النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كلَّ ثوب حسن وجدوه، وحلىّ النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يومًا - فابتاع رجل من أشرافهم فيميون ، وابتاع رجل آخر صالحًا ، فكان فيميون إذا قام من الليل- فى بيت له أسكنه إياهسيّده الذى ابتاعه- يصلّى، استسرج له البيت نوراً ، حتى يصبح من غير مصباح؛ فرأى ذلك سيّده فأعجبه ما رأى ، فسأله عن دينه فأخبره به ، فقال له فيميون : إنّما أنتم فى باطل ؛ وإنّ هذه النخلة لا تضرّ ولا تنفع؛ لو دعوت عليها الذى أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له . قال : فقال له سيّدّه: فافعل ؛ فإنك إن فعلت دخلنا فى دينك، وتركنا ما كنّا عليه ، قال : فقام فيميون ، فتطهّر ثم صلّى ركعتين، ثم دعا الله عليهما، فأرسل الله ريحاً فجعفتْها (١) من أصلها فألقتها، فاتّبعه عند ذلك أهل نجران على دينه ، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم . ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التى دخلت على أهل دينهم بكلّ أرض . فمن هنالك كانت النصرانيّة بنجران فى أرض العرب (٢). فهذا حديث وهب بن منبّه فى خبر أهل نجران . حدّثنا ابن حُميد، قال : حدّثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد، مولّى لبنى هاشم، عن محمد بن كعب القرظىّ. قال: وحدّثنى محمد بن إسحاق أيضًا عن بعض أهل نَجْران أنّ أهلَ نجران كانوا أهلَ شرك يعبدون الأوثان ، وكان فى قرية من قُراها قريبًا من نجران - ونجران القرية العظمى التى إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلّ غلمان أهل نجران السّحر ، فلما أن نزلها فيميون- قال: ولم يسموه باسمه الذى سمّاه به وهبُ بن منبُّه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نَجْران وبين تلك القرية التى بها الساحر ، فجعل أهل نَجْران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلّمهم السحر ، فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثّامر، مع غلمان أهل نَجْران، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى ١/ ٩٢٣ (١) جعفتها، أى قلعتها وأسقطتها. (٢) الخبر فى السيرة لابن هشام ١ : ٢٩: ٣٠. ١٢٢ أسلم، فوحّد الله وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم - وكان يعلمه .. فكتمه إيّاه وقال : يا بن أخى، إنك لن تحتمله؛ أخشى ضعفَك عنه. فلما أنى عليه - والثامر أبو عبد اللّه لا يظنّ إلاّ أنّ ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان- فلما رأى عبد الله أنّ صاحبه قد ضن به عنه، وتخوّف ضعفه فیہ ◌َمَد إلى قداح فجمعها، ثملم يُبْق لله اسما يعلمه إلا کتبهفى قدْح(١)؛لكل اسم قِدْح (١)؛ حتى إذا أحصاها أوقد لها ناراً، ثم جعل يقذفُهافيهاقدْ حَاقِدْحاً؛ حتى إذا مرّ بالاسم الأعظم قذف فيها بقِدْحُه ، فوثب القِدْح حتى خرج منها ، لم يضرّه شىء؛ فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه(٢) قد علم الاسم الذى كتمه ، فقال له : ما هو ؟ قال ؛ كذا وكذا ، قال : وكيف علمتَه ؟ فأخبره كيف صنع ، قال : فقال: يا بن أخى، قد أصبته فأمسك على نفسك ، وما أظنّ أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثّامر إذا أتى نَجَّران لم يلق أحداً به ضرّ إلاّ قال له: يا عبد الله، أتوحّد الله وتدخل فی دینی فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم ، فيوحّد اللّه ويسلم ، ويدعو له فيشفى، حتى لم يبق أحدٌ بنجران به ضُرّ إلا أتاه فاتّبعه على أمره، ودعا له فعُوفى، حتى رُفع شأنه إلى ملك نجران ، فدعاه فقال له : أفسدت علىّ أهل قريتى ، وخالفتَ دينى ودين آبائى، لأمثُّلنّ بك! قال : لا تقدر على ذلك ، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيُطرح عن رأسه فيقع على الأرض ، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بُحور لا يقع فيها شىء إلا هلَك، فَيُلقَى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال عبد الله بن الثامر: إنّك والله لا تقدر على قتلى حتى توحِّدَ اللّه فتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سُلّطت على فقتلتنى، فوحّد الله ذلك الملك، وشهد بشهادة عبد الله ابن الثامر، ثم ضربه بعصا فى يده فشجه شجّة غير كبيرة فقتله، فهلك الملك مكانه ، واستجمع أهلُ نجران على دين عبد الله بن الثَّامر، وكان على ما جاء ٩٢٥/١ به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ، ثمّ أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث ، فمن هنالك كان أصل النّصرانية بنجران (٣). ٩٢٤/١ (١) القدح : السهم. (٢) ح، ل (( بأنه)) . (٣) الخبر فى سيرة ابن هشام ١ : ٣١، ٣٢. ١٢٣ فهذا حديث محمد بن كعب القرظى وبعض أهل نجران عن ذلك. والله أعلم. قال : فسار إليهم ذو نواس بجنوده من حِمْر وقبائل اليمن ، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيرهم بين القتل والدخول فيها ، فاختاروا القتل، فخدّ لهم الأخدود، فحرّق بالنار، وقتّل بالسيف؛ ومثل بهم كلّ مُثْلة، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا ، وأفلت منهم رجل يقال له دَوْس ذو ثعلبان ، على فرس له ، فسلك الرَّملَ فأعجزهم . قال : وقد سمعت بعضَ أهل اليمن يقول : إنّ الذى أفلت منهم رجل من أهل نَجْران يقال له جبّار (١) بن فيض(٢). قال : وأثبت الحدیثین عندی الذی حدثنی أنه دوْس ذو ثعلبان . ١ ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن . ففى ذى نواس وجنوده تلك حدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، قال: أنزل الله على رسوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأَخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ} إلى قوله: ﴿باللهِ الْعَزِيزِ الْحمِيدِ﴾(٣). يقال : كان فيمن قَتل ذو نُواس عبد الله بن الثامر رئيسهم وإمامهم. ويقال : عبد الله بن الثامر قُتِل قبل ذلك، قَتله ملِك كان قَبْله، هو كان أصل ذلك الدين؛ وإنما قتل ذونواس مَنْ كان بعده من أهل دينه(٤). ٩٢٦/١ ١ وأما هشام بن محمد فإنه قال : لم يزل مُلك اليمن متصلا لا يطمع فيه طامع ، حتى ظهرت الحبشة على بلادهم فى زمن أنوشِرْوان . قال : وكان سببُ ظهورهم أن ذا نُواس الجمْيرىّ ملك اليمن فى ذلك الزمان ، وكان يهوديًا، فقدم عليه يهودىّ ، يقال له دَوْس من أهل نَجْران ، فأخبره أنّ أهل نجران قتلوا ابنيْن له ظلمًا، واستنصره عليهم -وأهل نَجْران نصارى- فحِمِىَ ذو نواس لليهوديّة، فغزا أهلَ نجران، فأكثرفيهم القتل، فخرج رجل (٢) ر؛ ل: ((قيض)). (١) ر، ل: ((حياز))، ح: ((حيان)). (٣) سورة البروج ٤ - ٨. قال ابن هشام: ((الأخدود: الحفر المستطيل فى الأرض كالخندق والجدول ونحوه)) . (٤) الخبر فى سيرة ابن هشام ١ : ٣١ - ٣٥ ١٢٤ من أهل نَجْران ، حتى قدم على ملك الحبشة ، فأعلمه ما ركبوا به ، وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النارُ بعضَه، فقال له : الرّجال عندى كثير، وليست عندى سفن ، وأنا كاتب إلى قيصر فى البَعْثة إلىّ بسفن أحمل فيها الرجال . فكتب إلى قيصر فى ذلك، وبعث إليه بالإنجيل المحرّق ، فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أنه حدّث أنّ رجلا من أهل نجران فى زمن عمربن الخطاب حفر خَرِبة من خَرِب نَجْران لبعض حاجاته ، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دَفَّن (١) منها قَاعداً واضعًا يده على ضَرْبة فى رأسه ممسكًا عليها بيده؛ فإذا أخُّرت يده عنها انتعبت (٢) دمًا، وإذا أرسلت يده ردّها عليها، فأمسك دمها ، وفى يده خاتم مكتوب فيه: ((ربّى اللّه)). فكتب فيه إلى عمر ٩٢٧/١ يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر: أنْ أقرُّوه على حاله، وردّوا عليه الدّفْن الذى كان عليه . ففعلوا . وخرج دَوْس ذو ثَعْلبان(٣)، حين (٤) أعجز القومَ علىوجههذلك؛ حتى قدم(٥) على قيصر صاحب الروم ، فاستنصره على ذى نُواس وجنوده ، وأخبره بما بلغ منهم ، فقال له قيصر : بعُدتْ بلادك من بلادنا ، ونأت عنا ، فلا نقدر على أن تتناولها بالجنود ؛ ولكنَّى سأكتب لك إلى ملك الحبشة ؛ فإنه على هذا الدّين ، وهو أقرب إلى بلادك منّا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بتأرك ممّن ظلمك، واستحلّ منك ومن أهل دينك ما استحلّ. فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقّه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره، وطلب (١) الدفن : بئر أو حوض أو منهل سفت الريح فيه التراب حتى دفن . (٢) انشعبت: تفجرت؛ وفى ر، ت: ((انبعثت))، ح، ل: ((انبعث)). (٣) فى ابن هشام: ((هو رجل من سبأ)). (٤) ت، ح: ((حتى)). (٥) كذا فى ت، وفى ط: ((تقدم))؛ وفى ابن هشام: ((أتى)). ١٢٥ تأرِهِ ممّن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دَوْس ذو ثَعْلبان بكتاب قيصر على النّجاشىّ صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة، يقال له أرياط؛ وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم ، وأخْرِب ثلث بلادهم ، واسْبٍ ثُلث نسائهم وأبنائهم . فخرج أرياط ومعه جنوده، وفى جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر ومعه دوْس ذو ثعلبان ، حتى نزلوا بساحل اليمن، وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومَنْ أطاعه من قبائل اليمن ، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرَّق ، لانقطاع المدّة وحلول البلاء والنِّقْمة، فلم يكن له حرب غير أنَّه ناوش ذو نواس شيئًا من قتال، ثم انهزموا ، ودخلها أرياط بجموعه ، فلما رأى ذو نواس ما رأى ممّا نزل به وبقومه وجهفرسه إلىالبحر، ثمضربهفدخلفيهفخاض بهضحضاح(١) البحر ، حتى أفضى به إلى غَمْرة ، فأقحمه فيه ، فكان آخرَ العهد به . ووطئ أرياط اليمن بالحبشة ، فقتل ثلثَ رجالها ، وأخرب ثلثَ بلادها ، وبعث إلى النجاشىّ بثلث سباياها ثم أقام بها، قد ضبطها وأذلّها ، فقال قائل من أهل اليمن ، وهو يذكر ما ساق إليهم دَوْس ذو ثعلبان من أمر الحبشة؛ فقال: ٩٢٨/١ ((لا كدَوْس ولا كأعلاقِ رَحْلِهْ)). يعنى ما ساق إليهم من الحبشة، فهى مَثَل باليمن إلى اليوم . وقال ذو جدن الحميرىّ وهو يذكر حِمْير، وما دخل عليها من الذُّلّ بعد العزّ الذى كانوا فيه ، وما هُدم من حصون اليمن ، وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سِلْحين وَبَيْنون وغُمْدان؛ حصونًا لم يكن فى الناس مثلها ، فقال : لَاَ تَهْلِكَى أَسَقاً فِى ذِكْرٍ مَنْمَاتا هَوْنَكِ لْيْسَ يَرُدُّ الدَّمْعُ مَا فاتا وَبَعْدَ سِلْحِينَ يَبْنِ النَّاسُ أَبْياتا! أَبَعْدَ بَيْنُونَ لاَ عَيْنٌ وَلاَ أَثَرٌ وقال ذو جَّدَن الحميرىّ فى ذلك : دَعِينى لا أبالكِ لَنْ تُطِيقِى لَاكِ اللهُ قَدْ أَنْزَفْتِ رِيِقِى(٢) (١) الضحضاح من الماء : الذى يظهر منه القعر. (٢) أنزفت ريقى، أى أكثرت على من العذل؛ حتى أيبست ريقى فى فى ، وقلة الريق من الحصر . قاله السهيلى . ١٢٦ وَإِذْ نُسْقَى مِنَ الخْرِ الرّحِيقِ لدَى عَزْفِ الْقِيَانِ إِذِ انْتَشَيْنا وَشُرْبُ الْخْرِ لَيْسَ عَلَىَّ عَارًا فإِنَّ الموْتَ لَا يَنْهَاهُ نَاهٍ وَلا مْتَرَهُّبٌ فِى أُسْطُوان وغُمْدَان الَّذِى حُدِّقْتِ عَنْهً بِمَنْهَمَةٍ وأسفَله جُرُوبٌ سے مَصَابِيحُ السَّلِيطِ تَلُوحُ فِيه ونَخْلَتُهُ التِى غُرِسَتْ إليه إذَا لم يَشْكُنى فيها رفيقى ولَوْ شَرِبَ الشِّغَاءَ مَعَ النَّشُوق(١) يُنَاطِحُ جُدْرُهُبَيْضَ الأَنُوق(٣) بَنَوْهُ مُسْسِكًا فى رَأْسٍ نِيقِ (٣) وحُرُّ الموحَلِ الَّنِ الزَّيقِ(٤) إِذَا يُمْسِ كَتَوْماضِ البُرُوقِ يَكَادِ الْبُسْرُ يَهْصِرُ بِالْعُذْوقِ (٥) وغيِّرَ حُسْنَه لَهَبُ الْحَرِيقِ فأصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَمَادًا وَأَسْلَمَ ذُو نُوَاسٍ مُسْتَمِيْتًا وَحَذَّرَ قَومَهُ ضَنْكِ المَضِيقِ (٦) وقال ابن الذئبة (٧) الثّقفى"، وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم : مَعَ الْمَوْتٍ يَلْحَقِه وَالْكِبَرْ لَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى مِنْ مَفَرْ لَعَمْرُكَ ما إنْ لَه مِن وَزَرْ(٨) لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى صُحِرَةٌ (١) الشفاء هنا: ما يتداوى به، تسمية للسبب باسم المسبب، والنشوق . كل دواء يدنى من الأنف لينشق . (٢) الأنوق: الرخم؛ ويقال فى المثل إذا أريد ما لا يوجد: ((أعزّ من بيض الأنوق)). (٣) رواية ابن هشام: ((مسمكا))، وهو المرتفع. والنيق: أعلى الجبل. (٤) المنهمة: موضع الرهبان. والجروب: الحجارة السوداء؛ ورواية ابن هشام ((جرون))؛ جمع جرن، وهو النقير. وحر الموحل: خالص كل شىء. واللثق، من الثق ، وهو اختلاط الماء بالتراب فيكثر منه الزلق. ( من شرح السهيلى) . (٥) ط: ((يزر))، وما أثبته من ابن هشام، قال السهيلى: أى يميل بها، والعذوق: جمع (٦) فى ابن هشام: ((مستكيناً)). عذق ، بالكسر ، وهى الكباسة . (٧) فى ابن هشام ((عبد الله بن الذئبة))، والذئبة أمه، واسمه ربيعة بن عبد ياليل بن سالم. (٨) الصحرة: المتسع، أخذ من لفظ الصحراء ، والوزر: الملجأ. ٩٢٩/١ ١٢٧ أَبَعْدَ قَبَائِلَ مِنْ حِمْيَرٍ أُتُوا ذَا صَبَاحِ بِذَاتِ العَبَرْ(١) -. (١) كمِثْلِ السَّمَاءِ قُبَيْلَ الْمَطَرْ بأَلْبِ أُوبٍ وَحَرَّابة(٢) ويَنْفُونَ مَنْ قَاتَلُوا بِالزُّمَرِ(٣) الْمُقْرَبَاتِ صِيَاحُهُمُ يُصِمُّ ب ◌َيْبَسُ منهم رطابُ الشَّجِرْ(٤) سَلَى كَمِثْلِ عَدِيدِ الثُّرًا وأما هشام بن محمد ، فإنّه زعم أنّ السفن لما قدمت على النجاشىّ من عند قيصر حمل جيشه فيها ، فخرجوا فى ساحل المنْدب . قال : فلما سمع بهم ذو نُواس كتب إلى المقَاوِل يدعوهم إلى مُظاهرته ، وأن يكون أمرُهم فى محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحداً ، فأبوْا وقالوا : يقاتل كلّ رجل عن مَقْوَلته وناحيته. فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة ، ثم حملها على عِدّة من الإبل ، وخرج حتى لقىَ جمعَهم ، فقال : هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها ، فلكم المال والأرض، واستبْقوا الرجال والذرّيّة . فقال عظيمهم: اكتب بذلك إلى الملك، فكتب إلى النّجاشىّ، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم ، فسار بهم ذو نُواس حتى إذا دخل بهم صنعاء، قال لعظيمهم : وجَّهُ ثقاتِ أصحابك فى قَبْض هذه الخزائن . ففرّق أصحابه فى قبضها ودفَع إليهم المفاتيح، وسبقت كتُب ذى نواس إلى كلّ ناحية : أن اذبحوا كلّ ثور أسودَ فى بلدكم ؛ فقتلت الحبشة، فلم يبق منهم إلا الشّريد . وبلغ النجاشىّ ما كان من ذى نُواس، فجهّز إليه سبعين ألفًا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة الأشرم ؛ فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نُواس ألاّ طاقة له بهم ركب فرسه ، واعترض البحر فاقتحمه ، فكان آخرّ العهد به . وأقام أبرهة ملكًا على صنعاء ومخاليفها ، ولم يبعث إلى النجاشىّ بشىء ، (١) ذات العبر : ذات الحزن؛ يقال: عبر الرجل؛ إذا حزن . (٢) ط: ((ألف ألوف))، وألب ألوب، أى مجتمع كثير. الحرابة: أصحاب الحراب، وانظر اللسان . (٣) المقربات من الخيل: العتاق التى لا تسرح ؛ ولكن تحبس قرب البيوت العدو. وفى ابن هشام: ((الذفر))، وهو شدة الريح . (٤) شبههم بالسعالى من الجن ؛ جمع سعلاة . ١٢٨ فقيل النجاشىّ : إنه قد خلَع طاعتك، ورأى أنه قد استغنى بنفسه، فوجّه إليه جيشاً عليه رجل من أصحابه ، يقال له أرْياط، فلما حلّ بساحته ، بعث إليه أبرهة أنه يجمعنى وإياك البلاد والدّين، والواجبُ علىّ وعليك أن ننظر لأهل بلادنا ودیننا ممّن معی ومعك، فإن شئتفبارزنى، فأيُّنا ظفر بصاحبه كان المُلْك له ، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا . فرضىَ بذلك أرياط ، وأجمع أبرهة ٩٣١/١ على المكْر به ، فاتّعدا موضعًا يلتقيان فيه ، وأكمن أبرهة لإرياط عبداً له يقال له أرنجده ، فى وَهْدة قريب من الموضع الذى التقيا فيه ، فلما التقيا سبق أرياط فزرق(١) أبرهة بحربته ، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمتى الأشرم ، ونهض أرنجده من الخضْرة ، فزرق أرياط فأنفذه ، فقتله ، فقال أبرهة لأرنجده : احتكمْ فقال : لا تدخل امرأة اليمن على زوجها حتى يُبدّأ بى، قال: لك ذاك، فُغبر بذلك زمانًا. ثم إن أهل اليمن عَدَوْا عليه فقتلوه ، فقال أبرهة : قد أنّى لكم أن تكونوا أحراراً ، وبلغ النجاشىَّ قتلُ أرياط ، فآلى ألاّ يكون له ناهية دون أن يُهريق دم أبرهة ، ويطأ بلاده ، وبلغ أبرهة أليّتُه، فكتب إليه : أيُّها الملك ؛ إنّما كان أرياط عبدك ، وأنا عبدك ، قدِمِ علىّ يريد توهينَ ملكك ، وقتل جندك ، فسألته أنيكفّ عن قتالى إلى أن أوجه إليك رسولاً، فإن أمرته بالكفّ عنى، وإلاّ سلمت إليه جميع ما أنا فيه ، فأبى إلا محاربتى ، فحاربته فظهرت عليه، وإنّما سلطانى لك ، وقد بلغنى أنّك حلفت ألاّ تنتهىَ حتى تُهريق دمى ، وتطأ بلادى . وقد بعثت إليك بقارورة من دمى ، وجراب من تراب أرضى ؛ وفى ذلك خروجك من يمينك ، فاستمّ أيّها الملك يدك عندى ؛ فإنما أنا عبدك وعزّى عزّك. فرضىَ عنه النجاشى وأقرّه على عمله . # # رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . قال : فأقام أرياط باليمن ٩٣٢/١ سنين(٢) فى سلطانه ذلك، ثم نازعه فى أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشىّ، (١) زرقه: طعنه بالمزراق؛ وهى الحربة. (٢) ح: ((سنتين)). ٦ ١٢٩ وكان فى جنده حتى تفرّقت الحبشة عليهما ، فانحاز إلى كلّ واحد منهما طائفة منهم ؛ ثم سار أحدهما إلى الآخر ، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط : إنّك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تُفِنِيتَها شيئًا ؛ فابرُز لى وأبرز لك ، فأيّنا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده . فأرسل إليه أرياط : أن قد أنصفتَنى فاخرج . فخرج إليه أبرهة ، وكان رجلاً قصيراً لحيمًا حادراً(١)، وكان ذا دين فى النصرانيّة ، وخرج إليه أرياط وكان رجلاً عظيمًا طويلاً وسيمًا وفى يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عَتْودَة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة - يريد يافوخه (٢) - فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمتْ حاجبه وعينه وأنفه وشفته؛ فبذلك سمّى أبرهة الأشرم، وحمل غلام أبرهة عَشْودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، ففال عَتْوَدة فى قتله أرياط: ((أنا عَشْوَدَهْ، من فرقة أُرِدَّه، لا أبٌّ ولا أمّ نجده))، أى يقول: قتلك عبدُهُ ، قال : فقال الأشرم عند ذلك (٣) لعْتودة: حكمك يا عتودة .. (٤) وإن كنت قتلته، ولا ينبغى لنا ذلك إلا ديته ، فقال عَتْودة: حكمى ألا تدخل عروس من أهل اليمن ٩٣٣/١ على زوجها منهم حتى أصيبتها قبله . فقال : ذلك لك ، ثم أخرج دية أرياط ، وكان كلّ ما صنع أبرهة بغير علم النجاشىّ ملك الحبشة ، فلما بلغه ذلك غضب غضباً شديداً ، وقال : عدا على أميرى ، فقتله بغير أمرى . ثم خلف ألاّ يدع أبرهة حتى يطأ بلادَه ، ويجزّ ناصيته ؛ فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ، ثم ملأ جرابًا من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشىّ ، وكتب إليه : أيُّها الملك ؛ إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك ، فاختلفنا فى أمرك ، وكلّ طاعته لك، إلاّ أنى كنت أقوى منه على أمر الحبشة ، وأضبط لها (١) الحادر: الغليظ المجتمع؛ كذا فسره صاحب اللسان؛ وأورد نص ابن إسحاق. (٢) اليافوخ: وسط الرأس. (٣) ح: ((بعد ذلك)). (٤) كذا فى ط ، وفى الكلام نقص. ج ٢ (٩) ١٣٠ وأسوسُ لها ، وقد حلقت رأسى كلّه حين بلغنى قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تُراب أرض اليمن ، ليضعه تحت قدميه فيبرْ قسمُه . فلما انتهى ذلك إلى النّجاشىّ رضى عنه، وكتب إليه: أن اثبت علىعملك بأرض اليمن ، حتى يأتيك أمرى . فلما رأى أبرهة أنّ النجاشىّ قد رضى عنه، وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبى مرّة بن ذى يزن، فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علْقمة بن مالك بن زيد بن كَهْلان - وأبو ريحانة (١) ذو جدّن، وقد كانت ولدت لأبى مرة معد يكرب بن أبى مرة ، وولدت لأبرهة بعد أبى مرة مسروق بن أبرهة، وبسياسة ابنة أبرهة، وهرب منه أبو مرّة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عتْودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينًا ، ثم عدا على عَتَوْدة رجل من حيمير - أو من خثعم - فقتله ، فلما بلغ أبرهة قتله - ٩٣٤/١ وكان رجلا حليمًا سيداً شريفًا ورعًا فى دينه من النصرانية - قال: قد أنّى لكم يا أهل اليمن أن يكونَ فيكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال ؛ إنّى والله لو علمت حين حكمته أنّه يسأل الذى سأل ما حكمتُه، ولا أنعمته عينًا، وايم الله لا يُؤخذ منكم فيه عَقْل ، ولا يتبعكم منى فى قتله شىء تكرهونه. قال: ثم إنّأبرهة بنى القُلَّيْس (٢) بصنعاء، فبنى كنيسة لم يُرمثلها فى زمانها بشىء من الأرض ، ثم كتب إلى النّجاشىّ ملك الحبشة: إنى قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرفَ إليها حاجّ العرب . فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشىّ غضب رجل من النّسَأة(٣) أحد بنى فقيم، ثم أحد بنى مالك، فخرج حتى أتى القُلِّيس فقعد (٤) فيها ، ثم خرج فلحق بأرضه ؛ فأخبر بذلك أبرهة ، فقال : من صنع هذا ؟ فقيلَ : صنعه رجل من أهل هذا البيت الذى تحجّ العرب إليه بمكة ، لما سمع (١) ط: ((مرة))؛ والصواب ما أثبته، وانظر ص ١٤٣، والتصويبات. (٢) القليس: الكنيسة التى أراد أبرهة أن يصرف إليها حاج العرب؛ قال السهيلى: ((وسميت هذه الكنيسة القليس ؛ لارتفاع بنائها وعلوها)). (٣) ط: ((النساء))؛ وما أثبته عن ابن هشام، والنسأة: هم الذين كانوا يؤخرون شبر المحرم إلى صفر، لحاجتهم إلى شن الغارات ، وطلب الثارات. (٤) قعد فيها، قال ابن هشام: ((يعنى أحدث فيها)). ١٣١ من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب فجاء فقعد فيها ؛ أى أنها ليست لذلك بأهل . فغضب عند ذلك أبرهة ، وحلف ليسيرَنّ إلى البيت فيهدمه ، وعندٍ أبرهة رجال من العرب ، قد قدموا عليه يلتمسون فضله ، منهم محمد بن خُزَاعِىّ بن حزابة الذكوانىّ، ثم السُّلَمَىّ، فى نفر من قومه، معه أخ له ، يقال له قيس بن خُراعىّ؛ فبينا هم عنده غشيتهم عيد لأبرهة، فبعث إليهم ٩٣٥/١ فيه بغدائه ، وكان يأكل الخُصَى، فلما أتى القوم بغدائه قالوا : والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعىّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك ، هذا يوم عيد لنا ، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدى ، فقال له أبرهة : فسنبعث إليكم ما أحببتم ؛ فإنما أكرمتكم بغدائى لمنزلتكم منى. ثم إن أبرهة توّج محمد بن خُزاعى، وأمّره على مُضّر، وأمره أن يسير فى الناس يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيْس؛ كنيسته التى بناها. فسار محمد بن خُزاعىّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بنى كنانة- وقد بلغ أهلَ تيهامة أمرُه، وما جاء له- بعثوا إليه رجلاً من هُذيل ، يقال له عروة بن حياض الملاصىّ ، فرماه بسهم فقتله . وكان مع محمد بن خُزاعىّ أخوه قيس، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأبرهة ، فأخبره بقتله ، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحنقًا، وحلق ليغزوّنّ بنى کنانة ولیهدمن البيت . وأما هشام بن محمّد، فإنه قال: بنى أبرهة بعد أن رضىَ عنه النّجاشى وأقرّه على عمله كنيسة صنعاء ، فبناها بناء معجِبًا لم يُرَ مثله ، بالذهب والأصباغ المعجبة ، وكتب إلى قيصر يعلمه أنّه يريد بناء كنيسة بصنعاء ، يبقى أثرُها وذكْرها، وسأله المعونةَ له على ذلك فأعانه بالصنّاع والفُسيفساء والرّخام، وكتب أبرهة إلى النجاشىّ حين استثمّ بناؤها: إنىّ أريد أن أصرف إليها حاجٌ العرب . فلما سمعت بذلك العرب أعظمته ، وكبُر عليها ، فخرج رجل من ٩٣٦/١ بى مالك بن كنانة حتى قدم اليمن ، فدخل الهيكل ، فأحدث فيه ، فغضب أبرهة ، وأجمع على غزو مكة وهدْم البيت ، فخرج سائراً بالحبشة ومعه الفيل ، فلقيَه ذو نَفْر الحميرىّ، فقاتله فأسره، فقال : أيها الملك؛ إنما أنا عبدك فاستبقِىِ، فإنّ حياتى خير لك مِنْ قتلى، فاستبقاه ، ثم سار فلقيه نُفيل ١٣٢ ابن حبيب الخثعمىّ ، فقاتله فهزم أصحابه ، وأسرَه، فسأله أن يستبقيه ، ففعل وجعله دليله فى أرض العرب . رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . قال : ثم إن أبرهة حين أجمع السّير إلى البيت أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت ، وخرج معه بالفيل- قال: وسمعت العرب بذلك فأعظموه ، وفظيعوا به ، ورأوا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام - فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم ، يقال له : ذو نفْر، فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله ، وما یرید من هدمه وإخرابه، فأجابه مَنْ أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله ، فهُزِم ذو نفْر وأصحابه ، وأخذ له ذو نفْر أسيراً، فأتِىَ به، فلما أراد قتله قال له ذو نفْر: أيُّها الملك، لا تقتلنى ؛ فإنّه عسى أن يكون كونى معك خيراً لك من قتلى . فتركه من القتل وحبسه عنده فى وَثاق - وكان أبرهة رجلا حليمًا - ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك ، يريد ما خرج له ، حتى إذا كان بأرض خَشْم ، عرض له نُفَيل ابن حبيب الخثعميّ فى قبيلى خثعم: شهران وناهس ومَنْ تبعه من قبائل العرب ، فقاتله فهزمه أبرهة ، وأخيذ له نُفيل أسيراً ، فأتى به؛ فلما همّ بقتله قال له نُفيل : أيُّها الملك، لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداى لك على قبيلَىْ خثعم ، شهران وناهس بالسمع والطّاعة، فأعفاه وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق ، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتّب فى رجال ثقيف، فقال له : أيُّها الملك؛ إنما نحن عبيدُك ، سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذى تريد ــ يعنون اللاّت - إنما تريد البيتَ الذى بمكّة- يعنون الكعبة- ونحن نبعث معك مَنْ يدلّك. فتجاوز عنهم ، وبعثوا معه أبا رِغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رِغال ، حتى أنزله المغمِّس ، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قَبره ، فهو القبر الذى يرجُ الناس بالمغمِّس . ٩٣٧/١ ولما نزل أبرهة المغمّس بعث رجلا من الحبشة ، يقال له الأسود بن مقصود (١) سيرة ابن هشام ١ : ٤٢. ١٣٣ على خيل له حتى انتهى إلى مكة ، فساق إليه أموال أهل مكة من قُريش وغيرهم ، وأصاب منها مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم ؛ وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها ، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومَنْ كان بالحرم من سائر الناس بقتاله ، ثم عرفوا أنّه لاطاقة لهم به ؛ فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حُناطة الحميرىّ إلى مكة، وقال له : سلْ عن سيّد هذا البلد وشريفهم ؛ ثم قل له: إن الملك يقول لكم: إنى لم آتٍ لحربكم؛ إنما جئت لهدم البيت؛ فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجةَ لى بدمائكم ؛ فإن لم يُرِدْ حربى فأتنى به . ٩٣٨/١ فلما دخل حُنَاطة مكة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصىّ ، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة . فقال له عبد المطّلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة ؛ هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم - أو كما قال - فإنْ يمنعْه فهو بيته وحرمه ، وإن يخلّ بينه وبينه ، فوالله ما عندنا من دَفْع عنه - أو كما قال له - فقال له حُناطة : فانطلِقٍ إلى الملك، فإنّه قد أمرنى أن آتيَه بك - فانطلق معه عبد المطلب ، ومعه بعض بنيه ، حتى أتى العسكر فسأل عن ذى نفْر - وكان له صديقًا - حتى ◌ُدُلّ عليه، وهو فى محبسه، فقال له : ياذا نفْر ، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفْر: وما غناء رجل أسير بيدى ملك ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا! ما عندى غناء فى شىء مما نزل بك إلاّ أن أنيسًا سائس الفيل لى صديق ، فسأرسل إليه فأوصيه بك ، وأعظّم عليه حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلّمه بما تريد ، ويشفع لك عنده بخير ، إن قدر على ذلك . قال : حسبى . فبعث ذو نفر إلى أنَيْس ، فجاء به، فقال: يا أنَيْس؛ إن عبد المطلب سيّد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، والوحوش فى رءوس الجبال، ٩٣٩/١ وقد أصاب له الملك مائتى بعير فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت. قال : أفعل ، فكلّم أنيس أبرهة فقال : أيها الملك ؛ هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب عير مكة بطعم الناس بالسهل، والوحوش فى رءوس الجبال ، فأذَنْ له عليك، فيكلِّمُك بحاجته وأحْسين إليه . قال : فأذن له ١٣٤ أبرهة - وكان عبد المطلب رجلا عظيمًا وسيمًا جسيمًا .. فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير مُلكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثم قال لترجمانه : قل له حاجتك إلى الملك ، فقال له ذلك التّرجمان، فقال عبد المطّلب: حاجتى إلى الملك أن يردّ علىّ مائتى بعير أصابها لى . فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له قد كنت أعجبتنى حين رأيتُك ، ثم زهدت فيك حين كلّمتّنى ؛ أتكلّمنى فى مائتى بعير قد أصبتُها لك وتتركُ بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه لا تكلّمنى فيه ! قال له عبد المطلب : إنى أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه، قال: ما كان ليمنع منّى، قال : أنت وذاك ، اردد إلىّ إبلى . وكان - فيما زعم بعض أهل العلم -قد ذهب عبد المطّلب إلى أبرهة حين بعث إليه حُناطة بعمرو بن نُفاثة بن عدىّ بن الدُّثِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة- وهو يومئذ سيّد بنى كنانة- وخويلد بن واثلة الهذلىّ وهو يومئذ سيد هُذَيَل ـ ٩٤٠/١ فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تيهامة على أن يرجع عنهم ، ولا يهدم البيت ، فأبى عليهم . والله أعلم . وكان أبرهة قد ردّ على عبد المطلب الإبل التى أصاب له ، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قُريش فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرّز فى شَعَف الجبال والشَّعاب تخوّفًا عليهم معرّة الجيش ، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلْقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبد المطلب ، وهو آخذ بحلّقة باب الكعبة : يَا رَبِّ لاَ أرْجُو لَهْم سواكَا يَا رَبّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكا إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَن عاداكا امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا ١٣٥ ثم قال أيضًا : نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حِلِالكُ (١) لا هُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يْ ومِحالُهُمْ غَدْوًا محالك(٢) لا يغلبنَّ صَلِبُهُمْ أَوْلِى فَأَمْرٌ مَا بدالَك(٣) فَقَلْتَ فَرُبَّمَا فَلَيْنْ ولْ فَعَلْتَ فِنَّهِ أَمْرٌ مُّ بِهِ فِعالكْ. والْفِيلَ كَىْ يَسْبُوا عِيالَكْ جَرُّوا جُمُوعَ بِلادِهِمْ جَهْلًا ومَا رَقِبُوا جَلالكْ عَبَدُوا حِمَاكَ بَكَيْدِهِمْ [ وقال أيضاً] (٤): نُرَجّى أَنْ تَكُونَ لَغَا كَذَلِكْ وَكُنْتَ إذا أُنَى باغِ بِلْمٍ وكانَالْحَيْنُ يُهْلِكُهُمْ هُنَالِكْ فَوَّوْا لِمِ ينَالُوا غَيْرَ خِرْىٍ أرَادوا العِزَّفَانْتُهكُوا حَرَامَكْ ولم أسْمَعْ بأَرْجَسَ من رِجالٍ ١/ ٩٤١ ثم أرسل عبد المطلب حلّقة الباب، باب الكعبة، وانطلق هو ومَنْ معه من قريش إلى شعف الجبال ، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها . فلما أصبح أبرهة تهیاً لدخول مکة، وھیا فیلہ، وعبّی جیشه - وكان اسم الفيل محموداً - وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن ؛ فلما وجَّهوا الفيل أقبل نُفيل بن حبيب الْخَشْعَمِىّ حتى قام إلى جنبه ، ثم أخذ بأذنه ، فقال: ابْرُكْ محمُود ، وارجع راشداً من حيث جئت ؛ فإنك فى بلد الله الحرام . ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نُفيل بن حبيب يشتدّ حتى صعد (١) الحلال فى البيت : القوم الحلولى فى المكان . (٢) غدواً، أى غدا ولم يستعمل تاماً إلا فى الشعر، وانظر الفائق ١: ٢٦٠. (٣) ولم يذكر ابن هشام سوى هذه الأبيات الثلاثة ؛ وقال: هذا ما صح له منها. (٤) زيادة يقتضيها اختلاف بحر الأبيات التالية عما قبلها . ١٣٦ فى الجبل ، وضربوا الفيل ليقومَ فأبى، وضربوا فى رأسه بالطهرزين (١) ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجنَ لهم فى مسَرَاقّه فبزَغوه(٢) ليقوم فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن ، فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكّة فبرك ، وأرسل اللّه عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف ، مع كلّ طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر فى منقاره، ٩٤٢/١ وحجران فى رجليه مثل الحمص والعدّس لا تصيب منهم أحداً إلاّ هلك، وليس كلُّهم أصابت ، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذى منه جاءوا ، ويسألون عن نُفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته : أَيْنَ الْمَفَرّ والإِلهُ الطَّالِبْ وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الغالبْ! وقال نفيل أيضًا : ألا حُيِيتِ عَنَّا يَا رُدَيْنَا نَسِنَاكُمْ مَعَ الإصْباحِ عَيْنا فَلَمْ يُقْدَرْ لَقَابِكِمْ لِدَيْنَا أَتَانا قابِسٌ مِنْكُمْ عِشاء لدَى جَنْبِ المُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا رُدِيْنَةُ لوْ رَأَيْتٍ وَلَم تَرَيْهِ ولم تَأْسَىْ عَلَى ما فاتَ بَيْنَا (٣) إِذَا لَعَذَرْتِى وحَمِدْتِ رَأَبِى وخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْمَا حَمِدْتُ اللهَ إذْ عَايَنْتُ طِيْرًا كأَنَّ عَلَىَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَاً! فكلُّ القَوْمِ يَسْلُ عن نُفِيْلٍ فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون على كلٍّ منهَل، وأصيب أبرهة فى جسده ، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنسُلةً أنمُلةً، كلّما سقطت منه (١) الطبرزين: فأس السرج؛ فارسى معرب؛ قال الجواليقى: ((لأن فرسان العجم كانت تحمله معها يقاتلون به)). المعرب ٢٢٨. (٢) بزغوه : أدموه . (٣) قال السهيلى: نصب (( بينا)) نصب المصدر المؤكد لما قبله؛ إذ كان فى معناه ولم يكن على لفظه؛ لأن ((فات)) معناه ((فارق))، و ((بان)). ١٣٧ أنملة اتبعتها منه مدّة تَمُثّ(١) قيحًا ودمًا حتى قدموا به صنعاء ؛ وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه - فيما يزعمون(٢). حدّثنى الحارث ، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر، قال : حدثنا عبد الله بن عثمان بن أبى سُليمان، عن أبيه. قال: وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن السّلمانىّ، عن أبيه. قال : وحدّثنا عبد الله ابن عمرو بن زهير الكَعْىّ، عن أبى مالك الحميرىّ عن عطاء بن يسار. ٩٤٣/١ قال : وحد ثنا محمد بن أبى سعيد الثَّقَفىّ عن يَعلَى بن عطاء ، عن وكيع بن عُدُس، عن عمه أبى رَزين العُقَيْلىّ. قال: وحدّثنا سعيد بن مُسْلم، عن عبد اللّه ابن كثير ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ؛ دخل حديث بعضهم فى حديث بعض ؛ قالوا : كان النجاشىّ قد وجّه أرياط أبا صحم(٣) فى أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها (٤) وغلب عليها ، فأعطى الملوك، واستذلّ الفقراء، فقام : رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكوم ، فدعا إلى طاعته ، فأجابوه، فقتل أرياط ، وغلب على اليمن ، ورأى الناس يتجهّزون أيام الموسم للحجّ إلى البيت الحرام ، فسأل : أين يذهب الناس ؟ فقالوا: يحجّون إلى بيت الله بمكة، قال : ممّ هو ؟ قالوا: من حجارة، قال: فما كسوته؟ قالوا: ما يأتى ها هنا من الوصائل، قال : والمسيح لأبنيَنّ لكم خيراً منه! فبنى لهم بيتًا ، عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاه بالذهب والفضة ، وحفّه بالجوهر ، وجعل له أبوابًا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب ، وفصل بينها بالجوهر ، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة ، وجعل لها حجابًا ، وكان يوقد بالمُنْدَل ، ويلطّخ جُدُره بالمسك، فيسوّده حتى يغيب الجوهر. وأمر الناس فحجوه، فحجته کثیر من قبائل العربسنین ، ومكثفيه رجال يتعبدون ويتألهون، ونَسكوا له، وكان نُفيل الخثعمىّ يؤرِّض(٥) له ما يكره ، فلما كان ليلة من (١) قال السهيلى: تمث ، بالضم والكسر ؛ فعلى رواية الضم يكون الفعل متعدياً ، ونصب ((قيحاً)) على المفعول، وعلى رواية الكسر يكون غير متعد، ونصب ((قيحاً)) على التمييز. (٢) الخبر فى سيرة ابن هشام ١: ٤٢ - ٤٦. (٣) ر: ((ضخم)). (٤) أداخها : أذلها . (٥) أرض الشىء : سواء وزينه . ١٣٨ الليالى لم ير أحداً يتحرّك، فقامَ فجاء بعَذِرة فلطّخ بها قبْلته، وجمع جِيفًا ٩٤٤/١ فألقاها فيه . فأخبر أبرهة بذلك، فغضب غضباً شديداً، وقال: إنّما فعلت هذا العرب غضبًا لبيتهم ، لأنقضنّه حجراً حجراً . وكتب إلى النجاشىّ يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله (محمود))- وكان فيلا لم يُر مثله فى الأرض عِظَمًا وجسماً وقوّة - فبعث به إليه ، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه مكلك حِمْير ، ونُفَيل بن حبيب الخثعمىّ ، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب ، وكان نُفَيَل صديقًا لعبد المطلب، فكلّمه فى إبله، فكلّ نُفَيَل أبرهة، فقال: أيُّها الملك ، قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم قَدْراً، وأقدمهم شرفًا ، يحمل على الجياد ، ويُعطى الأموال، ويطعم ما هبّت الريح. فأدخله على أبرهة، فقال : حاجتك! قال: تردّ علىّ إبلى، فقال: ما أرى ما بلغنى عنك إلا الغُرور، وقد ظننت أنّك تكلّمنى فى بيتِكم الذى هو شرفُكم، فقال عبد المطلب: ارددْ علىّ ابلى، ودونك البيت؛ فإن له ربًّا سيمنعه . فأمر بردّ إبله عليه ، فلما قبضها قلّدها النّعال ، وأشعرها ، وجعلها هديًا، وبنّها فى الحرم لكى يصاب منها شىء فيغضب ربّ الحرم ، وأوفى عبد المطلب على حيراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومُطعمٍ بن عدىّ وأبو مسعود الثقفىّ ، فقال عبد المطلب : لَهُمَّ إِنَّ المَرْءَ يَمْ نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ وَمِحَلُهُمْ غَدْوًا مِحَالَكْ لا يَغِلِنَّ صَلِبُهُمْ لَتَنَا فَأمْرٌ ما بَدًا لكْ إنْ كُنْتَ تارگھم وَقِبْ ٩٤٥/١ . قال: فأقبلت الطّير من البحر أبابيل، مع كلّ طير [منها](١) ثلاثة أحجار: حجَران فى رجليه وحجر فى منقاره ، فقذفت الحجارة عليهم ، لا تصيب شيئًا إلا هشّمته، وإلا نفط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجُدرىّ والحصبة والأشجار المرّة، فأهمدتهم الحجارة، وبعث اللّه سيْلاً أتِيًّا، فذهب بهم فألقاهم فى البحر . (١) تكلةُ من ح ، ر . ١٣٩ قال: وولّى أبرهة ومَنْ بَقِىَ معه هُرَّابًا، فجعل أبرهة يسقط عضواً عضواً. وأما (محمود)) فيل النجاشىّ فربَض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحُصب. ويقال : كانت ثلاثة عشر فيلا، ونزل عبد المطلب من حراء ، فأقبل رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا : أنت كنت أعلم . حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث أنّ أول ما رُئِيَتِ الحصبة والجدرىّ بأرض العرب ذلك العام، وأنه أوّل ما رئى بها مُرار الشجر: الحرمل والحنظل والعُشْر ، ذلك العام . قال ابن إسحاق : ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنُه فى الحبشة يَكسوم بن أبرهة - وبه كان يكنى - فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة ؛ فنكحوا نساءهم، وقتلوا رجالهم، واتّخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب . قال : ولما ردّ اللّه الحبشة عن مكّة، فأصابهم ما أصابهم من النّقمة، عَظّمت العرب قريشًا، وقالوا: أهل اللّه، قاتل الله عنهم، فكفاهم مؤونة عدوّهم. قال : ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن فى الحبشة أخوه مسروق ابن أبرهة ، فلما طال البلاء على أهل اليمن - وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرباط إلى أن قتلت الفرس مسروقًا ، وأخرجوا الحبشة من اليمن ٩٤٦/١ ثنتين وسبعين سنة ، توارث ذلك منهم أربعة ملوك : أرباط ، ثم أبرهة ، ثم يكسوم بن أبرهة ، ثم مسروق بن أبرهة - خرج سيف بن ذى يزن الحمیرىّ ، وكان يَكنى بأبى مُرّة ، حتى قدم على قيصر ملك الروم ، فشكا ما هم فيه ، وطلب إليه أن يخرجهم عنه ، ویلیهم هو ، ویبعث إليهم من شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يُشْكِهِ ولم يجدعنده شيئًا مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق - فشكا إليه ما همْ فيه من البلاء والذلّ ، فقال له النعمان : إنّ لى على كسرى وفادة فى كلّ عام ، فأقيمٍ عندى حتى يكون ذلك ، فأخرج بك معى . قال : فأقام عنده حتى خرج النّعمان إلى كسرى ، فخرج معه إلى ١٤٠ كسرى ، فلما قدم النّعمان على كسرى وفرغ من حاجته، ذكر له سيف بن ذى يزن وما قدم له ، وسأل أن يأذنَ له عليه ، ففعل. وكان كسرى إنما يجلس فى إيوان مجلسه الذى فيه تاجه، وكان تاجه مثل القَنْقَل (١) العظيم، مضروبًا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة ، معلقًا بسلسلة من ذهب فى رأس طاق مجلسه ذلك، كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يُستر بالثياب حتى يجلِس فى مجلسه ذلك ، ثم يدخل رأسه فى تاجه ، فإذا استوى فى مجلسه كشف الثياب ٩٤٧/١ عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلاّ برك هيبة له . فلما دخل عليه سيف بن ذى يزنَ برك، ثم قال: أيّها الملك غلبتْنا على بلادنا الأغربة ، فقال كسرى : أىّ الأغربة؟ الحبشة أم السّند ؟ قال : بل الحبشة، فجثتك لتنصرّنى عليهم ، وتخرِجهم عنّى، ويكون مُلْك بلادى لك، فأنت أحبّ إلينا منهم . قال : بعدت أرضك من أرضنا، وهى أرض قليلة الخير؛ إنّما بها الشاء والبعير، وذلك ممّا لا حاجة لنا به ، فلم أكن لأورّط جيشًا من فارس بأرض العرب. لا حاجة لى بذلك ! ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم وافٍ، وكساه كسوة حسنة . فلما قبض ذلك سيف بن ذى يزن، خرج فجعل ينشُر الورِق للناس يُنْهِبِها الصبيان والعبيد والإماء ، فلم يلبث ذلك أنْ دخل على كسرى ، فقيل له : العربىّالذى أعطيته ما أعطيته ينثُر دراهمه للناس يُشْهِبها العبيد والصبيان والإماء. فقال كسرى : إنّ لهذا الرجل لشأنا، ائتونى به ، فلما دخل عليه قال : عمّدت إلى حِباء الملِك الذى حَبَاك به تشْره للناس ! قال : وما أصنع بالذى أعطانى الملك ! ما جبالُ أرضى التى جئت منها إلاّ ذهب وفضة - يرغّبه فيها لما رأى من زهادته فيها - إنّما جئت الملك ليمنعسَنى من الظلم، ويدفع عنّى الذل"، فقال له كسرى : أقم عندى حتى أنظر فى أمرك . فأقام عنده . وجمع كسرى مَرَازبته وأهلَ الرأى ممن كان يستشيره فى أمره ، فقال : ما ترون فى أمر هذا الرجل، وما جاء له ؟ فقال قائل منهم : أيُّها الملك ، إن ٩٤٨/١ فى سجونك رجالاً قد حبستَهم للقتل، فلو أنّك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذى أردتَ بهم ، وإن ظهروا على بلاده كان مُلكًا ازددته إلى ملكك. فقال : إنّ هذا الرأى! أحصوا لِ كمْ فى سجونى من الرجال ؛ فحسبوا له، (١) القنقل: مكيال يسع ثلاثين منا، والمن: وزان رطلين.