النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
فوجدوا فى سجونه ثمانمائة رجل ، فقال : انظروا إلى أفضل رجل منهم حَسَبًا
وبيتًا ، اجعلوه عليهم. فوجدوا أفضلَهم حسبًا وبيتًا وَهْرِز - وكان ذا سنّ-
فبعثه مع سيف ، وأمّره على أصحابه ، ثم حملهم فى ثمانِى سفائن ، فى كلّ
سفينة مائة رجل ، وما يصلحهم فى البحر .
فخرجوا حتى إذا لجَّجوا فى البحر ، غرقت من السفن سفينتان بما فيهما ،
فخلَص إلى ساحل اليمن من أرْض عدن ستّ سفائن ، فيهنّ ستمائة رجل ،
فيهم وهرِز، وسيف بن ذى يزن، فلما اطمأنًا بأرض اليمن ، قال وَهْرِزِ
لسيف : ما عندك ؟ قال : ما شئتَ من رجل عربىّ ، وفرس عربىّ ؛ ثم اجعل
رجلى مع رجلك؛ حتى نموت جميعًا أو نظهر جميعًا. قال وَهْرِزِ: أنصفت
وأحسنت ! فجمعَ إليه سيف مَن استطاع من قومه ، وسمع بهم مسروق بن
أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة ، ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران ،
ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرِزِ ابنًا له كان معه - يقال له نَوْزان-
على جريدة خَيْل ، فقال له : ناوشهم القتال ، حتى ننظر كيف قتالهم. فخرج
إليهم فناوشهم شيئًا من قتال ، ثم تورّط فى مكان لم يستطع الخروج منه فقتلوه،
فزاد ذلك وهرز حنقًا عليهم ، وجِدًّا على قتالهم .
فلما تواقف الناس على مصافّهم قال وهرز : أرونى ملكهم ، فقالوا :
ترى رجلاً على الفيل عاقداً تاجَه على رأسه ، بين عينيه ياقوتة حمراء ، قال :
نعم ، قالوا: ذاك(١) ملكهم، قال: اتركوه. فوقفوا طويلاً ، ثم قال: علام هو ؟
قالوا : قد تحوّل على الفرس ، فقال : اتركوه ، فوقفوا طويلا، ثم قال : علام
هو ؟ قالوا : قد تحوّل على البغلة ، قال: ابنة الحمار! ذلّ وذلّ ملكه ، هل
تسمعون أنّى سأرميه ، فإن رأيتم أصحابه وقوفًا لم يتحرّكوا فاثبتوا حتى أوذنكم،
فإنّى قد أخطأت الرجل ، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به ، فقد أصبت
الرجل ، فاحملوا عليهم .
٩٤٩/١
ثم أوْتَر قوسه -وكانت فيما زعموا لا يوتيرها غيره من شدّتها - ثم أمر بحاجبيه
(١) ر: ((ذلك)).
-.-
-- -
:

١٤٢
فعُصِّبًا له، ثم وضع فى قوسه نُشّابة فمغط (١) فيهاحتى إذا ملأها أرسلها فصك"
بها الياقوتة التى بين عينيه ، فتغلغلت النّشابة فى رأسه ، حتى خرجت من قفاه ،
وتنكّس عن دابّته، واستدارت الحبشة، ولائت به ، وحملت عليهم الفُرْس،
وانهزمت الحبشة ، فقتلوا وهرب شريدهم فى كل وجه، فأقبل وَهْرِزِ یرید صنعاء
يدخلها ؛ حتى إذا أتى بابها قال : لا تدخل رايتى منكّسة أبداً ، اهدموا الباب.
فهدم باب صنعاء ، ثم دخلها ناصبًا رايتَه يُساربها بين يديه .
فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى : إنّى قد ضبطت لك
اليمن، وأخرجت مَنْ كان بها من الحبشة؛ وبعث إليه بالأموال . فكتب إليه
كسرى يأمره أن يملّك سيف بن ذى يزن على اليمن وأرضها، وفرض كسرى
٩٥٠/١ على سيف بن ذى يزن جيزية وخرجاً يؤديه إليه فى كلّ عام معلوم ، يُبْعث
إليه فى كلّ عام . وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه . فانصرف إليه وهرز ،
وملِّك سيف بن ذى يزن على اليمن ، وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن .
فهذا ما حدثنا به ابن حميد، عن سلمة عن ابن إسحاق، من أمر حمير
والحبشة ، وملكهم وتوجيه كسرى من وجّه لحرب الحبشة باليمن (٢).
#
وأمّا هشام بن محمد، فإنَّه قال: ملك بعد أبرهة يكسوم ، ثم مسروق .
قال : وهو الذى قتله وهرز فى مُلك كسرى بن قُباذ ، ونفى الحبشة عن اليمن .
قال : وكان من حديثه أن أبا مُرّة الفيّاض ذا يزن، كان من أشراف اليمن،
وکانت تحته ريحانة ابنة ذی جدن ، فولدت له غلامًا سماه معد يكرب ،
وكانت ذاتَ جمال ، فانتزعها الأشرم من أبى مُرّة ، فاستنكحها ، فخرج
أبو مرّة من اليمن ، فلحق ببعض ملوك بنى المنذر - أظنُّه عمرو بن هند -
فسأله أن یکتب له إلی کسری کتابًا ، يعلمه فيه قدره وشرفه ونز وعه إليه فيما
نزع إليه فيه . فقال: لا تعجَل، فإنّلى عليه فى كلّ سنة وفادة ، وهذا
وقتها ، فأقام قبله حتى وفَد عليه معه ، فدخل عمرو بن هند على كِسرى ،
(١) مغط الرجل القوس مغطاً؛ إذا مدها بالوتر. (٢) سيرة ابن هشام ١: ٥٠ - ٥٢
١

١٤٣
فذكر له شرفَ ذى يزن وحاله ، واستأذن له ، فدخل فأوسع له عمرو ، فلما
رأى ذلك كسرى علم أن عمراً لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه، فأقبل عليه،
فألطفه وأحسن مسألته ، وقال له : ما الأمر الذى نزع بك ؟ قال : أيها الملك،
إن السُّودان قد غلبونا (١) على بلادنا، وركبوا منّا أموراً شنيعة (٢)، أجل" الملك ٩٥١/١
عن ذكرها ، فلو أنّ الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره ، لكان حقيقًا
بذلك لفضله وكرمه وتقدّمه لسائر الملوك. فكيف وقد نزعنا إليه ، مؤمّلين له ،
راجين أن يقصِم اللّه عدوّنا وينصرنا عليهم ، وينتقم لنا به منهم ! فإن رأى
الملك أن يصدّق ظنّنا، ويحقّق رجاءنا، ويوجّهَ معى جيشًا ينفون هذا العدوّ
عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه - فإنّها من أخصب البلدان وأكثرها خيراً ،
وليست كما يلى الملك من بلاد العرب - فعل .
قال : قد علمت أنّ بلادكم كما وصفْت ، فأىّ السّودان غلبوا عليها؟
الحبشة أم السّند ؟ قال : بل الحبشة، قال أنوشِرْ وان: إنّى لأحبّ أن أصدّق
ظنَّك، وأن تنصرف بحاجتك؛ ولكنّ المسلكَ للجيش إلى بلادك صعب،
وأكره أن أغرّره بجندى، ولى فيما سألتَ نظَر ، وأنت على ما تحبّ .
وأمر بإنزاله وإكرامه ؛ فلم يزل مقيمًا عنده حتى هلك . وقد كان
أبو مرّة قال قصيدة بالجميريّة يمتدح فيها كسرى ، فلما ترجمت له ،
أعجب بها .
وولدت ريحانة ابنة ذى جَّدّن لأبرهة الأشرم غلامًا ، فسمّاه مسروقًا،
ونشأ معديكرب بن ذى يزن مع أمّه ريحانة فى حِجْر أبرهة فسبه ابن لأبرهة ،
فقال له : لعنك الله، ولعن أباك! وكان معد يكرب لا يحسب إلاّ أنّ الأشرم
أبوه، فأتى أمّه فقال لها: مَنْ أبى؟ قالت: الأشرم ، قال: لا والله،
ما هو أبى، ولو كان أبى ما سبَّى فلان ، فأخبرتْه أنّ أباه أبو مرّة الفيّاض،
واقتصّت عليه خبره ، فوقع ذلك فى نفس الغلام ، ولبِث بعد ذلك لبثًا .
٩٥٢/١
(١) ح: ((غلبوا)).
(٢) كذا فى ح، وفى ط: ((شنعه)).

١٤٤
ثم إنّ الأشرم مات ، ومات ابنه يكسوم ، فخرج ابن ذى يزن قاصداً
إلى ملِك الرّوم ، وتجنّب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه ، فلم يجد عند ملك
الرُّوم ما يحبّ ، ووجده يحامى عن الحبشة لموافقتهم إيّاه على الدّين، فانكفأ
راجعًا إلى كسرى، فاعترضَه يومًا وقد ركب، فصاح به : أيّها الملِك ، إنّ
لى عندك ميراثًا. فدعا به كسرى لمّا نزل، وقال: مَنْ أنت؟ وما ميراثك ؟
قال : أنا ابن الشيخ اليمانىّ ذى يَزّن ، الذى وعدتَه أن تنصره ، فمات ببابك
وحَضْرتك ، فتلك العيدةُ حقٌّ لى وميراث يجب عليك الخروج لى منه . فرق"
له كسرى، وأمر له بمال . فخرج الغلام ، فجعل ينشر الدراهم ، فانتهبها
الناس . فأرسل إليه كسرى : ما الذى حملك على ما صنعت ؟ قال : إنّى لم
آتك للمال، إنّما جئتك للرجال، ولتمنعنى من الذّلّ. فأعجب ذلك کسری،
فبعث إليه : أن أقمْ حتى أنظر فى أمرك . ثم إنّ كسرى استشار وزراءه
فى توجيه الجند معه ، فقال له الموبذان : إنّ لهذا الغلام حقًّا بنزوعه وموت
أبيه بباب الملك وحضرته ، وما تقدّم من عِدَته إياه، وفى سجون الملك رجال
ذوو نجدة وبأس ، فلو أنَّ الملك وجههم معه ، فإن أصابوا ظفرًا كان له ،
وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهلَ مملكته منهم ، ولم يكن ذلك ببعيد
من الصواب .
قال كسرى : هذا الرّأى، وأمر بمن كان فى السجون من هذا الضرب ،
٩٥٣/١ فأحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر ، فقوّد عليهم قائداً من أساورته ، يقال له وهْرِز،
كان(١) كسرى يعد له بألف أسوار (٢)، وقوّاهم وجهزهم وأمر بحملهم فى ثمانىّ
سفائن، فى كُلّ سفينة مائة رجل ، فركبوا البحر ، فغرقت من الثانى السفن
سفينتان ، وسلمت ستّ ، فخرجوا بساحل حَضْرموت ، وسار إليهم مسروق
فى مائة ألف من الحبشة وحيصير والأعراب، والحق بابن ذى يزن بَشَرٌ كثير،
ونزل وهْرِز على سيف البحر ، وجعل البحر وراء ظهره ، فلمّا نظر مسروق
إلى قلّتهم طمع فيهم، فأرسل إلى وهرز: ما جاء بك ، وليس معك إلاْ من
(١) ح: (( وكان)).
(٢) الأسوار بالضم والكسر: القائد فى الفرس .

١٤٥
أرى، ومعى مَنْ ترى! لقد غرّرت بنفسك وأصحابك، فإن أحببت أذنت
لك ؛ فرجعت إلى بلادك ولم أهجك؛ ولم ينلك ولا أحداً من أصحابك منى ولا
من أحد من أصحابى مكروه ، وإن أحببتَ ناجزتُك الساعة، وإن أحببت
أجلتك حتى تنظرَ فى أمرك ، وتشاور أصحابك .
فأعظم وهْرِزِ أمرهم ، ورأى أنّه لا طاقة له بهم، فأرسل إلى مسروق: بل
تضرب بينى وبينَك أجلا، وتعطينى موثيقًا وعهداً، وتأخذ مثله منّى ؛ ألاّ يقاتل
بعضنا بعضًا حتى ينقضىَ الأجلُ ، ونرى رأينا .
ففعل ذلك مسروق ، ثم أقام كلّ واحد منهما فى عسكره ، حتى إذا
مضى من الأجل عشرة أيام، خرج (١) ابن وهْرز يسير على فرس له، حتى
دنا من عسكرهم، وحمله فرسُه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه .. ووهْرِز لا يشعر
به - فلما بلغه قتلُ ابنه أرسل إلى مسروق: قد كان بينى وبينكم ما قد علمتم ،
فَلِيم قتلتم ابنى؟ فأرسل إليه مسروق: إنّ ابنك حَمَل علينا، وتوسّط عسكرنا، ٩٥٤/١
فثار إليه سفهاء من سفهائنا ، فقتلوه ، وقد كنت لقتله كارهًا . قال وهْرز
للرّسول : قل له : إنه لم يكن ابنى، إنما كانَ ابنَ زانية، ولو كان ابنى لصبر
ولم يغدر حتى ينقضىّ الأجل الذى بيننا . ثم أمر فرسِىَ به فى الصعيد حيث
ينظَر إلى جُثمانه، وحلف ألاّ يشرب خمراً، ولا يدهن رأسه حتى ينقضى
الأجل بينه وبينهم .
فلما انقضى الأجل إلاّ يومًاً واحداً ، أمر بالسّفن التى كانوا فيها فأحرقت
بالنار ، وأمر بما كان معهم من فَضْل كسوة فأحرِق ، ولم يدع منه إلاّ ما كان
على أجسادهم ، ثم دعا بكلّ زاد معهم . فقال لأصحابه : كلوا هذا الزاد ،
فأكلوه ، فلما انتهْوا أمر بفضله فألقى فى البحر ، ثم قام فيهم خطيبًا ، فقال :
أمَّا ما حرّقتُ من سفنكم ، فإنى أردت أن تعلموا أنه لاسبيل إلى بلادكم أبداً ،
وأما ما حرّقت من ثيابكم ، فإنَّه كان يغيظى إن ظفرتْ بكم الحبش أن يصير
(١) ر، ل: ((وخرج)).
ج ٢ (١٠)

١٤٦
ذلك إليهم ، وأمّا ما ألقيت من زادكم فى البحر، فإنّى كرهت أن يطمع أحد
منكم أن يكون معه زاد يعيش به يومًاً واحداً ، فإن كنتم قومًا تقاتلون معى
وتصبرون أعلمتمونى ذلك . وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفى هذا حتى
يخرج من ظهرى؛ فإنى لم أكن لأمكّنَهم من نفسى أبداً . فانظروا ما تكون
حالكم ، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسى! فقالوا : لا بل نقاتل معك
حتى نموت عن آخرنا ، أو نظفر.
فلما كان صبح اليوم الذى انقضى فيه الأجلُ عبّى أصحابَه، وجعل البحر
٩٥٥/١ خلْفه، وأقبل عليهم يحضّهم على الصبر، ويعلمهم أنهم منه بين خَلْتين، "
إمَّا ظفروا بعدوّهم، وإمّا ماتوا كرامًا، وأمرهم أن تكون قسيتهم موترة، وقال:
إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشْقًا بالبَنْجكان - ولم يكن أهل اليمن رأوا
النشّاب قبل ذلك - وأقبل(١) مسروق فى جَمْع لا يرى طرفاه على فيل على
رأسه تاج، بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة ، لا يَرَى أنّ دونَ الظفر شيئًا.
وكان وهْرِزِ قد كلّ بصره فقال: أرونى عظيمهَم ، فقالوا : هو صاحب
الفيل ؛ ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسًا ، فقالوا : قد ركب فرسًا ،
فقال : ارفعوا لى حاجبَىّ ، وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر ، فرفعوهما
بعصابة ، ثم أخرج نُشّابة ، فوضعها فى كبد قوسيه ، وقال : أشيروا لى إلى
مسروق ، فأشاروا له إليه حتى أثبته (٢)، ثم قال لهم : ارموا، فرموا ، ونزع فى
قوسه حتى إذا ملأها (٣) سرح النشابة، فأقبلت كأنها رشاء، حتى صكّت
جبهة مسروق ، فسقط عن دابَّته ، وقتل فى ذلك الرّشق منهم جماعة كثيرة ،
وانفضّ صفّهم لما رأوا صاحبتهم صريعًا، فلم يكن دون الهزيمة شىء ، وأمر
وهْرز بحثّة ابنه من ساعته فووريت، وأمر بجثة مسروق ، فألقيت مكانها ، .
وغتتم من عسكرهم ما لا يحصى ولا يُعدّ كثرة، وجعل الأُسوار يأخذ من الحبشة
ومن حِمْير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتّفين ، لا يمتنعون منه .
(١) ح: ((فأقبل)).
(٢) أثبته : عرفه حق المعرفة .
(٣) ح: ((ملأ بها)).

١٤٧
فقال وهرِز: أمّا حمير والأعراب فكفّوا عنهم ، واقصدوا قصد السودان فلا
تُبقوا منهم أحداً . فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد ، وهرب
رجل من الأعراب على جَمَل له ، فركضه يومًاً وليلة ، ثم التفت ، فإذا فى
الحقيبة نُشّابة، فقال: لأمك الويل! أبُعْدٌ أم طول مسير - حسب أن ٩٥٦/١
النشابة لحقته . وأقبل وهْرزحتى دخل صنعاء ، وغلب على بلاد اليمن، وفرّق
عمَّاله فى المخاليف .
وفى ابن ذى يزن وما كان منه ومن وهْرز والفُرس ، يقول أبو الصّلْت
أبو أميّة بن أبى الصَّلت الثقفىُّ :
رَيَّمَ فى البحر لِلأعداء أحوالا(١)
لَيَطْلُبِ الْوِثْرَ أَمْثَالُ ابنِ ذِى يَزَنِ
فَلَمْ يُحِدْ عِنْدَه بَعْضَ الذى قالا(٢)
أَنِى مِرْقَلَ وقد شالَتْ نَعَامِنُهُمْ
مِنَ السِّنين لقَدْ أَبْعَدْتَ إيفالا
ثمّ انْتَحَى تَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ سَابعةٍ
حتى أتى بِبَنِ الْأَحْرَارِ يَحْيِلُهُمْ إِنْكَ لَمَعْرِّ لَقَدْ أَطْوَلْتَ قَلْالا(٣)
مَنْ مِثْلُ كِسْرَى شَهَنْشَاءِ المُوكِ له ، أَوْ مِثْلُ وهْرِزَ يَوْمَ الْجَيْشِ إِذْصالا!
مَا إِنْ تَرَى لَهُمُ فِى النّاس أمثَالا
لله دَرُّهُمُ مِنْ عُصْبةٍ خرجوا
غُرّ جَجَاجِحَةٌ، بيضٌ مَرَازبةٌ، أُنْدٌ تُرَبِّبُ فى الغَيْضَاتِ أَشْبَالا
يَرْمُونَ عن شِدُفٍ كأنَّا غُبُطٌ
أُرْسَلْتَ أَسْداً عَلى سُودِ الكلابِ فَقَدْ
فَأَشْرَبْ هَنَيْئاً عَلَيْكَ التَّاجُ مُتْكِئًاً
١/ ٩٥٧
فى زَمْخَرٍ يُعْجِلُ المرمِىّ إعِجَالا(٤)
أَضْحَى شَرِيدُهُمُ فى الأرْضِ فَلَالا
فِى رَأْسٍ غُمْدَانَ دَاراً مِنْكَ مِحْلَالا
(١) القصيدة فى ابن هشام ١: ٥٢، وقال: ((وتروى لأمية بن أبي الصلت)). ريم فى البحر:
أقام فيه .
(٢) شالت نعامنهم ، أى هلكوا، والنعامة فى الأصل: باطن القدم .
(٣) بنو الأحرار : الفرس، والقلقال: شدة الحركة .
( ٤) يراد بالشدف هنا القسى . والغبط: الهوادج. والزمخر : القصب الفارسى .

١٤٨
وأسْبِلِ اليَوْمَ فى بُرْدَيْكَ إسْبَلا
وَأَطْلِ بِالْمِسْكِ إِذْ قَالَتْ نَعَامَتُهُمْ
شِيبًا بماءٍ فَعَادَا بَعَدُ أَبْوالا(١)
تِلكَ المَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِن لَبَنٍ
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فلما انصرف وهرز إلى كسرى،
وملّك سيفاً على اليمن، عدا على الحبشة فجعل يقتّلها ويبقر النساء عمّا فى بطونها،
حتى إذا أفناها إلّ بقايا ذليلة قليلة، فاتخذهم خَوَلا، واتخذ منهم جمّازين
يسعون بين يديه بحرابهم ، فمكث بذلك حينًا غير كثير. ثم إنه خرج يوماً والحبشة
تسعى بين يديه بحرابهم ؛ حتى إذا كان فى وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه ،
ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث ، فأفسد ، فلما بلغ ذلك كسرى
بعث إليهم وهْرِزِ فى أربعة آلاف من الفُرْس، وأمره ألا يترك باليمن أسْوَد ولا
ولدَ عربيّة من أسْوَد إلاّ قتله ؛ صغيراً أو كبيراً، ولا يدع رجلا جَعْداً
قَططًا (٢) قد شرك فيه السودان إلاّ قتله .
فأقبل وهْرِز ، حتى دخل اليمن ، ففعل ذلك؛ ولم يترك بها حبشيًا إلا
قتله ، ثم كتب إلى كسرى بذلك ، فأمره كسرى عليها . فكان عليها ، وكان
يَجْبِيها إلى كسرى حتى هلك، وأمّر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرز،
فكان عليها حتى هلك، فأمّر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى
هلك، ثم أمر كسرى بعده خُرَّ خسْرَه بن البينجان بن المرزبان بن وهْرز،
فكان عليها .
ثم إنَّ كسرى غضب عليه ، فحلف ليأتينّه به أهلُ اليمن يحملونه على
أعناقهم ففعلوا ، فلما قدم على كسرى تلقّاه رجل من عظماء فارس ، فألقى
عليه سيفًا لأبى كسرى ، فأجاره كسرى بذلك من القَتْل ونزعه ، وبعث باذان
إلى اليمن ، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمداً صلّى الله عليه وسلَّم .
وكان - فيما ذُكِر - بين كسرى أنو شِرْوان وبين يخطيانوس ملك
(١) قال ابن هشام بعد أن أورد الأبيات: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها ، إلا
آخرها بيتا، قوله: ((تلك المكارم لاقعبان من لبن)). (٢) الجعد: القصير الشعر، وكذلك القطط.
٩٥٨/١

١٤٩
الروم ، موادعة وهدنة ، فوقع بين رجل من العرب كان ملتكه يخطيانوس على
عرب الشأم ، يقال له خالد بن جبلة ، وبين رجل من لَخْ ، كان ملكه
كسرى على ما بين ◌ُمان والبَحْرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومَنْ
فيها من العرب؛ يقال له المنذر بن النعماننائرة (١)، فأغار خالد بن جبلة على
حيّز المنذر، فقتل من أصحابه مقْتلة عظيمة ، وغنيم أموالاً من أمواله .
فشكا ذلك المنذر إلى كسرى ، وسأله الكتاب إلى ملك الروم فى إنصافه من
خالد . فكتب كسرى إلى يخطيانوس ، يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة ٩٥٩/١
والصلح ، ويعلمه ما لقِىَ المنذر عامله على العرب من خالد بن جَبلة الذى
ملكه على مَنْ فى بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالداً أن يردّ على المنذر
ما غنم من حَيّزه وبلاده، ويدفع إليه دية مَنْ قتل من عربها . وينصف
المنذر من خالد ، وألاّ يستخفّ بما كتب به من ذلك ، فيكون انتقاض
ما بينهما من العهد والهدنة بسببه .
وواتَر الكُتب إلى يخطيانوس فى إنصاف المنذر ، فلم يحفِل بها ، فاستعدّ
كسرى ، فغزا بلاد يخطيانوس فى بضعة وتسعين ألف مقاتل ، فأخذ مدينة
دارا، ومدينة الرُّهاء، ومدينة مَنْج، ومدينة قِنّسْرِين ، ومدينة حلب ،
ومدينة أنطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشأم - ومدينة فامية ، ومدينة
حِمْص؛ ومدنًا كثيرة متاخمة لهذه المدائن ؛ عَنْوة ، واحتوى على ما كان
فيها من الأموال والعروض، وسبتى أهلَ مدينة أنطاكية، ونقلهم إلى أرض
السواد ، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طَيْسَبُون على بناء مدينة
أنطاكية .. على ما قد ذكرت قبل - وأسكنهم إياها؛ وهى التى تسمتى الرومية،
وكَوّر(٢) لها كورة، وجعل لها خمسة طساسيج: طسُّوج بهْروان الأعلى، وطَسُوج
نهر وان الأوسط، وطَسوج بهروان الأسفل، وطَسوج بادرايا، وطَسَّوج باكُساياء.
وأجرى على السَّبْى الذين نَقَلهم من أنطاكية إلى الروميّة الأرزاق. وولّى القيام
بأمورهم رجلاً من نصارى أهل الأهواز ، كان ولاه الرياسة على أصحاب
٩٦٠/١
(١) النائرة : العداوة .
(٢) ر، ن: ((وكور بها)).

١٥٠
صناعاته(١)، يقال له: بَراز، رِقّة منه لذلك السَّبِى، إرادة أن يستأنسوا ببراز
لحال ملّته ، ويسكنوا إليه . وأما سائر مدن الشام ومصر فإنّ يخطيانوس ابتاعها
من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه ، وضُّمِن له فدية يحملها إليه فى كلّ
سنة على ألا يغزوَ بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابًا ، وختم هو وعظماء
الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه فى كلّ عام .
وكان ملوك فارس يأخذون من كُوَرَ من كُورِهِم قبل ملك كسرى أنوشِرْوان
فى خراجها الثُّلث، ومن كُوَرَ الرّبع، ومن كُوَر الخمس ، ومن كُوَر
السدس ؛ على قدر شَرْبها وعمارتها ، ومن جزية الجماجم شيئًا معلومًا ، فأمر
الملك قُباذ بن فَيْروز فى آخر ملكه بمسْح الأرض ؛ سهلها وجبلها ليصحّ
الخراج عليها ، فمُسِحت؛ غير أن قُباذ هلك قبل أن يستحكيم له أمرُ تلك
المساحة ؛ حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستمامها وإحصاء النخل والزيتون
والجماجم ، ثم أمر كتّابه فاستخرجوا جُمل ذلك، وأذن للناس إذنًا عامًا ،
وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التى استخرجت من أصناف غلات
الأرض ، وعدد النخل والزيتون والجماجم ، فقرأ ذلك عليهم ، ثم قال لهم كسرى:
إنا قد رأينا أن نضع على ما أحْصِى من جِرْبان(٢) هذه المساحة من النخل والزيتون
والجماجم وضائع (٣)، ونأمر بإنجامها فى السنة فى ثلاثة أنْجُم، ونجمع فى بيوت
أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثَغْر من ثغورنا ، أو طَرَف من أطرافنا
فَثْق أو شىء نكرهه ، واحتجنا إلى تداركه أو حَسْمه ببذلنا فيه مالا، كانت
الأموال عندنا معدّة موجودة، ولم تُرد استئناف اجتبائها على تلك الحال.
فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه ؟
٩٦١/١
فلم يُشير عليه أحد منهم فيه بمشورة ، ولم ينبس بكلمة ، فكزّر كسرى
هذا القول عليهم ثلاث مرات . فقام رجل من عُرْضهم وقال لكسرى: أتضعُ
أيها الملك عمرك الله - الخالد من هذا الخراج على الفانى من كَرْمٍ يموت، وزَّرْع
يتهيج (٤)، ونهرٍ يغور، وعيْن أو قناة ينقطع ماؤها! فقال له كسرى: ياذا الكلفة
(١) ح: ((مبتاعاته)).
(٢) الجربان : جمع جريب ؛ وهو مقدار معلوم من
الأرض ؛ نقل عن قدامة الكاتب أنه ثلاثة آلاف وستمائة ذراع .
(٣) الوضيعة: ما يأخذه السلطان من الخراح والعشور.
(٤) يهيج : بيبس .

١٥١
المشئوم ، منْ أى طبقات الناس أنت ؟ قال: أنا رجل من الكتّاب ، فقال
كسرى: اضربوه بالدّوَى (١) حتى يموت، فضربه بها الكتّاب خاصة تبر ؤًا منهم
إلى كسرى من رأيه وما جاء منه ، حتى قتلوه . وقال الناس : نحن راضون أيُّها
الملك بما أنت مُلزِمنا من خراج .
٩٦٢/١
وإنّ كسرى اختار رجالا من أهل الرأى والنصيحة، فأمرهم بالنظر فى
أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدة النخل والزيتون ورءوس أهل الجزية .
ووضع الوَضائع على ذلك بقدر ما يرون أنّ فيه صلاح رعيته ؟ ورفاعة (٢)
معاشهم ، ورفعه إليه . فتكلّم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه فى ذلك من تلك
الوضائع ، وأداروا الأمر بينهم ، فاجتمعت كلمتهم على وَضْعِ الخراج على
ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والأرزّ والكَرْم والرَّطاب والنخل
والزيتون؛ وكان الذى وضعوا على كلّ جَرِيب أرض مِنْ مزارع الحنطة والشعير
درهمًا، وعلى كلّ جَريب أرض كَرْم ثمانية دراهم؛ وعلى كلْ جَرِيب
أرض رطاب سبعة دراهم ، وعلى كل أربع نخلات فارسيّة درهمًا ، وعلى كلّ
ستّ نخلات دَقَل (٣) مثل ذلك؛ وعلى كلّ ستة أصول زيتون مثل ذلك؛
ولم يضعوا إلاّ على كل نخل [فى](٤) حديقة، أو مجتمع غير شاذ"، وتركوا ما سوى
ذلك من الغلآت السّبع. فقوىَ الناس فى معاشهم، وألزمُوا الناس الجِزْية
ما خلا أهلَ البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتّاب، ومَنْ كان فى خدمة
الملك، وصيّروها على طبقات: اثنى عشر درهمًا وثمانية وستة وأربعة، كقَدْر
إكثار الرجل وإقلاله، ولم يُلزِموا الجزية مَنْ كان أتى له من السنّ دون العشرين
أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيتها وأمر بإمضائها والاجتباء
عليها فى السنة فى ثلاثة أنجُ ، كلّ نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار ، وتأويله
((الأمر المتراضَى))؛ وهى الوضائع التى اقْتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد
الفرس، وأمر باجتباء أهل الذمة عليها، إلاّ أنه وضع على كلّ جَرِيب أرض
غامر على قدر احتماله ؛ مثل الذى وضع على الأرض المزروعة ، وزاد على كل
(١) الدوى: جمع دواة؛ وهى أداة يوضع فيها الخبر.
(٢) ح: ((رفاهية)) وهما بمعنى.
(٣) الدقل : أردأ التمر.
(٤) من سى

١٥٢
٩٦٣/١ جريب أرض مزارع حنطة أو شعير قفيزاً من حِنْطة إلى القفيزين، ورزق منه
الجند . ولم يخالف عمر بالعراق خاصّة وضائعَ كسرى على جِرْبان الأرض
وعلى النخل والزيتون والجماجم ، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس .
وأمر كسرى فدوّنت وضائعه نُسخًا ، فاتُّخذت نسخة منها فى ديوانه
قبله ، ودفعت نسخة إلى عمّال الخراج، ليجتبوا خراجتهم عليها، ونسخة إلى
قضاة الكُور، وأمر القضاة أن يحولوا بين مُمّال الكُوَر والزيادة على أهل الخراج
فوق ما فى الديوان الذى دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كلّ مَنْ
أصاب زرعه أو شيئًا من غلاّته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة ، وعمّن هلك من
أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة ، ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك ؛ ليأمر
بحسبه للعمال، وألاّ يخلُّوا بين العمّال وبين اجتباء مَنْ أتى له دون عشرين سنة.
وكان كسرى ولى رجلا من الكتّاب- نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية،
يقال له بابك بن البيروان - ديوان المقاتلة، فقال لكسرى: إنّ أمرى لا يتمّ
إلا بإزاحة عدّى فى كلّ ما بى إليه الحاجة من صلاح أمر الملك فى جنده .
فأعطاه ذلك ، فأمر بابك فبنيت له فى الموضع الذى كان يعرض فيه الجند
مصطبة وفرش له عليها بساط سُوسَتجرد ونَمَط صوف فوقه ، ووضعت
له وسائد لتُکاته ، ثم جلس على ما فرش له، ثم نادىمنادیه فیشاهد عسکر
٩٦٤/١ كسرى من الدر أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجّالة على
ما يلزمهم من السّلاح، فاجتمع إليه الجُند على ما أمرهم أن يحضروه عليه ،
ولم يعاين كسرى فيهم ؛ فأمرهم بالانصراف ، ونادى مناديه فى اليوم الثانى بمثل
ذلك، فاجتمع إليه(١) الجند. فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا، ويغدوا (٢)
إليه ، وأمر مناديّه أن ينادى فى اليوم الثالث: ألاّ يتخلف عنه من شاهد العسكر
أحد ، ولا من أكرم بتاج وسرير ؛ فإنه عَزْم لا رُخصةَ فيه ولا محاباة . فبلغ
ذلك كسرى ، فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة ، ثم أتى بابك
(١) ر: ((عليه)).
(٢) ر: ((ويعودوا)).

١٥٣
ليعترض عليه ، وكان الذى يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف (١) ودرعا،
وجَوْشنا(٢)، وساقين، وسيفًا، ورمحًا، وترسًا، وجُرْزاً تلزمه منطقة ، وطبرزينا
أو عموداً، وجعبة فيها قوسان بوتريهما، وثلاثين شابة ووترين مضفورين يعلّقهما
الفارس فى مِغْفر له ظهريًّا .
فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوتريْن اللذين كان
يستظهربهما . فلم يجز بابك عن اسمه ، وقال له : إنّك أيها الملك واقف فى
موضع المعْدَلة التى لا محاباة تكون منَّى معها ولا هوادة، فهلمّ كلّ ما يلزمك
من صنوف الأسلحة . فذكر كسرى قصة الوترين فتعلّقهما ، ثم غرّد داعى
بابك بصوته ، وقال: للكمىّ سيّد الكماة أربعة آلاف درهم ، وأجاز بابك
عن اسمه ، ثم الصرف . وكان يفضّل الملك فى العطاء على أكثر المقاتلة عطاء
بدرهم .
٩٦٥/١
فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى ، فقال : إن غِلْظَى فى الأمر
الذى أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك ؛ إنما هى لأن ينفذ لى عليه الأمر
الذیوضعتی بسبیله، وسبب من أوثق الأسباب لما یرید الملك إحكامە مکانی(٣).
فقال كسرى : ما غلُظ علينا أمرٌ أريد به صلاح رعيّتنا، وأقيم عليه أوَدُ
ذى الأوَد منهم .
ثم إنّ کسری وجه معرجل من أهل اليمن يقال له سَيْفان بنمعد يكرب
- ومن الناس من يقول إنّه كان يسمى سيف بن ذى يزن - جيشًا إلى اليمن ؛
فقتلوا من بها من السودان، واستولوا عليها . فلمّا دانت لكسرى بلاد اليمن وجه
إلى سَرَنْديب من بلاد الهند - وهى أرض الجوهر - قائدا من قوّاده فى جند
كثيف ، فقاتل ملكها فقتله، واستولى عليها ، وحمل إلى كسرى منها أموالا
عظيمة ، وجوهراً كثيراً .
ولم يكن ببلاد الفرس بناتُ آوى ، فتساقطت إليها من بلاد الترك فى
مُلْك كسرى أنوشِرْوان ؛ فبلغ ذلك كسرى ؛ فبلغ ذلك منه مشقة ، فاعا
(١) التجافيف : جمع تجفاف، بالكسر ؛ وهو من آلات الحرب .
(٢) الجوشن : نوع من الدروع .
(٣) ر، ل: ((بمكانى)).

١٥٤
بموْبَذان موبذ ، فقال: إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا ، وقد تعاظم
الناسُ ذلك، فتعجّبنا من استعظامهم أمرها لهوانها، فأخْبِرنا برأيك فى ذلك .
فقال له موبذان مَوْبَذ: فإنّى سمعت أيها الملك- عمرك اللّه - فقهاءنا
يقولون: متى لا يغمر فى بلدة العدلُ الجورَ، ويمْحق، بُلِيَ أهلها بغزو
أعدائهم لهم ، وتساقط إليهم ما يكرهون ، وقد تخوّفت أن يكون تساقط
٩٦٦/١ هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب. فلم يلبث كسرى أنْ
تناهى إليه أنّ فتيانًا من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وأصحاب
أعماله ألا يتعدَّوْا فيما هم بسبيله العدل ، ولا يعملوا فى شىء منه إلا به ،
فصرف اللّه لما جرى من العدل ذلك العدوّ عن بلاده من غير أن يكون
حاربهم ، أو كلف مؤونة فى أمرهم
وكان لكسرى أولاد متأدّبون ، فجعل الملك من بعده لهُرمُز ابنه الذى
كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة
وما رجا بذلك من ضبط هُومُز المُلْك وقدرته على تدبير الملْك (١) ورعيته (٢)
ومعاملتهم
وكان مولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى عهد كسرى أنو شروان، عام
قديم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة، وساق فيه إليها الفيل ؛
يريد هدم بيْت الله الحرام ؛ وذلك لمضى اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى
أنوشروان . وفى هذا العام كان يوم جبلة ، وهو يوم من أيّام العرب مذكور.
(١) ح، ن: ((ملكه)).
(٢) ح، ن: ((ورعيتهم)).

ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
حدّثنا ابن المثنّى ، قال : حدّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثنا أبى،
قال : سمعت محمد بن إسحاق يحدّث عن المطّلب بن عبد الله بن قَيْس بن ١ /٩٦٧
محرمة ، عن أبيه ، عن جدّه، قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم
عامَ الفيل .
قال : وسأل عثمان بن عفّان قَباث بن أشْيم ، أخا بنى عمرو بن
لَيْث: أنت أكبر أم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ قال: رسول اللّه صلّى الله
عليه وسلم أكبرُ منى، وأنا أقْدَمُ منه فى الميلاد، ورأيت خَذْق(١) الفيل
أخضر محيلا بعْده بعام، ورأيت أُميّة بن عبد شمس شيخًاً كبيراً يقودُه
عبْدُه. فقال ابنه : ياقَبَاث، أنت أعلم وما تقول .
حدّثنا ابن حُميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن المطّلب
ابن عبد الله بن قيس بن مخرمة ، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة ، قال
ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، فنحن لِدَان(٢)
وحدّثت عن هشام بن محمد ، قال: وُلِد عبد اللّه بن عبد المطلب
أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع وعشرين مَضَت من سلطان كسرى
أنوشِرْوان، وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنة اثنتين وأربعين من سلطانه .
وحُدّثت عن يحيى بن معين ، قال: حدّثنا حجّاج بن محمد ، قال:
حدثنا يونس بن أبى إسحاق ، عن أبى إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عبّاس ، قال: وُلد رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الفيل.
حدّثت عن إبراهيم بن المنذر، قال : حدثنا عبدُ العزيز بن أبى ثابت،
(١) خذق الفيل : روثه.
(٢) الخبر فى ابن هشام ١: ١٠٧؛ لدان: مثنى لدة؛ وهو الترب.
١٥٥

١٥٦
قال : حدّثنا الزّبير بن موسى ، عن أبى الحُويرث ، قال: سمعت عبدَ الملك
ابن مَرْوان يقول لقُباث بن أشْيَم الكِنانىّ الليثىّ: يا قباث، أنتَ أكبر أم
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكبر منى
وأنا أسنّ منه، ولد رسول الله صلى الله عليه وسلّم عامَ الفيل، ووقفت بى أمىّ
على روث الفيل محيلا أعقله .
حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سَامة ، قال : حدّثنى ابن إسحاق ،
قال: ولد رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الاثنين عام الفيل، لا تَنَتَىْ عشرة
مضت من شهر ربيع الأول؛ وقيل إنه وُلد صلّى الله عليه وسلّم فى الدَّار التى
تُعْرَف بدار ابن يوسف؛ وقيل: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان وَهَبَها
لعتَقِيل بن أبى طالب، فلم تَزَّلْ فى يدعَقِيل حتى توفّى، فَباعها ولده من
محمد بن يوسف ، أخى الحجاج بن يوسف، فبنى دارَه التى يُقال لها دار
ابن يوسف ، وأدخل ذلك البيتَ فى الدَّار ، حتى أخرجتْه الحيْزُران
فجعلَتْه مسجداً يصلّى فيه .
حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلّمة، عن ابن إسحاق، قال :
يزْعِمُون فيما يتحدّث الناس - والله أعلم - أنَّ آمنة بنت وهب أمّ رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم، كانت تُحدّث أنَّها أتِيَتْ لمَا حَمَلت برسول الله صلّى
الله عليه وسلّم، فقيل لها: إنك قد حملت بسيّد هذه الأمّة، فإذا وقع بالأرْض
فَقُولى: أعيذُه بالواحد، من شرّ كلّ حاسد، ثم سمّيه محمداً. ورأتْ حين
حَمَلت به أنَّه خرج منها نور رأت منه قُصور بُصْرَى من أرض الشَّام،
فلمَّا وضعته أرسلت إلى جدّه عبد المطلب، أنَّه قد ولد لك غلام فأته فانظُر
إليه . فأتاه فنظر إليه ، وحدَّثَتْه بما رأتْ حين حملت به ، وما قيل لها فيه .
وما أمِرت أن تسمّيه .
حدّثنى محمد بن سنان القزَّاز، قال : حدثنا يعقوب بن محمد الزُّهْرىّ،
قال : حدّثنا عبدُ العزيز بن عمران، قال: حدثنى عبدُ اللّه بن عثمان بن
أبى سُلَيمان بن جُبير بن مُطْعِيمٍ، عن أبيه، عن ابن أبى سُوَيَد الثقفىّ، عن
٩٦٨/١

١٥٧
عثمان بن أبى العاص ، قال : حدثتنى أمى أنَّها شهدت ولادة آمنة بنت وهب ٩٦٩/١
أمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - وكان ذلك ليلَ وَلَدتْه - قالت: فما شىء
أنظر إليه من البيت إلاَّ نَوَّر، وإنى لأنظُر إلى النجوم تَدْنو، حتى إنى لأقول:
لتقعنَّ عَلَىَّ .
حدَّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلّمة، عن ابن إسحاق ، قال :
فيَزْعُون أنَّ عبد المطلب أخذَهُ فدخل به على هُبَل فى جوف الكَعْبة،
فقام عنْدَه يدعو الله ويشْكُر ما أعطَاه، ثمَّ خرج به إلى أمّه فدفعه إليها،
والْتَمَسَ له الرُّضَعَاء ، فاسترضع له امرأةً من بنى سعد بن بكر ، يقال لها
حليمة ابنة أبى ذُؤَيْب ، وأبو ذئيب عبداللّه، بن الحارث ، بن شِجْنَة ، بن
جابر ، بن رِزام، بن ناصرة، بن فُصيّة، بن سعد، بن بكر ، بن هوازن، بن
منصور، بن عِكْرمة، بن خَصَفّة، بن قَيْس، بن عَيْلان، بن مُضَر.
واسم الذى أرضعه : الحارث بن عبد العزّى ، بن رفاعة، بن مِلأَّن ، بن
ناصرة، بن فُصيّة، بن سعد، بن بكْر ، بن هَوَازِن ، بن منصور ، بن
عِكْرِمَة ، بن خَصَفَة، بن قيْس، بن عيلان ، بن مضر. واسم إخْوَته من
الرَّضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنَيْسة ابنة الحارث، وخذامة (١) ابنة الحارث
وهى الشَّيْماء ، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف فى قومِهَا إلا به .
وهى حليمة ابنةُ عبد الله بن الحارث، أمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛
ويزعمون أنّ الشّيْماء كانت تَحْضُنُه مع أمّها إذ كان عندهم صلّى الله عليه
وسلّم (٢).
وأمَّا غير ابن إسحاق ، فإنه قال فى ذلك ما حدّثنى به الحارث ، قال :
حدّثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى موسى بن
شَيْبَة، عن عميرة ابنة عُبيد اللّه بن كعب بن مالك، عن بَرَّة ابنة
(١) قال السبيلى: ((خذامة، بكسر الخاء المنقوطة))، ونقل أيضاً أنه يقال: حذافة،
بالحاء المضمومة ، وبالفاء مكان الميم )) .
(٢) الخبر فى ابن هشام ١ : ١٠٨.

٩٧٠/١
١٥٨
أبى تُجْزَأة، قالت: أوَّلُ من أرضعَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثُوَيْبة،
بلبنِ ابنٍ لها - يُقال له مَسْرُوح - أيامًا قبل أن تقدّم حليمة ؛ وكانت
قد أرْضَعَت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرْضَعَت بعدَه أبا سلمة بن
عبد الأسد المخزومىّ .
حدّثنا ابن حُميد، قال : حدّثنا سلمةٌ، قال : حدّثَنى ابن إسحاق-
وحدَّثنا هنَّاد بن السَّرِىّ، قال : حدثنا يونس بن بُكير ، قال : حد ◌ّثنا
ابن إسحاق. وحدّثنى هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدَّثنا المُحَاربىّ ،
عن ابن إسحاق . وُحْدَّثنا سعيد بن يحيى الأموىّ ، قال: حدّثّنى عمّى محمد
ابن سعيد ، قال: حدثنا محمد بن إسحاق - عن الجهم بن أبى الجهم مولى
عبد الله بن جعفر ، عن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ، قال : كانت
حليمة ابنة أبى ◌ُ ذُؤَيْب السَّعدية أمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التى أرْضَعَتْه.
تُحدّث أنها خَرَجَتْ من بلدها معها زوجُها وابنٌ لها ترضعه فى نسوةٍ من
بنى سعد بن بكر، تَلْتمسُ الرُّضَعَاءِ (١)، قالت : وذلك فى سَنَة شهْبَاء
لم تُبْقِ شيئًا، فَخَرَجْتُ على أتان لى قَمْرَاء، معنا شارفٌ(٢) لنا؛ واللّه
ما تبِضّ بقطرة، وما ننام ليْلَنا أجمعَ من صَّبِيّنا الذى معى من بكائه مِن
الجوعِ ، وما فى تَدْبِى مَا يُغْنيه، وما فى شَارِفِنا ما يغذُوه(٣)، ولكنّا نرجو
الغيثَ والفرجَ ؛ فخرجتُ على أتانى تلك، فلقد أُذمّت (٤) بالرَّكب حتى شقّ"
ذلك عليهم ضعفًا وعَجَفًا ، حتى قدمنا مكَّةً نلتمسُ الرُّضعاء ، فما منَّا
امرأة إلاَّ وقد عُرضَ عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتَأبَاه إذا قيل لها إنَّه
٩٧١/١. يتيمٌ"، وذلك أنَّا إنَّما نرجو المعروفَ من أبى الصَّبِىّ، فكنّا نقولُ: يتيم
(١) الرضعاء ؛ يريد بها المراضع؛ وأما الرضعاء فهو جمع رضيع؛ وأول السهيلى رواية ابن
إسحاق من وجهين : أحدهما حذف المضاف ؛ كأنه قال: ذوات الرضعاء ، والثانى أن يكون أراد
بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ؛ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه ، فقد وجدوا له رضيعاً
(٢) الشارف من الإبل: المسنة الهرمة.
يرضع معه .
(٣) فى ابن هشام: ((ما يغديه)).
(٤) قال السهيلىّ: أذمت ، أى جاءت بما يذم عليه .

بوه.
١٥٩
ما عسى أن تصنع أمّهُ وجده! فكنا نكرهه لذلك؛ فما بَقِيَتْ امرأةٌ قَدِمَتْ
مَعَى إلاَّ أخَذَتْ رضيعًا، غيرى. فلمَّا أجمَعْنا الانطلاق قلت لصاحبى :
إنى لأكْرَه أن أرجع من بين صوَاحِباتى ولم آخذْ رضيعًا، والله لأذهبنَّ
إلى ذلك اليتيم فلا خُذَنَّه ، قال : لا عليك أن تفعلى ، فعسى الله أن يجعل
النا فية بركة! قالت: فذهبتُ إليه فأخَذْتُه وما حملنى على ذلك إلاّ أنى لم
أجد غيرَه . قالت : فلما أخذْتُه رجعت به إلى رحْلى ، فلمَّا وضعته فى
حِجْرَى أقبَل عليه تدْيَاىَ بما شاء من لبن، فشرب حتَّى روِىَ، وشربَ
معهْ أَخُوه حتى رَوِىَ، ثم ناما- وما كان ينامُ قبلَ ذلك - وقام زوجى إلى
شارِفنا تلك، فنظر إليها فإذا إنّها لحافل ، فحلبَ منها حتَّى شرِبَ وشربتُ ،
حتى انتهيْنَا رِيًّا وشَبَعًا، فبتْنَا بخيْر ليلة . قالت : يقول لى صاحبى حين
أصبحتُ : أتعلمين والله يا حليمة، لقد أخذت نسمةً مباركة ، قلت : والله
إنى لأرجو ذلك. قالت: ثُمَّ خرجنَا وركبتُ أتانى تلك، وحملتُهُ عَليْها
معى، فواللّه لقَطَعَّتْ بنا الرَّكْب ما يقدَمُ عليهَا شىءٌ من حُمُرِهِم،
حتَّى إن صواحبى ليَقُلْنَ لى: يا بنةَ أبى ذُؤَيْب، اربَعِى (١) علينا.
أليسَ هذه أتانَكَ التى كنتِ خرجتِ عليها ؟ فأقولُ لهنّ: بلى واللّه، إنها لهى
هی ، فیقلن : والله إنّ لها لشأنًا. قالت : ثمَّ قدمنا منازِلنا من بلاد بنى سعد ،
وما أعلم أرضًا من أرضِ اللّه أجدبَ منها ، فكانتْ غنمى تروح علىّ حين
قد منْنا به معنا شباعًا لُبَّنَاً، فنحلب ونشرج، وما يحليب إنسانٌ قطرةً ولا
يجدها فى ضَرْع ، حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم : ويْلكم،
اسرحوا حيثُ يُسرَح راعى ابنة أبى ذؤيب! فَتَرُوحُ أغنامُهم جياعًا ما تَبِض" (٢)
بقطرةٍ لبن، وتروح غَنَمِيٍ شِبَاعًا لُبَّنًا فلم نزل نتعرَّف من اللّه زيادة الخير
به ، حتى مضت سنتان وفصلتُه . وكان يشِبُّ شبابًا لا يَشِبُّه الغلمان ، فلم
يبلغ سَنَّتَيْهِ حتَّى كان غلامًا جَفْراً (٣)، فقد مْنا به على أمِّه ونحن أحرص
شىء على مكثه فينا، لما كنَّا نرى من بركته، فكلَّمنا أمَّه وقلنا لها: يا ظِئْر،
لو تركْتِ بُنىّ عندى حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه وباء مكّة ! قالت:
٩٧٢/١
(١) اربعى: أقيمى وانتظرى؛ ربع فلان على فلان؛ إذا أقام عليه وانتظره.
(٣) الحفر : الشديد .
(٢) ما تبض : ما ترشح.

١٦٠
فلم نزل بها حتَّى ردَدْناه معنا . قالت: فرجعْنا به ، فوالله إنَّه بعد مقدمنا به
بأَشْهر مع أخيه فى بَهْم (١) لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخُوه يشتدُّ ، فقال لى
ولأبيه : ذلك أخى القرشىّ قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضْجَعَاه
وشقًّا بطنه وهما يسوطانه(٢). قالت: فخرجتُ أنا وأبوه نَشتدّ ، فوجدناه
قائمًا منتقعًا وجهه، قالت: فالتزمْتُه والتزمَه أَبُوه ، وقلنا له : مالك يا بنىّ ؟
قال : جاءنى رجلان عليهما ثيابُ بياض، فأضجعانى فشقًا بطنِى فالتمسا فيه
شيئًا لا أدرى ما هو ! قالت : فرجعنا إلى خبائنا . قالت : وقال لى أبوه :
٩٧٣/١ والله يا حليمة لقد خشيتُ أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله
قبل أن يظهر به ذلك ، قالت : فاحتَمَلْناه ، فقدمنا به على أمه ، فقالت :
ما أقدمَكِ به يا ظِشْر، وقد كنت حريصةً عليه وعلى مُكْثه عندك ؟ قالت:
قلتُ: قد بلغ اللّه بابنى وقضيتُ الذى علىَّ وتخوّفتُ الأحْداثَ عليه ، فأدَّيتُه
إليكِ كما تحبّين . قالت : ما هذا بشأنك ، فاصدقينى خبَرَك ، قالت :
فلم تدعى حتَّى أخبرتها الخبر ، قالت : فتخوّفت عليه الشيطانَ ؟ قالت :
فقلت : نعم ، قالت: كلاًّ والله ما للشَّيطان عليه سبيل، وإنَّ لِبُنِىَّ لشأنًا،
أفلا أخبِرُكِ خَبَرَهُ ؟ قالت: قلت: بلى ، قالت: رأيتُ حين حَمَلْتُ به
أنَّه خرج مِى نُورٌ أضاء لى قصور بُصْرَى من أرض الشام، ثم حملتُ
به ، فوالله ما رأيت من حَمْل قطُّ كان أخفّ منه ولا أيسرَ منه ، ثم وقع حين
ولدته وإنَّ لواضعٌ يديه بالأرْض ، رافعٌ رأسَه إلى السّء ؛ دعيه عنكِ وانطَلِى
راشدة (٣).
حدّثنا نصرُ بن عبد الرحمن الأزْدىّ ، قال: حدَّثنا محمد بن يَعْلَى،
عن عمر بن صُبَيْح، عن ثَوْر بن يزيد الشَّمِىّ، عن مكحول الشأمىّ ،
عن شدَّاد بن أوْس، قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، إذ أقبل شيخ من بنى عامر ، وهو مِدْرَهُ قومِه وسيّدُهم؛ من شيخ كبير
يتوكأ على عصا ، فَمَثَلَ بين يدى النبيّ صلى الله عليه وسلم قائمًا، ونسبه
(١) البهم : الصغار من الغنم .
(٢) قال السهيلى: ((يقال: سطت اللبن أو الدم أسوطه إذا ضربت بعضه ببعض، والسوط:
(٣) الخبر فى ابن هشام ١ : ١٠٨ - ١١٢.
عود يضرب به » .