النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ١/ ٨٩٦ بلاد هم إلاّ ما كان كسرى غلب عليه منها ، وإنه استمال أبخز ، وبنجر ، وبلنجر ؛ فمنحوه طاعتَهم وأعلموه أنّ مُلوكَ فارس لم يزالوا يتَّقونهم بفداء يكفُّونهم(١) به عن غزو بلادهم، وإنَّه أقبل فى مائة ألف وعَشْرةِ آلافٍ مقاتل حتى شارفَ ما وَالى بلادَ صُولَ ؛ وأرسل إلى كسرى فى توعُّد منه إياه واستطالة عليه ، أن يَبْعثَ إليه بأموالٍ، وإلى أبخز وبنجر وبلنْجَر بالفداء الذى كانوا يعطونه إيّاه قَبْلَ مُلْكِ كُسرى، وأنَّه إنْ لم يُعجِّلْ بالبَعْثة إليه بما سأل وطِئ بلاده وناجزَه . فلم يحفل كسرى بوعيده ، ولم يُجبْه إلى شىء مما سأله لتحصينه كان ناحيةَ باب (٢) صول، ومناعةِ السُّبْلِ والفِجاج التى كان سِنْجبُوا خاقان سالكتَها إياه ، ولمعرفته كانت بمقدرته على ضَبْطِ ثغرِ أرمينية بخمسة آلاف مقاتلٍ من الفُرسان والرَّجَّالة . فبلغ سنجبوا خاقان تحصينُ كسرى ثغر صول ، فانصرف بمنْ كان معه إلى بلاده خائبًا، ولم يقدِرْ مَنْ كان بإزاء جرجان من العَدُ وُ- للحصون التى كان أمر كسرى فبُنِيتْ حوالَيْها - أن يشنُّوها بغارةٍ، ويغْلِبوا عليها، وكان كِسْرى أنوشروان قد عرف الناسُ منه فَضْلاً فى رأيه وعلمه وعقله ، وبأسِه و وحزمه ، مع رأفته ورحمتِهِ بهم، فلما عُقِد التّاجُ على رأسِهِ دخل إليه العظماء والأشرافُ فاجتهدوا فى الدعاء له ، فلما قَضَوْا مَقالَتهم ، قام خطيبًا ، فبدأ بذكر نِعَم الله على خَلْقِهِ عندَ خَلْقِهِ إياهم، وتوَكُلِهِ بتدبير أمورِهِم ، وتقدير الأقواتِ والمعايشِ لهم، ولم يَدَعْ شيئًا إلاّ ذكره فى خطبته، ثم أعلم الناسَ ما ابتُلُوا به من ضَّياع أمورِهِم ، وامحاءٍ دينهم ، وفسادٍ حالهم فى أولادهم ومعاشِهم، وأعلمَهُم أنه ناظرٌ فيما يُصْلِح ذلك ويَحْسِمُه؛ وحثَّ الناسَ على معاونته . ٨٩٧/١ ثم أمر برءوس المزدكيّة فضُرِبتْ أعناقهم، وقُسِّمت أموالهم فى أهل الحاجة، وقَتَلَ جماعةً كثيرةً ممن كان دخل على الناس فى أموالهم ، وردّ الأموالَ إلى أهلها، وأمر بكلَ مولود اختُلِف فيه عنده أن يُلْحقَ بمن هو منهم؛ إذا لم ٨ ١ (١) س: ((ويكفونهم)). (٢) س: ((بلاد)). ١٠٢ يُعرفْ أبوُه، وأنْ يُعطَى نصيبًا من مال الرجل الذى يُسندُ إليه إذا قبله الرجلُ، وبكلّ امرأة غُلبتْ على نفسِها أن يُؤخذَ الغالبُ لها حتى يغرمَ لها مهرَهَا، وبرضَى أهلها. ثم تُخيّر المرأة بين الإقامة عنده ، وبين تزويج من غيره ؛ إلاّ أن يكون كان لها زوج أوّل، فتُرَدّ إليه . وأمر بكل من كان أضرّ برچل فى ماله أو ركب أحداً بمظلمة أن يُؤخذ منه الحقّ ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جُرْمه . وأمر بعيال ذوى الأحساب الذين مات قَيّمهم فكُتبوا له ، فأنكح بناتهم الأكفاء ، وجعل جهازهم من بيت المال ، وأنكح شبانهم من بيوتات الأشراف وساق عنهم ، وأغناهم، وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم فى أعماله، وخَّر نساء والده بين أن يُقِمْن مع نسائه فيواسَيْن ويَصرْن فى الأجر إلى أمثالهنّ، أو يبتغى لهنّ" أكفاءهنّ من البعولة. وأمر بكرى الأنهار، وحفر القُنِىّ وإسلاف(١) أصحاب العمارات وتقويتهم؛ وأمر بإعادة كلّ جسْر قطع أو قنطرة كسرت، أو قرية خربت أن يردّ ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح ، وتفقّد الأساورة ، فمن لم يكن له منهم يَسار قَوّاه بالدواب والعدّة ، وأجرى لهم ما يُقَوِّيهم ووكّل ببيوت النيران، وسهّل سبل الناس، وبنى فى الطرق القصور والحصون، وتخيّر الحكام والعمّال والولاة ، وتقدّم إلى مَنْ وِلِىَ منهم أبلغ التقدّم، وعمد إلى سیر أردشیر و کتبه وقضاياه، فاقتدىبها وحَمَل الناس عليها ، فلما استوثق له المُلْك ، ودانت له البلاد سار نحو أنطاكيةَ بعدسنين من مُلْكه ، وكان فيها عظماء جنود قَيْصر، فافتتحها . ثم أمر أن تُصَوّر له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها ، وجميع ما فيها ، وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جَنْب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالروميّة على صورة أنطاكية ، ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها . ٨٩٨/١ فلما دخلوا باب المدينة مضى أهلُ كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التى كانوا فيها بأنطاكية ؛ كأنّهم لم يخرجوا عنها . ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها، ثم الإسكندرية ومادونها، وخلّف طائفة من (١) إسلافهم: إقراضهم. ١٠٣ جنوده بأرض الروم ، بعد أن أذعن له (١) قَيْصر وحمل إليه الفدية ، ثم انصرف من الروم ، فأخذ نحو الخَزر فأدرك فيهم تَبْلَه ، وما كانوا وتروه به فى رعيّته. ثم انصرف نحو عَدَن، فسَكَّر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلى أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل . وقتل عظماء تلك البلاد . ثم انصرف إلى المدائن؛ وقد استقام له مادون هرقلة من بلادالروم وأرمينية ، وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن . ١ /٨٩٩ وملّك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه ، ثم أقام فى ملكه بالمدائن ، وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده . ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالبًا بوتر فيروز جدّہ - وقد کان أنوشروان صاهر خاقان قبل ذلك ۔۔ فکتب إليه قبل شخوصه يُعلمه ما عزم عليه ، ويأمره بالمسير إلى الهياطلة . فأتاهم ، فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته وتجاوزَ بلْخ وما وراءها ، وأنزل جنوده فَرْغانة . ثم انصرف من خُراسان ، فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة ، فبعث معهم قائداً من قواده فى جند من أهل الدّيْلم وما يليها ، فقتلوا مسروقًا الحبشِىّ باليمن ، وأقاموا بها . ولم يزل مظفَّراً منصوراً تهابه جميعُ الأمم ، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصبن والخَزر ونظرائهم ، وكان مكرِمًا للعلماء . وملك ثمانيا وأربعين سنة ، وكان مولد النبى صلّى الله عليه وسلّم فى آخر ملك أنوشروان . قال هشام : وكان ملك أنوشروان سبعًا وأربعين سنة . قال : وفى زمانه ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فى سنة اثنتين وأربعين من سُلْطانه . (١) ت: ((إليه)). ۔ ١٠٤ قال هشام: لما قوىَ شأن أنوشروان بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر - وأمّه ٩٠٠/١ ماء السماء امرأة من النَّمِر (١) - فملكه الحيرة وما كان يلى آلُ الحارث بن عمرو، آكل المُرار . فلم يزل على ذلك حتى هلك . قال : وأنوشرْوان غزا بُزْجان ، ثم رجع فبنى الباب والأبواب. وقال هشام : ملك العرب من قِبَل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان - وأمّه هِرّ ابنة النعمان ــ سبعَ سنين . ثم ملَك بعده النعمان بن الأسود بن المنذر - وأمّه أم الملك ابنة عمرو بن حُجْر أخت الحارث بن عمرو الكندىّ - أربع سنين . ثم استخلف أبو يعفُر بن علقمة بن مالك بن عدىّ بن الذميل بن ثور ابن أسَس بن ربى (٢) بن 'نُمارة بن لَخمْ، ثلاث سنين. ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء - وهو ذو القرنين، قال: وإنما سمّى بذلك لضفيرتين (٣) كانتا له من شعره، وأمّه ماء السماء، وهى مارية ابنةُ عَوْف ابن جُشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضيحان ابن سعد بن الخزرج بن تيم اللّه بن النَّمير بن قاسط؛ فكان جميع مُلكه تسعاوأربعين سنة. ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر- وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حُجْر آكل المُرار - ست عشرة سنة . قال : ولثمانى سنين وثمانية أشهر (٤) من مُلْك عمرو بن هند ولد رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم ؛ وذلك فى زمن أنوشروان وعام الفيل الذى غزا فيه الأشرمُ أبو يكسوم البيت . (١) س، ر: ((اليمن)). (٢) س: ((أربى)). (٣) ط: ((لضفرين كانا))؛ وما أثبته من س، ل. (٤) س: ((ستة أشهر)). ٫٠١ ذكر بقيّة خبر تُبّع أيام قُباذ وزمن أَنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجیهه إِیاهم إِلیھا حدثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا سلّمة، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، قال : كان تُبْعَ الآخر وهو تُبّان أسعد أبو كَرٍ ب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مرّ بها فى بدءته لم يُهِج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنًا له ، فقتل غيلة ، فقدمها وهو مُجْمع لإخرابها ، واستئصال أهلها وقطع نخلها ؛ فجمع له هذا الحىّ من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلّة، أحد بنى النجّار، ثم أحد بنى عمرو بن مبذول ؛ فخرجوا لقتاله . وکان تُبع حین نزل بهم ، قد قتل رجل منهم - من بنى عدىّ بن النجار يقال له أحمر - رجلا من أصحاب تُبّع، وجده فِى عَدْق(١) له يجُدّه، فضربه بِمنْجله فقتله، وقال: إنما الثمرُ لمن أبْرَه، ثم ألقاه حين قتله فى بئر من آبارهم معروفة يقال لها : ذات تومان . فزاد ذلك تُبْعًا عليهم حَنَقًاً . فبينا تُبّع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه - قال: فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ، ويَقْرُونه بالليل فيُعجِبِه ذلك منهم ؛ ويقول: والله إنّ قومَنا هؤلاء لكرام - إذ جاءه حبْران من أحبار يهود من بنى قريظة ، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها ، فقالا له: أيها الملك لا تفعل ؛ فإنّك إن أبيت إلاّ ما تريد حِيلَ بينك وبينها ، ولم نأمنْ عليك عاجل العقوبة ، فقال لهما : ولم ذاك ؟ فقالا : هى مهاجر نبيّ يخرج من هذا الحىّ من قريش فى آخر الزمان ، تكون دارَه وقراره . فتناحتى عند ذلك من قولهما عمّا كان يريد بالمدينة ، ورأى أنّ لهما علْمًا، وأعجبه ما سمع منهما. فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتّبعهما على دينهما. وكان اسم الخبْرين كعباً وأسدا ، وكانا من بنى قريظة ، وكانا ٩٠٢/١ (١) العذق بالفتح: النخلة بما عليها من التمر، والجد هنا: القطع. (٢) أبره: أصلحه. ١٠٥ ١٠٦ ابنىْ عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لى ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عمرو ؛ عن أبان بن أبى عيّاش، عن أنس بن مالك ، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية؛ فقال شاعر من الأنصار وهو خال ابن عبد العُزّى بن غزيّة بن عمرو بن عَبْد بن عوف بن غَنْ بن مالك بن النجّار، فى حربهم وحرب تُبّع، يفتخر بعمروبن طَلّة ويذكر فضله وامتناعه: أصحا أم انْتَهَى ذُكَرَهْ أَمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهُ(١) ذِكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ! أمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا إنَّهَا حَرْبٌ رَبَاعِيَةٌ مِثْلُهَا آتى الْفَىَ عِبَهُ(٢) أَسْدَاأَ ذْيَغْدُ ومَعَ الزُّهَرَهُ(٣) فَسَلَا عِْرَانَ أَوْ فَسَلَا سَابِغاً أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْ(٤) فِيْلَقٌ فِيهَا أَبو كَرِبٍ ٩٠٣/١ أَبَنِ عَوْفٍ أَمِ النَّجْرَهُ(٥) ثُمَّ قَالُوا مَنْ يُؤمُ بهَا فيهِمُ قَبْلَ الأُوَانِ تِرَهْ(١) يا بَى النَّجَّارِ إنّ لَغَا مَدُّهَا كَالْغَبْيَةِ النَِّرَهُ(٧) عَشَنَّقَةٌ. فَتَلَقَّتْهُمْ (١) الخبر والشعر فى ابن هشام ١: ٢٥ - على هامش الروض الأنف)). والذكر: جمع ذكرة بمعنى الذكرى ؛ كما تقول : بكرة وبكر. (٢) قال السهيلى: ((حرب رباعية مثل؛ أى ليست بصغيرة ولا جذعة؛ بل هى فوق ذلك)). (٣) قوله: ((يغدو مع الزهرة)) يريد صبحهم بغلس قبل مغيب الزهرة. (٤) أبدانها ذفرة ، يعنى الدروع؛ والذفرة ، من الذفر ؛ وهو سطوع الرائحة طيبة كانت أو كريهة وأما الدفر ، بالدال المهملة ؛ فإنما هو فيما كره من الروائح . (السهيلى). (٥) النجرة: جمع ناجر؛ والناجر والنجار بمعنى واحد. (٦) رواية ابن هشام : • فيهمُ قَتْلَى وإنّ تِرَه » قال السهيلى: ((أظهر إن بعد الواو؛ أراد أن لنا قتلى وترة؛. والوترة؛ الوتر)). (٧) فى ابن هشام : « فتلقتهمْ مسابقة * وقال السهيلى فى شرحه: ((أى كتيبة مسايفة)). والغبية: الدفعة من المطر. والنثرة: المنتثرة ؛ وهى التى لا تمسك ماء والعشنقة : الطويلة من الإبل . ١٠٧ سَّدٌ سَامَى الْمُلُوكَ وَمَنْ يَغْزُ عَمْرًا لَا يَجِدْ قَدَرَ!(١) وقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تُّع : تكلفى نَخِيلَ الأَسَاوِيفِ والمَنْصَعَهْ مِنْ تَكَالِیفِهَا. ـ جـ نَخِيلاً حَمْهَا بَنُوْ مَالِكٍ خُيُولَ أَبِى كَرِبَ الْمُفْظِمَةْ قال: وكانَ تُبّع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجته إلى مكّة - وهى طريقه إلى اليمن - حتى إذا كان بالدُّفّ من جُمْدان بين عُسْفان وأمَج ، فى طريقه بين مكّة والمدينة ، أتاه نفر من هُذيل، فقالوا له: أيُّها الملِك ، ألاَ ندلّك على بيت مال دائر ، قد أغفلته الملوك قبلك ، فيه اللؤلؤ والزبرجد *والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكّة يعبده أهله ، ويصلّون عندَه. وإنما يُريد الهُذليُّون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك وَبَغَى عنده . ٩٠٤/١ فلما أجمع لما قالوا ، أرسل إلى الخَبْرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له : ما أراد القومُ إلاّ هلاكك وهلاك جُنْدِك؛ ولئن فعلت ما دعوْك إليه لتهلكنّ وليهلِكنّ مَنْ معك جميعًا، قال: فماذا تأمرانى أن أصنغ إذا قدمت عليه ؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهلُه، تطوف به وتعظّمه وتكرّمه ، وتحلق عنده رأسك وتتذلّل له حتى تخرج من عنده . قال : فما يمنعكما أنما من ذلك ؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنّه لكما أخبرناك؛ ولكنّ أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التى نصبوا حوله، وبالدّماء التى يُهريقون عنده، وهم نجس أهل شِرْك. أو كما قالا له . فعرف نصحهما وصِدْق حديثهما، فقرّب النّفَر من هُذَيل ، فقطع أيديهم وأرجلهم . ثم مضى حتى قدم مكّة، وأرى فى المنام أن يكسوّ البيت، (١) رواية ابن هشام : سَيِّدٌ سَامَ الْمُلُوكَ ومَنْ رَامَ عَمْرً الاَيَكُنْ قَدَرَهْ قال السهيلى: قوله: ((لا يكن قدره)) دعاء عليه؛ والهاء عائدة على عمرو ، أراد لا يكن قدر عليه. ١٠٨ فكساه الخَصَف (١) ثم أرِىَ أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر (٢)، ثم أرِىَ أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المُلاء والوصائل (٣) ؛ فكان تُبّع - فيما يزعمون - أوّلَ مَنْ كساه وأوصى به ولاتَه من جُرْهم، وأمرهم بتطهيره، وألا" يقربوه دمًا ولا ميتة ولا مِثْلاثاً وهى المحائض (٤) ، وجعل له بابًا ومفتاحًا، ثم خرج متوجّهًا إلى اليمن بمن معه من جنوده ، وبالحبْرين ، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه ، فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النّار التى كانت باليمن . ٩٠٥/١ حدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق، عن أبى مالك بن ثعلبة بن أبى مالك القُرْظىّ ، قال : سمعتُ إبراهيم بن محمد بن طلحة ابن عبيد الله يحدّث أنّ تُبعا لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا : لا تدخلْها علينا وقد فارقت دينَنا ، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنّه دينٌ خير من دينكم، قالوا: فحاكمْنا إلى النار ، قال: نعم . قال: وكانت باليمن فيما يزعُم أهل اليمن نارٌ تحكُم بينهم فيما يختلفون فيه ، تأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم - فلما قالوا ذلك لتُبع قال: أنصفتم ، فخرج قومُه بأوثانهم وما يتقربون به فى دينهم ، وخرج الحبْران بمصاحفهما فى أعناقهما متقلّديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج النار منه ، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادُوا عنها وهابوها، فذمَرَهم مَنْ حضرهم من الناس ، وأمروهم بالصّبر فصبروا ، حتى غشيتْهم وأكلت الأوثان وما قَرّبوا معها، ومَنْ حمل ذلك من رجال خِمْير ، وخرج الحبْران بمصاحفهما فى (١) الخصف: جمع خصفة؛ وهى شىء ينسج من الخوص والليف. (٢) المعافر: برود يمانية منسوبة إلى معافر؛ قبيلة باليمن ؛ قال فى المسان عن الأزهرى: ((برد معافرى: منسوب إلى معافر اليمن؛ ثم صارا سماً لها من غير نسبة)). (٣) الوصائل: ثياب موصلة من ثياب اليمن ؛ واحدتها وصيلة . (٤) فى ط: ((الحائض.))، وصوابه من ابن هشام. قال السهيلى: وقوله: ((ولا تقربوه بمثلات ؛ وهى المحائض؛ ولم يرد الحيّض؛ لأن حائضاً لا يجمع على محائض؛ وإنما هى جمع محيضة. وهى خرقة المحيض. قال: ((ويقال الخرقة مثلات .. )) ويروى: ((مثلاث)). ١٠٩ أعناقهما تعرَق جباههما، لم تضرّهما، فأصفقت حِمْير عند ذلك على دينه ؛ فمن هناك وعن ذلك كان أصلُ اليهوديّة باليمن (١). حدّثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أصحابه أنّالخبرين ومَنْ خرج معهما من حِمْير؛ إنّما اتبعوا النار ليردّ وها، وقالوا: مَنْ رُدّها فهو أوْلى بالحقّ، فدنا منها رجالٌ من حِمْير بأوثانهم ليردُّوها، فدنت منهم لتأكلَهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردّها ، ودفا منها الحبْران بعد ذلك، وجمعلا يتلُوَان التوراة وتنكُص، حتى ردّاها إلى مخرجها الذىخرجت منه؛ فأصفقت عند ذلك حميرعلى دينهما، وكان رئام بيتًا لهم يعظّمونه وينحرون ٩٠٦/١ عنده ويُكلَّمون منه إذْ كانوا على شِرْكهم ، فقال الحبْران لتبّع: إنما هو شيطان يَقْتِنِهُم ويلعب بهم ، فخلّ بيننا وبينه ، قال : فشأنكما به ؛ فاستخرجا منه - فيما يزعم أهل اليمن - كلبًا أسود ، فذبحاه وهدما ذلك البيت؛ فبقاياه اليوم باليمن - كما ذكر لى - وهو رئام به آثار الدّماء التى كانت تُهراق عليه (٢). فقال تبع فى مسيره ذلك وما كان هم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكّة من كسوته وتطهيره، وما ذكر له الحبْران من أمررسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَرِقً كَأَنَّكَ لَا تَزَالُ تُسَهَّدٌ مَا بَالُ نَوْمِكَ مِثْلَ نَوْمِ الْأَرْمَدِ أوْلَى لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدٍ ! حنَقاً على سِبْطَيْنِ حَلَّا يَثْرِباً طَابَ الْمَبِيتُ بِهِ وَطَابَ المَرْقَدُ وَلَقَدْ نَزَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَنْزِلًا بَيْنَ الْعَقِيقِ إلى بقيعِ الْفَرْقَدِ وَجَعَلْتُ عَرْصَةَ مَنْزِلٍ بِرُباوةٍ وسِبَاخَهَا فُرِشَتْ بِقَاعِ أَجْرَدٍ ١ /٩٠٧ ولقدْ تَرَكْنَا لَابَهَا وَقَرَارَهَا تَغْلِي بَلَائِلُهَا بَقَتْلٍ مُحْصِدٍ ولقد هَبَطْنَا يَثْرِباً وَصُدُورُنَا (١) الخبر فى ابن هشام ٢٧:١، والتيجان ٢٩٦. (٢) الخبر فى ابن هشام ١: ٢٨. (٢) بيت رئام، زعموا أن شيطاناً كان فيه، وكانوا يملئون له حياضاً من دماء القربان، فيخرج فيصيب منها . ١١٠ إِنْ جِئْتُ يَثْرِبَ لَا أُغَادِرُ وَسْطَهَا حتى أَتَانِى مِنْ قُرَيْظَةَ عالِمٌ قال ازْدَجِرْ عَنْ قَرْيَةٍ يَحْفُوظَةٍ فَفَوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيْرِ مُثَرِّبٍ وتَرَكْثُهُمْ لِهِ أَرْجُو عَقْوَهُ ولقدْ تَرَكْتُ بِهَا لَهُ مِنْ قَوْمِنا نَفَرًا يكونُ النَّصْرُ فِى أَعْتَابِهِمْ ما كنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ بَيْتاً طاهِرًا حتى أتانى مِنْ هُذَيْلِ أَعْبُدٌ قالوا بمَكَّةَ بَيْتُ مَالِ دائِرِ فَأرَدْتُ أَمرَّا حالَ رَبِّى دُونَهَ فَرَدَدتُ ما أُمَّلْتُ فيه وفيهِمُ قد كانَ ذُو القَرْنَيْنِ قَبْلِى مُسْلِمَاً مِلَّكَ الْمَشَارِقَ والْمَغَارِبَ يَبْتَغِى ولقدْ حَلَفْتُ يَعِيْنَ صَبْرٍ مُؤْلِيًا قَتَمَاً لَعَمْرُكَ لَيْسَ بِالْمُتَرَدِّدِ عِذْقً ولا بُسْرًا بَيَثْرِبَ يَخْلُدُ حَبْرٌ لَمْرُكَ فِى الْيُهُودِ مُسَوَّدُ قُرَيْشٍ مُهْتَدٍ لنَبِّ مَكَّةَ مِنْ وتركْتُهُمْ لِعِقَابِ يَوْمٍ سَرْمَدِ يَوْمَ الْحِسَابِ مِنَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ نَفَرَّا أُولِى حَسَبٍ وبأسٍ يُحْمَدُ أرْجُو بِذاكَ ثوابَ رَبِّ مُحَمَّدٍ لِلهِ فى بَطْحَاءِ مَكَّةَ يُعْبَدُ بالدُّفِّ مِنْ جُمْدان فَوْقَ الْمِسْندِ وكنوزُهُ مِنْ لُؤْلؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَاللهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ الْمَسْجِدِ وتَرَكْتُهُم مَثَلًا لِأَهْلِ الْمِشْهَدِ مَلِكَا تَدينُ له الْمُوكُ ونُحْشَدُ أَسْبَابَ عْلْمٍ مِنْ حَكيمٍ مُرْشدِ فِى عَيْنِ ذِى خُلْبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ(١) فرأى مغيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُروبها ٩٠٨/١ مَلَكَتْهُمُ حتى أتاها الُهُدْهُدُ(٢) مِن قَبْلِهِ بْقيسُ كانَتْ عَمّ حدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سَلمة ، قال : حدثنى ابن إسحاق، قال : هذا الحىّ من الأنصار يزعمون أنّه إنما كان حنق تُبّع على هذا الحىّ من =مود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنّه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة ، (١) الخلب: الطين، والشأط الحرمد: الحمأ الأسود. (٢) الشعر أورده ابن هشام فى التيجان ١١٢ - ١١٤، ولم يورده فى السيرة؛ وذكر أنه مصنوع. ١١١ فمنعوه منهم ، حتى انصرف عنهم ولذلك قال فى شعره : حَقّاً على سِبْطِيْن حلاً يثربًا أوْلَى لهم بِعِقَابِ يوم مُفْسِدٍ ١ /٩٠٩ حدّثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَكمة ، عن ابن إسحاق ، قال : وقد كان قدِمٍ على تُبّع قبل ذلك شافع بن كُلّيب الصَّدَفىّ، وكان كاهنًا، فأقام عنده، فلما أراد توديعته قال تُبّعَ: ما بَعفىَ مِنْ علمك ؟ قال: بقِىَ خبر ناطق، وعلم صادق ، قال : فهل تجِدُ لقوم مُلْكًا يوازى ملكى ؟ قال : لا إلا لملك غسان نَجْل، قال : فهل تجد ملكًا يزيد عليه ؟ قال : نعم، قال : ولمن؟ قال أجِدہ لبارّ مبرور ، أيِّد بالقَهور ، ووُصِف فى الزّبور، وفُضّلَتْ أمّته فى السُّفُور، يفرّج الظلّ بالنور، أحمد النبىّ، طوبى لأمته حين يجىّ ، أحد بنى لؤىّ، ثم أحد بنى قصىّ. فبعث تُّع إلى الزَّبُور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. حدّثنا ابنحميد ، قال : حدثنا سلمة،عن ابن إسحاق ، عمن حد ◌ّثه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن، ممّن يروى الأحاديث ، فحدّث بعضهم بعض الحديث ، وكلّ ذلك قد اجتمع فى هذا الحديث : أنّ مَلِكًا من تختم ، كان باليمن فيما بين التبابعة من حِمْير ، يقال له: ربيعة بن نَصْر، وقد كان قَبْل ملكه باليمن مَلك تبّع الأول، وهو زيد بن عمرو ذى الأذعار بن أبرهة ذى المنار بن الرائش بن قيس بن صيفى ابن سبأ الأصغربن كهف الظلم بن زيد بن سَهْل بن عمرو بن قيس بن معاوية ابن جُشَم بن وائل بن الغوْث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيْمن بن هَمَيْسع ابن العرَنجَج حِمْير بن سبأ الأكبر بن يعْرُب بن يَشْجُب بن قَحطان . وكان اسم سبأ عَبْد شمْس؛ وإنما ◌ُسمّىَ سبأ - فيما يزعمون - لأنه كان أول من سبى فى العرب . ٩١٠/١ فهذا بيت مملكة حمير الذى فيه كانت التّبابعة ، ثم كان بعد تُبّع الأول زيد بن عمرو، وشَمِرِ يُرْعش بن ياسر يُنْعِمِ بن عمرو ذى الأذعار، ابنُ عمّه. وشَمِر يُرْعش الذى غزا الصين وبنى سَمَرْ قَنْد وحَيَّرَ الحيرة، وهو الذى يقول: ١١٢ جَلَبْتُ الْخَيْلَ مَن يَمَنِ وشامٍ أُناشَمِرٌ أبو كَرِبَ الْيَمَانِى وَرَاءَ الصِّينِ فِى عَثْمِ وياٍ لِآَتِىَ أَعْبُدًا مَرَدُوا عَلَيْنَا فَحْكُمْ فى بلادهِمُ بُحُكْمٍ سَواءِ لَا يُجَاوِزِهِ غُلَامِ القصيدة كلُّها . قال : ثم كان بعدشمِرِ يُرْعِش بن ياسر يُنْعِم تُبع الأصغر، وهو تُبَّن أسعد أبو کرب بن ملکیْکرب بن زید بن تُبع الأول بن عمرو ذی الأذعار ، وهو الذى قدم المدينة ، وساق الخبْرين من يهود إلى اليمن ، وعمر البيت الحرام وكساه ، وقال ما قال من الشِّعر فكل هؤلاء ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخمىّ ؛ فلما هلك ربيعة بن نصر ، رجع مُلْك اليمن كلّه إلى حسان بن تُبَّان أسعد أبى کرب بن ملکیکرب بن زيد بن عمرو ذى الأذعار . حدّثنا ابن حُمَيد، قال: حدّثنا سَلّمة، قال: حدثنى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أنّ ربيعة بن نَصْر رأى رؤيا هالته، وفَظِعَ بها ، فلما رآها بعث فى أهل مملكته ، فلم يدع كاهنًا ولا ساحراً ولا عائقًا ولا منجّمًاً إلاّ جَمَعَه إليه ، ثم قال لهم: إنّ قد رأيت رؤيا هالتْنى وفظعت بها، فأخبرونى بتأويلها ، قالوا له : اقصصها علينا لنخبرَك بتأويلها، قال : إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنَّه لا يعرف تأويلَها إلاّ من يعرفها قبل أن أخبره بها . فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريدهذا فليبعثْ إلى سَطِيح وشِقّ، فإنّه ليس أحدٌ أعلم منهما ، فهما يخبرانك بما سألت- واسم ستطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدىّ بن مازن بن غسّان ، وكان يقال لسطيح: الذّئبِىّ، لنسبته إلى ذئب بن عدّى . وشِقّبن صعب بن يشكر بن رُهْم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عَبْقَر بن أنمار. فلما قالوا له ذلك بعث إليهما، فقدم عليه قبل شِقٍ سَطِيح ، ولم يكن فى زمانهما مثلهما من الكُهّان، فلما قدم عليه سطيح دعاه ٩١١/١٠٠ ١١٣ فقال له: يا سطيح، إنى قدرأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبر نى بها فإنّك إن أصبتتها أصبت تأويلها، قال أفعل، رأيتَ جُمْجُمة - قال أبو جعفر: وقد وجدته فى مواضع أخر، رأيت حُمَمة (١) - خرجت من ظُلُمَة، فوقعت بأرض ثهْمَة، فأكلتْ منها كلّ ذات جُمنْجُمة. فقال له الملك: ما أخطأتَ منها شيئًا يا سَطِيح، فما عندك فى تأويلها؟ فقال : أحلف بما بين الحرّتين من حَنّش، ليهبِطَنّ أرضَكم الخَبَش، فليملِكُنَّ ما بين أبْينَ إلى جُرَش. قال له الملك: وأبيكَ يا سطيح؛ إنّ هذا لغائظ مُوجِع، فمتى هو كائن يا سطيح؟ أفى زمانى أم بعده ؟ قال : لا بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين ، يمضين من السنين. قال: فهل يدوم ذلك من مُلكهم أو ينقطع ؟ قال : بل ينقطع لبضع وسبعين ، يمضين من السنين ، ثم يقتلون بها أجمعون ، ويخرجون منها هاربين. قال الملك : ومَنْ ذا الذى يلى ذلك مِنْ قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذى يَزّن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك منهم أحداً باليمن . قال أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع ؟ قال : بل ينقطع. قال: ومَنْ يقطعه ؟ قال: نبيّ زكىّ، يأتيه الوحى من العلىّ. قال: وممّن هذا النبىّ ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك فى قومه إلى آخر الدهر، قال : وهل للدّهر ياسطيح من آخر ؟ قال: نعم ، يوم يُجمع فيه الأولون والآخرون ، ويسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون. قال : أحقٌّ ما تخبرنا ياسطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق(٢) إذا اتّسق، إنّما أنبأتك به لحق". ١ /٩١٢ فلمّا فرغ قدم عليه شِقِّ، فدعاه، فقال له : يا شِقّ، إنى قد رأيت رؤيا هالتى وفظِعْتُ بها، فأخبرنى عنها، فإنك إن أصبتتها أصبت تأويلها - كما قال لسطيح ؛ وقد كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان - قال : نعم، رأيتَ جُمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلُّ ذات نَسَمة . فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئًاً واحداً ، قال له : ما أخطأت ياشِقّ منها شيئًا ، فما عندك فى تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلن" أرضكم السودان، فليغلِبُنّ على كلّ طَفْلة ٩١٣/١ (١) هى رواية ابن هشام فى السيرة . (٢) ط: ((والغلق)). ج ٢ (٨ ) ١٠٠ ١١٤ البنان ، وليَملِكُن مَّا بين أبْنَ إلى نجران. فقال له الملك: وأبيك يا شِقِّ إن هذا لنا لغائظ مُوجع ، فمتى هو كائن ؟ أفى زمانى أم بعده ؟ قال : بل بعدك بزمان، ثم يستنقذُكم منه عظيم ذو شان، ويذيقهم أشدّ الهوان. قال: ومَنْ هذا العظيم الشان؟ قال: غلام ليس بدنىّ ولا مُدَنّ(١)، يخرج من بيت ذى يَزن ، قال : فهل يدوم سلطانه أو ينقطع ؟ قال : بل ينقطع برسول مرسل، يأتى بالحق والعدل ، بين أهل الدين والفضل؛ يكون المُلْك فى قومه إلى يوم الفَصْل ، قال : وما يوم الفصل ؟ قال: يوم يجْزى فيه الولاة، يُدْعى من السماء بدعوات، يَسمع منها الأحياء والأموات ، ويُجمع فيه الناس للميقات ، يكون فيه لمن اتَّقَى الفوز والخيرات. قال : أحقّ ما تقول يا شِقِّ ؟ قال : إى وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وَخفْض؛ إنّ ما نَبّأتك لحقّ ما فيه أمْض (٢). فلما فرغ من مسألتهما، وقع فى نفسه أنّالذى قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهّزَ بنِيه وأهل بيته إلى العراق بما يُصْلِحهم، وكتب لهم إلى مَلِك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرّزاذ ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقيّة ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، وهو النّعمان بن المنذر بن النعمان ابن المنذر بن عمرو بن عدىّ بن ربيعة بن نصر . ذلك الملك فى نسب أهل اليمن وعلمهم(٣) . ٩١٤/١ حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ولما قال سَطِيح وشِقٍّ لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك فى العرب ، وتحدّثُوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم ، فلما نزلت الحبشة اليمن ، ووقع الأمر الذى كانوا يتحدّثون به من أمر الكاهنيْن ، قال الأعشى ، أعشى بنى قيس بن ثعلبة البكرىّ، فى بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذيْنك الكاهنين: سطيح وشِقّ : ما نَظَرَتْ ذاتُ أَشْغَارِ كنظْرتها حقًّا كما نَطَقَ الذُّبِىُّ إذْ سَجَعَا (٤) (١) المدنى : المقصر فى الأمر. (٢) قال ابن هشام ((أمض، يعنى شكا، هذا بلغة حمير. وقال أبو عمرو: ((أمض، أى باطل)). (٣) الخبر فى ابن هشام ١: ١٨ - ٢٢. (٤) ديوانه ١٠٣. ٠٠٠ ٣٠٠٠ ١١٥ وكان سَطِيح إنما يدعوه العرب الذئبىّ، لأنّه من ولد ذئب بن عدىّ. فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع مُلك اليمن إلى حسّان بن تُبّان أسعد أبى کرب ابن مَلِكْكَرِب بن زيد بن عمرو ذى الأذعار، كان ممّا هاج أمر الحبشة وتحوّل الملك عن حِمْير وانقطاع مدّة سلطانهم- ولكلّ أمرسبب - أنّحسان ابن تُبّان أسعد أبى كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرضَ العرب وأرض العجم ، كما كانت التبابعة قبله تفعل ؛ حتى إذا كان ببعض أرض العراق ، كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم؛ فكلموا أخًا له كان معه فى جيشه ، يقال له عمرو، فقالوا له : اقتل أخاك حسان نملكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا . فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حِمْر وقبائل اليمن على قَتْل حَسّان ، إلا ما كان من ذى رُعَين الحميَرَىّ، فإنّه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملکتنا ، لا تقتل أخاك ولا تشتّت أمر أهل بيتك - أو كما قال له - فلما لم يقبل منه قوله - وكان ذو رُعَيْن شريفًا من حمير - عَمَد إلى صحيفة فکتب فيها : ١ / ٩١٥ سعيدٌ مَن يَبِيتُ قَرِيرَ عَيْنِ أَّا مَن يَشْتَرِى سَهرًابِنَوْمِ فَعْذِرَةُ الإِلِهِ لِذِى رُغَیْنِ فإمَّ حِيمِيَرٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ثم ختم عليها . ثم أتى بها عمرًاً ، فقال له : ضع لى عندك هذا الكتاب؛ فإنّ لى فيه بغيةً وحاجة ، ففعل. فلما بلغ حسّان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمير وقبائل اليمن من قتله ، قال لعمرو : يا عَمْرُوْ لَا تُعْجِلْ عَلَىَّ مَنِيَِّى فَالْمُلْكُ تَأْخُذُ بَغَيْرِ حُشودِ فأبى إلا قتله ، فقتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن . فقال قائل من حمير : إنّ للهِ مَن رأَى مِثْل حَسَّا نَ قَتِيلَا فِى سَالِفِ الْأَحقَابِ (١) (١) رواية ابن هشام فى السيرة: ((لاه عينا)) قال السهيلى فى شرحه: ((أراد ((للّه " وحذف لام الجر واللام الأخرى مع ألف الوصل؛ وهذا الحذف كثير، ولكنه جاز فى هذا الرسم خاصة لكثرة دوراته على الألسنة)). ١١٦ قَتَلَتْهُ الأَفْالُ مِنْ خَشَةِ الْجِيْ شٍ وقالُوا له لَبَابِ لَبَابٍ(١) مَيْتُكَمِ خَيْرُنا وحَيُّكُمُ رَبٌّ عَلَيْنَا وَكُلُّكُمْ أَرْبابِ فلمّا نزل عمرو بن تُبّان أسعد أبى كرب اليمن مُتع منه النّوم ، وسلّط عليه السهر - فيما يزعمون - فجعل لا ينام ، فلما جهده ذلك جعل يسأل الأطبّاء والخزاة من الكهان والعرّافين عمّا به، ويقول: منيع منىّ النوم فلا ٩١٦/١ أقدر عليه، وقد جَهدنى السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتلَ رجل أخاه قطّ أوذا رحيمٍ بغيًا على مثل ماقتلت عليه أخاك إلاّ ذهب نومُه ، وسلّط عليه السّهر، فلما قيل له ذلك، جعل يقتُل كلَّ مَنْ كان أمرَه بقتل أخيه حسّان من أشراف حمير وقبائل اليمن ، حتى خلص إلى ذى رُعين ، فلما أراد قتله قال : إنّ لى عندك براءة ممّا تريد أن تصنع بى ، قال له: وما براءتك عندى ؟ قال : أخرج الكتاب الذى كنت استودعتكه ووضعته عندك ، فأخرج له الكتاب ، فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر : سعيدٌ مَنْ يبيتُ قرِيرَ عَيْنِ أَلَا مَنْ يَشْتَرِى سَهَرًا بنومٍ حمىر فمعذرة الإله الذى رُعَيْنِ غدرتْ وخانت فإمّا فلمّا قرأهما عمرو قال له ذورُعين : قد كنت نهيتُك عن قتل أخيك فعصيتَنى، فلما أبيت علىّ وضعتُ هذا الكتاب عندك حجّة لى عليك ، وعذراً لى عندك ، وتخوّفت أن يصيبك إن أنت قتلته الذى أصابك ، فإن أردت بى ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك ، كان هذا الكتاب نجاةً لى عندك ، فتركه عمرو بن تُبّان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير ، ورأى أن قد نصحه لوقبل منه نصيحته . وقال عمرو بن تُبّان أسعد حين قتل من قتل من حمْيَر وأهل اليمن ممّن كان أمره بقتل أخيه حسان ، فقال : بَتَسْهِيدٍ وعَقْدٍ غَيْرِ مَيْن(٢) شَرَيْنَا النَّوْمَ إذْ عُصِبَتْ عَلَابٍ وقدْ بَرَزَتْ مَعَاذِرُ ذِی رُعَیْنِ تَنَادَوْا عِنْدَ غَدْرِهِمُ : لَبَابٍ بَوَاءِ بابْنِ رُهْرِ غْرَ دَيْنِ قَتَلْنَا مَنْ تولَّى المَكْرَ منهمْ (١) قال ابن اسحاق: قوله: ((لباب، لباب))، لا بأس، لابأس بلغة حمير)). (٢) ط: ((بين)). ٩١٧/١ ١١٧ قَتَلْنَاهُمْ بَحَسّانَ بنِ رُهْمِ قَتَلْنَاهُ فَلَا بُقْيَا عليهِمْ عُيُونُ نَوَادبٍ يَبْكِينَ شَجْوًا أوانِسَ بالِشَاءِ وهُنَّ حُور فُعْرَفُ بِالوَفاءِ إذا انْتَمَيْنَا فَضَلْنا الناسَ كلَّهُمُ جِيعاً مَلَكْنَا النَّاسَ كلّهُم جَمِيعاً مَلَكْنا بعدَ دَاوُدٍ زماناً زَبَرْنا فى ظَفَارِ زبورَ ◌َجْدْ إذا قال المقَاوِلُ أَيْنَ أَيْنِ ! فنحن الطَّالبونَ لكلِّ وَثْرٍ وكَانَ المكرُ خَيْبَهُمُ وَحَيْنِ سَأَشْفِى مِنْ وُلاةِ المكرِ نَفْسی غُواةً أهلَكُوا حَسَى وَزَيْنِي أَطَعْتُهُمُ فلم أَرْشُدْ وَكَانُوا وحسّان قَتِيلِ النَّئْرَيْنِ وَقَرَّتْ عِنْدَ ذاكُمْ كلُّ عَيْنِ حرائرَ من نسَاءِ الْفَيْلَقَيْنِ إِذَا طَلَتْ فُرُوعُ الشِّعْرَيَيْنِ ومَنْ يَغْدِرْ نُبَايِنْهُ بِيْنِ كَفَضْلِ الإِبْرِزِىّ على اللَّجَيْنِ لنا الأَسْبَابُ بعدَ التَّبَّعَيْنِ وعَّدْنا مِلُوكَ المشْرَقَيْنِ لَيَقرَأَهْ قُرُومُ الْقِرِينَيْنِ قال : ثم لم يلبث عمرو بن تُبّان أسعد أن هلك . قال هشام بن محمد: عمرو بن تبّع هذا يدعى موثبان ؛ لأنه وثب على أخيه حَسّانِ بفُرْضة نُعْم فقتله - قال: وفُرضة نُعْ رَحَبَة طوق بن مالك، وكانت نُعْم سرّيّة تبّع حسان بن أسعد . رجع الحديث إلى حديث ابن إسحق . قال: فمرج أمرُ حمير عند ذلك، وتفرّقوا ، فوثب عليهم رجل من حِمْر لم يكن من بيوت المملكة منهم ، يقال له الخنيعة ينوف ذو شناتر (١)، فملكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير، يذكرما ضيّعت (٢) حمير من أمرها، وفرّقت جماعتها ، ونفت من خيارها : (١) الشناتر: الأصابع بلغة حمير. ٩١٨/١ (٢) مح: ((فرطت)). ١١٨ وتَبِ بأَيدِيهِمْ لَهَا أُلذلَّ حْمْتَرُ تقتِّلُ أَبْنَاها وتَنِفِى سَرَاتَها وَمَا ضَيَّعَتْ مِنْ دِينِهَا فَهُوَ أَ كْثَرُ تُدمِّرُ دُنْيَاها بَطَيْشٍ حُلُومِهَا وَ إسرَافِها تأتِى الشَّرُورَ فَتَخْسَرُ كَذَاكَ القُرُونُ قَبْلَ ذَاكَ بِظْلْمِها وكان لخْيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم- وكان امرأً فاسقًا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط ، ثم كان- مع الذى بلغ منهم من القتل والبغى ــ إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه فى مَشْربة له قد صنعها لذلك ، لئلاّ يملك بعد ذلك أبداً، ثم يطلع من مَشْربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده ، وهم أسفل منه ، قد أخذ سواكًا ، فجعله فى فيه - أى ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلى سبيله، فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه ؛ حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زُرْعة ذو نواس بن ثُبّان أسعد أبى كرب بن مَلِكَيْكَر ب بن زيد بن عمرو ذى الأذعار أخو حسّان - وزُرْعة كان صبيًّاً صغيراً حين أصيب أخوه ، فشبّ غلامًا جميلاً وسيمًا ذا هيئة وعَقْل- فبعث إليه لخديعة ينوف ذو شُناتر؛ ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبْله، فلما أتاه رسوله عرف الذى يريد به ، فأخذ سكّينًا حديداً لطيفًا ، فجعله بين نعله وقدمه ، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلمّا خلا به فى مشربته تلك أغلقتها عليه وعليه ، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكِّين فطعنه به حتى قتله ، ثم احتزّ رأسَه، فجعله فى كُوّة مشربته تلك التى يطلع منها إلى حرسه وجنده ، ثم أخذ سوا که ذلك، فجعله فى فيه ثم خرج على الناس ، فقالوا له: ذو نواس، أرطب أم يَباس (١)؟ فقال: سل" نخماس (٢) استرطبان (٣) ذو نواس ، استرطبان ذو نواس؛ لاباس . فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال ، فإذا رأس لخديعة ينوف ذى شناتر فى الكُوّة مقطوع فى فيه سواكه ، قد وضعه ذو نواس فيها . فخرجت حمير والأحراس فى أثر ذى نواس حتى أدركوه ، ٩١٩/١ (١) اليباس واليبيس: مثل الكبار والكبير . (٢) النخماس فى لغة اليمن: الرأس. (٣) قال السهيلى: قوله: (استرطبان)) إلى آخر الكلام مشكل؛ وفى الأغانى: ((ستعلم الأحراس، است ذى نواس، رطب أم يباس )) . ١١٩ فقالوا له : ما ينبغى لنا أن يملكنا إلاّ أنت؛ إذ أرحتَنا من هذا الخبيث. فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن ، فكان آخر ملوك حمير . وتهوّد وتهوّدت معه حمير، وتسمتى ((يوسف))، فأقام فى ملكه زمانًا. وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل؛ أهل فضل واستقامة ، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثّامر؛ وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهى بأوسط أرض العرب فى ذلك الزمان ، وأهلها وسائر العرب كلّها أهل أوثان يعبدونها. ثم إن رجلا من بقايا أهل ذلك الدّين وقع بين أظهرهم يقال له فیمیون، فحملهم عليه فدانوا به (١) . قال هشام : زرعة ذو نواس ؛ فلما تهوّد سمی یوسف ، وهو الذی خدّ الأخدود بنجران وقتل النصارى . ٩٢٠/١ حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن المغيرة بن أبى لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبّه اليمانىّ (١)، أنه حدثهم أن موقع ذلك الدّين بنجران كان أنّ رجلاً من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له فيميون، وكان رجلاً صالحًا مجتهداً زاهداً فى الدنيا ، مجاب الدّعوة ، وكان سائحًا ينزل القرى، لا يُعرف بقرية إلاّ خرج منها إلى قرية لا يُعرَف فيها وكان لا يأكل إلاّ من كَسْب يده، وكان بنّاء يعمل الطّين، وكان يعظّم الأحد ؛ فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئًا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلیبها حتى يُمسى ، و کان فى قرية من قرى الشّأم يعمل عمله ذلك مستخفیًا؛ إذ فطين لشأنه رجل من أهلها ، يقال له صالح، فأحبّه صالح حبًّا لم يحبّه شيئًا كان قبله، فكان يتبعه حيث ذهب ، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرّة فى يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع ، وقد اتّبعه صالح ، وفيميون لا يدرى ، فجلس صالح منه منظر العين ، مستخفيًا منه لا يحبّ أن يعلم مكانه ، وقام فيميون يصلّى، فبينا هو يصلّى إذ أقبل نحوه التنّين - الحية ذات الرءوس السبعة - فلما رآها فيميُون دعا عليها فماتت، ورآها صالح ، (١) الخبر فى السيرة لابن هشام ١: ٢٨.٣٠ - ٢٩، والأغانى ٢٠: ٧ - ٩ (ساسى). ١٢٠ ولم يدرِ ما أصابها، فخافها عليه فعيل عَوْلُه (١)، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك ! فلم يلتفت إليه ، وأقبل عَلَى صلاته حتى فرغ وأمسى ، وانصرف وعرف أنه قد عرِف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه ، فكلّمه ، ٩٢١/١ فقال: يا فيميون، يعلم اللّه ما أحببت شيئًا حبّك قطّ، وقد أردت صُحبَتك والكينونة معك حيثما كنت . قال: ما شئت ، أمرى كما ترى؛ فإن ظننت أنك تقوى عليه فنعم. فلزمه صالح ، وقد كاد أهل القرية أن يفطُنوا لشأنه ، وكان إذا فاجأه العبدُ به ضرّ، دعا له فشُفِى، وإذا دُعِى إلى أحد به الضرّ لم يأته . وكان لرجل من أهل القرية ابنٌ ضرير ، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له : إنّه لا يأتى أحداً إذا دعاه ، ولكنّه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر ، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه فى حجرته ، وألقى عليه ثوبا ، ثم جاءه فقال له : يا فيميون؛ إنّى قد أردت أن أعمل فى بيتى عملاً ، فانطلق معى حتى تنظر إليه فأشارطك عليه ، فانطلق معه حتى دخل حجرته ، ثم قال : ما تريد أن تعمل فى بيتك ؟ قال : كذا وكذا . ثم انتشط (٢) الرجل الثوبَ عن الصبىّ، ثم قال: يا فيميون ، عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبىّ : اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوّك فى نعمتك ليفسدها علیه فاشفه وعافه ، وامنعه منه ، فقام الصبىّ ليس به بأس . وعرف فيميون أنه قد عُرِف، فخرج من القرية ، واتّبعه صالح ، فبينما هو يمشى فى بعض الشأم مرّ بشجرة عظيمة ، فناداه منها رجل ، فقال : أفيميون ! قال : نعم ، قال : ما زلت أنتظرك وأقول : متى هوجاء ؟ حتى سمعت صوتك ، فعرفت أنك هو ، لا تبرح حتى نقوم علىّ ، فإنى ميّت ٩٢٢/١ الآن. قال: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح ، حتى وطئا بعضَ أرض العرب ، فعدى عليهما فاختطفتهما سيّارة من بعض العرب ، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران - وأهل نجران يومئذ على دين العرب ، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كلّ سنة ؛ إذا كان ذلك العيدُ علّقوا عليها (١) عيل عوله، أى غلب على صبره، وفى ط: ((فعول عليه عولة))، وما أثبته عن ابن هشام. (٢) انتشط الثوب : جذبه ورفعه إليه . وانظر اللسان .