النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
فلما أصبحوا ، قال أبو سفيان : هو واللّه سعد بن مُعاذ وسعد بن عبادة.
قال أبو جعفر : وقدم دليلهُما بهما قُباءَ ، على بنى عمرو بن عوف ،
لشْشَىْ عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الأول، يوم الاثنين حين اشتد الضُّحی،
وكادت الشمس أن تعتدل .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمّد بن
إسحاق ، قال : حدّثنى محمّد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزّبير،
عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة ، قال : حدثنى رجال قومى من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قالوا: لما سمعْنَاً بمخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلّم من مكة ، وتوكَّفنا قدومه(١)، كنّا نخرج إذا صلّينا الصبح إلى
ظاهِرِ حَرَّتَنا، ننتظرُ (٢) رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلّم؛ فوالله ما نَبْرَح
حتى تغلَبنا الشمس على الظلال(٣)؛ فإذا لم نجد ظلاً دخلنا بيوتنا، وذلك ١٢٤٣/١
فى أيام حارّةٍ ؛ حتى إذا كان فى اليوم الذى قدم فيه رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم جلسنا كماكنّا نجلس؛ حتى إذا لم يبق ظِلِّ دخلنا بيوتنا، وقدِمِ رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أوّل مَنْ رآه رجلٌ من
اليهود، وقد رأى ما كنَّا نصنع، وإنّا (٤) كُنّا ننتظر قدومَ رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلّم ، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قَيْلة(٥) هذا جدّكم قد جاء.
قال: فخرجنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم، وهو فى ظلُّ نخلة،
ومعه أبو بكر فى مثل سِنِّه وأكثرُنا مَنْ لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه
وسلم قبل ذلك ، قال : وركبه الناس(٦)، وما نعرفه من أبى بكر؛ حتى زال
(١) توكفنا قدومه : انتظرناه .
(٢) ر: ((فننظر)).
(٣) ح: ((القلال)).
(٤) ح: ((وما))، ر: ((وإنما)).
(٥) بنو قيلة؛ هم الأنصار ؛ وقيلة : أسم جدة كانت لهم .
(٦) ركبه الناس ، أى ازدحموا عليه .

٣٨٢
الظلّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر، فأظلّه بردائه،
فعرفناه عند ذلك، فنزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم - فيما يذكرون - على
كُلْثوم بن هِدْم، أخى بنى عمرو بن عَوْف ، ثم أحد بنى عُبيد ، ويقال:
بل نزل على سعد بن خَيْثَمة .
ويقول من° يذكر أنه نزل على كُلثوم بن هدم: إنّما كانَ رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم إذا خرج من منزل كُلثوم بن هِدْم ، جلس للناس فى بيت
سَعْه بن خيثمة ؛ وذلك أنه كان عَزَبًا لا أهلَ له ، وكان منازلُ العزّاب
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المهاجرين عنده ؛ فمن هنالك
يقال : نزل على سعد بن خيثمة ، وكان يقال لبيت مسعد بن خيثمة : بيت
العزّاب، فالله أعلم أىّ ذلك كان ، كلاً قد سمعنا .
ونزل أبو بكر بن أبى قُحافة على خُبَيَب بن أسَاف ، أخى بنى الحارث
ابن الخزرج بالسُّنْح ، ويقول قائل : كان منزلهُ على خارجة بن زيد بن
أبى زُهَير ، أخى بنى الحارث بن الخزرج .
١٢٤٤/١
وأقام علىّ بن أبى طالب رضىَ اللّه عنه بمكّة ثلاث ليالٍ وأيّامها؛ حتّى
أُدی عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التی کانت عندہ إلی النّاس ؛
حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلّم، فنزل معه على كُلْثوم
ابن هِدْم، فكان علىّ يقول: وإنّما كانت إقامته بُقَبَاء على امرأة لا زوْجَ لها
مسلمة، ليلةً أوليلتين، وكان يقول: كنتُ نزلت بُقباء على امرأة لازوْج لها
مسلمة ، فرأيتُ إنسانًا يأتيها فى جَوْف الليل ، فيضرب عليها بابها ، فتخرج
إليه فيعطيها شيئًا معه ، قال: فاستربْتُ لشأنه ، فقلت لها : يا أمة الله،
مَنْ هذا الرجل الذییضرب علیكبابك کلّ لیلة فتخرجینإلیه، فیعطیك شيئًا،
ما أدرى ما هو ؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك! قالت : هذا سَهْل بن
حُنَيف بن واهب، قد عرف أنّى امرأة لا أحدَ لى ؛ فإذا أمسى عدا غلى أوثان
قومه فكسّرها ، ثم(١) جاءنى بها ، وقال: احتطبى بهذا. فكان علىّ بن
(١) ر: ((حتى)).

٣٨٣
أبى طالب يأثر ذلك من أمر سهل بن حُنَيف حين هلك عنده بالعراق(١).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال: حدّثنا سلمة ، قال : حدّثنى محمّد بن
إسحاق ، قال : حدثنى هذا الحديث علىّ بن هند بن سعد بن سهل بن
حُنيف ، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه .
فأقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بُقباء فى بنى عمرو بن عوف يوم ١٢٤٥/١
الاثنين، ويوم الثلاثاء ، ويوم الأربعاء ، ويوم الخميس؛ وأسَّس مسجدهم؛
ثم أخرجه اللّه عزّ وجلّ من بين أظهرهم يوم الجمعة ؛ وبنو عمرو بن عوف
يزعمون أنّه مكث فيهم أكثرَ من ذلك. والله أعلم .
ويقول بعضهم : إنّ مقامه بقُباء كان بضعة عشر يومًا .
٠
#
*
قال أبو جعفر : واختلف السَّلَفُ من أهلِ العلم فى مدّة مقام رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم بمكّة بعد(٢) ما استنبئ، فقال بعضهم: كانت مدّة مقامه
بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين .
ذكر من قال ذلك :
٠
حدثنا ابن المثنی، قال: حدّٹنا یحی بن محمد بن قیس المدنىّ - يقال
له أبو زُكَيْر - قال : سمعتُ ربيعة بن أبى عبد الرحمن يذكر عن أنس
ابن مالك، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعِثَ على رأس أربعين، فأقام
بمكّة عشراً .
حدّثّنى الحسين بن نصر الآمُلىّ، قال: حدّثنا عبيد(٣) اللّه بن موسى ،
عن شَيْبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبى سلَمَة بن عبد الرحمن ؛
قال: أخبرتْتى عائشة وابنُ عبّاس أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلّم
(١) سيرة ابن هشام ٢: ١٠، ١١
(٢) ح: ((يوم)).
(٣) ر: ((عند)».

٣٨٤
لبث بمكة عشر سنين ، ينزل(١) عليه القرآن .
حدّثنا ابنُ المثنّى ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدّثنا يحيى
١٢٤٦/١ ابن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيّب، يقول: أنزل على رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين ، فأقام بمكّة عشراً.
حدّثنى أحمد بن ثابت الرّازىّ ، قال : حدّثنا أحمد ، قال : حدّثنا
يحيى بن سعيد، عن هشام، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس ، قال : أنزل على
النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكّة عشراً.
حدّثنى محمّد بن إسماعيل ، قال : حدثنا عمرو بن عثمان الحمصىّ ،
قال : حدّثنا أبى ، قال : حدثنا محمد بن مسلم الطائفيّ ، عن عمرو بن
دينار، قال: هاجرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم على رأس عنَشْرٍ من
◌ُفْرَجه .
قال أبو جعفر: وقال آخرون : بل أقام بعد ما استنبِئ بمكّة ثلاث عشرة
سنة .
* ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابن المثنّى، قال : حدثنا حجّاج بن المنهال ، قال : حدّثنا
حمّاد - يعنى ابن سلمة - ، عن أبى جَمْرة، عن ابن عبّاس، قال: أقام
رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه .
حدّثنى محمّد بن خلف، قال : حدّثنا آدم ، قال : حدّثنا حماد
ابن سلَمة ، قال: حدثنا أبو جَمْرَةَ الضُّبَعَىّ، عن ابن عباس ، قال:
بُعِثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم لأربعين سنة (٢)، وأقام بمكة ثلاث ]
عشرة سنة .
(١) ر: ((ونزل)).
(٢) م: ((لأربعين سنة بمكة)).

٣٨٥
حدّثنى محمّد بن معمَرَ ، قال : حدّثنا رَوْح ، قال : حدثنا زكرياء
ابن إسحاق ، قال : حدّثنا عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس، قال: مكَث
رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة ثلاث عشرة سنة .
حدّثنى عبيد(١) بن محمد الورّاق ، قال : حدثنا رَوْح ، قال : حد ◌ّثنا
هشام ، قال : حدثنا عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: بُعث النبيّ صلى اللّه ١٢٤٧/١
عليه وسلم لأربعين سنة ، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، ثم أمر (٢)
بالهجرة .
قال أبو جعفر: وقد وافق قولُ مَنْ قال: بُعِث رسول الله صلى الله عليه
وسلّم لأربعين سنة، وأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة قول أبى قيس صِرْمة بن
أبى أنّس ، أخى بنى عدىّ بن النّجار، فى قصيدته التى يقول فيها، وهو يصف
كرامة اللّه إيّاهم بما أكرمهم به من الإسلام، ونزول نبيّ اللّه صلى اللّه عليه
وسلّم ، عليهم :
يَذَ كِّرُ لو يَلْقِ صَدِيقاً مواتِيَا(٢)!
ثوَى فى قَرَيْشِ بِضْعَ عَشْرَةً حِجَّةً
فَلَمْ يَرَ مَّنْ يُؤْوِى ، ولَمْ يَرَ داعِيا
ويَعْرِضُ فِى أَهْلِ المَوَاسِ نَفْسَهُ
فَأصْبَحَ مَسْرُورًا بَطَيْبةَ رَاضِيَا
فدَّ أتانا أَظْهَرَ أَّهُ دِينَهُ
وكان له عَوْنَاً مِنَ اللّه باديا
وما قال مُوسَى إذْ أجابَ المُنادِيا
قريباً ، ولا يَخْشَى من النَّاسِ نائيا ٢٤٨/١
وأنْفُسنا عند الْوَغَى وَالَّآسيا(٤)
وألْفَى صَدِيقاً وأُطْمَأَنَّتْ به النَّى
يُقُصُّ لنا ما قال نُوحٌ لقَوْمِهِ
وأصْبَحَ لَا يَخْشَى مِنَ النَّاس واحدا
بَذَلْنا له الأَمْوالَ مِنْ جُلِّ مَالنا
(١) ر: ((عبيد الله)).
(٢) ح، م: ((أمره)).
(٣) الأبيات فى الاستيعاب ٣٢٣ .
(٤) بعده فى الاستيعاب :
نَادِى الَّذِى عَادَى من النّاسِ كُلِّهِمْ
جَمِيعاً وإنْ كَانَ الحبيب المواتِيَا
(٢٥)
م

٣٨٦
ونعلَمُ أن اللهَ لا شىء غيره ونعلَمُ أَنَّ اللهَ أَفْضَلُ هاديا
فأخبر أبو القيس فى قصيدته هذه أن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى قومه قريش كان بعد ما استنبئ وصَدع بالوحى من اللّه بضع عشرة
حجّة .
وقال بعضهم كان مقامه مكة خمس عشرة سنة :
. ذكر من قال ذلك :
حدّثنى بذلك الحارث ، عن ابن سعد، عن محمّدبن عمر، عن إبراهيم بن
إسماعيل ، عن داود بن الحصين، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس ؛ واستشهد
بهذا البيت من قول أبى قيس صرمة بن أبى أنس ، غير أنه أنشد ذلك :
تَوَى فى قُرَيْشٍ خَمْسَ عَشْرَةَ حِجَّةً يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صَدِيقًاً مُوَاتِيَا(١)!
٠
قال أبو جعفر: وقد روى عن الشعبىّ أنّ إسرافيل قُرن برسول الله صلى
الله عليه وسلم قبل أن يوحتى إليه ثلاث سنين .
١٢٤٩/١
حدّثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر
الواقدىّ ، قال : حدثنا الثورىّ، عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن الشعبىّ-
قال: وحدّثنا إملاءً من لفظه منصورٌ عن الأشعث، عن الشعبىّ - قال :
قُرن إسرافيل بنبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، يسمع حسّه،
ولا يرى شخصه . ثم كان بعد ذلك جبريلُ عليه السلام . قال الواقدىّ:
فذكرتُ ذلك لمحمّد بن صالح بن دينار ، فقال: والله يابن أخى لقد سمعت
عبد الله بن أبى بكر بن حَزْم، وعاصم بن عمر بن قتّادة يحدّثان (٢) فى
(١) م: ((مواليا)).
(٢) ح: ((يتحدثان)).

٣٨٧
المسجد ورجل عراقىّ يقول لهما هذا، فأنكراه جميعًا وقالا: ما سمعنا ولا علمنا
إلاّ أنّ جبريل هو الذى قُرن به، وكان يأتيه بالوحى من يوم نُبِّئ إلى أن توفّى
صلى الله عليه وسلم (١).
حد ٹنا ابن المثنی، قال : حدثنا ابنُ أبی عدیّ ، عن داود ، عن عامر ،
قال : أنزلتْ عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة ، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث
سنين، فكان يعلّمه الكلمة والشىء، ولم ينزل القرآن على لسانه ، فلمّا مضت
ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام ، فنزل القرآن على لسانه عشر سنين
بمكّة وعشر سنين بالمدينة .
قال أبو جعفر : فلعلّ الذين قالوا : كان مقامُه بمكّة بعد الوحى عشراً
عدُّوا مقامَه بها من حين أتاه جبريل بالوحْىٍ من الله عزّ وجلّ ، وأظهر
الدعاء إلى توحيد الله . وعدّ الذين قالوا: كان مُقامه ثلاث عشرة سنة من أوّل
الوقت الذى استنبئ فيه ؛ وكان إسرافيل المقرون به وهى السنون الثلاث ١٢٥٠/١
التى لم يكن أمِرَ فيها بإظهار الدعوة .
وقد روى عن قتادة غيرُ القولين اللّذين ذكرت ؛ وذلك ما حدّثت عن
رَوَح بن عبادة ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : نزل القرآن على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانىَ سنين بمكّة وعشراً بعد ما هاجر، وكان الحسن
يقول : عشراً بمكة وعشراً بالمدينة.
(١) طبقات ابن سعد ١ : ١٩١ .

٣٨٨
ذكر الوقت الذى عمل فيه التاريخ
قال أبو جعفر : ولما قدِمِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أمر
بالتأريخ فيما قيل . حدّثنی زكرياء بن يحيى بن أبى زائدة ، قال : حدّثنا
أبو عاصم ، عن ابن جُرَيج ، عن أبى سلمة ، عن ابن شهاب ، أنّ النبىّ
صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة - وقد مها فى شهر ربيع الأول- أمر بالتأريخ.
. ..
قال أبو جعفر : فذكر أنَّهم كانوا يؤرّخون بالشهْر والشهرين من مَقْدَمه
إلى أن تمت السنة، وقد قيل إنّ أول مَنْ أمر بالتأريخ فى الإسلام عمر بز
الخطاب ، رحمه اللّه .
ذكر الأخبار الواردة بذلك :
حدثنى محمد بن إسماعيل ، قال : حدّثنا أبونعيم ، قال : حدّثنا حَبّان
ابن علىّ العَنَزِىّ، عن مجالد، عن الشعبىّ، قال: كتب أبو موسى الأشعرىّ
إلى عمر : إنّه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. قال: فجمع عمر النّاس
/ ١٢٥١ للمشورة، فقال بعضُهم: أرّخْ لمبعثِ رسول اللّه صلى الله عليه وسلّم. وقال
بعضهم: لمهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال عمر: لا بل نؤرخ
لمهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فإنّ مهاجَرَه فرّق بين الحقّ
والباطل .
حدّثنى محمّد بن إسماعيل ، قال : حدثنا قُتيبة بن سعيد، قال : حدّثنا
خالد بن حيّان أبو يزيد الخرّاز، عن فُرات بن سَلْمان ، عن ميمون بن
مهْران ، قال : رفعَ إلى عمر صَكّ محلّه فى شعبان ، فقال عمر: أىّ شعبان؟
الذى هو آت، أو الذى نحن فيه ؟ قال : ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله

٣٨٩
عليه وسلم : ضعوا للنّاس شيئًا يعرفونه ، فقال : بعضُهم: اكتبُوا على تأريخ
الرّوم ، فقيل : إنهم يكتبُون من عَهْدٍ ذى القرنين ؛ فهذا يطول . وقال
بعضهم : اكتبوا على تأريخ الفرْس ؛ فقيل: إنّ الفرْس كلّما قام ملك
طرح مَنْ كان قبله؛ فاجتمع (١) رأُهُم على أن ينظروا: كم أقام رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ؟ فوجدوه عشر سنين؛ فكتب التأريخ من
هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدّثت عن أمية بن خالد وأبى داود الطّالسيّ، عن قرّة بن خالد
السَّدوسيّ، عن محمّد بن سيرين، قال: قام رجلٌ إلى عمر بن الخطاب
فقال: أرّخوا، فقال مُمر: ما ((أرّخوا))؟ قال: شىء تفعله الأعاجم ، يكتبون
فى شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر بن الخطاب: حَسَنٌ، فأرّخوا.
فقالوا : من أىّ السنين نبدأ ؟ قالوا: من مبعثه، وقالوا: من وفاتِه؛ ثم أجمعوا(٢)
على الهجرة . ثم قالوا: فأىّ الشهور نبدأ ؟ فقالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرّم، ١/ ١٢٥٢
فهو منصرف الناس من حجّهم؛ وهو شهر حرام ، فأجمعوا (٣) على المحرَّم.
حدثنى محمّد بن إسماعيل ، قال : حدثنى سعيد بن أبى مريم. وحدّثنى
عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الحكيم، قال : حدّثنا أبى، قالا جميعًاً :
حدّثنا عبد العزيز بن أبى حازم ، قال : حدّثنى أبو حازم ، عن سَهْل
ابن سعد، قال : ما أصاب الناس العدد؛ ما عدُّوا من مبعث رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم، ولا من وفاته، ولا عدُّوا إلاّ من مقدمه المدينة .
حدثنى محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا سعيد بن أبى مريم ، قال :
حدّثنا يعقوب بن إسحاق ، قال : حدّثنى محمّد بن مسلم ، عن عمرو بن
دينار ، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان التأريخ فى السّنة التى قدم فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وفيها وُلد عبدُ الله بن الزّبير.
(١) م: ((فأجمع)).
(٢) م: ((اجتمعوا)).
(٣) م: ((فاجتمعوا)).

٣٩٠
حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا يعقوب
ابن إسحاق بن أبى عبّاد؛ قال : حدّثنا محمد بن مسلم الطائفىّ، عن عمرو
ابن دينار، عن ابن عباس، قال: كان التأريخ فى السنَّةِ التى قَدِمِ رسولُ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها ، فذكر مثله .
حدثنى محمَّد بن إسماعيل ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حد ◌ّثنا
نوح بن قيس الطَّاحِىّ، عن عثمان بن مِحْصن، أنّ ابنُ عباس كان يقول
فى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قال: الفجر هو المحرّم ، فجْر السنة.
حدثنى محمد بن إسماعيل ، قال : حدّثنا أبو نُعَيْم الفضل بن ◌ُدُ کتین،
قال : حدثنا يونس بن أبى إسحاق ، عن أبى إسحاق ؛ عن الأسود بن یزید ،
عن عبيد بن عمير ، قال : إنّ المحرّم شهرُ اللّه عزّ وجلّ، وهو رأس السَّنَّة،
١٢٥٣/١ فيه يكسَى البيت، ويؤرخ(١) التأريخ ، ويضرب فيه الورق ، وفيه يوم كان
تاب فيه قوم ، فتاب الله عزّ وجلّ عليهم .
حدثنى أحمد بن ثابت الرازىّ ، قال : حدثنا أحمد(٢)، قال : حدّثنا
رَوْح بن عبادة ، قال : حدثنا زكرياء بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ،
أنّ أوّل مَنْ أَرّخ الكُتُب يعلى بن أميَّة، وهو باليمن، وأنّ النبى صلى الله
عليه وسلم قدِمِ المدينة فى شهر ربيع الأول ، وأنّ النَّاس أرّخوا لأوّل السّنة؛
وإنما أرّخ النَّاس لمقدم النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقال علىّ بن مجاهد، عن محمَّد بن إسحاق ، عن الزهرىّ. وعن محمَّد
ابن صالح ، عن الشعبىّ ، قالا (٣) : أرّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم عليه
السّلام إلى بنيان البيت، حين بناه إبراهيم وإسماعيل ، ثم أرّخ بنو إسماعيل
من بُنيان البيت ؛ حتى تفرقت ، فكان كلّما خرج قوم من تهامة أرّخواً
(١) ح: ((وتؤرخ التواريخ)).
(٣) ح: ((قال)).
(٤) ر: ((حين)).
(٢) هو أحمد بن حنبل .

٣٩١
بمخرجهم (١)، ومَنْ بقى بتِهَامة من بنى إسماعيل يؤرّخون من خروج
سعد وَنَهْد وجُهَينة ، بنى زيد، من تهامة؛ حتى مات كعب بن لؤىّ، فأرّخوا
من موت كعب بن لؤىّ إلى الفيل ؛ فكان التأريخ من الفيل ، حتى أرّخ عمر
ابنُ الخطّاب من الهجرة ؛ وذلك سنة سبع عشرة أو ثمانى عشرة .
حدّثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال: حدّثنا نعيم بن
حمّاد، قال: حدّثنا الدراوردىّ، عن عثمان بن عبيد الله بن أبى رافع، قال:
سمعتُ سعيد بن المسيّب ، يقول : جمع عمرُ بن الخطّابِ النّاس، فسألهم ،
فقال : من أىّ يوم نكتب ؟ فقال علىّ عليه السّلام: من يوم هاجَر رسول
الله صلى الله عليه وسلّم، وترك أرض(٢) الشَّرْك، ففعله عمر رضى الله عنه.
١١٥٤/١
قال أبو جعفر : وهذا الذى رواه على بن مجاهد ، عمن رواه عنه فی تاریخ
بنى إسماعيل غيرُ بعيد من الحق؛ وذلك أنّهم لم يكونوا يؤرّخون على أمر معروف
يعمل به عامّتهم، وإنّما كان المؤرّخ منهم يؤرّخ بزمان قُحْمة(٣) كانت فى
ناحية من نواحى بلادهم ، ولَزْبَةٍ أصابتهم ؛ أو بالعامل كان يكون عليهم ،
أو الأمر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم ؛ يدلّ على ذلك اختلافُ شعرائهم
فى تأريخاتهم ؛ ولو كان لهم تأريخ على أمرٍ معروف ، وأصلٍ معمول عليه ،
لم يختلف ذلك منهم .
ومن ذلك قول الربيع بن ضبُعَ الفَزَارِىّ :
هأَنَذَا آَمُلُ الْخُلُودَ وَقَدْ أَدْرَكَ عَقْلِ وَمَوْلَدِى حُجُرَا
أبا امْرِى الْفَيْسِ هَلْ سِعْتَ بِ هَيْهاتَ هَيْهَاتَ طَالَ ذَا عُمُرًا!
فَأَرّخِ عمْرَهُ بحجْر بن عمرو أبى امرئ القيس . ٨
وقال نابغة بنى جَعْدة :
(١) ر، م: ((مخرجهم)).
(٢) ر: ((أهل)).
(٣) القحمة ، بالضم : القحط الشديد ؛ وكذلك الزبة.

٣٩٢
مِنَ الشَّبَّانِ أَزْمانَ الْخُنَانِ (١)
فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَّ فَإِنَّى
فجعل النّابغة تأريخَه ما أرّخ بزمان علّة كانت فيهم عامّة .
وقال آخر :
وَمَا هِىَ إِلَّ فِى إزارٍ وَعِلْقَةٍ مَغَارَ ابْنِ هَمَّامٍ على حَىّ خَفْعَمَا(٣)
١٢٥٥/١
فكلّ واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم فى هذه الأبيات، أرّخَ على
قرْب زمان بعضهم من بعض ، وقرْب وقت ما أرّخ به من وقت الآخر ؛ بغير
المعنى الذى أرّخ بِهِ الآخر؛ ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم
ولسائر الأمم غيرها ، كانوا إن شاء اللّه لا يتعدَّوْنه ؛ ولكنّ الأمر فى ذلك كان
عندهم إنْ شاء اللّه على ما ذكرت؛ فأمّا قريش من بين العرب؛ فإنّ آخر
ما حصلْتُ من تأريخها قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة
على التأريخ بعام الفيل ؛ وذلك عام وُلد رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان
بين عام الفيل والفجار عشرون سنة ، وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة
سنة ، وبين بناء الكعبة ومبعث النبيّ صلى الله عليه وسلّم خمس سنين.
قال أبو جعفر: وبُعث رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو ابن أربعين
سنة، وقُرن بنبوته - كما قال الشعبىُّ - ثلاث سنين: إسرافيلُ ؛ وذلك قبل
أن يؤمر بالدعاء وإظهاره على ما قدّمنا الرواية والإخبار به ، ثم قُرن بنبوته
جبريلُ عليه السلام بعد السنين الثلاث ، وأمرَه بإظهار الدعوة إلى الله ،
فأظهرَها ، ودعا إلى اللّه مقيمًا بمكّة عشر سنين ، ثم هاجر إلى المدينة فى
شهر ربيع الأوّل من سنة أربع عشرة من حین استنئ ، وکان خروجه من
مكّة إليها يوم الاثنين ، وقدومه المدينة يوم الاثنين ؛ لمضىّ اثنتى عشرة ليلة
من شهر ربيع الأول .
(١) فى اللسان: ((وزمن الحنان زمن ماتت فيه الإبل))، وأورد البيت.
(٢) البيت فى اللسان (علق) من غير نسبة .

٣٩٣
حدّثنى إبراهيم بن سعيد الجوهرى ، قال : حدّثنا موسى بن داود ، عن
ابن لهيعة ، عن خالد بن أبى عمران، عن حنش الصنعانىّ ، عن ابن عبّاس ،
قال: ولِد النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستُنبئ يوم الاثنين،
ورفع الحجر يوم الاثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين ، ١٢٥٦/١
وقدم المدينة يوم الاثنين ، وقبض يوم الاثنين.
حدّثنا ابن حُميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهرىّ،
قال : قدم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة يوم الاثنين، لاثنتى عشرة
ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول .
#
قال أبو جعفر : فإذا كان الأمرُ فى تأريخ المسلمين كالذى وصفت ،
فإنّه وإن كان من الهجرة، فإنّ ابتداءهم إياه قبل مقدم النبيّ صلّى الله عليه
وسلّم المدينة بشهرين وأيام ؛ هى اثنا عشر؛ وذلك أنّ أوّل السّنة المحرّم،
وكان قدومُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المدينة، بعد مُضِىّ ما ذكرت من السنة،
ولم يؤرّخ التأريخ من وقت قدومه ؛ بل من أول تلك السنة .

ذكر ما كان
من الأمور المذكورة فى أول سنة من الهجرة
قال أبو جعفر: قد مضى ذكرنا وقْت مقدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
المدینة، وموضعه الذی نزل فيه حین قدمها، وعلی من کان نز وله، وقدْر مُگئه
فى الموضع الذى نزله(١)، وخبر ارتحاله عنه. ونذكر الآن ما لم نذكر قبلُ
ممّا كان من الأمور المذكورة فى بقيَّة سنة قدومه؛ وهى السَّنّة الأولى من الهجرة.
فمن ذلك تجميعُه صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه الجمعة ، فى اليوم الذى
ارتحل فيه من قُبّاء ؛ وذلك أنّ ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامداً(٢) المدينة،
فأدركتْه الصّلاة ، صلاة الجمعة فى بنى سالم بن عوف ، ببطن واد لهم - قد.
اتُّخذ(٣) اليوم فى ذلك الموضع مسجداً - فيما بلغنى - وكانت هذه الجمعة ،
أوّلَ جمعة جمعها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فى الإسلام، فخطب فى
هذه الجمعة ؛ وهى أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل .
١٢٥٧/١
...
خطبة رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلَّم فى أوّل جمعة جَمَّعها بالمدينة
حدّثنى يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال: حدثنى
سعيد بن عبد الرحمن الجُمحىّ، أنه بلغه عن خطبة رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم فى أوّلِ جمعة صلاّها بالمدينة فى بنى سالم بن عوف :
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفُره ،
وأعادى مَنْ يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحدَه لا شريك له، وأنّ محمّداً
عبدُه ورسوله؛ أرسله بالهُدى والنور والموعظة، على فَتْرَة من الرسل، وقلَّةً من
(١) ر: ((نزل)).
(٣) ح: ((اتخذوا)).
(٢) ح: ((عامداً إلى المدينة)).
٣٩٤

سنة ١
٣٩٥
العلم، وضلالة من النَّاس، وانقطاع من الزمان، وُدُنُوّ من الساعة، وقُرْبٍ من
الأجَل؛ منْ يُطْع اللّه وَرَسُولَه فَقَدْ رَشَد، ومن يعْصهما فقد غَوَى
وفَرَّط؛ وضَلّ ضلالا بعيداً. وأوصيكُم بتقوى الله، فإنه خيرُ ما أوصى به
المسلمُ المسلمَ ؛ أن يَحُضّه على الآخرة، وأن يأمرَه بتقوى الله، فاحذروا
ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ، ولا أفضل من ذلك
ذكراً؛ وإنّ تقوى الله لمن عَمِلَ به على وجلٍ (١) ومخافة من ربّه، عَوْنُ صدْق
على ما تَبْغُون من أمر الآخرة . ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمره فى
السرّ والعلانية، لا ينوى بذلك إلاّ وجَّه اللّه يكن له ذكراً (٢) فى عاجل أمره ،
وذُخْراً فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدّم، وما كانَ من سِوَى ذلك
يَوَدُّ لَوْأنّ بيْنها وَبينهُ أمَداً بعيداً، ويحذّركم الله نفسه، والله رعوف بالعباد.
والذى صدّق قوله، وأنجز(٣) وَعْدَه، لا خُلفَ لذلك، فإنَّه يقول عزّ وجلّ: ١٢٥٨/١
﴿مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّمٍ لْعَبيد)(٤). فاتقوا اللّه فى
عاجل أمركم وآجله فى السرّ والعلانية، فإنَّه مَنْ يَتَّقِ اللّهِيُكفِّرْ عَنْهُ سيئاته،
ويُعْظم له أجْرًا، ومَنْ يتَّق اللّه فقد فاز فَوْزاً عظيماً. وإنّ تقوى الله
بُوَقِّى مقته، ويوقّى عقوبته، ويوقّى سَخَطه، وإنّ تقوى الله يُبيِّض الوجوه،
ويرْضى الربّ، ويرفع الدّرجة .
خذوا بحظِّكم ، ولا تفَرِّطوا فى جَنْب الله ؛ قد علّمكم الله کتابه ، وهج
لكم سبيله ، ليعلمّ الَّذين صدقوا ويعلمَ الكاذبين. فأحْسِنِوا كما أحْسَن
الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا فى اللّه حقَّ جهاده هو اجتباكم
وستماكم المسلمين، ليهْلِكَ مَنْ هلك عن بيِّنّة، ويحيا من حَىّ عنْ
بيِّنّة، ولا قوّة إلا باللّه. فأكثِرُوا ذكْرَ اللّه، واعملوا لما بعد اليوم،
فإنه مَنْ يصلح ما بينه وبين اللّه يَكْفه الله مابينه وبين النَّاس، ذلك
بأنّ اللّه يقضِى على النَّاس ولا يقضُون عليه، ويملِكُ من النَّاس ولا يملكون(٥)
%4
(١) ح: ((رجاء)).
(٣) ح، م: ((ونجز)).
(٥) ر: ((ما لا يملكون)).
(٢) ح: ((ذخراً وذكراً)).
( ٤) سورة ق ٢٩ .

٣٩٦
سنة ١
منه؛ الله أكبرُ، ولا قوّةَ إلاّ بالله العظيم !.
٠
١٢٥٩/١
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، أنّ رسولَ
اللّه صلّى الله عليه وسلّم ركِب ناقتَه، وأرخى لها الزّمام، فجعلَت لا تَمُرُّ
بدار من ◌ُدُور الأنصار إلاّ دعاه أهلُها إلى النزول عندهم، وقالوا له: هَلَمّ
يا رسول الله! إلى العَدَد والعُدّة والمنعة؛ فيقول لهم صلّى الله عليه وسلّم: خَلْوا
زمامها فإنَّها مأمورة ؛ حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم ، فبرّكت على
باب مسجده(١)؛ وهو يومئذ مِرْبَدٌ(٢) لغلامين يتيمين من بنى النّجار فى حِجْر
مُعاذ بن عَفْراء ؛ يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل، ابنا عمرو بن عباد
ابن ثعلبة بن غَنْ بن مالك بن النَّجار. فلما بركَتْ لم ينزل عنها رسولُ الله
صلّى الله عليه وسلّم، ثم وثبَتْ فسارتْ غيرَ بعيد، ورسولُ اللّه صلّى الله عليه
وسلم واضحٌ لها زمامها لا يَثْنِيها به؛ ثم التفتت خلفها، ثم رجعت إلى مَبْرَكِها
أوّل مرة ، فبركت فيه ووضعت جيرانَها ، ونزل عنها رسولُ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، فاحتمل أبو أيوب رحله ، فوضعه فى بيته ، فدعَتْه الأنصار إلى
النزول عليهم ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: المرءُ مع رحله . فنزل على
أبى أيوب خالد بن زيد بن كليب ، فى بنى غَنْ من النجّار(٣).
قال أبو جعفر: وسألَ رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم عن المِرْبَد لمن
هو ؟ فأخبره مُعاذ بن عفراء ، وقال : هو ليتيميْن لى ، سأرضيهما . فأمر به
رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم أن يُبْنى مسجداً، ونزل على أبى أيّوب، حتى
بنى مسجدَه ومساكنه . وقيل: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اشترى موضعَ
مسجده ، ثم بناه .
والصحيح عندنا فى ذلك ، ما حدّثنا مجاهد بن موسى ، قال : حدّثنا
(١) و: ((المسجد)).
(٢) المربد: الموضع الذى يجفف فيه التمر .
(٣) الخبر فى سيرة ابن هشام ٢: ١١، ١٢

سنة ١
٣٩٧
يزيد بن هارون، قال : أخبرنا حمَّد بن سلمة ، عن أبى التَّيّاح، عن أنس
ابن مالك ، قال : كان موضع مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لبنى النَّجار،
وكان فيه نخل وحَرْث وقبورٌ من قبور الجاهليّة، فقال لهم رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلّم: ثامنُونى (١) به، فقالوا: لا نبتغى (٢) به ثمنًا إلاّ ما عند الله. فأمَر ٢٦٠/١ :
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالنَّخْل فقطع، وبالحرْث فأفسد، وبالقبور
فنبشتْ، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم قبل ذلك يصلّی فی مرابضٍ
الغنم ، وحيث أدركته الصلاة .
قال أبو جعفر: وتولَى بناء مسجده صلّى الله عليه وسلّم هو بنفسه وأصحابه(٣)
من المهاجرين والأنصار .
وفى هذه السَّنَّة بُنِى مسجد قُباء .
وكان أوّلَ من تُوفّىَ بعد مقدمه المدينة من المسلمين - فيما ذكر - صاحب
مَنْزِلِهِ كُلْثوم بن الهِدْم ، لم يلبَث بعد مقدمه إلا يسيراً حتى مات.
ثم توفّىَ بعده أسعدُ بن زرارة فى سنة مقدمه، أبو أمامة. وكانت وفاته
قبل أن يَفْرُعَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بناء مسجده، بالذّبْحَةٍ (٤)
والشَّهْقة(٥). فحدثنا ابنُ حُمَيْد، قال: حدثنا سلمَة، قال : قال محمد
ابن إسحاق . حد ◌ّثنى عبد الله بن أبى بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبدالرحمن؛
أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: بئس(٦) المَيِّتُ أبو أمامة ليهودَ
ومنافقى العرب! يقولون: لو كان محمّد نبيًّا لم يَمُتْ صاحبُه؛ ولا أَمْلِكُ
لنفسى ولا لصاحبى من اللّه شيئًا(٧).
(١) ثامنونى به ؛ أى اجعلوا لها ثمناً.
(٢) و: ((لا نبغى)).
(٣-٣) و: ((وأصحابه المهاجرون)).
(٤) الذبحة: وجع فى الحلق يخنق فيقتل .
(٥) الشهقة : الصيحة .
(٦) ر : ((لبئس)) .
(٧) سيرة ابن هشام ١٩:٢

٣٩٨
سنة ١
وقد حدّثنا محمَّد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن
معمَر، عن الزهرى، عن أنس، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَوَى أسعد
ابن زُرارة من الشَّوْكَةِ (١).
قال ابنُ حُميد ، قال سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدّثنى عاصم
١٢٦١/١ ابن عمر بن قتادة الأنصارىّ أنه لما مات (٢) أبو أمامة أسعد بن زرارة، اجتمعتْ
بنو النَّجار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - وكان أبو أمامة نقيبهم - فقالوا:
يا رسولَ اللّه؛ إنّ هذا الرّجل قد كان منَّا حيث قد علمت؛ فاجعلْ منَّا
رجلاً مكانه ، يقيم من أمرنا ما كان يقيمه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أنتمْ أخوالِى وأنا منكم؛ وأنا نقيبكم .
قال: وكَرِهِ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أن يَخُصَّ بها بعضَهم دون
بعض؛ فكان من فَضْل(٣) بنى النجار الذى تتعدّ(٤) على قومهم، أنّ رسولَ الله
صلّى الله عليه وسلّم كان نقيبتهم(٥).
وفى هذه السنة مات أبو أحَيْحَة بماله بالطائف . ومات الوليد بن
المغيرة والعاص بن وائل السَّهْمىّ فيها بمكّة.
#
وفيها بسنى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعائشة بعد مقدَمِه المدينة بثمانية
أشهر؛ فى ذى القعدة فى قول بعضهم، وفى قول بعضٍ : بعدمقد مه المدينة بسبعة
. أشهر، فى شَوّال ، وكان تزوّجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة
وهى ابنة ستّ سنين ، وقد قيل : تزوّجها وهى ابنةُ سبع.
(١) الشركة: حمرة تظهر فى الوجه وغيره من الجسد. والخبر فى نهاية ابن الأثير٤: ٢٤٠، ٢٤١.
(٢) ح: ((أصيب)).
(٣) ح: ((قصة بنى النجار وفضلهم)).
(٤) ح: ((يعدونه)). ر: ((يعد))، سيرة ابن هشام: ((الذى يعدون)).
(٥) سيرة ابن هشام ٢ : ١٩٠

سنة ١
٣٩٩
حدّثنا عبدُ الحميد بن بَيَان السكرىّ ، قال : أخبرنا محمّد بن يزيد،
عن إسماعيل - يعنى ابن أبى خالد - عن عبد الرحمن بن أبى الضّحاك ، عن
رجل من قُرَيش، عن عبد الرحمن بن محمَّد، أنّ عبد الله بن صفوان وآخر ١٢٦٢/١
معه أتيا عائشة ، فقالت عائشة : يا فلان ؛ أسمعتَ حديث حَفْصَة ؟ قال
لها : نعم يا أمّ المؤمنين ، قال لها عبدُ اللّه بن صفوان : وما ذاك ؟ قالت:
خِلاَلٌ فىَّ تسع لم تكن فى أحدٍ من النِّساء إلاّ ما آتى اللّه مَرْيَمَ بنت
عمْران؛ والله ما أقول هذا فخراً على أحد من صواحبى، قال لها: وما هنّ(١)؟
قالت : نزل الملكُ بصورتى، وتزوّجِنِى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لسبع
سنين، وأهدِيتُ إليه لتسع سنين، وتزوّجَنى بكراً لم يشركْهُ فىّ أحَدٌ
من الناس ، وكان يأتيه الوحى وأنا وهو فى لحاف واحد ، وكنتُ مِنْ أحبُّ
الناس إليه(٢)، ونزل فىَّ آيَةٌ من القرآن كادت الأمّةُ أن تهلك، ورأيت
جبريل ولم يره أحدٌ من نسائه غيرى، وقُبض فى بَيْتى لم يلِهِ أحدٌ غير
الملَك وأنا .
قال أبو جعفر : وتزوجها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - فيما قيل - فى
شوّال، وبنى بها حين بنى بها فى شَوّال .
ذكر الرواية بذلك :
حدثنا ابنُ بشّار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال: حدثنا سفيان ،
عن إسماعيل بن أميَّة ، عن عبد اللّه بن عُرْوة ، عن أبيه ، عن عائشة،
قالت: تزوّجنِى رسُول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فى شوّال، وبنتى بى فى شوّال.
وكانت عائشة تستحبُّ أن يُبْنى بالنساء(٣) فى شوّال.
(١) كذا فى ر، وفى ط: ((هو))".
(٢) زاد بعدها ر: ((وابنة أحب الناس إليه)).
(٣) كذا فى ر، وفى ط: ((بنسائها)).

سنة ١
٤٠٠
حددَّتنا ابنُ وكيع، قال : حدثنا أبى، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية،
١٢٦٣/١ عن عبد الله بنُ عُرْوة، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: تزوَّجنى رسولُ اللّه
صلَّى اللّه عليه وسلَّم فى شوّال، وبنى بى فى شوّال، فأيُّ نساء رسول الله
كانت أحْظَى عنده منّى! وكانت عائشة تستحبّ أن يُدْخَلَ بالنساء(١)
فى شوّال .
قال أبو جعفر: وقيل: إنَّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمْ بَنَى بها
فى شوَّال يوم الأربعاء ، فى منزل أبى بكر بالسُّنْح .
وفى هذه السنة بعثَ النبيُّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم إلى بناتِهِ وزوجتِهِ
سَوْدَة بنت زَمْعَة، زيدَ بن حارثة وأبا رافع، فحملاهنّ(١) من مكّة إلى
المدينة .
ولما رجع - فيما ذكر- عبد الله بن أرَيْقِط إلى مكَّة أخبر عبد الله بن
أبى بكر بمكان أبيه أبى بكر، فَخَرَجَ عبدُ اللّه بِعِيَال أبيه إليه ، وصَّحِبتهم
طلْحَة بن عبيد الله، معهم(٢) أمّ رُومان، وهى أمّ عائشة؛ وعبد الله بن
أبى بكر حتى (٣) قدموا المدينة.
وفى هذه السنة زِيَد فى صلاة الحَضَرِ - فيما قيل - ركعتان، وكانت
صلاة الحضر والسفر ركعتين؛ وذلك بعد مقدَم رسول الله صلَّى عليه
وسلَّم المدينةَ بشهر ، فى ربيع الآخر، لمُضىّ اثنتى عشرة ليلة منه (٤)،
زعم الواقدىّ أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه .
وفيها - فى قول بعضهم - وُلِد عبد الله بن الزُّبير. وفى قول الواقدىّ:
وُلِدَ فِى السَّنّة الثانية من مقْدَم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة
فى شوال .
(١) كذا فى ر وفى ط: ((بنسائها)).
(٢) ر: ((معه)).
(٣) م: ((حين)).
(٤) ر : ((مضت منه)).