النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
١٠٠١/١
هادَنَ قيْصَر فى الإتاوة التى أخذها منه على اسْتِصْلاح من فى بلده من أهْل
بلده ، واتّخاذ بيوت النيران هنالك. وإنّ قيْصر اشترط مثل ذلك فى النصارى؛
وليث بهرام فى الترك مكرَّمًا عند الملك، حتَّى احتال له أبَرْوِيز بتوجيه رجل
يقال له هُرْمز، وجَّهه إلى التّرْك بجوهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون
أمرأة الملك ولاَ طَفَتَها بذلك الجوهر وغيره، حتَّى دَسَّت لبهرام مَنْ قتله .
فيقال إنَّ خاقان اغَمَّ لقتْله وأرسل إلى كردية أختِهِ وأُمْرَأْتِهِ (١) يُعْلمها
بلوغ الحادث ببهرام منه ، ويسألهًا أن تُزوّج نفْسها نطرا أخاه ، وطلّق خاتون
بهذا السَّب، فيقال إن كردية أجابت خاقان جوابًا لينًا وصرفت نطرا ، وإنَّها
ضمَّت إليها من كان مع أخيها من المُقاتلة وخرجت بهم من بلاد التّرك إلى
حدود مَمْلكة فارس، وإنَّ نطرا التركى اتَّبّعها فى اثنى عشر ألف مقاتل ،
وإنَّ كردية قتلت نطرا بِيدِها ومضت لوجئْهِها ، وَكَتَبَتْ إلى أخيها كردى
فأخذ لها أمانًا من أبَرْويز. فلمَّا قدمت عليه تزوَّجَهَا أبَرْويز واغْتَبَط
بها وشكر لها ما كان من عتابها لبهرام ، وأقبل أبرْويزُ على بِرّمورِيق وإلطافه.
وإنَّ الرومِ خَلَعُوا - بعْد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة - موريقَ وقتلوه وأبادوا
وَرَثَتَهُ - خلا ابنٍ له هرب إلى كسرى- وملّكوا عليهم رجلاً يقال له قُوفا .
فلمَّا بلغ كِسْرى نكتُ الروم عهدَ موريق وقَتْلُهم إيَّاه، امتعض ١٠٠٢/١
من ذلك وأنِفَ منه ، وأخذته الحفيظة ، فآوى ابنَ موريق اللاَّجئ إليه ،
وتوّجَه وملَّكه على الروم ، ووجَّه معه ثلاثة نفر من قُوَّاده فى جنود كثيفة .
أمَّا أحدهم فكان يقال له رُميوزان(٢)، وجَّهه إلى بلاد الشام فدوَّخها حتى
انتهى إلى أرض فِلَسْطين ، وورد مدينة بيْت المقدس فأخذ أسْقُفَّها ومن
كان فيها من القِسِّيسين وسائر النصارى بخشبة الصَّليب، وكانت وُضعت فى
تابوت من ذهب، وطُصِر في بُسْتان وزُرِعَ فَوْقُه مبقلة، وألحَّ عليهم حتى داُّوه
على موضعها ، فاحتفر عنها بيده واستخرجها ، وبعث بها إلى كِسْرى فى أربع
وعشرین من ملكه .
(١) ط: ((مرءته))، وما أثبته من ت، ح.
(٢) ت، ح: ((دميران)).
٢٠م

١٨٢
وأمَّا القائدُ الآخر- وكان يقال له شاهين، وكان فاذوسبان المغرب- فإنّه
سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلادٍ نُوبة ، وبعث إلى كِسْرى
بمفاتيح مدينة إسكندريّة فى سنة ثمان وعشرين من ملكه . وأما القائد الثالث
فكان يقال له فَرُّهان ، وتدعى مرتبته شَهْر براز . وإنَّه قصد القُسْطِنْطِينِيَّة
حتى أناخ على ضَفَّة الخليج القريب منها ، وخيَّم هنالك ، فأمره كِسْرى
فخرَّب بلاد الرّوم غضبًا ممَّا انتهكوا من موربق ، وانتقامًا له منهم ، ولم
يخضع لابن موريق من الرّوم أحد ولم يمنحه الطاعة ، غير أنَّهم قتلوا قوفا
الملكَ الذى كانوا ملكوه عليهم لِمَا ظَهَرَ لهم من فجوره وجرأته على اللّه وسوء
١٠٠٣/١ تدبيره، وملَّكوا عليهم رجلاً يقال له هِرَقْل .
فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلادُ الروم من تخريب جنود فارس إيَّاها
وقَتْلِها مُقَاتِلتهم وسبيهم ذرارِيّهم واسْتِباحَتِهم أموالهم وانْتِهاكِهم
ما بحضْرتهم، بكى إلى الله وتضرَّع إليه وسأله أن يُنْقِذه وأهل مملكته من جنود
فارس، فرأى فى منامه رجلاً ضاخْمَ الجثّة رفيعَ المجلس، عليه بِزّة ، قائمًا فى
ناحية عنه ، فدخل عليهما داخل ، فألفى ذلك الرَّجل عن مجلسه ، وقال
لهرقل(١): إنى قدْ أسلمته(٢) فى يدك. فلم يقصُصْ رؤياه تلكَ فى يقظته
على أحد، ورأى الليلة الثانية فى منامه أن الرَّجل الذى رآه فى حلمهجالس فى مجلس
رفيع، وأنَّ الرَّجل الدَّاخلَ عليهما أتاهُ وبِيَدِه سلْسلة طويلة ، فألقاها
فى عُنُقَ صاحب المجلس وأمكنه منْه ، وقال له : هأنذا قد دفعتُ إليك
كِسْرِى بِرُمَّه، فاغْزُهُ فإنَّ الظفرلك، وإنَّك مدالٌ عليه ونائلٌ أَمْنيّتك
فى غَزَاتك . فلمَّا تتابعت عليه هذه الأحلام ، قصَّها على عظماء الروم وذوى
الرأى منهم .
فأخبروه أنَّه مدالٌ عليه، وأشاروا عليه أن يغزوَه، فاستعدّ هِرَقّل
واستخلف ابنًا له على مدينة قسطنطينِيَّة ، وأخذ غير الطريق الذى فيه
شَهْرَ براز، وسار حتَّى أوغل فى بلاد أرمينية، ونزل نصيبين بعد سنة ، وكان
(١) ح: ((لهم)).
(٢) ت، ح: ((سلمته)).
ر.

١٨٣
١٠٠٤/١
شاهين - فاذوسبانُ المغرب - بباب كِسْرى حين ورد هِرَقْل نصيبين
لموْجدة كانت من كسرى عليه ، وعزله إيَّاه عن ذلك الشَّغْر ، وكان شهر براز
مُرابطًا للموضع الذى كان فيه لتقدّم كسرى كان إليه فى الجثوم فيه ، وترك
البراح منه ، فبلغ كسْرَى خبرُ تساقط هِرَقْل فى جنوده إلى نَصيبين ، فوجَّه
لمحاربة هرقتل رجلاً من قُوَّاده يقال له : راهزار، فى اثنى عشر ألف مقاتل ،
وأمره أن يقيم بنينوَى من مدينة الموْصِل على شاطئ دجلة ، ويمنع الروم أن
يجوزوها - وكان كِسْرَى حين بلغه خبرُ هِرَقْل مقيمًا بدَسْكرة الملك -
فنفَذ راهزار لأمرْ كسرى ، وعسكر حيث أمره، فقطع هِرِقْل دِجْلة فى
موضع آخر إلى الناحية التى كان فيها جندٌ فارس، فأذْكى راهزار العيونَ
عليه ، فانْصَرَفُوا إليه وأخبروه (١) أنَّه فى سبعين ألف مقاتل، وأيْقنَ راهزار
أنَّه ومَنْ معه من الجنود عاجزُون عن مناهضةً سبعين ألف مقاتل ، فكتب
إلى كِسْرى غيرَ مرَّة دَهْم هرقْلٍ إِيَّاه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم ، لگثرتهم
وحسنِ عدّهم، كلُّ ذلك يجيبه كسرى فى كتابه ؛ أنَّه إن عجز عن أولئك الرُّوم
فلنْ يعجز عن اسْتِقْتَالهم وبذْل دمائهم فى طاعته . فلمّا تتابعت على راهزار
جواباتُ كُتُبِه إلى كِسْرَى بذلك ، عبَّى جندَه وناهض الرُّوم ، فقتلت
الرُّومِ راهزار وستَّة آلاف رجُل، وانهَزَم بَقِيَّتُهُم وهَرَبُوا على وجوههم ،
وبلغ كِسْرى قتلُ الرُّوم راهزار وما نَال هرقل من الظَّفْر، فهدّه ذلك وانحاز
من تَسْكَرة الملك إلى المدائن ، وتحصَّن فيها لعجزه كان عن محاربة هرقل .
وسَارِ هِرَقل حتَّى كان قريبًا من المدائن، فلمَّا تساقط إلى كِسْرى ٠٠٥/١
خبرُهُ واستعدَّ لقتاله ، انصرف إلى أرض الرُّوم وكتب كِسْرى إلى قُوَّاد
الجُنْد الذين انهزموا يأمرهم أن يدُلّه على كلّ رجل منهم ومن أصحابهم، ممّن
فشل فى تلك الحرب ولم يرابِطْ مركزه فيها، فيأمر أن يعاقب بقدر ما اسْتوجب،
فأخرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه ، وطلب الحِيَل لنجاة أنفسهم
منه ، وكتب إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله فى ذلك ، ويصفُ
ما كان من أمْر الرُّوم فى عمله .
(١) ت، ح: ((فأخبروه)).

١٨٤
وقد قيل: إنّ قول الله: ﴿الّمّ • غُلِبَتِ الرُّومُ. فِى أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ
مِنْ بَعْدٍ غَلَيْهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِى بِضْعِ سِنِينَ لِهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْيَشَاءُ وَهُوَ الْعِزِيزُ الرَّحِيمُ.
وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(١) .
إنَّما نزل فى أمر أبَرْوِيز ملك فارس وملك الرُّوم هِرَقل ، وما كان بينهما
ممَّا قد ذكرت من هذه الأخبار .
ذكر منْ قال ذلك :
حدّثنى القاسم بن الحسن ، قال : حدَّثَنى الحسين ، قال : حدّثنى
حجاج ، عن أبى بكر بن عبد الله ، عن عكرمة : أن الرّ وم وفارس اقتتلوا
فى أدنى الأرض. قال: وأدنى الأرض يومئذ (٢) أذْرِعات، بها التقوْا فهُزْمَت
الرُّوم، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابَه وهم بمكة؛ فشقَّ ذلك
١٠٠٦/١ عليهم - وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يكْرَهُ أن يظهر الأمِّيُّون من المجوس
على أهل الكتاب من الرّوم - وفرح الكفَّار بمكّة وشمتوا ، فلقوا أصحاب
النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا: إنَّكم أهل كتاب والنَّصارى أهل كتاب
ونحن أمِّيُّون ، وقد ظهر إخوانُنا من أهل فارس على إخوانكم من أهْل الكتاب،
وإنَّكم إن قاتلتمونا لنظهرَنَّ عليكم؛ فأنزل الله: ﴿الّم ◌ْ غُلِّبَتِ الرُّومُ﴾ - إلى -
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِهُمْ غَافِلُونَ﴾"، فخرج أبوبكر الصدّيق إلى الكفّار فقال:
أفرحتم بظهور إخْوانكم على إخْوَاننا ! فلا تفرحوا ولا يقرّنَّ اللّه أعيُنَكم،
فوالله ليظْهَرَنَّ الرُّوم على فارس، أخبرنا بذلك نبيّنا. فقام إليه أُبىّ بن خَلّف
الجمحيىّ ، فقال : كذبتَ يا أبا فَصِيل! فقال له أبو بكر : أنت أكذبُ
يا عدوَّ اللّه! فقال: أناحبك (٣)! عشرَ قلائص (٤) منَّى، وعشر قلائص منك،
(١) سورة الروم ١ - ٠٨
(٢) ط: ((يوم))، والصواب ما أثبته من التفسير.
(٣) المناحبة : المخاطرة والمراهنة.
(٤) القلائص : جمع قلوص ؛ وهى من الإبل الشابة أو الباقية على السير .

١٨٥
فإن ظهرت الروم على فارس غرِمتُ ، وإن ظهرت فارس غرِمتَ إلى ثلاث
سنين، ثم جاءَ أبو بكر إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلم، فأخبره ، فقال :
ما هكذا ذكرتُ، إنَّما البِضع ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، فزَايِدْه فى الخطَر (١)
ومادّه فى الأجل . فخرج أبو بكر فلقَ أبَيًّا فقال: لعلَّك ندمتَ ، قال :
لا ، تعال أزايِدْك فى الخطَر وأمادّك فى الأجل، فاجْعَلْها مائة قلوص
إلى تسعِ سنين ، قال : قد فعلْت(٢).
حدثنا القاسم ، قال : حدَّثّنا الحسين ، قال : حدّثنا حجَّاج، عن
أبى بكر، عن عِكْرمة ، قال : كانت فى فارس امرأة لا تَلِدُ إلاَّ الملوك
الأبطال، فدعاها كِسْرى، فقال: إنّ أريدُ أنْ أبْعَثَ إلى الرُّوم جيشاً.
وأستعميل عليهم رجلاً من بنيك، فأشيرى علىّ أنّهم أستعمل، قالت: ١٠٠٧/١
هذا فلانٌ وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقْر ؛ وهذا فَرُّخان وهو
أنفذُ من سنان، وهذا شَهْربراز وهو أحْلم من كذا ؛ فاستعملْ أيّهم
شئت ، قال : فإنىّ قد استعملت الحليم ، فاستعمل شَهْر بَراز، فسار إلى
الرُّوم بأهل فارس وظهر عليهم ، فقتَّلَهم وخِرَّب مدائِنهُم ، وقطع زيتوتهم .
قال أبو بكر : فَحَدَّثْت هذا الحديثَ عَطاء الخراسانىّ فقال : أما رأيت
بلاد الشام ؟ قلت : لا، قال : أما إنَّك لو أتيتَها لرأيتَ المدائنَ التى خُرّبت
والزَّيتون الذى قُطع ؛ فأتيتُ الشَّام بعد ذلكَ فرأيته(٢).
قال عطاءُ الخراسانىّ: حدَّثَنى يحيى بن يَعْمَرَ، أنَّ قَبْصَر بعث رجلا
يُدْعى قطمة بجيش من الرُّوم، وبعث كِسْرِى بشَهْر براز، فالتقيا بأذْرِعَات
وبُصرى- وهىٍ أَدْنَى الشَّأْم إليكم - فلقيت فارسُ الرومَ فغلبتھْم فارس ،
ففرح بذلك كُفَّار قريش وكرهه المُسْلِمُون، فأنْزَل الله: ﴿الم ، غُلِبَتِ الرُّومُ ... )
الآيات. ثم ذكر مثل حديث عِكْرمة، وزاد: فلم يبرح شَهْر براز يطؤهم
ويخرِّب مدائنهم حتَّى بلغ الخليج، ثمّ مات كسرى فبلغهم موتُه ، فانهزم
(١) الخطر ، بالتحريك: ما يتخاطر عليه ويتراهن به.
(٢) الخبر فى التفسير ٢٠: ١٣ (بولاق).
٠

١٨٦
شَهْر براز وأصحابُه، وأد يلت بهم الرُّوم عند ذلك فاتبعوهَم يُقَتِّلونهم .
قال : وقال عكرمة فى حديثه : لمّا ظهرت فارس على الرُّوم ، جلس
فرُّخان یشرب ، فقال لأصحابه : لقد رأيتُ كأنی جالس على سریر کسری؛
فبلغت كِسْرى ، فكتب إلى شَهْر بَراز : إذا أتاك كتابى فابعث إلىَّ برأس
فَرُّخان. فكتب إليه : أيّها الملك ، إنَّك لن تجد مثل فَرُّخان؛ إنّ له
١٠٠٨/١ نكايةً وصوْتًا فى العدوّ فلا تفعل. فكتب إليه: إنَّ فى رجال فارس خلفًا
منه ، فعجِّل علىّ برأسه . فراجعه ، فغضِب كِسْرى فلم يجِبْه، وبعث بريداً
إلى أهْل فارس : إنى قد نزعتُ عنكم شَهْر بَراز، واستعملتُ عليكم فَرُّخان.
ثمَّ دفع إلى البريد صحيفةً صغيرة، وقال: إذا ولىَ فَرُّخان الملْك وانقاد له
أخوه، فأعطِهِ هذه الصحيفةَ. فلمّاً قرأ شَهْربراز الكتاب ، قال : سمعًاً
وطاعةً ، ونزل عن سريره وجلس فَرُّخان، ودفع الصَّحيفةَ إليه فقال : ائتونى
بِشَهْر براز، فقدَّمه ليضرب عُنُقَه، فقال: لا تعجل حتَّى أكتب وصِيَّى،
قال: نعم، فدعا بالسَّفَط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال : كلّ هذا راجعتُ
فيكَ كِسْرِى ، وأنت أردتَ أن تقتلنى بكتاب واحد! فردَّ المُلْكَ إلى أخيه،
وكتب شَهْر براز إلى قيْصَر ملك الرُّوم : إنَّ لى إليك حاجةٌ لا تحملها
البُرُد ولا تبلّغها الصُّحف، فالقَنِى، ولا تلقى إلاَّ فى خمسين روميًّا، فإنى
ألقاك فى خمسين فارسيًّا ، فأقبل قيْصَرُ فى خمسمائة ألف رومىّ ، وجعل
يَضعُ العُيُون بين يدينه فى الطريق ، وخاف أن يكون قد مكر به ، حتَّى أتاه
عيُونُه ؛ أنَّه لَيْس معه إلا خمسون رجلا، ثم بُسِط لهما والتقيا فى قُبَّة ديباج
ضُربت لهما ، مع كلِّ واحد منهما سكِّين، فدَ عَوْا تُرْجَمَانًا بينهما، فقال
شَهْربراز: إن الذين خرَّبوامدائِنَك أنا وأخى بكيْدنا وشجاعتنا، وإنّ كِسْرى
حسدنا فأراد أنْ أقتلَ أخى ، فأبَيْتُ ، ثُمَّ أمر أخِىٍ أن يقتلنى ؛ فقد
١٠٠٩/١ خَلَعْناه جميعًا فنحنُ نقاتله معك. قال: قد أصبتُما، ثمَّ أشارَ أحدُهما
إلى صاحبه أن السرَّ بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فَشًا، قال : أجَلْ ،
فقتلا التّرْجمان جميعًا بسكُّينَهما؛ فأهلك اللّه كِسْرى، وجاء الخبرُ

١٨٧
إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم يومَ الحدّيبِيّة، ففرح ومن معه(١).
وحُدَّثت عن هشام بن محمد ، أنه قال : فى سنة عشرين من مُلْك
كِسْرى أبَرْويز، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلّم، فأقام بمكَّة ثلاث
عشرة سنة ، وهاجر فى سنة ثلاث وثلاثين من مُلْكِهِ إلى المدينة .
(١) الخبر فى التفسير ٢٠: ١٣ - ١٤ (بولاق)

١٨٨
ذكر الخبر عن الأسباب التى حدثت عند إرادة الله
إزالة ملك فارس عن أهل فارس
ووطأتْها العربُ بما أكْرَمَهُم به بنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم
من النبوّة والخلافة والمُلْك والسلطان فى أيام كِسْرى أبَرْويز.
فمن ذلك ما روِى عن وَهْب بن منبه، وهو ما حدَّثنا به ابن حُمَيَد،
قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : کان من حدیث کِسْری
كما حدَّثَنى بعضُ أصحابى ، عن وهب بن منبِّه، أنه كان سكر دجلة
العَوْراء(١)، وأنْفق عليها من الأموال ما لا بُدْرَى ما هو، وكان طاقُ تَجْلسه
قد بُنِىَ بنيانًا لم يُرَ مثله، وكان يعلِّق تاجَه؛ فيجلس فيه إذا جلس للناس،
١٠١٠/١ وكان عنده ستون وثلثمائة رجل من الخُزَاة - والخُزّاة العلماء .. من بين كاهِنٍ
وساحرٍ ومنجُّ ؛ قال : وكان فيهم رجل من العرب يقال له السَّائب ، يعتافَ
اعتِيَافَ العرب قلَّما يخطِئ - بعث به إليه باذَانُ من اليمن - فكان
كِسْرَى إذا حَزّبه أمر جمع كهَّنه وسحَّره ومنجِّميه، فقال : انظروا فى
هذا الأمر ما هو !
فلمَّا أن بعث الله نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم، أصبح كِسْرى ذات
غَدَاةِ وقد انقصَمَتْ طاقُ مُلْكه من وسطها من غير ثقْل ، وانخرقت عليه
دِجْلة العوْراء، فلمَّا رأى ذلك حزنه، وقال: انقصمت طاقُ ملكى من
وسطها من غير ثقْل، وانخرقت علىَّ دجلة العوراء، ((شاهْ بِشْكَسْتْ)):
يقول: الملك انكسرَ. ثم دعا كُهَانه وسحدّره ومنجميه، ودعا السَّائب معهم،
فقال لهم: انقصَمَتْ طاقُ ملْكى من غير ثقل، وانخرقت علىَّ دجلة العوراء،
((شاهْ بِشْكَسْتْ)) انظُرُوا فى هذا الأمرماهو؟ فخرجوامن عنْده فنظروا فى أمْره،
فأخذ عليهم بأقطار السماء ، وأظلمت عليهم الأرض، وتسكّعوا فى علمهم، فلا
(١) دجلة العوراء: اسم لدجلة البصرة؛ ويقال: سكر النهر، إذا سد فاه .

١٨٩
يمضى لساحر سحره ، ولا لكاهن كهانته ، ولا يستقيم لمنجّم عِلْمُ نجومه.
وبات السائب فى ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمُق برقًا نشأ من قبَل
الحجاز ، ثم استطار حتى بلغ المشرق ، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت
قدميْه ؛ فإذا روضة خضراء ، فقال فيما يعتاف: لئن صدق ما أرى، ليخرجَنَّ ١٠١١/١
من الحجاز سلطان يبلغ المشرق ؛ تُخصِب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت
عن ملك(١) كان قبله .
فلما خَلَص الكهَّان والمنجّمون بعضهم إلى بعض، ورأوا ما قد أصابهم،
ورأى السائب ما رأى ، قال بعضهم لبعض : تعلمون والله ما حِيل بينكم وبين
علمكم إلا لأمر (٢) جاء من السماء، وإنه لنبىّ قد بُعث- أو هو مبعوث- يسلب
هذا الملك ويكسره . ولئن نعيتم لكسرى مُلْكه ليقتلنّكم ، فأقيموا بينكم
أمراً تقولونه له تؤخّر ونه عنكم إلى أمرٍ ما ساعة .
فجاءوا كسرى، فقالوا له : إنّا قد نظرنا فى هذا الأمر فرجدْنا حُسّابك
الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك ، وسكرتَ دِجْلة العوراء وضعوه
على النُّحوس ، فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها ،
فزال كلّ ما وضع عليهما ؛ وإنّا سنحسب لك حسابًا تضع عليه بنيانك
فلا يزول. قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى . فعمل فى دجلة
ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال مالا يدرى ما هو ، حتى إذا فرغ [منها] (٣)
قال لهم : أجلس على سورها ؟ قالوا: نعم، فأمر بالبُسط والفرش والرياحين
فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمعوا(٤) له، واجتمع إليه اللعّابون، ثم خرج حتى
جلس عليها ، فبينا هو هنالك (٥) انتسفت دجلة البنيان من تحته، فلم يستخرج (٦)
إلا بآخر رمق .
(١) ابن الأثير ١: ٢٨٣: ((على ملك)).
(٢) ابن الأثير: ((أمر)).
(٣)° تكملة من ر .
(٤) ت، ح: ((فاجتمعوا)).
(٥) ل: ((كذلك))، ح: ((هناك)).
(٦) ح: ((يخرج)).

١٩٠
١٠١٢/١
فلما أخرجوه ، جَمع كُهَانِه وسُحاره ومنجميه، فقتل منهم قريبًا من
مائة ، وقال سمّنتكم (١) وأدنيتُكم دون الناس ، وأجريت عليكم أرزاقى، ثم
تلعبون بى! فقالوا(٢): أيها الملك، أخطأنا كما أخطأ مَنْ كان قبلنا، ولكنّا
سنحسيب لك حسابًا فتثبّتْ حتى تضعها على الوثاق من السعود . قال : انظروا
ما تقولون ! قالوا : فإنا نفعل ؛ قال : فاحسبوا ، فحسبوا له ، ثم قالوا له :
ابنِهِ ، فبنى وأنفق من الأموال ما لا يُدرى ما هو، ثمانية أشهر من ذى قبل. ثم
قالوا : قد فرغنا ، قال : أفأخرج فأقعد عليها ؟ قالوا : نعم ، فهاب الجلوس
عليها ، وركب بِرْذوْنا له ، وخرج يسير عليها ؛ فبينا هو يسير فوقها إذ
انتسفته دجلة بالبنيان ، فلم يدرَك إلاّ بآخر رَمَق، فدعاهم فقال: والله
لأمرّنّ على آخركم ولأنزعن أكتافكم، ولأطرحنّكم تحت أيدى الفيلة
أولتصدّقُنى ما هذا الأمر الذى تلفّقون علىّ! قالوا: لا نكذ بك أيها الملك،
أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة، وانقصمت(٣) عليك طاق مجلسك (٤) من
غير ثقل أن ننظر فى علمنا ليمَ ذلك! فنظرفا ، فأظلمت علينا الأرض وأخذ
علينا بأقطار السماء ، فتردد علينا علمنا فى أيدينا ، فلا يستقيم لساحر سحره ،
ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجم علم(٥) نجومه؛ فعرفنا أن هذا الأمرحدث من
السَّماء ، وأنه قد بُعث نبيّ أو هو مبعوث؛ فلذلك حِيل بيننا وبين علمنا ،
١٠١٢/١ فخشينا إن نَعْينا لك ملكك أن تقتلنا، وكرهنا من الموت ما يكره الناس ،
فعلّناك عن أنفسنا بما رأيت. قال: ويحكم! فهلاً تكونون بينّم لى هذا فأرى.
فيه رأيى! قالوا : منّعنا من ذلك ما تخوّفنا منك . فتركهم ولها عن د جلة حين غلبته.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سَلَمة ، عن ابن إسحاق، عن الفضل
ابن عيسى الرّقاشىّ، عن الحسن البصرىّ؛ أنّ أصحاب رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلّم قالوا : يا رسول الله، ما حجّة اللّه على كسرى فيك! قال : بعث
(١) ت: ((أمنتكم))، ح: ((قربتكم)) ر، ل: ((سميتكم)).
(٢) كذا فى ح وابن الأثير؛ وفى ط: ((قالوا)).
(٣) ل: ((وانقصم)).
(٤) ت، ح: (( ملكك)).
(٥) ت، ح: ((نجم)).

١٩١
إليه ملكًا فأخرج يده من سُور جدار بيته الذى هو فيه يتلألأ نوراً ، فلما
رآها فزع، فقال: لَمْ تُرَّعْ يا كسرى، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابًاً
فاتبعْه تَسلّمْ دنياك وآخرتك ، قال : سأنظر .
حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه
ابن أبى بكر، عن الزهرىّ ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، قال :
بَعَث اللّه إلى كسرى ملكًا وهو فى بيت إيوانه الذى لا يُدْخل عليه فيه، فلم
يرعه إلاّ به قائمًا على رأسه فى يده عصا ، بالهاجرة فى ساعته التى كان يقيل
فيها ، فقال: يا كسرى أتُسْلِمٍ أو أكسر هذه العصا! فقال: بِهِلْ بِهِلْ،
فانصرف عنه ثم دعا (١) أحراسه وحجّابه فتغيّظ عليهم، وقال : من أدخل هذا
الرجل علىّ؟ فقالوا : ما دخلَ عليك (٢) أحد ولا رأيناه ؛ حتى إذا كان
العام القابل (٣) أتاه فى الساعة التى أتاه فيها، فقال له كما قال له، ثم قال له :
أتُسلِمٍ أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بِهِلْ بِهِلْ بِهِلْ؛ ثلاثا ؛ فخرجعنه
فدعا كسرى حجّابه وحرّاسه وبوّابيه فتغيّظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة،
فقالوا : ما رأينا أحداً دخل عليك . حتى إذا كان فى العام الثالث أتاه فى
الساعة التى جاءه فيها ، فقال له كما قال : أتُسلمٍ أو أكسر هذه العصا ؟
فقال: بِهِلْ بِهِلْ، قال: فكسر العصا ، ثم خرج فلم يكن إلا تهوَّرُ ملكه ؛
وانبعاثُ ابنه والفرْس حتى قتلوه .
١
١٠١٤/١
قال عبد الله بن أبى بكر : فقال الزهرىّ : حدّثت عمر بن عبد العزيز
هذا الحديث عن أبى سلمة بن عبد الرحمن فقال: ذُكِرلى أن الملَك إنما دخل
عليه (٤) بقارورتين فى يديه ، ثم قال له : أسلم، فلم يفعل، فضرب إحداهما
على الأخرى فرضّضهما ، ثم خرج فكان من [ أمر ](٥) هلاكه
ما كان .
(١) ت، ح: ((فدعا)).
(٢) ت، ح: ((علينا)).
€
(٣) ت، ح: ((المقبل)).
(٥) تكملة من ت ، ح .
(٤) ت، ح: ((إليه)).

١٩٢
حدثنى يحيى بن جعفر ، قال : أخبرنا علىّ بن عاصم ، قال : أخبرنا
خالد الحذّاء ، قال : سمعت عبد الرحمن بن أبى بكرة ، يقول : بينما كسرى
ابن هرمز نائم ليلة فى هذا الإيوان ، إيوان المدائن، والأساورة محد قون بقصره؛
إذ أقبل رجل يمشى معه عصا ؛ حتى قام(١) على رأسه ، فقال : يا كسرى
ابن هرمز؛ إنّ رسول الله إليك أن تُسلم ، قالها ثلاث مرات- وکسری مستلقٍ
ينظر إليه لا يجيبه ؛ ثم انصرف عنه - قال: فأرسل كسرى إلى صاحب حَرَسه،
فقال : أنت أدخلت علىّ هذا الرجل ؟ قال : لم أفعل ولم يدخل من قِبَلنا
١٠١٥/١ أحد. قال: فلما كان العام المقبل خاف كسرى تلك الليلة ، فأرسل إليه أن
أحدقْ بقصرى، ولا يدخل(٢) علىّ أحد، قال: ففعل ، فلما كان تلك
الساعة إذا هو قائم على رأسه ، ومعه عصًا ، وهو يقول له : یا کسری بن هرمز ،
إنّ رسولُ الله إليك أن تُسلم، فأسلم خير لك - قال: وكسرى ينظر إليه
لا يجيبه - فانصرف عنه ، قال : فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس: ألم آمرك
ألاّ يدخلَ على أحد! قال: أيّها الملك، إنّه والله ما دخل عليك مِنْ قِبَلنا
أحد ، فانظرْ من أين دخل عليك ؟ قال: فلما كان العام المقبل ؛ فكأنّه
خاف تلك الليلة ، فأرسل إلى صاحب الحَرَس والحرس : أن أحد قوا بى الليلة،
ولا تدخل (٣) امرأة ولا رجل ؛ ففعلوا . فلما كان تلك الساعة ، إذا هو قائم
على رأسه ، وهو يقول : يا كسرى بن هرمز، إنّ رسول الله إليك أن تُسْلِمِ،
فأسليم خير لك، قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه . قال : يا كسرى
إنك قد أبيتَ علىّ، واللّه ليكسرنّك الله كما أكْسِرُ عصاىّ هذه، ثم كسرها
وخرج ؛ فأرسل كسرى إلى الحرس ، فقال: ألم آمركم ألاّ يدخل علىّ الليلة
أحد ، أهل ولا ولد ! قالوا : ما دخل عليك من قِبلنا أحد !
(١) ت، ح: ((وقف)).
(٢) ت، ح: ((لا يدخلن)).
(٣) ت، ح: ((تدخلن)).

١٩٣
قال : فلم يلبث أن وَتب عليه ابنُه فقتله .
#
[ ذ کر خبر یوم ذی قار]
ومن ذلك ما كان من أمر ربيعة والجيش الذى كان أنفذه إليهم كسرى
أبرويز لحربهم ، فالتقوا بذى قّار .
وذُكر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه لما بلغه ما كان من هزيمة ربيعة ١٠١٦/١
جيشَ كسْرى، قال: ((هذا أوّل يوم انتصف العرب من العجم؛ وبی نُصروا)).
وهو يوم قُراقِرِ ويوم الحِنْو حِنْوذى قار ، ويوم حِنْو قُراقِر ، ويوم
الجُبابات، ويوم ذى العُجْرُم، ويوم الغَذَوَانِ ، ويوم البطحاء، بَطْحاء
ذی قار ، وکلهنّ حول ذی قار.
فحدّثْت عن أبى عبيدة مَعْمَر بن المثنّى، قال: حدّثنى أبو المختار
فِراس بن خَنْدق- أو خندقة- وعدّة من علماء العرب قدسماهم؛ أن الذى جرّيوم
ذى قار، قتلُ النعمان بن المنذر اللخمىّ عدىَّ بن زيد العبادىّ؛ وكان عدىّ
من تراجمة أبرویز کسری بن هرمز.
وكان سبب قتل النعمان بن المنذر عدى بن زيد، ما ذكر لى عن هشام
ابن محمد ، قال : سمعت إسحاق بن الجَصّاص - وأخذته من كتاب حمّاد
وقد ذ کر أبىبعضه- قال: ولد زید بنحمّاد بن زيد بن أيوب بن محروف بن
عامر بن عُصيّة بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ثلاثة : عديًا
الشاعر، وكان جميلاً شاعراً خطيبًا ، وقد قرأ كتب العرب والفرس ، وعمّارا -
وهو أبىّ - وعمراً - وهو سمىّ - ولهم أخ من أمّهم ، يقال له عدىّ بن حنظلة
من طيّىء . وكان عمّار يكون عند كسرى ، فكان أحدهما يشتهِى هلاك
عدىّ بن زيد ، وكان الآخر يتديّن فى نصرانيّته، وكانوا أهل بيت يكونون مع
الأكاسرة لهم معهم أُكْلٌ(١) وناحيةٌ، يُقْطعونهم القطائع، [ويجزلون صلاتهم] (٢).
(١) الأكل هنا: الرزق؛ يقال: فلان ذو أكل ؛ إذا كان ذا رزق وحظ واسع فى الدنيا
(٢) تكملة من الأغانى فيما رواه عن هشام الكلبى.
(١٣)

١٩٤
وكان المنذر بن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان فى حجْر عدىّ ، فهم الذين
أرضعوه [وربوه، وكان للمنذرابن آخر يقال له ((الأسود))، أمّه مارية بنت
١٠١٧/١ الحارث بن جُلْهُم من تيم الرِّباب، فأرضعه](١)، وربّاه قوم من أهل الحيرة
يقال لهم: بنو مَرِينا، ينسَون إلى لخم، وكانوا أشرافًا. وكان للمنذر بن
المنذر سوى هذين من الولد عشرة؛ وكان يقال لولده كلّهم الأشاهب(٢)، من
جمالهم ؛ فذلك قول الأعشى :
وبَنُو الْمُنْذِرِ الأُشاهِبُ بالحيرة يُمْثُونَ غَدْوَةٌ بِالشُُّوفِ (٣)
وكان النّعمان أحمر أبرش (٤) قصيراً، وكانت أمه يقااء لها
سَلْمَى بنت وائل بن عطيّة الصائغ من أهل فَدَك، وكانت أمَةً الحارث
ابن حِصْن بن ضَمْضَم بن عدىّ بن جَناب من كَلْب ، وكان قابوس بن
المنذر الأ کبر عم النعمان وإخوته ، بعث إلی کسری بن هرمز بعدى بن زيد
وإخوته ، فكانوا فى كتّابه يترجمون له ، فلما مات المنذر بن المنذر وترك ولده
هؤلاء الثلاثة عشر، جعل على أمره كله إياس بن قبيصة الطائىّ [وملّكه على
الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه](١) فكان عليه أشهراً (٥)، (٦) وكسرى فى طلب
رجل ملکه على العرب. ثم إن کسریبن هرمز دعا عدى بن زيد ، فقال له: من
بقى من بنى المنذر (٦)؟ وما هم؟ وهل فيهم خير؟ فقال: بقيّتهم فى ولد هذا الميّت
(١) تكملة من الأغانى فيما رواه عن هشام الكلبى.
(٢) قال فى القاموس: ((والأشاهب بنو المنذر لجمالهم))، وقال شارحه: ((سموا بذلك لبياض
وجوههم)). (٣) ديوانه ٢١٢.
(٤) الأبرش: الأرقط؛ وهو الذى يكون فيه بقعة بيضاء وأخرى أى لون كان .
(٥) الأغانى: ((فمكث ملكاً عليها أشهراً)).
(٦-٦) كذا فى أصول الطبرى وتجارب الأمم ١: ح ٢٣٨، وفى الأغانى بعده: ((((فلم يجد أحداً
يرضاه ، ففجر ؛ فقال : لأبعثن إلى الحيرة اثنى عشر ألفاً من الأساورة ؛ ولأملكن عليهم رجلا من
الفرس ، ولآمرنهم أن ينزلوا على العرب فى دورهم ، ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم، وكان عدى بن
زيد واقفاً بين يديه؛ فأقبل عليه، وقال: ويحك يا عدى! من بقى من آل المنذر!)).
٦

١٩٥
المنذر بن المنذر ، وهم رجال ، فقال : ابعث إليهم ، فكتب فيهم فقد موا
عليه ، فأنزلهم على عدىّ بن زيد . فكان عدىّ يفضل إخوة النعمان عليه فى
التُّزُل، وهو يريهم أنه لا يرجوه. ويخلو بهم رجلاً رجلاً ، ويقول لهم : إن
سألكم الملك: أتكفونى العرب ؟ فقولوا : نكفيكهم إلا النّعمان، وقال للنّعمان:
إن سألك الملك: عن إخوتك فقل له : إن عجزتُ عنهم ، فأنا عن غيرهم أعجز .
١٠١٨/١
وكان من بنى مَرينا رجل يقال له عدىّ بن أوس بن مرينا ، وكان مارداً
شاعراً ، وكان يقول للأسود [بن المنذر](١): إنك قد عرفت أنی لك راجٍ،
وأنّ طَلِبى ورغبتى إليك أن تخالف عدى بن زيد، فإنّه واللّه لا ينصح لك
أبداً . فلم يلتفت إلى قوله .
فلما أمر كسرى عدىّ بن زيد أن يُدخلَهم عليه ، جعل يدخلهم عليه
رجلاً رجلاً ، فيكلّمه ، فكان يرى رجالاً قَلّمَا رأى مثلهم؛ فإذا سألهم:
هل تكفوننى ما كنتم تلُون ؟ قالوا : نكفيك العرب إلا النّعمان. فلما دخل
عليه النّعمان رأى رجلاً دميمًا فكلّمه، وقال له: أتستطيع أن تكفيسنى العرب؟
قال: نعم : قال ، فكيف تصنع بإخوتك ؟ قال : إن عجزت عنهم فأنا عن
غیرهم أعجز . فملكه وکساه ، وألبسه تاجًا قیمته ستون ألفدرهم ، فيه اللؤلؤ
والذهب . فلما خرج- وقد مُلّك - قال عدى بن أوْس بن مرينا للأسود:
دونك فإنك قد خالفت الرأى .
ثم إنّ عدىّ بن زيد صنع طعامًا فى بيعة، ثم أرسل إلى ابن مرينا أن
ائتنى بمن (٢) أحببت، فإنّ لى حاجة، فأتاه فى ناس فتغَّدَوْا فى البِيعة،
وشربوا، فقال: عدىّ [بن زيد](٣) لعدىّ بن مَرينا: يا عدى"، إنّ أحقّ
من عرف الحقّ ثم لم يَكُمُ عليه، مَنْ كان مثلك؛ إنى قد عرفت أنّ صاحبك
الأسود بن المنذر كان أحبّ إليك أن يملّكَ من صاحبى النعمان ، فلا
تلمنى على شىء كنتَ على مثله ، وأنا أحبّ ألا تحقد علىّ شيئًا لو قدرتّ
(١) تكملة من ابن الأثير ١: ٢٨٥، وتجارب الأمم ١ : ٢٣٨.
(٢) ت، ح: ((فيمن)).
(٣) من الأغانى وتجارب الأمم .

١٩٦
عليه ركبتَه ، وأنا أحبُّ أن تعطيَنى من نفسك ما أعطيتك من نفسى ؛ فإنّ
١٠١٩/١ نصيبى من هذا الأمر ليس بأوفرَ من نصيبك. فقام عدى بن زيد إلى البيعة
فحلف ألاّ يهجوّه ولا يبغيه غائلة أبداً، ولا يَزْوِىّ عنه خبراً أبداً. فلما فرغ
عدىّ بن زيد قام عدىّ بن مَرينا ، فحلف على مثل يمينه ألاً يزال يهجوه
أبداً ، ويبغيه الغوائل ما بقى . وخرج النّعمان حتى نزل منزله بالحيرة ، فقال
عدىّ بن مرینا لعدى بن زيد :
فَلاَ تَجْزَعْ وإنْ رَثْتْ قُواكا(١)
ألا أبْلِغْ عَدِيًّا عَنِ عَدِىّ
لِتُحْمَدَ أُو يَِّمَّ بِهِ غِناكا
مَا كِلِنَا تَبَزَّ لَغَيْرِ فَقْ
وإنْ تَعْطَبْ فلا يَبْعُدْ سِواكا
تَظْفَرْ حَمِيداً
فإنْ تَظْفَرْ فلم
نَدِمْتَ نَدامةَ الكُسِىِّ لّمَا رَأَتْ عَيْنَاكَ مَا صَّنَعَتْ يَدَاكَا(٢)
وقال عدىّ بن مرينا للأسود: [ أمّا ](٣) إذ لم تظفرفلا تعجز أن تطلب بثأرك
من هذا المعدّىّ ، الذى عمل بك ما عمل (٤) فقد كنت أخبرك أنّ معَدًّا لا ينام
مكرُها(٥) . أمرتك أن تَعصيَه فخالفتنى. قال: فما تريد؟ قال: أريد ألاّ
يأتيَك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها على". ففعل .
وكان ابنُ مَرِينا كثير المال والضَّيْعة ، فلم يك فى الدهر يوم إلاّ على
باب النعمان هديّة من ابن مرينا (٦) ، فصار من أكرم الناس عليه ، وكان
لا يقضى فى ملكه شيئًا إلا بأمر عدىّ بن مرينا، وكان إذا ذُكِر عدى بن زيد
١٠٢٠/١ عنده أحسن عليه الثناء، وذكر فضله، وقال: إنه لا يصلح المعدىّ إلا أن
(١) رثت : ضعفت.
(٢) الكسعى: نسبة إلى كسع، حى من قيس عيلان؛ وقيل ؛ هم حى من اليمن رماة ؛
والكسعى رجل يضرب به المثل فى الندامة ، وهو رجل رام ربى بعد ما أظلم الليل عيراً فأصابه ، وظن
أنه أخطأه فكسر قوسه ، ثم ندم من الغد حين نظر إلى العير مقتولا وسهمه فيه ، فصار مثلا لكل ذادم
على فعل يفعله . (٣) من الأغانى.
(٤) الأغانى: ((الذى فعل به ما فعل)).
(٥) الأغانى «كيدها ومكرها)).
(٦) فى ط: ((فلم يك فى الأرض يوم))، وفى تجارب الأمم: ((فلم يمر يوم إلا بعث فيه إلى
النعمان هدية))، وفى ابن الأثير: ((وكان لا يخلى النعمان يوماً من هدية)). وما أثبته عن الأغانى ..

١٩٧
يكون فيه مكر وخديعة. فلما رأى مَنْ يُطيف بالنعمان منزلةً ابن مَرينا عنده
لزموه وتابعوه ، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه : إذا رأيتمونى أذكر عدى
ابن زيد عند الملك بخير فقولوا : إنه لكما تقول ؛ ولكنّه لا يسلم عليه أحد ؛
وإنه ليقول: إنّ الملك - يعنى النعمان - عامله، وإنّه ولآه ما ولا ه؛ فلم يزالوا
بذلك حتى أضغنوه عليه، وكتبوا كتابًا على لسان عدىّ إلى قَهْرمان(١) لعدىّ
ثم دسُوا له ، حتى أخذوا الكتاب ، ثم أتى به النعمان فقرأه ، فأغضبه ، فأرسل
إلى عدّى بن زيد: عزمتُ عليك إلاّ زرتَنى، فإنّى قد اشتقت إلى رؤيتك !
وهو عند كسرى(٢) فاستأذن كسرى، فأذن له، فلما أتاه لم ينظر إليه حتّى
حبس فى محبس لا يدخل عليه فيه أحد ، فجعل عدى بن زيد يقول الشعر
وهو فى السجن ، فكان أول ما قال فى السجن من الشعر :
لَيْتَ شِعْرِى عن الهُمام ويأتيٍ كَ بُخُبْرِ الأنْباءِ عَطْفُ السُّؤالِ (٣)
فقال أشعاراً ، وكان كلّما قال عدىّ من الشعر، بلغ النعمان وسمعه ندم
على حبسه إياه، فجعل يرسل إليه ويعده ويمنِّه ويَفْرَق أن يرسله فيبغيه الغوائل،
فقال عدىّ :
أَرِقْتُ لمَكْفَهِرّ باتَ فِيهِ بَوَارِقُ يَرْتَقِينَ رُءُوسَ شِيبٍ (٤)
(١) القهرمان: أمين الملك وخاصته ؛ فارسى معرب، ويطلق فى لغة الفرس على القائم بأمور
الرجل ، كالخازن والوكيل .
(٢) كذا فى الطبرى وتجارب الأمم، وفى الأغانى: ((وعدى يومئذ عند كسرى)).
(٣) فى رواية الأغانى بعد هذا البيت:
أيْنَ عَنَّا إخطارُنا المال والأذ ◌ُس إذ ناهدوا ليوم المحال
ونِضالى فى جَنْبِك النَّاسَ يرمُو نَ وأرْمِ، وَكُلَنَا غَيْرُ آلِ
فأصيبُ الَّذِى تريدُ بلا غِثٍ وأربِ عليهمُ وأوّالى
ليت أنِى أخذْتُ حتى بِكَفَّىَّ ولم ألق ميتَةَ الأَقْتَالِ
مُحُلُوا تَحْلَهُمْ لصرعِتِنا العام، فقد أوقعوا الرحا بالتّالَ
(٤) انظر بقية القصيدة فى الأغانى ٢: ١١١، ١١٢

١٩٨
وقال أيضًا :
◌َالَ ذَا اُللْلُ عَلَيْنَا وَأُعْتَكَرَ(١)»
وقال أيضاً :
١٠٢١/١
* أَلَا طَالَ اللَّيَالِ وَالنَّهَارُ(٢).
*
وقال حين أعياه ما يتضرّع إلى النعمان أشعاراً، يذكره فيها الموت، ويخبره
من هلك من الملوك قبله ، فقال :
، أَرَوَاحٌ مْوَدّعٌ أَمْ بُكُورُ(٣).
#
وأشعاراً كثيرة .
قال : وخرج النعمان يريد البحرين، فأقبل رجل من غسّان، فأصاب فى
الحيرة ما أحبّ . ويقال : الذى أغار على الحيرة فحرّق فيها، جفنة بن النعمان
الجفنىّ ، فقال عدىّ :
سَمَا صَقْرٌ فأشعَلَ جَانِبَيْهَا وَأَلْهَاكَ الْمُرَوَّحُ وَالعَزِيبُ(٤)
فلما طال سجن عدىّ كتب إلى أخيه أبيّ ، وهو مع كسرى بشعر فقال :
وَهَلْ يَنْفَعُ المَرْءَ مَا قَدْ عَلِمْ!
نأيه
أُبيًّا على
أبلغْ
دِ، كُنْتَ بِهِ وَالِهَا مَا سَلِمْ (٥)
الْفُؤَا
بأنَّ أَخَاكَ شَقِيقَ
(١) بقيته :
• وكأنّى نَاذِرُ الصُّبْحِ سَمَرْ
وانظر بقية القصيدة فى الأغانى .
(٢) لم يذكره صاحب الأغانى .
(٣) بقيته :
لك فأعْمدْ لأىّ حالٍ تَصِيرُ.
وهو مطلع قصيدة فى شعراء النصرانية ٤٥٥، ولم تذكر فى خبر الأغانى .
(٤) المروّح: الإبل المروحة إلى أعطافها. والعزيب: ما ترك فى مراعيه. وانظر بقية الأبيات
فى رواية الأغانى .
(٥) الأغانى: ((واثقاً)).

١٩٩
لَدَى مَلِكٍ مُوثق بِالْحَدِد
فَلاَ أَعْرِفَنْكَ كَدَّأْبِ الْغُلاَ
فَأَرْضَك أَرْضَك إنْ تَأْتِنا
فكتب إليه أخوه :
إِنْ يَكُنْ خَانِكَ الزَّمَانُ فلا عا
ويمينِ الإِلُهَ لَوْ أَنَّ جَأْوَا
ذاتَ رِزْ مُجْتَابَةً غَمْرَةَ المَوْ
كُنْتَ فِى حَمْيِهَا، لجِثْتُكَ أَسْعَى
أو بمالٍ سُئِلْتُ دُونِكَ لَمْ يُمْـ
أو بأرضٍ اسْطِيعُ آتِيك فيها
فى الأعَادِى وَأَنْتَ مَنِى بَعِيدٌ
إنْ تَغُتْنى وَاللهِ إلقاً فجُوعاً
فَلَمْرِى لِنْ جَزِعْتُ عَلَيْهِ
ولَعَمِرِى لَئْنْ مَلَكْتُ عزائى
دِ إنَّ بَجَقْ وإنَّا ظَلِمٍ
مِ مَا لَمْ يَدْ عَارِمَاً يَعْتَرِمْ(١)
تَمْ نَوْمةً ليس فيها حُكُمْ
١٠٢٢/١
جِزُ بَاعٍ وَلَا أَلَفُّ ضَعِيف(٢)
ءَ طَحُونا تِضِىُّ فيها السُّيُفُ(٣)
تٍ صَحِيحٌ سِرْبَالُهَا مَكْفُوف ◌ُ(٤)
فاعلَمَنْ لَوْسِعْتُ إِذْ تَسْتَضِيف ((٥)
◌َعْ تِلاَدُ لِحَاجَةٍ أَوْ طَرِيفُ(٦)
لَمْ يَهُدْنِ بَعَيْدُهَا أوْ مُحُوفُ(٧)
عزَّ هُذَا الزَّمَانُ وَالتَّعْرِيفُ
لا يُعَقِّبْكَ ما يَصوبُ الخَرِيفُ
لِجَزوعٌ عَلى الصديق أسوفُ
لَقَليلٌ شَرْواكَ فيما أطوف'(٨)
فزعموا أن أبيًا لما قرأ كتاب عدىّ قام إلى كسرى فكلّمه ، فكتب وبعث
(١) كذا فى الطبرى والأغانى. وفى اللسان ١٥: ٢٨٩: ((ولا تلقين كأم الغلام))،
وروى عن الأزهرى: (( كذات الغلام ما لم تجد))، وقال فى شرحه: أراد بذات الغلام الأم المرضع.
(٢) الألف : الثقيل البطىء.
(٣) الجأواء ، من وصف الكتيبة ؛ يقال: كتيبة جواء ، أى بينة الجأى، وهى التى يعلو
لونها السواد لكثرة الدروع .
(٤) الرز: الصوت يسمع من بعيد، والسربال: القميص. والمكفوف، من كففت الثوب
إذا خطت حاشيته .
(٥) تستضيف : تستجير .
(٦) الأغانى: ((سألت))، بالبناء للمعلوم.
(٧) الأغانى: ((والتعنيف)).
(٨) شرواك : مثلك.

٢٠٠
١٠٢٣/١ معه رجلا، وكتب خليفة النعمان إليه: إنه قد كتب إليك [فى أمره](١). فأتاه أعداء
عدىّ من بنى بُقَيلة (٢) من غسّان، فقالوا: اقتله الساعة ، فأبى عليهم
وجاء الرجل (٣)، وقد تقدّم أخو عدى إليه ورشاه، وأمره أن يبدأ بعدىّ ، فدخل
عليه وهو محبوس بالصِّنّين، فقال : أدخل عليه فانظر ما يأمرك به ، فدخل
الرسول على عدىّ، فقال: إنى قد جئت بإرسالك ، فما عندك ؟ قال : عندى
الذى تحبّ، ووعده عِدَة، وقال: لا تخرجنّ من عندى ، وأعطى الكتاب
حتى أرسل به ، فإنّك والله إن خرجت من عندى لأقتَلَنّ ، فقال: لا أستطيع
إلاّ أن آتىَ الملك بالكتاب، فأدخله عليه ، فانطاق مخبر حتى أتى النعمان ،
فقال: إنّ رسولَ كسرى قد دخل على عدىّ وهو ذاهب به، وإنْ فعل والله لم
يستبْقٍ منَّا أحداً ، أنت ولا غيرك. فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه (٤)حتى
مات ، ثم دفنوه .
ودخل الرسولُ على النعمان بالكتاب ، فقال : نعم وكرامة ! وبعث إليه
بأربعة آلاف مِثْقال وجارية ، وقال له: إذا أصبحت فادخل عليه؛ فأخرجه
أنت بنفسك . فلما أصبح ركب ، فدخل السُّجن ، فقال له الحرَس: إنه قد
مات منذ أيام ، فلم نجترى على أن نخبر الملك للفرق منه ، وقد علمنا كراهته
لموته . فرجع إلى النعمان فقال : إنی قد دخلت عليه وهو حىّ، [وجئت اليوم
فَجحدنى السجَّان وبهتّنى. وذكر له أنه قد مات منذ أيام](٥) فقال له النعمان:
يبعثك الملك إلىّ فتدخل إليه قبلى ! كذبت، ولكنك أردت الرَّشوة والخبث.
فتهد ده ثم زاده جائزة وأ كرمه ، واستوثق منه ألا يخبر کسری؛ إلا إنه قد مات
١٠٢٤/١ قبل أن يقدم عليه.
فرجع الرسول إلى كسرى ، فقال : إنه قد مات قبل أن أدخل عليه ،
(١) تكملة من الأغانى.
(٢) بقيلة : بطن من الحيرة .
(٣) الأغانى: ((الرسول)).
(٤) غموه، أى غطوا وجهه بشىء حتى مات.
(٥) من رواية الأغانى .