النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كساء كان لابسه ، وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقيّة ، فمسح بها وجهه،
ثم دخل على كسرى ، فلما عاين كسرى ، خرّ له ساجداً ، فأره كسرى
بالانبعاث، فانبعث وكفّر بين يديه - وكان كسرى جالسًا على ثلاثة أنماط
[من](١) ديباج خُسْرَوانىّ منسوج بذهب، قدفرشت على بساط من إبريسم،
متكئًا على ثلاث وسائد منسوجة بذهب ، وكان بيده سَفَرْجلة صفراء شديدة
الاستدارة . فلما عاين أسفاذ جشنس، تربّع جالسًا ووضع السّفرجلة التى كانت ١٠٤٩/١
بيده على تُكتأته، فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدّة استدارتها وامْلساس
الوسادة التى كانت عليها ، بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة ،
ومن النّمط إلى البساط ، ولم تَلْبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض ،
ووقعت بعيداً متلطّخة بتراب ، فتناولها أسفاذ جشنس فمسحها بكمّه ، وذهب
ليضعها بين يدى كسرى ، فأشار إليه أن ينحدّيها عنه، وقال له : أعْزبها عنى،
فوضعها أسفاذ جشنس عند طرف البساط إلى الأرض ، ثم عاد فقام مقامه ،
وكفّر بيده، فنكس كسرى، ثم قال متمثلاً : الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة
فى الإقبال به، وإذا أقبل أعيت الحيلة فى الإدبار به، وهذان الأمران متداولان
على ذهاب الحيَل فيهما ، ثم قال لأسفاذ جشنس : إنّه قد كان من تدحرج
هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت ، وتلطُّخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار
لنا بما حمّلتَ من الرسالة ، وما أنتم عاملون به وعاقبته ، فإن السّفرجلة التى
تأويلها الخير، سقطت من عُدْو إلى سفل، ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت
إلى الأرض، ووقعت بعيداً متلطّخة بتراب؛ وذلك منها دليل فى حال الطِّرَة :
أنّ مجد الملوك قد صار عند السُّوَقُ؛ وأنّا قد سلِبنا الملك، وأنّه لا يلبث
فى أيدى عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة، فدونك فتكلّم بما
حمِّلت من رسالة ، وزُوِّدْتَ من الكلام .
فاندفع أسفاذ جشنس فى تبليغ الرسالة التى حمّله إياها شيرويه، ولم يغادر ١٠٥٠/١
منها كلمة ، ولم يزلها عن نَسّقها . فقال كسرى فى مرجوع تلك الرسالة : بلّغ
(١) من ت، ح. (٢) السوق: جمع السوقة، وهى من الناس من لم يكن ذا سلطان،
الذكر والأنثى فى ذلك سواء.

٢٢٢
عنَى شيرويه القصير العمر، أنه لا ينبغى لذى عقل أن يبثّ من أحد الصغير
من الذنب ، ولا اليسير من السيئة إلاّ بعد تحقق ذلك عنده ، وتيقنه إياه
منه، فضلاعن عظيم ما بثت ونشرت (١) وادّعيت منا، ونسبتها إليه من الذنوب
والجرائم؛ مع أنّ أولى الناس بالردّ عن ذى ذنب، وتوبيخ ذى جرمة (٢)، مَنْ.
قد ضبط نفسه عن الذنوب والجرائم ، ولو كنّا على ما أضفتنا إليه لم يكن ينبغى
أن تنشره وتؤنينا [ به](٣) أيها القصير العمر القليل العلم؛ فإن كنت جاهلا بما يلزمك
من العيوب ببثّك منّا ما بثت، ونسبتك إيانا إلى ما نسبت؛ فاستثبتْ عيوبك
واقتصر فى الزَّرْىِ علينا ، والعيب لنا على ما لا يزيدك بسوء مقالتك فيه إلاّ
اشتهاراً بالجهل ، ونقص الرأى . أيُّها العازب العقل ، العديم العلم ؛ فإنّه إن
كان لإجهادك نفسك فى شَهْرك إيانا من الذنوب بما يوجب علينا القتل حقيقة ،
وكان لك على ذلك برهان ؛ فقضاة أهل مِلّتك ينفُون ولد المستوجب للقتل من
أبيه، وينحُّونه عن مضامة الأخيار ومجالستهم، ومخالطتهم إلاّ فى أقلّ المواطن
١٠٥١/١ فضلا عن أن يملك ؛ مع أنه قد بلغ بحمد اللّه ونعمته من إصلاحنا أنفسنا ونيتنا
فيما بيننا وبين اللّه وبيننا وبين أهل ملّتنا وديننا، وبيننا وبينك وبين معشر أبنائنا
ما ليس لنا فى شىء من ذلك تقصير، ولا علينا فيه من أحد حُجّة ولا توبيخ؛
ونحن نشرح الحال فيما ألزمتَنا من الذنوب ، وألحقتَ بنا من الجرائم ؛ عن
غير التماس منّا لذلك نقصًا فيما أدليْنا به من حجة، أو أتينا عليه من بُرْهان؛
لتزداد علمًا بجهالتك وعزوب عقلك، وسوء صنيعك. أمّا ما ذكرتَ من أمر
أبينا هُرمز؛ فمن جوابنا فيه أنَّ الأشرار والبغاة كانوا أغْرَوْا هرمزبنا حتى اتهمنا
واحتمل غِمْراً (٤) وَوَغْراً ورأينا من ازْوراره عنّا، وسوء رأيه فينا، ما تخوّفنا
ناحيته ، فاعتزلْنا بابه لإشفاقنا منه ، ولحقنا بأذربيجان ، وقد استفاض ،
فانتهك من الملك ما انتهك . فلما انتهى إلينا خبرُ ما بلغ منه شخَصْنَا من
أذربيجان إلى بابه ، فهجم علينا المنافق بهرام فى جنود عظيمة من العصاة
(١) ت، ر: ((فسرت)).
(٢) ت، ح: ((جريمة)).
(٣) من ت ، ح .
(٤) الغمر، بالكسر : الغل والحقد .

٢٢٣
المستوحبة القتل ، مارقًا من الطاعة ، فأجلانا عن موضع المملكة فلحقنا ببلاد
الرّوم، فأقبلنا منها بالجنود والعُدّة ، وحاربناه فهرب منّا، وصار من أمره فى
بلاد الترك من الهلكة والبوار إلى ما قد اشتهر فى الناس ؛ حتى إذا صفا لنا الملك،
واستحكم لنا أمره ، ودفعنا بعون الله عن رعيّتنا البلاء والآفات التى كانوا أشفوْا
عليها، قلنا : إنّ من خير ما نحن بادئون به فى سياستنا، ومفتتحون به مُلْكنا
الانتقامَ لأبينا، والثأر به والقتل لكلّ من شرك فى دمه ؛ فإذا أحكمنا ما نوينا ١٠٥٢/١
من ذلك ، وبلغنا منه ما نريد تفرّغنا لغيره من تدبير الملك ، فقتلنا كلّ من
شرك فى دمه ، وسعى فيه ومالاً عليه .
وأمّا ما ذكرتَ من أمر أبنائنا، فمن جوابنا أنه ليس من ولد ولدناه ـ- ما خلا
من استأثر اللّه به منهم - إلاّ صحيحة أعضاء جسده؛ غير أنّا وكّلنا بالحراسة
لكم، وكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم إرادة كفّ ما نتخوّف من ضرركم
على البلاد والرعيّة . ثم كنا أقمنا من النفقات الواسعة فى كسوتكم ومراكبكم
وجميع ما تحتاجون إليه ما قد علمت ، وأمّا أنت خاصّة ، فمن قصّتك أن
المنجمين كانوا قضوا فى كتاب مولدك أنك مثرّب علينا ، أو يكون ذلك
بسببك؛ فلم نأمرْ بقتلك؛ ولكن ختمنا على كتاب قضيّةٍ مولدك ، ودفعناه إلى
شيرين صاحبتنا . ومع ثقتنا بتلك القضية وجدنا فرميشاملك الهند كتب إلينا فى
سنة ستّ وثلاثين من مُلْكنا ، وقد أوفدهم إلينا ، فكتب فى أمور شتى ،
وأهدى لنا ولكم - معشرً (١) أبنائنا - هدايا، وكتب إلى كلّ واحد منكم كتابًا،
وكانت هديّته لك - فاذكرها - فيلا، وسيفًا ، وبازيًا أبيض ، وديباجة
منسوجة بذهب ؛ فلما نظرنا فيما أهدى لكم ، وكتب إليكم وجدته قد وقَّع
على كتابه إليك بالهنديّة : اكتم ما فيه، فأمرنا أن يصرف إلى كلّ واحد منكم
ما بعث إليه من هدية أو كتاب، واحتيسنا كتابه (٢) إليك لحال التوقيع الذى ١٠٥٣/١
كان عليه ، ودعونا بكاتب هندىّ، وأمرنا بفضّ خاتم الكتاب وقراءته ، فكان
فيه : أبشر وقرّ عيناً ، وانعم بالاً ، فإنك متوّج ماه آذرروز ديبا ذرسنة
(١) ت، ل: ((معاشر)).
(٢) ت، ح: ((كتابك)).

٢٢٤
ثمان وثلاثين(١) من مُلْك كسرى، ومملّك على ملكه وبلاده؛ فوثقنا أنك لم تكن
لتملك إلاّ بهلْكنا وبوارنا ، فلم تنتقصك -بما استقرّعندنا من ذلك مما كنا أمرنا
بإجرائه عليك من الأرزاق والمعاون والصّلاتِ وغير ذلك - شيئًا؛ فضلاعن أمرنا
بقتلك .
وأمّا كتاب فرميشا فقد ختمنا عليه بخاتمنا ، واستودعناه شيرين صاحبتنا ؛
وهى فى الأحياء صحيحة العقل والبدن ؛ فإن أحببت أن تأخذَ منها قضية
مولدك ، وكتاب فرميشا إليك وتقرأهما لتُكسبك قراءتك إياهما ندامة
وثبوراً فافعل .
وأمّا ما ذكرت من حال من خُلِّد السّجن فمن جوابنا فيه أن الملوك الماضين من
لدن جَيُومَرْت إلى أن ملك بِشْتاسْب، كانوا يدبّرون ملكهم بالمعدّلة ؛ ولم
يزالوامن لدن بشتاسب إلى أن ملكنا يدبرونه بمعدلة، معها ورع الدين؛ فسل" إن
كنتَ عديم عقل وعلم وأدب حَمَلَةَ الدّين- وهم (٢) أوتاد هذه الملّة ـ- عن حال
من عصى الملوك وخالفهم ، ونكَث عهدهم ، والمستوجبين بذنوبهم القتل
فيخبروك أنّهم لا يستحقُّون أن يُرحموا ويعفى عنهم. واعلم مع ذلك أنا لم نأمر
بالحبس فى سجوننا، ولا من قد وجب عليه فى القضاء العدل أن يقتل أو تُسمَل(٣)
١٠٥٤/١ عينه، وتقطع يده ورجله وسائر أعضائه . وكثيراً ما كان الموكلون بهم وغيرهم
من وزرائنا يذكرون استيجابَ من استوجب منهم القتل، ويقولون : عاجلْهم
بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حِيّلاً يقتلونك بها، فكنّا لحبِّنا استبقاء النفوس
وكراهتنا سفك الدماء نتأنَّى بهم ، ونكلهم إلى اللّه ، ولا نقدم على عقوبتهم
بعد الحبس الذى اقتصرنا عليه ؛ إلاّ على منعهم أكل اللحم وشرب الشراب،
وشمّ الرياحين، ولم نَعْدُ فى ذلك ما فى سنن الملّة من الحوْل بين المستوجبين للقتل،
وبين التلذّذ والتنعّم بشىء مما منعناهم إياه، وكنّا أمرنا لهم من المطعم والمشرب
وسائر ما يقيمهم بالذى يُصلحهم فى اقتصاد ، ولم نأمر بالحوْل بينهم وبين
نسائهم والتوالد والتناسل فى حال حبسهم . وقد بلغنا أنك أجمعت على التخلية
(١) نص فارسى، ومعناه أنك متوج فى شهر آذر، فى يوم سعيد، فى سنة ثمان وثلاثين
(٣) ت، ح: ((وتسمل)).
(٢) . ر: ((فهم)).
من ملك كسرى .

٢٢٥
عن أولئك الدّعار المنافقين المستوجبين للقتل (١)، والأمر بهدم محبسهم، ومتى
تُخلِّ عنهم تأثم باللّه ربك، وتسىء إلى نفسك ، وتُخِلّ بدينك وما فيه من
الوصايا والسنن التى فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل، مع أنّ
أعداء الملوك لا يحبُّون الملك أبداً، والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة . وقد وعظ
الحكماء وقالوا: لا تؤخّرّنّ معاقبةَ المستوحى العقوبة؛ فإنّ فى تأخيرها مدفعة
للعدل ، ومضرّة على المملكة فى حال التدبير ؛ ولْن نالك بعضُ السرور إن
أنت خدّيت عن أولئك الدّعار المنافقين العصاة المستوجبين (١) للقتل لتجدن"
غيبّ ذلك فى تدبيرك ، ودخول أعظم المضرّة والبليّة على أهل الملّة.
١٠٥٥/١
وأمّا قولك: إنّا إنما كسبنا وجمعنا واد خرنا الأموال والأمتعة والبزور(٢) وغيرها
من بلاد مملكتنا بأعنف اجتباء، وأشدّ إلحاح على رعيّتنا، وأشدّ ظلم، لامن بلاد
العدوّ بالمجاهدة لهم والقهر، عن غلبة منَّا إياهم على ما فى أيديهم، فمن جوابنا فيه
أنّ من إصابة الجواب فى كلّ كلام يُتكلّم بجهل وعنجهية ترك الجواب فيه،
ولكن لم نَدَعْ - إذ صار ترك الجواب كالإقرار، وكانت حجّتنا فيما غشينا
أن نحتج به ، قويّة ، وعذرنا واضحًا - شرح ما سألتنا عنه من ذلك.
اعلم أيُّها الجاهل ؛ أنه إنما يقيم مُلْك الملوك بعد الله الأموال والجنود
وبخاصّة ملك فارس ، الذى قد اكتنفت بلاده أعداءٌ فاغرة أفواههم لالتقام
ما فی یدیه،ولیس یُقدَرُ على كفّهم عنها، وردعهم(٣) عمّا يريدون من اختلاس
ما يرومون اختلاسه منه ؛ إلا بالجنود الكثيفة ، والأسلحة والعدد الكثيرة ؛ ولا
سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير ممّا يحتاج إليه إلاّ بكثرة الأموال ووفورها،
ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلاّ
بالجدّ والتشمير فى اجتباء هذا الخراج . وما نحن ابتدعنا جمع الأموال ؛ بل
اقتدينا فى ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا ؛ فإنهم جمعوها كجمعنا إياها ،
(١) ر: ((المستوجى القتل))،. ل: ((المستوجبين القتل)).
(٢) البزور : الحبوب الصغار، أو البقول .
(٣) ح: ((وقدعهم)).

٢٢٦
وكثّروها ووفّروها لتكون ظهراً لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم ؛ وغير
ذلك ممّا لم يستغنوا عن جمعها له . فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان فى
١٠٥٦/١ خزائننا، المنافق بهرام فى عصابة مثله وفتّاك مستوجبين للقتل، فشذّبوها وبذّروها
وذهبوا بما ذهبوابه منها، ولم يتركوا فى بيوت أموالنا وخزائننا إلاّ أسلحة من أسلحتنا
لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها ، ولم يرغبوا فيها . فلما ارتجعنا بحمد الله
مُلْكَنَا ، واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعيّة بالطاعة ، ودفعنا عنهم
البوائق التى كانت حلّت بهم ، ووجَّهنا إلى نواحى بلادنا أصْبَهْبذين، وولّينا
دونهم على تلك النواحى فاذوسبانيْن (١)، واستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة
"ذُوِى صرامة ومضاء وَجَلَد، وقوّينا مَنْ ولّينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود،
أثخن هؤلاء الولاة مَنْ(٢) كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدّو. وبلغ
من غاراتهم عليهم، وقتلهم مَنْ قتلوا، وأسْهم مَنْ أسروا منهم ، من سنة
ثلاثَ عشرَة مِنْ مُلْكنا ، ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه فى
حرم بلاده إلاّ بخفير، أو خائفًا، أو بأمان مِنّا ، فضلا عن الإغارة على
شىء من بلادنا ، والتعاطى (٣) لشىء مما كرهنا، ووصل فى مدّة هذه السنين
إلى بيوت أموالنا وخزائننا مِمّاً غنمنا من بلاد العدوّ من الذهب والفضة وأنواع
الجوهر ، ومن النّحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكُراع والأسلحة
والسَّبْى والأسراء ما لم يَخْفَ عِظَمُ خطر ذلك وقدره على العامة ، فلمّا أمرنا
فى آخر سنة ثلاث عشرة من مُلْكنا بنقش سكك حديثة ، لنأمر فيستأنف
ضرب الورِق بها ، وُجد فى بيوت أموالنا - على ما رفع إلينا المحصون لما كان
فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال الأرزاق جنودنا من الورق-
مائتا ألف بَدْرة، فيها ثمانمائة ألف ألف مثقال. فلما رأينا أنا قدحَصّنًا ثغورنا،
وردعنا العدوّ عنها وعن رعيتنا، [وجمعنا مشتّت أمرنا](٤)، وكَعَمنا أفواههم
الفاغرة كانت لالتقام ما فى أيديهم ، وبسطنا فيهم الأمن، وأمّنًّا على نواحى
١٠٥٧/١
(١) ح: ((قاووسانين))، ر: ((فاروسانين))، ل: ((قاوسانين)).
(٢) كذا فى ح، وفى ط: ((ما)).
(٣) ل: ((أو التعاطى)).
(٤) تكملة من ح .

٢٢٧
بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار، أمرنا باجتباء بقايا السّنين ،
وما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب وفضّة ، ومن خزائننا من جوهر أو نحاس،
وردّ ذلك كلّه إلى موضعه ؛ حتى إذا كان فى آخر سنة ثلاثين من مُلْكنا
أمرنا بنقش سكك حديثة ، يضرب عليها الورق ، فوجد فى بيوت أموالنا سوى
ما أمرنا بعزله من الأموال الأرزاق جندنا، والأموال التى أحصيت لنا قبل ذلك
من الورق أربعمائة ألف بَدْرة، يكون ما فيها ألف ألف ألف مثقال وستمائة ألف
ألف مثقال؛ وذلك سوى ما زادنا الله إلى تلك الأموال؛ ممّا أفاء الله بمنّه وطَوْله
علينا من أموال ملوك الروم ، فى سفن أقبلت بها إلينا الرّيح؛ فسمّيناها فَىْء
الرياح؛ ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمان وثلاثين من مُلْكنا،
التى هى هذه السنة تزداد كثرة ووفوراً، وبلادنا عمارة ، ورعيتنا أمنًا وطمأنينة،
وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة؛ وقد بلغنا أنك هممت - لرذولة (١) مروءتك .-
أن تبذّر هذه الأموال وتُتْوِيها(٢)، عن رأى الأشرار العتاة المستوجبين للقتل.
ونحن نعلمك أنّ هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلاّ بعد المخاطرة بالنفوس ؛
وبعد كدّ وعناء شديد، لندفع بها العدوّ المكتنفين لبلاد هذه المملكة، ١٠٥٨/١
المثقلّبين إلى غلبتهم على ما فى أيديهم . وإنما يُقْدَر على كفّ أولئك العدوّ
فى الأزمان والدهور كلّها ، بعد عون اللّه بالأموال والجنود ، ولن تقوَى الجنودُ
إلاّ بالأموال، ولا يُنتفع بالأموال إلاّ على كثرتها ووفورها؛ فلا تهمّنّ بتفرقة
هذه الأموال، ولا تجسُرَنّ عليها ؛ فإنها كهف لملكك وبلادك، وقوة لك
على عدوك .
ثم انصرف إسفاذ جشنس إلى شيرويه فقصّ عليه ما قال له كسرى ،
ولم يُسقِطِ منه حرفًا ؛ وإنّ عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه : إنه لا يستقيم
أن يكون لنا مليكان، فإمّا أن تأمر بقتل كسرى، ونحن خَوَلُك ، المانحوك
الطاعة، وإمّا أن نخلعك ونعطيه الطاعة . فهدّت شيرويه هذه المقالة وکسرته،
وأمر بقتل كسرى ، فانتدَب لقتله رجال كان وترهم كسرى ، فكلّما أتاه
(١) الرذل : الدون فى المنظر والحال ؛ ويقال: رذل فلان رذالة ورذولة .
(٢) تتويها : تذهبها .

٢٢٨
الرجل منهم شتمه كسرى وزَبَرَه . فلم يُقدم على قتله أحد؛ حتى أتاه شابٌ
يقال له مِهِْهُرْمُز بن مَرْدانْشاه ليقتله، وكان مردا نشاه فاذوسبانا لكسرى
على ناحية نيمروذ، وكان من أطوع الناس لكسرى وأنصحهم له ، وإنّ كسرى
سأل قبل أن يخلع بنحو من سنتين منجِّميه وعَافَته عن عاقبة أمره، وأخبروه
أن منيّته آتية (١) من قِبَل نيمروذ . فاتّهم مردانشاه ، وتخوّف ناحيته
١٠٥٩/١ لعظم قدره، وأنّه لم يكن فى تلك الناحية مَنْ يعد له فى القوة والقدرة.
فكتب إليه أن يعجّل القدوم عليه ؛ حتى إذا قدم عليه أجال الرأى فى
طلب عِلّة يقتله بها ، فلم يجد عليه عثرة ، وتذّم من قتله لمّا علم من طاعته
إيّاه ، ونصيحته له ، وتحرّيه مرضاته . فرأى أن يستبقيَه ، ويأمر بقطع
يمينه ، ويعوّضه منها أموالاً عظيمة يجود له بها، فبغى عليه من العلل ما قطع
يمينه ؛ وإنما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق فى رحبة الملك .
وإنّ كسرى أرسل يومَ أمر بقطع يده عيناً ليأتيه بخبر ما يسمع من
مردانشاه وممّن بحضرته (٢) من النظّارة، وإنّ مردانشاء لما قطعت يمينه قبض
عليها بشماله، فقبّلها ووضعها فى حجره ، وجعل یندبها بدمع له دار ويقول:
واسمحتاه! واراميتَاهْ! واكاتبتاهْ! واضاربتاهْ! والاعبتاهْ! واكريمتاهْ!
فانصرف إلى كسرى الرجل الذى كان وجهه عيناً عليه ، فأخبره بما رأى
وسمع منه ، فرقّ له كسرى ؛ وندم على إتيانه فى أمره ما أتى ، فأرسل إليه مع
رجل من العظماء يُعْلِمه ندامته على ما كان منه ؛ وأنه لن يسأله شيئًا يجد
السبيل إلى بذله له إلاّ أجابه إليه ، وأسعفه به .
فأرسل إلى كسرى مع ذلك الرسول يدعو له ، ويقول : إنّ لم أزلْ أعرف
تفضّلَك علىّ أيها الملك، وأشكره لك، وقد تيقّنت أن الذى أُتيتَ إلىّ مع
كراهتك إيّاه؛ إنّما كان سببه القضاء؛ ولكنَّ سائلك أمراً فأعطنى من الأيمان
على إسعافك إيّاى به ما أطمئنّ إليه، وليأتِنِى بيقينٍ حَلِفك عَلَى ذلك رجل
من النسّاك ، فأفرِشك إيّاه وأبثّه لك.
(١) ح، ل: ((تأتیه))
(٢) ل: ((يحضره)).

٢٢٩
فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة ، فسارع إلى ما سأله
مرد انشاه، وحلف بالأيمان المغلظة ليجيبنّه إلى ما هو سائله؛ ما لم تكن مسألته ١٠٦٠/١
أمراً يُوهِن ملكه . وأرسل إليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين ؛ فأرسل إليه
مردانشاه يسأله أن يأمر بضرب عنقه ليمتحىَ بذلك العار الذى لزمه ، فأمر
كسرى فضربت عنقه كراهة منه للحنْث ، زعم
وإنّ کسریسأل مهر هرمز بنمردانشاه، حین دخل علیه عن اسمه ، وعن
اسم أبيه ومرتبته . فأخبره أنه مِهْر هرمز بن مردانشاه؛ فاذوسبان نيمروذ، فقال
كسرى : أنتَ ابن رجل شريف كثير الغناء ؛ قد كافأناه على طاعته إِیّانا ،
ونصيحته لنا، وغنائه عنًّا بغير ما كان يستحقّه، فشأنك وما أمرت به . فضرب
مهر هرمز على حَبْل عاتقه بطبرزين كان بيده ضربات فلم يُحِكْ فيه ،
ففُتِّش كسرى فوجد قد شدّفى عضده خَرزة لا يحيكُ السيف فى كلّ من
تعلّقها . فنزعت من عَضُده، ثم ضربه بعد ذلك مهرهرمز ضربة فهلك منها.
وبلغ شيرويه فخرّق جيبه وبكى منتخبًا ، وأمر بحمل جثّته إلى الناووس
فحمِلت، وشيَّعها العظماء وأفنّاء الناس .
وأمر فقتل قاتل كسرى ، وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة ؛ وكان قتله
ماه آذر روزماه . وقتل شيرويه سبعة عشر أخاً له ذوى أدب وشجاعة ومروءة،
بمشورة وزيره فيروز ، وتحريض ابن ليزدين - والى عشور الآفاق کان لکسری،
يقال له شمطا - إياه على قتلهم، فابتلىَ بالأسقام ولم يلتذّ بشىء من لذّات ١/ ١٠٦١
الدنيا ، وكان هلاكه بدَسْكَرَة المَلك ، وكان مشئومًا على آل ساسان؛
فلما قتل إخوته جَزِّع جزءًا شديداً . ويقال : إنه لما كان اليوم الثانى من
اليوم الذى قتلهم فيه، دخلت عليه بوران وآزرْ ميدختْ أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له،
وقالتا: حَمَلَك الحرصُ على مُلْك لا يتمّ ، على قتل أبيك وجميع إخوتك،
وارتكبت المحارم ! فلما سمع ذلك منهما بكى بكاء شديداً ، ورمى بالتَّاج
عن رأسه ، ولم يزل أيامه كلّها مهمومًا مُدْنفًا. ويقال: إنه أباد مَنْ قدر
عليه من أهل بيته ؛ وإنّ الطاعون فشا فى أيامه حتى هلك الفرس إلاّ قليلا
منهم . وكان ملكه ثمانية أشهر .

٢٣٠
[ ذكر ملك أردشير بن شيرويه ]
ثم ملك أردشير بن شيرويه بن أبَرْويز بن هرمز بن أنوشَرْوان، وكان طفلاً
صغيراً- قيل: إنه كان ابن سبع سنين لأنه لم يكن فى أهل بيت المملكة محتنِك" .-
فملكته عظماء فارس ، وحضنه رجل يقال له مها ذرْجُشنس ؛ وكانت مرتبته
رياسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة المُلْك، فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحسّ"
معه بحداثة سنّ أردشير. وكان شَهْر براز بثغر الروم فى جُنْدٍ ضمّهم إليه
کسری ، وسماهم السعداء ، وکان کسری وشیرویه لا یزالان يكتبان إليه فى
الأمر يهمّهما، فيستشيرانه فيه؛ فلمّا لم يشاوره عظماء فارس فى تمليك أردشير،
١٠٦٢/١ اتّخذ ذلك ذريعة إلى التعتّب والتبغّى عليهم، وبسط يده فى القتل، وجعله
سببًا للطمع فى الملك ، والاعتلاء عند ذلك من ضعة العبودية(١) إلى رفعة الملك،
واحتقر أردشير لحداثة سنّه واستطال عليهم ، وأجمع على دعاء الناس إلى
التشاور فى الملك . ثم أقبل بجنده وقدعمد مهآذر جشنس ؛ فحصّن سور مدينة
طيسبون وأبوابها، وحوّل أردشير، ومن بقى من نسل الملك ونسائهم، وما كان فى
بيت مال أردشير من ماله وخزائنه وكُراعه إلى مدينة طَيسبون . وكان الذين
أقبل فيهم من الجند شهر براز ستة آلاف رجل من جند فارس بثغر الروم ،
فأناخ إلى جانب مدينة طيسبون، وحاصر مَنْ فيها وقاتلهم عنها ، ونصب
المجانيق عليها فلم يصل إليها . فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قِبَل
المكيدة ، فلم یزل یخدع رجلاً يقال له نیو خُسروا ، وکان رئیس حرس
أردشير ونامدار جُشْنَس بن آذرجشنس ؛ أصبهبذ نيمروذ ؛ حتى فتحا له
باب المدينة فدخلها، فأخذ جماعة من الرؤساء فقتلهم ، واستصفى أموالتهم ،
وفضح نساءهم . وقتّل ناس بأمر شهر براز أردشير بن شيرويه ؛ سنة اثنتين ماه
بهمن ، ليلة روزآبان فى إيوان خُسْرَوْشاه قباذ.
وكان ملكه سنة وستة أشهر .
*
(١) كذا فى ح، ل، وفى ط: ((العبودة)).

٢٣١
[ ذكر مُلْك شهر براز ]
ثم مَلَك شَهْرَ براز؛ وهو فَرّخان ماه إسفنْديار، ولم يكن من أهل بيت المملكة،
ودعا نفسه ملكاً. وإنّه حين جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من ١ /١٠٦٣
شدّة ذلك عليه أنّه لم يقدر على إتيان الخلاء، فدعا بطست فوضع أمام ذلك السرير
فتبرّزفيه . وإنّ رجلا من أهل إصْطَخْرِ ، يقال له فسفرّوخ بن ما خُرشيذان
وأخوين له، امتعضوا من قتل شهربراز أردشير وغَلَبته على الملك، وأنِفوا من
ذلك ، وتحالفوا وتعاقدوا على قتله، وكانوا جميعًا فى حَرَس الملوك، وكان
من السنّة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطيْن، عليهم الدروع والبيض
والشّرَسة والسيوف، وبأيديهم الرماح؛ فإذا حاذى بهم الملك وضع كلّ رجل
منهم نُرْسِه على قَرَبوس سرجه، ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود . وإنّ
شهر براز ركب بعد أن ملك بأيام فوقف فسفرُّوخ وأخواه؛ قريبًا بعضهم من
بعض؛ فلما حاذى بهم شهر براز طعنه فسفرُّوخ، ثمّ طعنه أخواه، وكان ذلك
إسفندارمَذْماه، وروزدى بدين(١)، فسقط عن دابته ميِّئًا، فشدُّوا فى رجله
حبلاً وجرّوه إقبالا وإدباراً ، وساعدهم على قتله رجل من العظماء يقال له
زاذان فرّوخ بن شهر داران ، ورجل يقال له ماهياى ، كان مؤدّب الأساورة ،
وكثير من العظماء وأهل البيوتات ، وعاونوهم على قتل رجال فَتَكُوا بأردشير بن
شيرويه، وقتلوا رجالاً من العظماء . وإنّهم ملكوا بوران بنت كسرى .
وكان جميع ما ملك شهر براز أربعين يومًا .
#
#
[ ذكر ملك بوران بنت كسرى أبرويز ]
ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان، فذكر أنها ١٠٦٤/١
قالت يوم ملكت: البرَّ أنوى وبالعدل آمر؛ وصيّرت مرتبة شهر براز لفسفروخ،
وقدّدته وزارتها ، وأحسنت السّيرة فى رعيّتها ، وبسطت العدل فيهم ، وأمرت
بضرب الورق ورمّ القناطر والجسور ، ووضعت بقايا بتقيت من الخراج على
الناس عنهم ، وكتبت إلى الناس عامّة كتبًا أعلمتهم ما هى عليه من الإحسان
(١) نص فارسى قديم، ومعناه أن ذلك كان فى شهر إسفندارمذ، وكان فى يوم شتاء.

٢٣٢
إليهم ، وذكرت حَالَ مَنْ هلك من أهل بيت المملكة ؛ وأنها ترجو أن
يريتهم اللّه من الرّفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال
تُدَوّخ البلاد ، ولا ببأسيهم تستباح العساكر ، ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ
النوائر؛ ولكن كلّ ذلك يكون باللّه عزّ وجلّ، وأمرتهم بالطاعة وحضّتهم على
المناصحة، وكانت كتبها جمَّاعة لكلّ ما يحتاج إليه؛ وإنها ردت خشبة الصليب
على ملك الروم مع جائليق يقال له إيشوعهَب .
وكان ملكها سنة وأربعة أشهر .
[ ذكر ملك جشنسده ]
ثم ملك بعدها رجل يقال له: جُشْنَسْدِه، من بنى عمّ أَبَرْويز الأبعدين.
وكان ملكه أقلّ من شهر .
[ ذكر ملك آزرميدخت بنت كسرى أبرويز]
ثم ملكت آزَرْمِيدُخت بنت كسرى أبَرْويز بن هرمز بن كسرى
أنو شروان؛ ويقال إنها كانت من أجْمَل نسائهم، وإنها قالت حين ملكت:
منهاجُنَامنهاج أبينا كسرى المنصور، فإن خالفنا أحد هرقنا دمه . ويقال: إنه
كان عظيم فارس يومئذ فرُّخْهُرْمُزْ إصبهبذ خراسان، فأرسل إليها يسألها أن تزوّجه
نفسها، فأرسلت إليه : إن التّزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن دهرك
فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك وشهوتك منِّ، فصرْ إلى ليلة كذا وكذا . ففعل
فرّخهر مزوركب إليها فى تلك الليلة، وتقدمت آزرميدخت إلى صاحب حرسها أن
يترصّده فى الليلة التى تواعدا الالتقاءفيها حتى يقتله. فنفذ صاحبُ حرسها لأمرها،
وأمرت به فجرّ برجله، وطُرِح فى رحبة دار المملكة ، فلمّا أصبحوا وجدوا
فرّخهرمز قتيلاً، فأمرت بحثّته فغيِّبت، وعلمٍ أنه لم يقتَّل إلا لعظيمة . وكان
رستَم بن فرّخهرمز صاحب يَزْدَ جِرْد الذى وجّه بعد لقتال العرب خليفة
أبيه بخراسان ، فلما بلغه الخبر أقبل فى جند عظيم حتى نزل المدائن، وسَمَل
١٠٦٥/١

٢٣٣
عينىْ آزَرمِيدخت ، وقتلها . وقال بعضهم : بل سُمّت .
وكان ملكها ستة أشهر .
[كسرى بن مهراجشنس ]
ثم أتى برجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له :
كسرى بن مِهْرِ جُشْنَس ، فملكه العظماء ، ولبس التاج ، وجلس على سرير
الملك، وقتل بعد أن ملك بأيام .
#
[ ذكر ملك خرّزًا خسروا ]
وقيل إن الذى ملك بعد آزَرْ مِيدخت خُرَّزاذ خُسْروا من ولد أبَرْويز.
وقيل : إنه وُجد بحصن يعرف بالحجارة بالقرب من نَصِيبين ، فلما صار إلى ١٠٦٦/١
المدائن مكث أيامًا يسيرة ، ثم استعصوا عليه وخالفوه .
٠ ٠
[ ذكر ملك فيروز بن مهراجشنس ]
وقال الذين قالوا: ملك بعدآ زرميدخت كسرى بن مهراجشنس: لمّا قُتِل
کسریبن مهرا جشنس، طلب عظماء فارس من يملكونه من أهل بيت المملكة،
فطلبوا من له عنصر من أهل ذلك البيت ولو من قبَل النساء ، فأتوا برجل كان
يسكن مَيْسان، يقال له فيروزبن مِهْرَانْجُشْنس، ويسمى أيضًا جُشْتَسْده
قد ولدته صهار بُخت بنت يزدانْدار بن كسرى أنوشروان ، فملكوه كرهاً .
وكان رجلاً ضَخْ الرأس ، فلما توِّج قال : ما أضيق هذا التاج !
فتطيّر العظماء من افتتاحه كلامه بالضّيق ؛ وقتلوه بعد أن ملك أيامًاً .
ومن الناس من يقول : قتل ساعة تكلّم بما تكلّم به .

٢٣٤
[ ذكر ملك فرّخزاذ خسروا ]
وقال قائل هذا القول: ثمّ شخص رجل من العظماء يقال له زاذى ولمرتبته
رئيس الخَوّل إلى موضع فى ناحية المغرب قريب من نصيبين، يقال له: حصن
الحجارة ، فأقبل بابن لكسرى كان نجا إلى ذلك القصر حين قتَل شيرويه
بنى كسرى يقال له : فرُّخْزاذ خُسْروا إلى مدينة طيسبون، فانقاد له الناس
زمنًاً يسيراً ، ثم استعصوا عليه وخالفوه، فقال بعضهم : قتلوه .
وكان ملكه ستة أشهر .
[ ذكر ملك یزدجرد بن شهريار ]
١٠٦٧/١
وقال بعضهم كان أهل إصطخر ظفروا بيَزْدَ جِرْد بن شهريار بن
كسرى بإصطخر ، قد هُرِب به إليها حيث قتل شيرويه إخوته ، فلما بلغ
عظماء أهل إصْطَخر أنّ مَنْ بالمدائن خالفوا فرّخزاذ خسروا، أتوا بيَزْدَ جِرْد
بيت نار يدعى بيت نار أردشير، فتوّجوه هنالك، وملّكوه- وكان حَدَثًا -
ثم أقبلوا به إلى المدائن ، وقتلوا فرّخزاذ خسروا بحيل احتالوها لقتله بعد
أن ملك سنة .
وساغ الملْك لَيَزْدَ جِرِد؛ غير أنّ ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال
والجِلْ، وكانت العظماء والوزراء يدبِّرون ملكه لحداثة سنّه ، وكان أشدُّهم
نباهة فى وزرائه وأذكاهم رئيس الحوّل. وضعف أمر مملكة فارس، واجتراً عليه
أعداؤه من كلِّ وجْه؛ وتطرّفوا بلاده وأخربوا منها، وغزت العرب بلاده بعد أن
مضت سنتان من ملكه . وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه .
وكان عمره كلّه إلى أن قتل ثمانيًا وعشرين سنة.
وقد بقى من أخبار يَزْدَ جِرد هذا وولده أخبار سأذكرها إن شاء اللّه بعد فى
مواضعها من فتوح المسلمين وما فتحوا من بلاد العجم، وما آل إليه أمره وأمرولده .
فجميع ما مضى من السنين من لدن أهبط آدم إلى الأرض ، إلى وقت
هجرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - على ما يقوله أهل الكتاب من اليهود، وتزعم
أنه فى التوراة الصورة(١) مثبت من أعمار الأنبياء والملوك- أربعة آلاف سنة وستمائة
١/١٠٨٦٠
(١) الصورة، بدل من التوراة ؛ يريد النسخة المشهورة من التوراة .

٢٣٥
سنة واثنتان وأربعون سنة وأشهر. وأما على ما تقوله النصارى ممّا تزعم أنه فى توراة
اليونانية ؛ فإن ذلك خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر .
وأما جميع ذلك على قول المجوس من الفرس ؛ فإنه أربعة آلاف سنة ومائة سنة
واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يومًا ؛ على أنه داخل فى ذلك مدّة
ما بين وقت الهجرة ومقتل يَزْدَ جِرد، وذلك ثلاثون سنة وشهران وخمسة عشر
يومًا؛ وعلى أنّ حسابهم ذلك وابتداء تأريخهم من عهد جَيُومرت، وجَيُومرت
هو آدم أبو البشر؛ الذى إليه نسبة كلّ منتسب من الإنس، على ما قد بينت فى
کتابی هذا .
وأمّاً علماء الإسلام فقد ذكرت قبلُ ما قال فيه بعضهم ، وأذكر بعض
مَنْ لم يمض ذكره منهم الآن ؛ فإنهم قالوا : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ؛
والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون؛ والقرن مائة سنة ، وبين إبراهيم
وموسى بن عمران عشرة قرون ؛ والقرن مائة سنة .
ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابن بشّار، قال : حدّثنا أبو داود ، قال : حدّثنا همّام ، عن
قتادة ، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان بين آدم ونوح عشرة ١٠٦٩/١
قرون ، كلّهم على شريعة من الحق .
حدّثنى الحارث بن محمّد ، قال : حدّثنا محمد بن سعد ، قال : حدّثنا
محمد بن عمر بن واقد الأسلمىّ ، عن غير واحد من أهل العلم ، قالوا : كان
بين آدم ونوح عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون ،
والقرن مائة سنة ، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة .
وروى عن عبد الرحمن بن مهدّى ، عن أبى عَوانة ، عن عاصم الأحول،
عن أبى عثمان ، عن سلمان ، قال : الفترة بين محمّد وعيسى عليهما السلام
ستّمائة سنة .
وروى عن فُضَيل بن عبد الوهاب ، عن جعفر بن سليمان، عن عوف،

٢٣٦
قال : كان بين عيسى وموسى ستمائة سنة .
حدّثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَيَّة ، عن سعيد بن
أبى صدقة ، عن محمد بن سيرين ، قال : نبِّئْت أن كعبًا قال : إن قوله :
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾(١) ليس بهارون أخى موسى، قال : فقالت له عائشة :
كذبت ، قال: يا أمّ المؤمنين ؛ إن كان النبى صلى الله عليه وسلم قال فهو
أعلم وأخبر(٢)؛ وإلاّ فإنى أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتَّتْ (٣).
حدّثّنى الحارث، قال : حدّثنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا هشام ،
عن أبيه ، عن أبى صالح، عن ابن عباس ، قال : كان بين موسى بن عمران
وعيسى (٤) بن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فتْرة، وإنه أرسيل
١٠٧٠/١ بينهما ألف نبيّ من بنى إسرائيل، سوى مَنْ أرسل من غيرهم، وكان بين
ميلاد عيسى والنبيّ خمسمائة وتسع وستون سنة ، بعث فى أولها ثلاثة أنبياء ،
وهو قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنٍ فَكَذَّبُوهُمَا فَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾(٥)،
والذى عُزّزبه شمعون ، وكان من الحواريّين، وكانت الفترة التى لم يبعث الله
فيها رسولاً أربعمائة وأربعًا وثلاثين سنة ، وإن عيسى حين (٦) رفع كان
ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت نبوته ثلاثين شهراً، وإن الله رفعه
یجسده ، وإنه حىٌّ الآن .
حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، قال : حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم،
قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل، أنّه سمع وهبًا يقول: قد خلا من الدنيا
خمسة آلاف سنة وستمائة سنة .
حدّثنى إبراهيم بن سعيد الجوهرىّ، قال: حدثنا يحيى بن صالح، عن
الحسن بن أيوب الحضرمىّ، قال: حدثنا عبد الله بن بُسْر، قال: قال لى
رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ((لتدركنّ قرنًا))، فعاش مائة سنة.
...
(١) سورة مريم ٠.٢٨
(٢) ط: ((خير))، وما أثبته من التفسير.
(٣) الخبر فى التفسير ١٦: ٥٨، ٥٩ (بولاق).
(٥) سورة يس ١٤ .
(٤) ح: ((وبين عيسى)).
(٦) ح: ((حيث)).

٢٣٧
فهذا ما روى عن علماء الإسلام فى ذلك، وفى ذلك من قولهم تفاوت شديد ،
وذلك أن الواقدىّ ، حكى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت
عنه أنه رواه عنهم . وعلى ذلك من قوله، ينبغى أن يكون جميع سنِى الدنيا إلى
مولد نبينا صلّى الله عليه وسلّم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة ، وعلى قول ابن
عبّاس الذى رواه هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبى صالح، عنه؛ ينبغى أن يكون ١٠٧١/١
إلى مولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة .
وأمّا وهب بن منبه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل ، وأنّ ذلك
إلى زمنه خمسة آلاف سنة وستمائة سنة ، وجميع مدّة الدنيا عند وهب ستة
آلاف سنة ، وقد كان مضى عنده من ذلك إلى زمانه خمسة آلاف سنة
وستمائة سنة . وكانت وفاة وهب بن منبّه سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة ،
فكأنّ الباقى من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذى نحن فيه، مائتا سنة وخمس
عشرة سنة .
وهذا القول الذى قاله وهب بن منبه موافق لما رواه أبو صالح، عن ابن
عباس
وقال بعضهم : من وقت هبوط آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا
صلّى الله عليه وسلّم ستة آلاف سنة ومائة وثلاث عشرة سنة؛ وذلك أنّ
عنده من مَهْبِط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ، ألفى سنة ومائتى سنة وستًا
وخمسين سنة ، ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعاً
وسبعين سنة ، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببنى إسرائيل من مصر
خمسمائة سنة وخمسًا وستين سنة ، ومن خروج موسى ببنى إسرائيل من مصر
إلى بناء بيت المقدس- وذلك لأربع سنين من مُلْك سليمان بن داود- ستمائة سنة
وستًا وثلاثين سنة ، ومن بناء بيت المقدس إلى مُلْك الإسكندر سبعمائة سنة
وسبع عشرة سنة ، ومن ملك الإسكندر إلى مولد عيسى بن مريم عليه السلام
ثلثمائة سنة وتسعاً وستين سنة ، ومن مولد عيسى إلى مبعث محمّد صلّى الله عليه
وسلّم خمسمائة سنة وإحدى وخمسين سنة ، ومن مبعثه إلى هجرته من مكة
١٠٧٢/١

٢٣٨
إلى المدينة ثلاث عشرة سنة .
وقد حدث بعضهم عن هشام بن محمد الكلىّ؛ عن أبيه، عن أبى صالح،
عن ابن عبّاس، أنه قال : كان من آدم إلى نوح ألفا سنة ومائتا سنة ، ومن
نوح إلى إبراهيم ألف سنة ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة ، ومن إبراهيم إلى
موسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة ، ومن موسى إلى داود مائة سنة وتسع
وسبعون سنة ، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة ، ومن
عيسى إلى محمد ستّمائة سنة .
وحدّث الهيثم بن عدىّ عن بعض أهل الكتب أنه قال: من آدم إلى
الطُّوفان ألفا سنة ومائتا سنة وستّ وخمسون سنة ، ومن الطوفان إلى وفاة إبراهيم
ألف سنة وعشرون سنة ، ومن وفاة إبراهيم إلى دخول بنى إسرائيل مصر خمس
وسبعون سنة ، ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى منها أربعمائة سنة
وثلاثون سنة ، ومن خروج موسى من مصر إلى بناء بيت المقدس خمسمائة سنة
وخمسون سنة ، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك بختنصّر وخراب بيت المقدس
أربعمائة سنة وست وأربعون سنة ، ومن ملك بختنصّر إلى ملك الإسكندر
أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة ، ومن ملك الإسكندر إلى سنة ستُّ ومائتين
من الهجرة ألف سنة ومائتان وخمس وأربعون سنة .
ب

٢٣٩
١٠٧٣/١
ذكر نسب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم
وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده
اسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محمّد، وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب،
وكان عبد الله أبو رسول اللّه أصغرَ ولد أبيه، وكان عبد الله والزبير وعبد مناف
- وهو أبو طالب - بنو عبد المطّلب لأمّ واحدة، وأمّهم جميعًا فاطمة بنت
عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ؛ حدّثنا بذلك ابن حميد ، قال: حدثنا
سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق .
وحدّثت عن هشام بن محمّد، عن أبيه، أنه قال: عبد الله بن عبدالمطلب
أبو رسول اللّه، وأبو طالب - واسمه عبد مناف -والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة،
وبرّة، وأميمة، ولَدُ عبد المطلب إخوة؛ أمّ جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ
ابن عمران بن مخزوم بن يقظّة .
وكان عبد المطّلب - فيما حدّثنى يونس بن عبد الأعلى - قال : أخبرنا
ابن وهب ، قال : أخبرنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن قبيصة بن
ذؤيب ، أنه أخبره أن امرأة نَذَرت أن تنحر ابنها عند الكعبة فى أمر إن
فعلته ، ففعلت ذلك الأمر ، فقدمت المدينة لتستفىَ عن نَذْرها ، فجاءت
عبدَ اللّه بن عمر، فقال لها عبد اللّه بن عمر: لا أعلم اللّه أمَر فى النذر إلاّ
الوفاء به ، فقالت المرأة: أفأنحَرُ ابنى؟ قال ابن عمر : قد نهاكم الله أن
تقتلوا أنفسكم ؛ فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبدَ اللّه بن
عبّاس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر [والنذرديْن](١)، ونها كم أن تقتلوا
أنفسكم - وقد كان عبد المطلب بن هاشم نَذرَ إن توافى له عشرة رهط ، أن ١٠٧٤/١
ينحَر أحدهم ، فلما توافَى له عشرة، أقْرع بينهم. أيُّهم ينحر؟ فطارت القرعة
على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحبَّ الناس إلى عبد المطلب، فقال
عبد المطلب: اللهمّ هو أو مائة من الإبل ، ثم أقرع بينه وبين الإبل ، فطارت
(١) تكملة من ح .

٢٤٠
القُرعة على المائة من الإبل - فقال ابن عبّاس للمرأة: فأرى أن تنحرى مائة من
الإبل مكان ابنك . فبلغ الحديث مروان ، وهو أمير المدينة ، فقال : ما أرى
ابن عمرولا ابن عباس أصابا الفُتْيا؛ إنه لا نذر فى معصية الله ، استغفرى
الله وتوبى إلى الله، وتصدّقى واعملى ما استطعت من الخير؛ فأمّا أن تنحرى
ابنك فقد نهاك الله عن ذلك. فسُرّ الناس بذلك، وأعجبهم قولُ مروان،
ورأوا أنه قد أصاب الفتيا، فلم (١) يزالوا يفتون بألاّ نَذْرَ فى معصية الله.
٠ ٠
وأمّا ابن إسحاق، فإنه قصّ من أمر نذر عبد المطلب هذا قصّة؛ هى أشيع(٢)
مما فى هذا الخبر الذى ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب ؛ وذلك
ما حدّتْنا به ابن حُميد ، قال : حدّثنا سلمَة بن الفضل ، عن محمد بن
إسحاق ، قال : كان عبدُ المطلب بن هاشم - فيما يذكرون(٣) والله أعلم .-
قد نَذَر حين لقِىَ من قريش فى حفر زمزم ما لَقِىَ: لئن وُلد له عشرة نفر
ثم بلغوا معه حتّى يمنعوه؛ لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى له (٤) بنوه
عشرة ، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذْرِه الذى نذر ، ودعاهم
١٠٧٥/١ إلى الوفاء للّه بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كلّ رجل
منكم قِدْحا ، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتونى به. ففعلوا، ثم أتوْه، فدخل على هُبَل
فى جوف الكعبة ، وكانت هُبَل أعظمَ أصنام قريش بمكّة ، وكانت على
بئر فى جوف الكعبة ، وكانت تلك البئر هى التى يُجمع فيها ما يُهدى للكعبة ،
وكان عند هُبَل سبعةُ أقْدح (٥) ، كلّ قِدْح منها فيه كتاب : قِدْح
فيه العقل(٦)، إذا اختلفوا فى العَقْل مَنْ يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة،
[فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله](٧)، وقِدْح فيه: ((نعَمْ)) للأمر إذا أرادوه
(١) م: ((فما زالوا)).
(٢) كذا فى م، وفى ح: ((أبلغ)).
(٣) ابن هشام: ((يزعمون)).
(٤) ساقطة من ابن هشام .
(٥) ابن هشام: ((قداح سبعة))، والقدح، بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل ،
وجمعه قداح وأقدح .
(٦) العقل هنا : الدية
(٧) تكملة من سيرة ابن هشام .