك أنهم لم يظنُّوا أنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم
يلقى حَرَّبًا، وكان أبوسفيان حين دنا من الحجاز يتحسَّس الأخبار ،
ويسأل مَنْ لقىَ من الرُّكبان تخوُّفًا على أموال الناس ؛ حتى أصاب خبراً
من بعض الركبان ؛ أنّ محمداً قد استنفر أصحابه لك ولغيرك . فحذر عند
ذلك ، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفارىّ ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتىّ
قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أنّ محمداً قد عَرّض لها فى أصحابه ،

٤٢٨
سنة ٢
فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة (١).
١٢٩٣/١
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : قال ابنُ إسحاق :
وحد ٹی من لا أُنّهم ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ویزید
ابن رُومان ، عن عروة، قال: وقد رأتْ عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم
ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزَعتها، فبعثتْ إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب
فقالت له : يا أخى ، والله لقد رأيتُ الليلة رؤيا لقد أفظعتنى (٢)، وتخوّفت
أن يدخلَ على قومك منها شرٌّ ومصيبة، فاكتُمْ علىَّ (٣) ما أحدثك [ به](٤)
قال لها : وما رأيت ؟ قالت : رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف
بالأبطح . ثم صرخ بأعلى صوته : أن (٥) انفروا يا آل غُدَرَ (٦ ) المصارعكم فى
ثلاث ! فأرى الناس (٧) اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبيناهم
حولّه مثّلَ به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها : أن
انفروايا آل 'غدر لمصارعكم فى ثلاث! ثمّ مثل به بعيرهُ على رأس
أبى قُبَيْس ، فصرخ بمثلها ، ثم أخذَ صخرة فأرسلها ، فأقبلتْ تهوى حتى
إذا كانت بأسفل الجيل ارفضّت(٨) فما بقىَ بيت من بيوت مكة ، ولا دارٌ من
دورها إلاّ دخلت منها فلْقة .
قال العباس: والله إنّ هذه الرؤيا رأيت فاكتُميها ولا تذكريها لأحد .
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٦١.
(٢) أفظعتنى: اشتدت على.
(٣) ابن هشام: ((اكتم عنى)).
(٤) من سيرة ابن هشام .
(٥) ابن هشام: ((ألا انفروا)).
(٦) كذا فى ط، بضم الغين وفتح الدال. وفى اللسان: (( ورجل غادر وغدار وغدير وغدور ،
وكذلك الأنثى بغير هاء ، وغدر ( بضم الغين وفتح الدال ) ، وأكثر ما يستعمل هذا النداء فى
الشّم، يقال: يا غدر، وفى الحديث: (( يا غدر، ألست أسعى فى غدرتك!))، ويقال فى الجمع:
يا لندر ( بضم الغين وفتح الدال )، ومنه حديث عائكة: يا لغدر يالفجر!)). وقال السهيلى:
((هو بضم الغين والدال، جمع غدور)).
(٧) فى سيرة ابن هشام: ((فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ؛
فبينما هم حوله ، مثل به بغيره . ومثل به: قام به )).
(٨) ارفضت : تفرقت .
!

سنة ٢
٤٢٩
ثم خرج العباس فلفى الوليد بن عتبة بن ربيعة - وكان له صديقًا - فذكرها
له واستكتمه إياها ، فذكرها الوليد لأبيه عنْبة ، ففشا الحدیث؛ حتى تحدّثت
به قريش [فى أنديتها](١) .
قال العبّاس : فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام فى رهْط من
قريش قُعودٌ يتحدّثون برؤيا عائكة؛ فلمّا رآنى أبو جهل ، قال :
يا أبا الفضل؛ إذا فرغتَ من طوافك فأقبل إلينا . قال: فلمّا فرغت أقبلتُ
إليه حتى جلست معهم، فقال لى أبو جهل : يا بنى عبد المطلب؛ متى حَدَثَتْ
فيكم هذه النبيّة! قال: قلتُ: وما ذاك ؟ قال: الرؤيا التى رأت عاتكة ، قال:
قلت: وما رأت ؟ قال: يا بنى عبد المطلب، أما رضيتُم أن تتنبأ رجالُكم ،
حتى تتنبأ نساؤكم ! قد زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال : انفرُوا فى ثلاث ،
فسنتربّص بكم هذه الثلاث ؛ فإن يكن ما قالت حقًّا فسيكون ، وإن تمضٍ
الثلاث ولم يكن من ذلك شىء ؛ نكتب عليكم كتابًا أنّكم أكذبُ أهل بيتٍ
فى العرب .
١٢٩٤/١
قال العباس : فوالله ما كان منّى إليه كبير إلاّ أنى جحدت ذلك
وأفكرت أن تكونَ رأتْ شيئًا. قال : ثم تفرقنا؛ فلمّا أمسيتُ لم تبقَ امرأةٌ
من بنى عبد المطلب إلاّ أتتْنِى، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع
فى رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ؛ ثم لم يكن عندك غَيْرة لشىء مما
سمعت ! قال : قلت : قد والله فعلتُ؛ ما كان منّى إليه من كبيرٍ، وايمُ اللّه
لأتعرّضنّ له؛ فإن عاد لأكتفينكموه(٢).
قال : فغدوتُ فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديد مغضّب ،
أرى أن قد فاتنى منه أمرٌ أحبّ أن أدر كه منه .
قال: فدخلت المسجد فرأيته؛ فوالله إنىّ لأمشى نحوه أتعرّضه (٣) ليعود
لبعض ما قال فأقع به ۔ و کان رجلا خفيفًا حدید الوجه ، حدید اللسان ،
١٢٩٥/١
(١) من سيرة ابن هشام.
(٢) سيرة ابن هشام: ((لأكفينكنه)).
(٣) ج: ((أتعرض له)).

٤٣٠
سنة ٢
حديد النظر - إذْ خرج نحو باب المسجد يشتدّ . قال : قلتُ فى نفسى: ما له
لعنه الله! أكلّ هذا فرقاً من أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛
صوت ضمضم بن عمرو الغفارىّ ، وهو يصرخ ببطن الوادى واقفًا على بعيره ،
قد جدّع (١) بعيره، وحوَّل رحلَه ، وشقّ قميصه ، وهو يقول : يا معشر
قريش ، اللطيمة اللَّطِيمة(٢)! أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى
أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ؛ الغوث الغوث !
قال : فشغلنى عنه وشغله عنى ما جاء من الأمر . فتجهّز الناس سراعًا ،
وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمىّ! كلاً واللّه ليعلمُنّ
غيرَ ذلك . فكانوا بين رجلين : إمّا خارج ، وإمّا باعث مكانه رجلا ،
وأوعَبَتْ(٣) قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحدٌ، إلاّ أنّ أبا لهب بن عبدالمطلب
تخلّف ، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة ؛ وكان لاط له (٤) بأربعة
آلاف درهم كانت له عليه ، أفْلَس بها ، فاستأجره بها على أن يجزى عنه
بعثه ، فخرج عنه وتخلّف أبو لهب(٥).
حدثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق :
حدّثنى عبد اللّه بن أبى نَجِيح، أنّ أمية بن خلف كان قد أجمع القعود،
١٢٩٦/١ وكان شيخاً جليلا ثقيلا، فأتاه عقْبة بن أبي معيط، وهو جالس فى المسجد
بین ظهرئ قومه بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر (٦)، حتى وضعها بین یدیه،
ثم قال : يا أبا علىّ، استجِمْر ؛ فإنما أنت من النساء ، قال : قبحك الله
وقبح ما جئت به ! قال: ثم تجهّز، فخرج مع الناس، فلمّا فرغوا من جهازهم،
وأجمعوا السَّيْر ؛ ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من
الحرب ، فقالوا : إنا نَخْشى أن يأتونا من خَلْفنا(٧).
(١) جدع بعيره: قطع أنفه.
(٢) اللطيمة: الإبل التى تحمل البز والطيب .
(٣) أوعب القوم : إذا خرجوا كلهم للغزو .
(٤) لاط له: أربى، وفى ح والأغانى: ((لط)).
(٥) سيرة ابن هشام ٢:، ٦١، ٦٢، والأغانى ٤: ١٧١ - ١٧٤ ( طبعة الدار)
(٦) المجمر : العود يتبخر به .
(٧) سيرة ابن هشام ٢: ٦٢، والأغانى ٤: ١٧٤، ٢٧٥

٤٣١
سنة ٢
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق ،
وحدّنى يزيد بن رُومان ، عن عروة بن الزبير ، قال : لما أجمعت قريش
المسيرّ ، ذكرت الذى بينها وبين بنى بكْر ؛ فكاد ذلك أن يَشْنيهم ، فتبدّى
لهم إبليس فى صورة سُراقة بن جُعْشُم المُدْ لجىّ - وكان من أشراف كنانة -
فقال: أنا جارٌ لكم من أن تأتيكم كنانة بشىء تكرهونه . فخرجوا سراعًا(١).
قال أبو جعفر: وخرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى عن
غير ابن إسحاق - لثلاث ليال خَلَوْن من شهر رمضان فى ثلثمائة وبضعة
عشر رجلا من أصحابه ؛ فاختلف فى مبلغ الزيادة على العشرة .
فقال بعضهم، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر (٢) رجلاً .
ذكر من قال ذلك :
١٢٩٧/١
حدّثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال : حدّثنا
أبو إسحاق (٣)، عن البرَاء، قال: كنّا نتحدّث أنّ أصحابَ بدر يوم
بدر(٤) كِعدَّة أصحاب طالوت ، ثلثمائة رجل وثلاثة عشر رجلاً ؛ الذين
جاوَزُوا النهر ؛ فسكت (٥).
حدّثّنى محمد بن عُبيد المحاربىّ ، قال : حدثنا أبو مالك الجَنْبِىّ ، عن
الحجاج، عن الحكم، عن مِقْسَمَ، عن ابن عباس، قال : كان المهاجرون
يومَ بدْر سبعة وسبعين رجلا ؛ وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا ،
وكان صاحبُ رايةٍ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم علىَّ بن أبى طالب عليه
السلام ، وصاحبُ راية الأنصار سعدَ بن عُبَادة (٦).
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٦٣، والأغانى ٤: ١٧٥
(٢) و: ((وعشرين)).
(٣) كذا فى ط، وفى م: ((ابن إسحاق))، والصواب ما فى ط، وأبو إسحاق ممن روى عن
البراء بن عازب . تهذيب التهذيب ١ : ٤٢٥.
(٤) و: ((أنهم كانوا)).
(٦) الأغاني ٤ : ١٧٥ .
(٥) كذا فى ط .

٤٣٢
سنة ٢
وقال آخرون: كانوا ثلثمائة رجُل وأربعة عشر، منْ شهد منهم، ومن
ضُرِب بسهمه وأجره ؛ حدّثنا بذلك ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ،
عن ابن إسحاق .
وقال بعضهم : كانوا ثلثمائة وثمانية عشر.
وقال آخرون : كانوا ثلثمائة وسبعة .
٠
وأمّا عامة السلف ؛ فإنهم قالوا : كانوا ثلثمائة رجل وبضْعة عشرَ رجلا .
ذكر من قال ذلك :
١٢٩٨/١
حدّثنا هارون بن إسحاق ، قال : حدّثنا مُصعَب بن المِقْدام ،
وحدثنى أحمد بن إسحاق الأهوازىّ، قال : حدّثنا أبو أحمد الزُّبيرىّ ،
قالا : حدّثنا إسرائيل ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن البَراء ، قال : كنّا
نتحدّث أنّ عدّة أصحاب بدر على عدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا
معه النهر - ولم يَجُزْ(١) معه إلاّ مؤمن - ثلثمائة وبضعة عشر.
حدّثنا ابن بشار ، قال : حدثنا أبو عامر ، قال : حدّثنا سُفيان ،
عن أبى إسحاق ، عن البراء ، قال : كنّا نتحدّث أن أصحاب النبيّ صلّى
الله عليه وسلّم كانوا يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا ، على عدّة أصحاب
طالوت ؛ مَنْ جاز معه النهر ؛ وما جاز معه إلاّ مؤمنٌ .
حدّثنا ابنُ وكيع ، قال : حدثنا أبى ؛ عن سفيان ، عن أبى إسحاق ،
عن البراء ، بنحوه .
حدّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرّمْلىّ، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد
ابن المغيرة ، عن مِسْعر، عن أبى إسحاق ، عن البَرّاء ، قال: عِدّة أهل
بدر عدّة أصحاب طالوت .
(١) م: ((يكن)).

سنة ٢
٤٣٣
حدّثنى أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدّثنا
مِسْعَرَ، عن أبى إسحاق ، عن البَرّاء ، مثله .
حدّثْنا بِشْر بن معاذ ، قال : حدّثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن
قتادة، قال: ذكر لنا أن نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم
بدر : أنتم بعِدّة أصحاب طالوت يوم لقىَ جالوت، وكان أصحابُ نبيّ اللّه
صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائةً وبضعة عشر رجلاً" .
حدّثنى موسى بن هارون ، قال : حدّثنا عمرو بن حماد ، قال: حدّثنا ١٢٩٩/١
أسباط ، عن السدّى ، قال : خلص طالوت فى ثلثمائة وبضعة عشر رجلا ؛
عدّة أصحاب بدر .
حدّثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا
مَعَمر، عن قتادة ، قال : كان مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر ثلثمائة
وبضعة عشر رجلا .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وخرج رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلّم فى أصحابه ، وجعل على الساقة (١) قيس بن أبى صَعْصعة
أخا بنى مازن بن النجار، فى ليالٍ مضتْ من شهر رمضان ؛ فسارحتى إذا كان
قريبًا من الصفراء ، بعث بسَبْسَ بن عمرو الجهنىّ ، حليف بنى ساعدة
وعدىّ بن أبى الزّغْباء الجُهَىّ حليف بنى النجار إلى بَدْر، يتحسّسان(٢) له
الأخبار عن أبى سفيان بن حرب وعِيره ؛ ثم ارتحل رسولُ الله صلّى الله عليه
وسلّم ؛ وقد قدّمهما ؛ فلما استقبل الصفراء - وهی قریة بين جبلين - سأل
عن جبليْهما : ما أسماؤهما ؟ فقالوا لأحدهما : هذا مُسْلِح ؛ وقالوا للآخر :
هذا ◌ُخرِئ ؛ وسأل عن أهلهما، فقالوا: بنو النار وبنو حُراق (بطنان ١٣٠٠/١
من بنى غِفار)، فكرههما رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم والمرورَ بينهما ،
(١) ساقة الجيش : مؤخرته .
(٢) ابن هشام والأغانى: ((يتجسسان))، والتجسس والتحسس: تطلب الأخبار والبحث عنها.
( ٢٨)

٤٣٤
سنة ٢
وتفاءل (١) بأسمائهما وأسماء أهاليهما؛ فتركهما والصَّفْراء (٢) بيَسار، وسلك ذات
اليمين على واد يقال له ذفران ؛ فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل .
وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمْنَعُوا عِيرهم، فاستشار النبيّ صلى الله
عليه وسلم الناسَ ، وأخبرهم عن قُريش، فقامَ أبو بكر رضى الله عنه ، فقال
فأحسن ، ثمّ قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن ، ثم قام المِقْداد بن عمرو ،
فقال : يا رسولَ الله، امضٍ لما أمرك الله، فنحنُ معك؛ واللّه لا نقول كما
قالتْ بنو إسرائيل لموسى: ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَهُنَا
قَاعِدُون﴾(٣)؛ ولكن اذهب أنتَ وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
فوالذي بعثك بالحقّ لوسرتَ بنا إلى بَرْك الغماد - يعنى مدينة الحبشة :-
لجالدْنا معك من دونه حتى تبلغَه . فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
خيراً ، ودَعَا له بخير (٤).
حدّثنا محمد بن عبَيْد المحاربىّ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم
أبو يحيى ، قال : حدّثنا الخارق ، عن طارق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال :
١٣٠١/١ لقد شهدتُ من المقداد مشهداً لأنْ أكون أنا صاحبه أحب إلىّ مما فى الأرض
من شىء ؛ كان رجلاً فارسًا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب
احمارّتْ وجْنتاه ؛ فأتاه المقدادُ على تلك الحال (٥)، فقال: أبشرْ يا رسولَ
اللّه؛ فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلاَ إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن والذي بعثك بالحقّ لنكوننّ مِنْ
بين يديك ومِنْ خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، أو يفْتَح اللّه لك (٦).
چاهـ
(١) الفأل فى الأصل، ضد الطيرة؛ وينقل إلى ما يكون صالحاً تجوزاً. وفى الحديث: ((ويعجبنى
الفأل الصالح))، قال فى اللسان: ((وهذا يدل على أن الفأل منه ما يكون صالحاً ، ومنه ما .
يكون غير صالح )) .
(٢) فى بعض النسخ: ((الصفيراء)).
(٣) سورة المائدة ٢٤ .
(٤) سيرة ابن هشام ٢: ٦٣، ٦٤، والأغانى ٤ : ١٧٦، ١٧٧
(٦) الأغانى ٤ : ١٧٧ .
(٥) ج، م: ((ذلك الحال)).

سنة ٢
٤٣٥
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . ثم قال رسول الله صلّى الله عليه
وسلم : أشيرُوا علىّ أيها الناس - وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنهم كانوا عدد
الناس ؛ وذلك أنّهم حين بايعوه بالعقبة ، قالوا: يا رسول اللّه ؛ إنا برآء من
ذ مامك حتى تصل إلى دارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت فى ذمامنا ؛ نمنعك
مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ؛ فكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم يتخوّف
ألاّ تكون الأنصار ترى عليها نُصرته؛ إلاّ ممن دَهِمَة بالمدينة من عدّوه ،
وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوّ من بلادهم - فلما قال ذلك رسولُ الله
صلّى الله عليه وسلّم، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله !
قال : أجَلْ، قال: فقد آمنًا بك وصد قناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو
الحقّ، وأعطيناك على ذلك عُهُودَنا ومواثيقنا؛ على السمع والطاعة ، فامضٍ
يا رسولَ الله لما أردْتَ؛ فوالذي بعثك بالحقّ، إن استعرضت(١) بنا هذا البحر ١٣٠٢/١
فخضْتَه لخضناه معك؛ ما تخلَّف منّا رجلٌ واحد ؛ وما نكره أن تتلقى بنا
عدوّنا غداً! إنا لتَصُبُرٌ عند الحرب، صُدْق عند اللقاء؛ لعلّ اللّه يريك
منّا مَا تقَرُّ به عيْنُك؛ فسرْ بنا على بركة الله .
فَسُرَّ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بقول سعد، ونشّطه ذلك، ثم قال :
سيروا على بركة الله، وأبْشروا؛ فإنّ اللّه قد وَعَدَنى إحدى الطائفتين، والله
لكأنّى الآنَ أنظرُ إلى مصارع القوم .
ثم ارتحل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ذَفران، فسلك على ثنايا يقال
لها الأصافر (٢)، ثم انحطّ منها على بلد يقال لها الدَّبَّة، وترك الحنّان بيمين؛
- وهو كثيب عظيم كالجبل - ثم نزل قريبًا من بَدْر، فركب هو ورجلٌ
من أصحابه - كما حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدّثنى
محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حَبّان - حتى وقف على شَيْخ
من العرب(٣)؛ فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم ، فقال
(١) استعرض البحر: أتاه من جانبه عرضاً. (٢) فى بعض النسخ: ((الصفيراء)).
(٣) قال ابن هشام: ((يقال ذلك الشيخ سفيان الضمرى ).

٤٣٦
سنة ٢
١٣٠٣/١ الشيخ: لا أخبركما حتى تخبرانى ممّن أنتما! فقال له رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم : إذا أخبرتَنا أخبرناك ؛ فقال : وذاك بذاك ! قال : نعم ، قال الشيح :
فإنّه بلغنى أنّ محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، ، فإن كان صدقنى
الذى أخبرنى فهو اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذى به رسولُ اللّه صلى
اللّه عليه وسلم - وبلغنِى أنّ قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا ؛ فإن كان الذى
حدّثنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذى به قريش -
فلما فرغ من خبره ، قال: ممن أنتما ؟ فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
نحن من ماء؛ ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ((ما من ماءٍ))، أ مِنْ ماءٍ
العِرَاق (١) !
ثم رجع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه؛ فلما أمسى بعث علىّ
ابن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص ، فى نفر من أصحابه
إلى ماء بَدْر يلتمسون له الخبر عليه - كما حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا
سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، کما حدّثنی یزید بن رومان ، عن
عُروة بن الزبير - فأصابوا راويةً لقريش فيها أسْلَمَ ؛ غلام بنى الحجّاج،
وعَرِيض أبويَسَار، غلام بنى العاص بن سعيد؛ فأتوا بهما رسولَ اللّه صلّى
اللّه عليه وسلّم، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم قائم يصلّى؛ فسألوهما، فقالا:
١٣٠٤/١ نحن سقاة قريش؛ بعثونا لنسقيتهم من الماء، فكره القوم خبرَهما، ورَجْوا
أن يكونا لأبى سفيان ؛ فضربوهما ، فلما أذْ لَقوهما قالا : نحن لأبى سفيان ،
فتركوهما، وركع رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وسجد سجدتين، ثم سلّم،
فقال: إذَا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما ! صَدَقًا واللّه!
إنّهما لقريش ؛ أخبرانى: أين (٢) قريش؟ قالا: هم وراءَ هذا الكثيب الذى
ترى بالعُدْوَة القُصْوَى - والكئيب: العَقَنْقَل - فقال رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلّم لهما: کم القوم ؟ قالا : کثیرٌ، قال: ما عد ◌ّتهم؟ قالا : لا ندری،
قال : كم ينحرون كلّ يوم ؟ قالا : يومًا تسعًا ويومًا عشراً ، قال رسول
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٦٥، والأغانى ٤: ١٧٨، ١٧٩
(٢) سيرة ابن هشام: ((عن قريش)).
١

٤٣٧
سنة ٢
اللّه صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة والألف. ثم قال لهما رسولُ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فَمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قال: عُتْبة بن
ربيعة ، وشَيْبة بن ربيعة ، وأبو البخترىّ بن هشام، وحكيم بن حِزَام ،
ونوْفل بن خُوَيَلد ، والحارث بن عامر بن نوفل، وطُعَيْمَة بن عَدِىّ بن
نوفل، والنضْر بن الحارث بن كَلَدَة، وَزَمْعَة بن الأسود ، وأبو جهل
ابن هشام، وأمَيَّة بن خلف ونُبيّه، ومُنبته ابنا الحجاج، وسُهَيْل بن عمرو، ١٣٠٥/١
وعمرو بن عبد ودّ. فأقبل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال:
هذه مكّة قد ألْقَتْ إليكم أفْلاَذَ(١) كِبِدِها.
قالوا: وقد كان بَسْبَس بن عمرو وَعَدىُّ بن أبى الزَّغْباء مَضَيًا حتى
نزلا بدراً، فأناخا إلى تلّ قريب من الماء، ثم أخذا شنًا (٢) يستقيان فيه -
ومجدىّ بن عمرو الجهنىّ على الماء - فسمع عدىّ وبسبس جار يتيْن من
جوارى الحاضر (٣)؛ وهما تتلازمان(٤) على الماء؛ والملزومة(٥) تقول لصاحبتها :
إنّما تأتى العيرُ غداً أو بعد غد ، فأعمل لهم ثم أقْضيكِ الذى لكِ . قال :
مَجْدِىّ: صدقت، ثم خلّص بينهما؛ وسمع ذلك عدىّ وَبَسْبَس ، فجلسا
على بعيرَيْهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم ، فأخبراه
بما سمعتا.
وأقبل أبو سفيان قد تقدّم العير حذرًا حتى ورد الماء ، فقال لمجدىّ بن
عمرو: هل أحْسَسْتَ أحداً ؟ قال: ما رأيتُ أحداً أنْكرُه؛ إلاّ أنى رأيتُ
راكبين أناخا إلى هذا التلّ، ثم استقيا فى شَنَّلهما؛ ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان
مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرَيَبْهما ففَتَّه؛ فإذا فيه نَوَّى(٦). فقال: هذه والله
علائف يثرب! فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحتلّ
(١) الأفلاذ : القطع.
(٢) الشن: الزق البالى .
(٣) الحاضر : القوم النازلون على الماء .
(٤) التلازم : تعلق الغريم بغريمه .
(٥) الملزومة : المدينة .
(٦) ابن هشام: ((النوى)).

٤٣٨
سنة ٢
١٣٠٦/١ بها(١)، وترك بدراً يساراً ، ثم انطلق حتى أسرع.
وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجُحْفة رأى جُهَمُ بن الصَّلْت بن مَخْرَمَة
ابن المطّلب بن عبد مناف رؤيا؛ فقال: إنّى رأيتُ فيما يرى النائم، وإنّى لبينَ
النائم واليقظان، إذْ نظرتُ إلى رجل أقبل على فرسٍ حتى وقف ومعه بعيرٌ له،
ثم قال : قُتِلَ عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ،
وأميّة بن خلف ، وفُلاَن وفلان ؛ فعَدّدَ رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف
قريش ؛ ورأيته ضرب فى لَبَّة بعيره، ثم أرسله فى العسكر ، فما بقى خِبَاء
من أخْبِيةِ العسكر. إلاّ أصابه نَضْحٌ(٢) من دمه .
قال : فبلغتْ أبا جهل، فقال: وهذا أيضًا نبىٌّ آخَرُ من بنى المطّلب؛
سَيَعَلَمَ غداً من المقتول إن نحن التقينا!
ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عِيرَه، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم
١٣٠٧/١ لتمنعوا عبر كم ورجالكم وأموالكم؛ فقد نجاها اللّه، فارجعوا . فقال أبو جهل
ابن هشام: والله لا نرجع حتى نُرِدَ بَدْراً - وكان بدرٌ مَوْسِما من مواسم
العرب، تجتمع لهم بها سُوقٌ كلَّ عام - فنقيم عليه ثلاثاً، ونَنَحَرُ الجُزُّرَ،
ونُطْعِمُ الطعام، ونسقى الحُمور، وتَعْزِف علينا القيَان، وتسمع بنا العرب؛
فلا يزالون يها بوننا أبداً؛ فامضوا . فقال الأخْنَسُ بن شَرِيق بن عمرو بن
وهب الثقفىّ - وكان حليفًا لبنى زُهْرةَ وهم بالجُحْفَة: يا بنى زُهرة ؛ قد
نجّى اللّه لكم أموالكم، وخلّص لكم صاحبكم مسَخْرَمة بن نوفل؛ وإنما نفرتم
لتمنعوه وماله ، فاجعلوا بى جُبْنَها وارجعوا ، فإنه لا حاجةَ بكم فى أن
تخرجوا فى غير ضَيْعَة ؛ لا ما يقول هذا - يعنى أبا جهل - فرجعوا ؛ فلم
يَشْهَدْها زهرىٌّ واحدٌ ؛ وكان فيهم مطاعًا. ولم يكن بقى من قريش بطن
إلاّ نَفَرَ منهم ناس، إلاّ بنى عدىّ بن كعب، لم يخرج منهم رجلٌ واحدٌ ،
فرجعت بنو زُهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدراً من هاتَيْن القبيلتَيْن
أحدٌ . ومضى القوم .
(١) ساحل بها ، أى أخذ بها طريق الساحل.
(٢) نضح، أى لطخ .

سنة ٢
٤٣٩
قال : وقد كان بين طالب بن أبى طالب - وكان فى القوم - وبين ١٣٠٨/١
بعض قريش محاورة(١)، فقالوا: والله لقد عَرَفْنا يا بنى هاشم - وإنْ (٢)
خرجتم معنا - أنّ هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة فيمن (٣) رجع .
قال أبو جعفر : وأما ابن الكلبىّ؛ فإنه قال فيما حُدّثتُ عنه: شَخَص
طَالبُ بن أبى طالب إلى بدر مع المشركين، أخرج كرهًا. فلم يوجّدْ فى
الأسْرَى ولا فى القتلى ، ولم يرجع إلى أهله ، وكان شاعراً؛ وهو الذى يقول :
يَارَبِّ إِمَّا يَغْزُوَنَّ طَالِبْ (٤) فِى مِقْنَبٍ من هذِهِ المَقَانِبْ (٥)
وَلْيَكُنِ الْمَغْلُوبَ غَيْرَ الْغَالِبْ(٦)
فَلَيَكُنِ الْمَسْلُوبَ غَيْرَ السَّالِبْ
.
رجع الحدیث إلی حدیث ابن إسحاق . قال : ومضت قریش حتى نزلوا
بالعُدْوَة القُصْوَى من الوادى ؛ خلف العَقَنْقَل ، وبطن الوادى وهو
يَلَْل، بين بدر وبين العَقْنَقل؛ الكثيب الذى خلفه قريش، والقُلُب(٧)
ببدر فى العُدْوة الدنيا من بطن يكيل إلى المدينة، وبعث الله السماء، وكان
الوادى دَهْسًاً(٨)، فأصاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه منها
ما لبَّدَ لهم الأرض ؛ ولم يمنعهم المسير ، وأصاب قريشًا منها ما لم يقدروا على
أن يرتحلوا معه؛ فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يُبَادِ روهم إلى الماء؛ ١٣٠٩/١
حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به (٩).
(١) ح: ((مجاورة)).
(٢) م: ((إن)).
(٣) و: ((مع من رجع)).
(٤) ابن هشام: ((لا هم)).
(٥) ابن هشام: ((فى عصبة مخالف محارب))؛ والمقنب: الجماعة من الخيل؛ مقدار
ثلاثمائة أو نحوها .
(٦) قال ابن هشام: قوله: ((فليكن المسلوب))، وقوله: ((وليكن المغلوب))، عن غير
واحد من الرواة للشعر .
(٧) القلب: جمع قليب ، وهو البئر .
(٨) الدهس : كل مكان لين لم يبلغ أن يكون رملا.
(٩) سيرة ابن هشام ٢: ٦٤، ٦٥، والأغانى ٤: ١٧٨ ،١٨٣٠

٤٤٠
سنة ٢
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سَلَمة ، قال : فحدثنى محمد بن
إسحاق ، قال: حُدَّثْتُ عن رجال من بنى سلمة ؛ أنهم ذكروا أنّ الحُبَاب
ابن المُنْذر بن الجمُوح، قال: يا رسولَ اللّه، أرأيت هذا المنزل، أمَنَزِلٌ
أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخره، أم هو الرّأىُ والحرب والمكيدة؟
قال: بَلْ هو الرأى والحرب والمكيدة؛ فقال: يا رسولَ اللّه، فإنّ هذا ليس
لك بمنزل، فانهَضْ بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فنزله، ثم نعوِّر (٢)
ما سواه من القُلُب ، ثم نبنى عليه حَوْضًا فتملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب
ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرتَ بالرأى. فنهض رسولُ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومَنْ معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من
القوم ؛ فنزل عليه ، ثم أمر بالقُلب فَعُوِّرَتْ ، وبنى حوضًا على القليب
١٣١٠/١ الذى نزل عليه فمُلىء ماء، ثم قذفوا فيه الآنية(٣).
حدّثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق:
فحدّثنى عبد اللّه بن أبى بكر ، أنّ سعد بن معاذ قال : يا رسول اللّه،
تَبْنِى لَكَ عريشًا من جريد فتكون فيه، ونُعدُّ عندك ركائبك، ثم نتلقى
عَدُوّنا؛ فإنْ أعزَّنَا اللّه وأظهرنا على عَدُوِّنا(٤) كان ذلك مما(٥) أحببْنَا،
وإن كانت الأخْرَى جلستَ على ركائبك، فلحقْت بمَنْ وراءنا من قومنا ،
فقد تخلّف عنك أقوام يا نبيّ اللّه، ما نحن بأشدّ حُبًّا لك منهم ؛ ولوظنّوا
أنك تلْفى حربًا ما تخلّفوا عنك . يمنعك الله بهم ، يناصحونك ويجاهدون
معك. فأثنى رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم عليه (٦) خيراً ، ودعا له بخير .
(١) م: ((منزل)).
(٢) عور العين؛ إذا دفنها، وفى ابن هشام: ((نغور)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٦٥، والأغانى ٤: ١٨٣، ١٨٤
(٤) ح: ((عليه)).
(٥) ابن هشام: ((ما أحببنا)).
(٦) ر: ((عليهم)).