النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ ولم نرَهُ قبل ذلك - فلقينا رجُلاً من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، فقال : هل تعرفانه ؟ قلنا : لا ، قال : فهل تعرفان العبّاس ابن عبد المطّلب عمّه؟ قلنا: نعم - قال: وقدكنا نعرف العبّاس، كان لا يزال يقَدُم علينا تاجراً - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرّجل الجالس مع العباس ابن عبد المطلب ، قال : فدخلنا المسجد ؛ فإذا العبّاس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع العبّاس؛ فسلّمنا؛ ثم جلسنا إليه، فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم للعبّاس: هل تعرفُ هذيْن الرّجُلين يا أبا الفضل؟ قال : نعم ؛ هذا البَرّاء بن معرور سيّد قومه؛ وهذا كعب بن مالك - قال : فوالله ما أنسى قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قال: نعم - قال : فقال له البراء بن معرور : يا نبيّ اللّه؛ إنى خرَجتُ فى سفرى هذا؛ وقد هدانى الله للإسلام، فرأيت ألاّ أجعل هذه البنيّة منّى بظهْر، فصلّت إليها؛ وقد خالفی أصحابى فى ذلك ؛ حتى وقع فى نفسى من ذلك شىء ؛ فماذا ترى ١٢١٩/١ يا رسول الله؟ قال: قد كنتَ على قِبْلَةٍ لو صبرت عليها! فرجع البراء إلى قِبْلة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وصلى معنا إلى الشأم. قال: وأهلُه يزعمون أنه صلىّ إلى الكعبة حتى مات ؛ وليس ذلك كما قالوا ؛ نحن أعلم به منهم . قال: ثم خرجْنا إلى الحجّ، وواعدنا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التّشريق . قال : فلما فرغنا من الحجّ ؛ وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها؛ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام، أبو جابر، أخبرناه(١)، وكنّا نكثُمُ مَنْ معنا من المشركين من قومنا أمرنا ؛ فكلّمناه، وقلنا له : يا أبا جابر؛ إنّك سيّد من سادتنا، وشريفٌ مِن أشرافنا، وإنّا نرغبُ بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غداً. ثم دعَوْنَاه إلى الإسلام ؛ وأخبرناه بميعاد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إيّانا العقبة . قال: فأسلم، وشهد معنا العقبة - وكان نقيبًا - فبتْنا تلك اللّيلة مع قومنا فى رِحالنا حتى إذا مضى ثُلث الليل ، خرجْنا من رِحَالنا لميعاد رسول (١) ابن هشام : أخذناه معنا. ٣٦٢ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، نتسلل مستخفين تسلُّل القَطا؛ حتى اجتمعنا فى الشّعب عند العقبة؛ ونحن سبعون رجلاً، ومعهم(١) امرأتان من نسائهم: نُسيبة بنت كعب أمّ ◌ُمارة إحدى نساء بنى مازن بن النّجار ، وأسماء بنت عمرو بن عدىّ، إحدى نساء بنى سَلِمة؛ وهى أمّ منيع ؛ فاجتمعنا بالشِّعب ١/ ١٢٢٠ ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى جاءنا ومعه عَمُّه العبّاس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه ؛ إلاّ أنه أحبّ أن يحضُرَ أمرَ ابن أخيه، ويتوثَّق له ؛ فلمّا جلس كان أوّل مَنْ تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العربُ إنما يسمُّون هذا الحىّ من الأنصار: الخزرج ؛ خزرجها وأوسها - إن محمداً منّا حيث قد علمتم؛ وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا ؛ وهو فى عزّ من قومِهِ ومَنّعة فى بلده ؛ وإنه قد أبى إلاّ الانقطاعَ إليكم واللّحُوق بكم؛ فإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه؛ ومانعوه ممّن خالفه؛ فأنتم وما تحمّلتم (٢) من ذلك؛ وإن كنتم ترون أنّكم مُسلِموُهُ وخاذلوه بعد الخروج إليكم؛ فمن الآن فدَعُوه ، فإنّه فى عزّ ومَنَعة من قومه وبلده . قال : فقلنا له : قد سمعنا ما قلت ؛ فتكلّمْ يا رسولَ اللّه؛ وخذ لنفسك ورّبّك ما أحبَبتَ . قال: فتكلّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى اللّه، ورغَّب فى الإسلام، ثمّ قال: أبايعُكم على أن تمنعونى ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناء كم . قال: فأخذ البَرّاء بن معرور بيدِه، ثم قال: والذى بعثَك بالحقّ ، لنمنعنّك مما نمنَعَ منه أُزُرَنا (٣)، فبايعْنا يا رسولَ الله، فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلْقة (٤)؛ ورثناها كابراً عن كابر . (١) ابن هشام: ((ومعنا امرأتان من نسائنا)). (٢) ح: ((حملتم)). (٣) أزرنا ؛ أى نساءنا؛ والمرأة قد يكنى عنها بالإزار. (٤) الحلقة ، أى السلاح . : ٣٦٣ قال: فاعترض القول - والبرَاء يكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلّم - أبو الهيثم بن التَّيّهان ، حليف بنى عبد الأشهل ، فقال : يا رسولَ اللّه؛ إنّ بيننا وبين النّاس حبالاً وإنّا قاطعوها - يعنى اليهود - فهل عَسِيتَ إن نحنُ فعلْنا ذلك ، ثم أظهرَك اللّه ، أن ترجعَ إلى قومك ، وتَدَعَنَا ! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم قال: بل الدَّم الدّم، الهدْم. ١/ ١٢٢١ الهدْم(١)! أنتم منّى وأنا منكم؛ أحارب مَنْ حاربتم وأسالم من سالمتم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إلىّ منكم اثنى عشر نقيبًا؛ يكونون على قومهم بما فيهم. فأخرجوا اثنى عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس(٢) . حدّثنا ابن حُمَيَد، قال : حدّثنا سلمة ، قال : قال محمّد بن إسحاق: فحدّثنى عبدُالله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء: أنتمْ على قومكم بما فيهم كفلاء ، ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومى ، قالوا: نعم . حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدّثنا محمّد بن إسحاق ، قال : وحدّثنى عاصم بن عمر بن قتادة ، أنّ القومَ لمّا اجتمعوا لبيعةٍ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نَضْلة الأنصارىّ، ثم أخو بنى سالم بن عوف : يا معشرّ الخزرج، هلْ تدرون عَلاَم تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم ، قال : إنّكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ؛ فإن كنتم ترون أنكم إذا ◌ُنُهكت أموالكم مصيبة؛ وأشرافُكم قتلا أسلمتموه؛ فمن الآن فهو واللّه خِزْىُ(٣) الدّنيا والآخرة إن فعلتم، وإن كنتم (١) قال ابن قتيبة: ((كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار: دمى دمك، وهدمى هدمك ؛ أى ما هدمت من الدماء هدمته أنا )) . (٢) سيرة ابن هشام ١ : ٢٧٥،٢٧٣ (٣) ر: ((خزى فى الدنيا)). ٣٦٤ تروْن أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة(١) الأموال، وقتْل الأشراف فخذوه، فهو واللّه خيرُ الدّنيا والآخرة . قالوا: فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال ، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفّينا؟ قال : الجنّة ، قالوا : ١٢٢٢/١ ابسط يدك، فبسطَ يده فبايعوه . وأما عاصم بن عمر بن قتادة ، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلاّ ليشدَّ العَقْدَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى أعناقهم، وأما عبدُ اللّه بن أبى بكر ، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلا ليؤخّر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبيّ بن سَلُول، فيكون أقوى لأمر القوم. واللّه أعلم أىّ ذلك كان ؛ فبنو النّجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوّل مَنْ ضرب على يديه(٢)، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم ابن التّيّهان(٣) . قال ابن حُميد ، قال : سلمة ، قال محمّد : وأما معبد بن كعب بن مالك فحدّثنى - قال أبو جعفر: وحدّثنى سعيد بن يحيى بن سعيد - قال : حدثنى أبى ، قال : حدّثنا محمّد بن إسحاق ، عن معبد بن كعب ، قال : فحد ◌ّثنی فی حدیثه عن أخيه عبد اللهبن كعب عن أبیەکعب بنمالك، قال: كان أوّل مَنْ ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور؛ ثم تتابع القوم؛ فلمّا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشّيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قطّ: يا أهلَ الجباجب (٤) هل لكم فى مُذمّم والصُّباة(٥) ١٢٢٣/١ معه، قد اجتمعوا على حربكم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يقول عدو اللّه؟ هذا أزَبّ العقبة، هذا ابن أزْيب(٦)؛ اسمع عدوّ اللّه؛ أما والله لأفْرُ غَنّ (١) نهكة الأموال: نقصها، وفى م: ((تهلكة الأموال)). (٢) ح: ((يده)). (٣) سيرة ابن هشام ١ : ٢٧٧ (٤) قال ابن هشام: ((الجباجب: المنازل)). (٥) المذم: المذموم غاية الذم. والصباة: جمع صابىْ، بالهمزة ؛ وكان يقال للرجل إذ أسلم زمن النبى عليه السلام: ((صابىْ)). (٩) قال ابن هشام: ((ويقال: ابن أزيب))، وأزب العقبة: اسم الشيطان. ٣٦٥ لك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ارفضوا (١) إلى رحالكم. فقال له العبّاس ابن عبادة بن نضلة: والّذى بعثك بالحقّ لئن شئت لنميلن غدا على أهل مِىّ بأسيافنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نُؤمَر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحالكم ، قال : فرَجعنا إلى مضاجعنا ، فنِمْنا عليها ؛ حتى أصبحنا ؛ فلمّا أصبحنا غدَتْ علينا جِلَّةُ قريش حتى جاءونا فى منازلنا ، فقالوا : يا معشرَ الخزرج ؛ إنّا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا ؛ وإنّه والله ما من حىّ من العرب أبغض إلينا أن تنشَبَ الحرب بيننا وبينهم منكم ؛ قال : فانبعث من هناك من مشركى قومنا يحلفون لهم باللّه : ما كان من هذا شىء وما علمناه . قال : وصدقوا لم يعلموا . قال : وبعضنا ينظر إلى بعض ؛ وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ ، وعليه نعلان جديدان(٢) . قال : فقلت كلمة كأنّى أريد أن أشرِك القوم بها فيما قالوا : يا أبا جابر ؛ أما تستطيع أن تتّخذ وأنت سيّد من ساداتنا مثل نعلىْ هذا الفتى من قريش ؟ قال : فسمعها الحارث ، فخلعهما من رجليْه ؛ ثم رمى بهما إلىّ، وقال: والله لتنتعلنَّهما . قال: يقول أبو جابر: مَهْ أحفظت(٣) والله الفتى! فاردُدْ ١ / ١٢٢٤ عليه نعليه ، قال: قلت: والله لا أردّ هما؛ فأل والله صالح؛ والله لئن صدق الفأل لأسُلينه . فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها (٤) قال أبو جعفر : وقال غيْر ابن إسحاق : كان مقدمُ مَنْ قدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم للبيعة من الأنصار فى ذى الحجّة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهم بمكّة بقيّة ذى الحجة من تلك السنّة، والمحرّم (١) ارفضوا: تفرقوا (٢) قال السهيلى: ((النعل مؤنثة؛ ولكن لا يقال: جديدة فى الفصيح من الكلام؛ وإنما يقال : ملحفة جديد ؛ لأنها فى معنى جديدة ، أى مقطوعة )) . (٣) أحفظت : أغضبت. (٤) سيرة ابن هشام ١ : ٢٧٧، ٢٧٨ ٣٦٦ وصفر ؛ وخرج مهاجراً إلى المدينة فى شهر ربيع الأول ؛ وقد مها يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلتْ منه . وحدثنى علىّ بن نصر بن على، وعبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبدالوارث - قال علىّ بن نصر : حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث ، وقال عبد الوارث: حدّثنى أبى - قال : حدّثنا أبان العطّار، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن عروة؛ أنّه قال: لمّا رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممّن كان هاجر(١). إليها قبل هجرة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، جعل أهلَ الإسلام يزدادون ويكثرون، وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناسٌ كثير، وفشا بالمدينة الإسلام؛ فطفِقِ أهلُ المدينة يأتونَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمكّة، فلمّا رأت ذلك قريش تذامرت على أنْ يفتنوهم، ويشتدّوا عليهم(٢) ، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم ، فأصابهم جهد شديد ، وكانت الفتنة الآخرة ، وكانت فتنتيْن: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم بها ، وأذن لهم فى الخروج إليها ، وفتنة لما رجعوا ورأوْا من يأتيهم من أهل المدينة . ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المدينة سبعون نقيباً، رءوس الذين أسلموا، فوافوْه بالحجّ فبايعوه بالعقبة، وأعطوْه عهودهم(٣)؛ على أنّا منك وأنت منّا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أوجئتنا (٤) فإنّا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا . فاشتدّت عليهم قريش عند ذلك ، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أصحابه بالخروج إلى المدينة؛ وهى الفتنة الآخرة التى أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم أصحابه وخرج، وهى التى أنزل الله عزّ وجلّ فيها: ﴿وَاتِلُوهُمْ خَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ ثِهِ﴾(٥). ١٢٢٥/١ (١) م: ((مهاجرا)». (٢) م: ((عليه)). (٣) م: ((عهدم )» (٤) م: ((وجئتنا)». (٥) سورة الأنفال ٣٩. ٣٦٧ حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدّثنا سلمة، قال : حدّثْنى محمّد بن إسحاق ، قال : وحدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمّد بن عمروبن حزم ، أنّهم أتوا عبد الله بن أبيّ بن سَلُول - يعنى قريشًا - فقالوا مثل ما ذكر كعْب بن مالك من القول لهم ، فقال لهم: إنّ هذا لأمْرٌ جسيم ؛ ما كان قومى ليتفوّتوا (١) علىَّ بمثل هذا وما علمته كان . فانصرفوا عنه، وتفرّق النّاس مِنْ مِنِىّ ، فتنطّس (٢) القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا فى طلب القوم ، فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر (٣)، والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة ابن كعب بن الخزرج ؛ وكلاهما كان نقيبًا؛ فأمّا المنذر فأعجز القوم ، وأمّا سعد فأخذوه ، وربطوا يديه إلى عنقه بِنسْع (٤) رَحْله، ثمّ أقبلوا به حتى أدخلوه مكّة، يضربونه ويجبذونه بحُمّته(٥) - وكان ذا شعر كثير - فقال سعد: ١٢٢٦/١ فوالله إنّ لفى أيديهم؛ إذ طلع عَلَىّ نفر من قريش؛ فيهم رجُلٌ أبيض وَضِىءٌ شَعْشاع (٦) حلو من الرّجال. قال: قلت : إن يكن عند أحدٍ من القوم خيْر فعند هذا، فلمّا دنا منّى رفع يديه فلطمنى (٧) لطمةً شديدة . قال : قلت فى نفسى : والله ما عندهم بعد هذا (٨) خير. قال: فوالله إنّ لفى أيديهم يسحبونى؛ إذ أوى(٩) إلىّ رجل منهم ممّن معهم ، فقال : ويحك ! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهدٌ(١٠)! قال: قلتُ: بلى والله، لقد كنت أجِيرُ (١١) لجبير بن مطعم بن عدىّ بن نوفل بن عبد مناف تِجَارَهُ، (١) يقال: تفوت عليه بكذا ؛ أى فاته به . (٢) كذا فى ابن هشام، وتنطس القوم الخبر؛ أى أكثروا البحث عنه، وفى ط: ((تبطن)). (٣) ابن هشام: ((بأذاخر)). (٤) النسع : الشراك الذى يشد به الرحل . (٥) فى ابن هشام: ((يجذبويه)). والجمة: مجمع الشعر. (٦) قال ابن هشام: ((الشعشاع: الطويل الحسن)). (٧) ح، ر، ابن هشام: ((فلكمنى لكمةٍ)). (٨) ح: ((بعدها)). (٩) ر: ((أمى إلى)) . (١٠) م: ((عقد)). (١١) م: ((أجيز)). (١٢) التجار : جمع تاجر. أ / أ ٣٦٨ وأمنعهم ممّن أراد ظلمهم ببلادى ؛ والحارث بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. قال : ويحك! فاهتِف باسم الرجلين، واذكرما بينك وبينهما. قال : ففعلت ، وخرج ذلك الرجل إليهما ، فوجدهما فى المسجد عند الكعبة ، فقال لهما : إنّ رجلاً من الخزرج الآن يُضرب بالأبطح؛ وإنَّه ليهتف بكما، ويذكُر أنّ بينه وبينكما جوارا ، قالا: ومَنْ هو ؟ قال: سعد بن عبادة ، قالا: صَدَقَ واللّه إن كان ليَجير تجارنا(١)، ويمنعهم أن يظلموا ببلده. ١ /١٢٢٧ قال: فجاءا فخلَّصا سعدً امن أيديهم وانطلق. وكان الذى لكم سعداً سُهَيْل ابن عمرو، أخو بنى عامر بن لؤى(٢). # قال أبو جعفر : فلما قدموا المدينة ، أظهروا الإسلام بها ، وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشِّرْك؛ منهم عمرو بن الجَمُوح ابن زيد بن حرام بن كعب بن غَنْم بن سلمة ، وكان ابنه معاذ بن عمرو قد شهد العقبة ، وبايع رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلّم فى فتيان منهم، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَنْ بايع من الأوس والخزرج فى العقبة الآخرة ؛ وهى بيعة الحرب حين أذن الله عزّ وجلّ فى القتال بشروط غير الشروط فى العقبة الأولى ، وأمَّا الأولى فإنّما كانت على بيعة النساء ؛ على ما ذكرت الخبر به عن عبادة بن الصامت قبل ؛ وكانت بيعة العقبة الثانية على حَرْب الأحمر والأسود على ما قد ذكرتُ قبل، عن عروة بن الزبير . وقد حدّثنا ابن حُميد - قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمّد بن إسحاق، قال : حدثنى عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن عبادة بن الصامت .. وكان أحد النقباء قال: بايعْنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم على بيعة الحرب؛ وكان عُبادة من الاثنى عشر الّذين بايعوا فى العقبة الأولى . قال أبو جعفر : فلمّا أذن الله عزّ وجلّ لرسوله صلى الله عليه وسلّم فى (١) كذا فى ابن هشام وط؛ وفى الأصول: ((تجارته)). (٢) سيرة ابن هشام ١: ٢٧٨، ٢٧٩ : ٣٦٩ القتال، ونزل قوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلْهِ﴾ (١)، وبايعه الأنصار على ما وصفتُ من بيعتِهم، أمَرَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلّم أصحابه ممن هو معه بمكّة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة، واللّحوق بإخوانهم من الأنصار؛ وقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل لكم إخوانًا وداراً تأمنون فيها فخرجوا أرْسالاً، وأقام رسولُ الله صلّى الله ١٢٢٨/١ عليه وسلّم بمكة ينتظر أن يأذن له ربُّه بالخروج من مكة؛ فكان أول من هاجر من المدينة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قريش، ثم من بنى مخزوم، أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، هاجر إلى المدينة قبل بَيْعة أصحاب العقبة رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بسنة، وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من أرض الحبشة، فلما آذتْه قريش، وبلغه إسلامُ مَنْ أسلم من الأنصار ، خرج إلى المدينة مهاجراً . ثم كان أوّل مَنْ قدم المدينة من المهاجرين بعد أبى سلمة ، عامربن ربيعة ، حليف بنى عدىّ بن كعب ، معه امرأته ليلى بنت أبى حَثْمَة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عَوٍ يج بن عدىّ بن كعب . ثم عبد الله ابن جَحْش بن رِئَاب، وأبو أحمد بن جَحْش ــ وكان رجلاً ضرير البصر ، و کان یطوف مکة أعلاها وأسفلها بغیر قائد ۔۔ ثم تتابع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة أرسالا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمكّة بعد أصحابه من المهاجرين؛ ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة. ولم يتخلّف معه بمكّة أحد المهاجرين إلا أُخذ فحبس أو فتن إلاّ علىّ بن أبى طالب وأبو بكر بن أبى قُحافة . وكان أبوبکر کثیراً ما يستأذن رسول اللهصلىالله عليه وسلم فى الهجرة، فيقول له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لا تعجل"، لعلّ اللّه أن يجعل لك صاحبًا، فطمع أبو بكر أن يكونه(٢)، فلما رأتْ قُرَيش أنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم ١٢٢٩/١ (١) سورة الأنفال ٣٩. (٢) ر: (( أن يكون هو صاحبه)) . ( ٢٤) ٣٧٠ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم ، بغير (١) بلدهم ، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً، وأصابوا منهم منّعة، فحذروا خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليهم، وعرفوا أنّه قد أجمع أن يلحق بهم لحربهم ، فاجتمعوا له فى دار النّدوة؛ وهى دار قُصَّىّ بن كلاب، التى كانت قريش لا تقضى أمراً (٢) إلا" فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه(٣) ! فحدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلَمة ، قال : حدثنى محمّد بن إسحاق ، قال : حدّثنى عبد الله بن أبى نجيح ، عن مجاهد بن جَبْر أبى الحجاج ، عن ابن عبّاسٍ، قال: وحدثنى الكلبىّ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس والحسن بن مُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم ، عن ابن عبّاس قال: لمّا اجتمعوا لذلك واتَّعدُوا أن يدخلوا دار الندوة ، ويتشاوروا فيها فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم غَدَوْا فى اليوم الذى اتعدوا له؛ وكان ذلك اليوم يسمى الزَّحْمَة ؛ فاعترضَهُم إبليس فى هيئة شيخ جليل ، عليه بتٌّ (٤) له ، فوقف على باب الدار ، فلما رأوه واقفًا على بابها ، قالوا: مَن الشيخُ ؟ قال : شيخٌ من أهل نَجْد ، سمع بالذي اتعدتم له ، فحضر معكم ليسْمَعَ ١٢٣٠/١ ما تقولون، وعسى ألاّ يعد مَكُم منه رأى ونُصحٌ، قالوا: أجَلْ، فادخُلْ، فدخل معهم ، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلّهم ،من كلّ قبيلة؛ من بنی عبد شمس شَيْبة وعُتْبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب ، ومن بنى نَوْفل ابن عبد مناف طُعَيْمَة بن عدىّ وجبير بن مُطْعِيمٍ والحارث بن عامر ابن نوفل. ومن بنى عبد الدار بن قُصَىّ النَّضْر بن الحارث بن كلَدّة . ومن بنى أسد بن عبد العُزّى أبو البخترىّ بن هشام وزّمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام . ومن بنى مخزوم أبو جهل بن هشام ، ومن بنى سهم نُبيه (١) م: ((من غير بلدهم)). (٢) م: ((الأمر)). (٣) م: ((خافوا». (٤) البت : الكساء الغليظ . ٣٧١ ومُنْبِّه ابنا الحجاج. ومن بنى جُمَح أميّة بن خلَف؛ ومَنْ كان معهم(١) وغيرهم ممن لا يُعدُّ من قريش . فقال بعضُهم لبعض : إنّ هذا الرجلَ قد كان أمْره ما قد كان وما قد رأيتم ؛ وإنّا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمَنْ قد اتّبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأيًا؛ قال : فتشاروا. ثم قال قائلٌّمنهم: احبسُوه فى الحديد ، وأغلقوا عليه بابًا، ثمّ تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله: زُهَيْراً، والنّابغة ومَنْ مضى منهم ؛ من هذا الموت حتى يصيبه منه ما أصابهم . قال : فقال الشيخُ النجدىّ: لا والله، ما هذا لكم برأي؛ والله لو حبستمُوه .. كما تقولون - لخرج أمرُه من وراء الباب الذى أغلقتمُوه دونه إلى أصحابه؛ فلأوشكوا أن يثِبُوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا ؛ ما هذا لكم برأي فانظروا فى غيره . ثم تشاوروا ، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا؛ ١٢٣١/١ فإذا خرج عنّا فوالله ما نبالى أين ذهبَ ، ولا حيث وقع، إذا (٢) غاب عنا وفرغنا منه . فأصلحنا أمرنا ، وألفتُنا كما كانت . قال الشيخ النجدىّ: والله ما هذا لكم برأي ؛ ألم تروا حسنَ حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به ! والله لو فعلتُم ذلك ما أمنتُ أن يحلّ على حىّ من العرب ، فيغلب عليهم(٣) بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم ، فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد . أديروا فيه رأيًا غير هذا! قال : فقال أبو جهل بن هشام: والله إنّ لى فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعدُ! قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال: أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة (١) كذا فى ابن هشام، وفى ط: (( منهم)) (٢) كذا فى ابن هشام، وفى ط: ((غاب عنا أذاه)). (٣) ح: ((على قلوبهم)). ٣٧٢ فتّ شابًّا جدْداً، نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطِى كلّ فتّى منهم سيفًا صارمًاً ثم يعمِدُون إليه ، ثم يضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح؛ فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه فى القبائل كلّها ؛ فلم يقدر بنُو عبد مناف على حَرْب قومهم جميعًا ، ورضُوا منَّا بالعقل فعقلناه لهم . قال : فقال(١) الشيخ النجدىّ: القول ما قال الرجُل، هذا الرأى لا رأْىَ لكم غيره . فتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له ، فأتى جبريل رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال : لا تبتْ هذه الليلة على فراشك الذى كنتَ تبيت عليه ! ١٢٣٢/١ قال: فلمّا كان العتمةُ من اللّيل، اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام، فيثبون عليه . فلمّارأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم مكانهم، قال لعلى بن أبى طالب: ثمْ على فراشى، واتّشحَ (٢) ببرْدى الحضرمىّ الأخضر؛ فَمْ فإنه لا يخلُص إليك شيء تكرهه منهم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام فى بُرده ذلك إذا نام(٣) . قال أبو جعفر : زاد بعضُهم فى هذه القصّة فى هذا الموضع : وقال له : إِنْ أتاك ابن أبى قُحافة، فأخبره أنّى توجّهت إلى ثور، فَمُرْهُ فليلْحَق بى ، وأرسل إلىّ بطعام، واستأجرْ لى دليلاً يدلّنى على طريق المدينة؛ واشتر لى راحلةً . ثم مضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم، وأعمى اللّه أبصارَ الذين كانوا يرصُدونه(٤) عنه، وخرج عليهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم. فحدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة، قال : حدثنى محمّد بن إسحاق ، قال : حدّثنى يزيد بن زياد، عن محمّد بن كعب القُرَظىّ ، قال: اجتمعوا له ، وفيهم أبو جهل بن هشام ، فقال وهم على بابه: إنّ محمّداً / (١) ط: ((يقول))، وما أثبته من ابن هشام. (٢) ابن هشام ((وتسج)). (٣) سيرة ابن هشام ١: ٢٩٠، ٢٩١ (٤) ح: ((يترصدونه)) . - ٣٧٣ يزعُم أنّكم إن تابعتمُوه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بُعثّم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن" ، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح ، ثم بُعثتم بعد موتكم ؛ فجعلت لكم نار تحرّقون فيها . قال : وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال: نعم، أنا أقول ذلك، أنت أحدُهم. وأخذ اللّه على أبصارهم عنه فلا يرونه(١)، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم؛ وهو يتلو هذه الآيات من ١٢٣٣/١ يس: ﴿يَسِ، وَالْقُرْ آنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدَّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلّم من هؤلاء الآيات، فلم يبقَ منهم رجل إلاّ وقد وضع على رأسه ترابًا؛ ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب . فأتاهم آت ممّن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون ها هنا ؟ قالوا : محمّدًا ، قال: خيّبكم الله! قد والله خرَج عليكم محمد ، ثم ما ترك (٢) منكم رجلا إلاّ وقد وضع على رأسه ترابًا ، وانطلق لحاجته ؛ أما تروْنَ ما بكم ؟ قال : فوضع كلّ رجل منهم يده على رأسه ، فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا يطَّعون(٣)، فيروْن عليًّا على الفراش (٤) متسجًِّا (٥) ببُرْد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم، فيقولون: والله إنّ هذا لمحمّد نائم، عليه بُرُدُه؛ فلم يبرحُوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام علىّ عن (٦) الفراش، فقالوا: والله لقد صَدَقَّنَا الذى كان حدّثنا، فكان ممّا نزل(٧) من القرآن فى ذلك اليوم، وما كانوا أجمعوا (٨) له: (١) ح: ((يرون له أثراً)). (٢) ح: ((لم يترك)). (٣) ر: ((يتطلعون)). (٤) ح: ((فى الفراش)). (٥) ر: ((متشحاً)). (٦) ر: ((من الفراش)). (٧) ح: ((أنزل الله)). (٨) ح: ((اجتمعوا)). ٣٧٤ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِ جُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)،(١) وقول الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ تَرَّيَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَّبِِّينَ﴾(٢) وقد زعم بعضُهم أنّ أبا بكر أتى عليًّا فسأله عن نبيّ اللّه صلى الله عليه ١٢٣٤/١ وسلم فأخبره أنه لحِقَ بالغار من ثور، وقال: إن كان لك فيه حاجةٌ فالحقْه، فخرج أبو بكر مسرعًا(٣)، فلحق نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى الطّريق، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم جَرْسَ أبى بكر فى ظلمة اللّيل، فحسبه من المشركين، فأسرع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المشىَ، فانقطع قَبَالُ فعله ففلق إبهامَه حَجَرٌ فكثر دمها ، وأسرع السعىَ ، فخاف أبو بكر أن يشقّ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرفع صوته، وتكلّم، فعرفه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقام حتى أتاه ، فانطلقا ورجْل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم تستنّ دمًا؛ حتى انتهى إلى الغار مع الصّبح؛ فدخلاه. وأصبح الرّهط الذين كانوا يرصُدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا الدّار، وقام علىّ عليه السّلام عن فراشه ، فلما دنوْا منه عرفوه ، فقالوا له : أين صاحُبُك ؟ قال : لا أدرِى ، أو رَقيبًا كنت عليه ! أمرتموه بالخروج فخرج ؛ فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد ، فحبسوه ساعة ثم تركوه ، ونجّى الله رسولَه من مكرهم وأنزل عليه فى ذلك: ﴿وَإِذْ يُمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. (١) سورة الأنفال ٣٠. (٢) سورة الطور ٣٠، ٣١. قال ابن هشام المنون: الموت. وريب المنون: ما يريب ويعرض منها ؛ قال أبو ذؤيب الهذلى : أمِنَ المنُون وریبها تتوجّع والخبر: فى ابن هشام ١ : ٢٩٢ والدّهرُ ليسَ بمعتبٍ من يَجْزِعُ (٣) ح: ((يمثنى مسرعاً)). ٣٧٥ قال أبو جعفر: وأذنَ اللّه عزّ وجلّ لرسوله صلى الله عليه وسلم عندَ ذلك بالهجرة ، فحدّثنا علىّ بن نصر الجهضمىّ ، قال : حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، وحدّثنا عبد الوارث بن عبدالصّمد بن عبد الوارث، قال : حدّثنا أبى ، قال : حدثنا أبان العطّار، قال: حدّثنا هشام بن عُرْوة ، عن عُرْوة، قال: لَمّا خرج أصحابُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة، وقَبْل(١) ١٢٣٥/١ أن يخرج - يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقبل أن تنزل هذه الآية التى أمِرُوا فيها بالقتال، استأذنه أبو بكر ؛ ولم يكن أمرَه بالخروج مَعَ مَنْ خرج من أصحابه ، حبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له : أنظرْنى ، فإنى لا أدرى ؛ لعلّى يُؤذن لى بالخروج. وكان أبو بكر قد اشتری راحلتين يعدّهما للخروج مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ؛ فلما استنظره رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بالذى يرجو من ربه أن يأذن له بالخروج ، حبسهما وعَلَفهما، انتظارً صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أسمنهما ، فلما حبس عليه خروج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، قال أبو بكر : أتطمع أن يؤذن لك ؟ قال: نعم ؛ فانتظره فمكث بذلك(٢). فأخبرتنى عائشة ، أنهم بينا هم ظُهْرًا فى بيتهم ، وليس عند أبى بكر إلاّ ابنتاه: عائشة وأسماء ؛ إذا هم برسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قام قائم الظّهيرة - وكان لا يخطئه يومًا أن يأتيى بيت أبى بكر أوّل النهار وآخره - فلما رأى أبو بكر النبى صلى اللّه عليه وسلم جاء ظُهْرًا، قال له : ما جاء بك يا نبيَّ اللّه إلاّ أمرٌ حدث؟ فلمّا دخلَ عليهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم البيت ، قال لأبى بكر : أُخْرِجِ مَنْ عندك ، قال : ليس علينا عَيْن ، إنّما هما ابنتاى، قال: إنّ اللّه قد أذن لى بالخروج إلى المدينة ، فقال أبوبكر: يا رسولَ الله، الصّحابة، الصّحابة ! قال: الصحابة. قال أبو بكر: خذ إحدى الرّاحلتين- وهما الرّاحلتان اللتان كان يُعلِفهما أبو بكر، يُعِدّهما للخروج، إذا ١٢٣٦/١ (١) م: ((قبل)). (٢) ح: ((فمكثا كذلك)). ٣٧٦ أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم - فأعطاه إحدى الرّاحلتين، فقال: خذها يا رسول الله (١) فارتحِلْها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم. قد أخذتُها بالثمن، وكان عامر بن فُهَيَرة مُؤلّداً(٢) من مُوَلّدى الأزْدِ، كان للطُّفَيْل ابن عبد الله بن سَخْبَرَةَ (٣)، وهو أبو الحارث بن الطُّفيل، وكان أخا عائشة بنت أبى بكر وعبد الرحمن بن أبى بكر لأمّهما، فأسلم عامر بن فُهيرة ، وهو مملوك لهم، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان حَسَنَ الإسلام، فلمّا خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، كان لأبى بكر مَنِيحةٌ(٤) من غمٍ تروحُ على أهله ، فأرسل أبو بكر عامراً فى الغنم إلى ثوْر ، فكان عامر بن فهَيْرة يروح بتلك الغَنَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغار فى ثَوْر، وهو الغار الذى سمّاه اللّه فى القرآن ، فأرسل بظهرهما رجلاً من بنى عبد بن عدىّ، حليفًا لقريش من بنى سَهْم ، ثم آل العاص بن وائل ؛ وذلك العَدَوَىّ يومئذ مشركٌ، ولكنّهما استأجراه، وهو هاد بالطّريق. وفى الليالى(٥) التى مكثا (٦) بالغار كان (٧) يأتيهما عبدُ اللّه بن أبى بكر حين يمسى بكلّ خبر (٨) بمكّة ، ثم يصبح بمكّة ويريح عامر الغنم كلّ ليلة ، فيحلُبان، ثم يسرح بُكرَةً فيصبح(٩) فى رُعْيانِ النّاس، ولا يُفْطَن له ؛ حتى إذا هدأت عنهما الأصوات ، وأتاهما أنْ قد سُكِت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيريْهما(١٠)، فانطلقا وانطُلِقٍ معهما بعامر بن فُهَيْرةَ يخدمُهما ويعينهما، يُردفه أبو بكر ويُعقبه علَى رَحْله، ليس معهما أحدٌ إلاّ عامر بن فُهَيْرة، (١) ح: بأبي أنت يا رسول اللّه)). (٢) ح: ((مولوداً)). (٣) ضبطه صاحب التقريب بفتح فسكون . (٤) المنيحة: ذات اللبن. وفى الفائق: ((منحة)). (٥) ح: ((فى الليالى)). (٦) ح: ((مكتها)). (٧) م: ((وكان)). (٨) ح، ر : ((خير)). (٩) ح: ((فأصبح)). (١٠) ح، م: ((بيعيرهما). ٣٧٧ وأخو بنى عدىّ يهديهما الطّريق، فأجاز بهما فى أسفل مكة (١)، ثم مضى ١٢٣٧/١ بهما حتى حاذى بهما الساحل ، أسفلَ من عُسْفان ، ثم استجاز بهما حتى عارض الطّريق بعد ما جاوز قُدَيْداً، ثم سلك الخَرَّار (٢) ، ثم أجاز على ثَنَيَّة المَرَة(٣)، ثم أخذ على طريق يقال لها(٤) المدْلجة بين طريق عَمْق وطريق الرَّوْحاء، حتى توافَوْا(٥) طريق العَرْج، وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركُوبة ؛ حتى يطلع على بطن رِثم ، ثم جاء حتى قدم المدينة على بنى عمرو بن عوف قبل القائلة. فحُدّثت أنه لم يبقَ فيهم إلاّ يومين - وتزعم بنو عمرو بن عوف أنْ قد أقام فيهم أفضلَ من ذلك - فاقتاد راحلته فاتّبعَتْه حتى دخل فى دُور بنى النجّار، فأراهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِرْبداً كان بين ظهرئ دورهم . وقد حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمّد بن إسحاق ، قال: حدّثنى محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمىّ، قال : حدثنى عُروة بن الزّبير ، عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قالت : كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يخطئه أحدٌ طرفَى النهار أن يأتىَ بيت أبى بكر إمّا بُكْرةَ، وإمّا عشيّة ؛ حتى إذا كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله بالهجرة، وبالخروج من مكّة من بين ظهرانيْ قومه ، أتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، فى ساعة كان لا يأتى فيها . قالت : فلمّا رَآه أبو بكر قال: ما جاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ١٢٣٨/١ هذه السّاعة إلا لأمرٍ حدث. قالت : فلمّا دخل تأخّر أبو بكر عن سريره فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند أبى بكر إلاّ أنا وأختى (١) م: ((إلى أسفل مكة)) (٢) م: ((الحرار)). (٣) ثنية المرة، موضع ذكره ياقوت. وفى ح: ((المرأة)). (٤) ر: ((له))؛ والطريق تذ کر وتؤنث. (٥) ط: ((ثم يوافق))، وما أثبته من ح . ٣٧٨ أسماء بنت أبى بكر، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: أخْرِجْ عَنّى مَنْ عندك(١)، قال: يا نبيّ اللّه، إنّما هما ابنتاىَ، وما ذاك فداك أبى وأمى! قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أذن لى بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصُّحبة يا رسول الله، قال: الصّحبة. قالت: فوالله ما شعرتُ قَطَ قبل ذلك اليوم أنّ أحداً يبكى من الفرح؛ حتى رأيت أبا بكر يومئذٍ يبكى من الفرح. ثم قال : يا نبيّ اللّه، إنّ هاتيْنِ راحلتاىَ(٢)، كنت أعددتُهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقد- رجلاً من بنى الدِّيل بن بكر، وكانت أمّه امرأةً من بنى سَهْم بن عمرو ، وكان مشركاً - بدلهما على الطّريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا(٣) عنده يرعاهما (٤) لميعادهما، ولم يعلم - فيما بلغنى - بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحدٌ حين خرج إلاّ على بن أبى طالب وأبو بكر الصديق، وآل أبى بكر؛ فأمّا علىّ بن أبى طالب فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم - فيما بلغنى - أخبره بخروجه، وأمَرَه أن يتخلّف بعده بمكّة حتى يؤدّىَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للنّاس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم وليس بمكة أحدٌ عنده شىء يخشىَ عليه إلاّ وضعه عند رسول الله صلى الله عليه ١٢٣٩/١ وسلم، لِمَا يُعرف من صدقه وأمانته. فلمّا أجمعَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلّم للخروج أتى أبا بكر بن أبى قُحافة ، فخرجا من خَوْخَة لأبى بكر فى ظهر بيته ، ثم تعمدًا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة ، فدخلاه ، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبى بكر أنْ يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارَه ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخَبر ، وأمَر عامر بن فُهَيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يُريحها عليهما إذا أمسى بالغار . وكانت أسماءُ بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام(٥) إذا أمستْ بما يصلحهما، فأقام رسولُ الله (١) ح: ((عندى)). (٢) ح: ((راحلتان)). (٣) ح، م: ((فكانت)). (٤) م: ((يراعيهما)). (٥) ر: ((بالطعام)). ٣٧٩ صلى الله عليه وسلم فى الغار ثلاثًا ، ومعه أبو بكر ، وجعلت قريش حين فقدُوه مائة ناقة لمن يردّه عليهم ، فكان عبد اللّه بن أبى بكر يكون فى قريش ومعهم ، ويستمع ما يأتمرون به ، وما يقولون فى شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخَبر، وكان عامر بن فُهَيرة مولى أبى بكر يرعى فى رُعْيانِ أهلِ مكّة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر ، فاحتلبا وذبحا ، فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكّة اتّبع عامر بن فهيرة أثرَه بالغنم ، حتى يُعفِىَ عليه ؛ حتى إذا مضت الثلاث ، وسكن عنهما الناس ، أتاهما صاحبهما الذى استأجرا ببعيريهما، وأتتهما ١/ ١٢٤٠ أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما ، ونسيت أن تجعل لها عصاما(١) . فلما ارتحلا ذهبت لتعلّق السُّفرة(٢)، فإذا ليس فيها عِصامٌ فُحلّت نطاقها(٣)، فجعلَتْه لها عصَامًا، ثم عَلّقتها به - فكان يقال لأسماء بنت أبى بكر: ذات النّطاقين؛ لذلك- فلما قَرَّبَ أبو بكر الرّاحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَرّب له أفضلهما ، ثم قال له : اركب فداك أبى وأمى! فقال رسولُ الله صلى الله علیه وسلم : إنى لا أر کب بعیراً ليس لى ، قال : فهو لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى! قال: لاولكن ما الثمن الذى ابتعتها به ؟ قال: كذا وكذا ، قال: قد أخذتها بذلك ، قال : هى لك يا رسول الله، فركبا فانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة مولاهُ خَلْفَه يخدمُهما بالطريق (٤). حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدّثّنى محمّد بن إسحاق، قال : وحدّثت عن أسماء بنت أبى بكر، قالت : لما خرج رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفرٌ من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبى بكر ، فخرجتُ إليهم ، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر ؟ قلتُ: لا أدرِى واللّه أين أبى! قالت : فرفع أبو جهل بدّه - (١) العصام : ما تعلق به السفرة وغيرها . (٢) السفرة : طعام المسافر . (٣) قال ابن هشام: ((وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول: ذات النطاقين ؛ وتفسيره أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها أثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر». (٤) سيرة ابن هشام ٢ : ٢ - ٤ ٣٨٠ وكان فاحشًا خبيثًا .. فلطم خدّى لطمة طرح منها قُرْطِى. قالت: ثم انصرفوا ومكثنا ثلاث ليال ، لا ندرى أين توجه رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم؛ حتى أقبلَ رجل من الجِنّ ، من أسفل مكّة يغنّى بأبيات من الشّعر غناء العرب والنّاس يتبعونه؛ يسمعون صَوْتَه وما يرونه ، حتى خرج من أعلى مكة ، وهو يقول : رَفِيقَيْنِ حَلَا خَيْمَتَىْ أُمِّ مَعْبَدٍ (١) جَزَى اللهُ رَبُّ الناسِ خَيْرَ جَزَائِهِ فأفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدٍ ١٢٤١/١ هُمَا نَزَلاها بالُهُدَى وَأُغْتَدَوْا بِهِ ومَقْعَدُها لِلْمُؤْمِنِينَ بَمَرْصَدٍ لِيَهْنِ بِ كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِم قالت : فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ، وعامر بن فهيرة ، وعبد الله بن أرقد دليلهما(٢). قال أبو جعفر: حدّثنى أحمد بن المقدام العجلىّ ، قال : حدثنا هشام ابن محمّد بن السّائب الكلبىّ، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبى عبْس بن محمّد بن أبى عبس بن جبر ، عن أبيه ، قال : سمعتْ قريش قائلاً يقول فى الليل على أبى قُبَيْس : فإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ بَمَكَّةَ لا يَخْشَى خِلافَ الْمُخَالِفِ فلمّا أصبحوا قال أبوسفيان : مَنِ السَّعْدان ؟ سَعْدُ بكر، سَعْدُ تميم ، سعد هُذَيْ! فلمّا كان فى الليلة الثانية ، سمعوه يقول : ١٢٤٢/١ أَيَاسَعْدُ سَدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا ويا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَ جِيْنِ الْغَطَارِفِِ عَلَى اللهِ فِى الفِرْدَوْسِ مُنْيَةً عَارِفٍ أجيبا إلى دَاعِى الْهُدَى وَمْنَيَا جِنَانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ ذاتِ رَفَارِفٍ فَإِنَّ ثَوَابَ اللهِ لِلطَّالِ الْهُدَى (١) قال ابن هشام: أم معبد بنت كعب ، من خزاعة . (٢) الخبر فى سيرة ابن هشام ٢: ٤، ٥