النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الحالة ، فأكثر من القتل وخراب المدائن والقرى وقطْع النخل والأشجار ، حتى
انتهى إلى مدينة جُنْدَىْ سابور، وقد تحصّن أهلُها، فنصب المجانيق ، وهدم
بعضها . فبينا هم كذلك ذاتَ ليلة إذ غفل الروم الموكّلون بحراسة سابور ،
وكان بقربه قوم من سَبْىِ الأهواز، فأمرهم أن يُلقوا على القِدّ الذى كان
عليه زيتًا من زِقاق كانت بقرْبهم ، ففعلوا ذلك ، ولان الجلد وانسلّ منه ،
فلم يزل يدبّ حتى دنا من باب المدينة، وأخبر حُرّاسهم باسمه . فلما دخل
على أهلها ، اشتدّ سرورهم به ، وارتفعت أصواتهم بالحمد والتسبيح ، فانتبه
أصحابُ قيصر بأصواتهم، وجمع سابور مَنْ كان فى المدينة وعبّأهم، وخرج
إلى الرُّوم فى تلك الليلة سَحَراً، فقتل الروم وأخذ قيصر أسيراً ، وغنم أمواله
ونساءه ، ثم أثقل قيصر بالحديد وأخذه بعمارة ما أخرب ؛ ويقال : إنه أخذ
قيصر بنقل التراب من أرض الروم إلى المدائن وجُنْدَىْ سابور، حتى يرمّ به
ماهدم منها ، وبأن (١) يغرس الزيتون مكان النخل والشجر الذى عقره، ثم قطع
عقبه ورتقه ، وبعث به إلى الروم على حمار ، وقال : هذا جزاؤك ببغيك
علينا ؛ فلذلك تركت الروم اتّخاذ الأعقاب، ورَتْق الذُّؤَابٍ(٢).
٨٤٥/١
ثم أقام سابور فى مملكته حينًا، ثم غزا الروم فقتل مِنْ أهلها، وسَبِى
سبيًا كثيراً، وأسكن مَنْ سبى مدينةً بناها بناحية السُّوس، وسمّاها
إيرانشهر سابور، ثم استصلح العرب، وأسكن بعض قبائل تغلب وعبد القيس
وبكر بن وائل كتَرْمان وتَوّج والأهواز ، وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر
بالسِّنْد وسجِسْتان ، ونقل طبيبًا من الهند فأسكنه الكَرْخ من السُّوس ؛
فلما مات ورث طِبّه أهلُ السُّوس ؛ ولذلك صار أهلُ تلك الناحية أطبّ
العجم . وأوصى بالمُلْك لأخيه أردشير .
وكان ملك سابور اثنتين وسبعين سنة .
وهلك فى عهد سابور عاملُه على ضاحية مُضر وربيعة ، امرؤ القيس
البدء (٣) بن عمرو بن عدىّ بن ربيعة بن نصر ، فاستعمل سابور على عمله
(٢) كذا وردت العبارة فى ط، وانظر المسعودى ١ : ٢٥٨.
(١) س: ((وأن)).
(٣) ت: ((البدى))؛ س: ((البدنى)).

٦٢
ابنه عمرو بن امرئ القيس - فيما ذُكِرٍ - فبقَ فى عمله بقيَّةَ ملك سابور،
٨٤٦/١ وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز بن نرسى، وبعض أيام سابور بن سابور .
وكان جميع عمله - على ما ذكرت - من العرب ، وولايته عليهم - فيما
ذكر ابن الكلبى - ثلاثين سنة .
٠ ٠ ٠
[ ذ کر ملك أردشیر بن هرمز ]
ثم قام بالملك بعد سابور ذی الأكتاف أخوه أردشیر بن هرمز بن نرسی
ابن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك. فلما عُقِد التاج
على رأسه جلس للعظماء ، فلما دخلوا عليه دعوا له بالنصر ، وشكروا عنده
أخاه سابور ، فأحسن جوابهم ، وأعلمهم موقع ما كان من شكرهم لأخيه
عنده، فلما استقرّ به الملك قراره عطف على العظماء وذوى الرياسة ، فقتل منهم
خلْقًا كثيراً ، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه .
٠ ٠٠
[ ذكر ملك سابور بن سابور ]
ثم ملك سابور بن سابور ذى الأكتاف بن هرمز بن نرسى . فاستبشرت
الرعيَّة بذلك وبرجوع مُلْك أبيه إليه، فلقيتهم أحسن اللقاء، وكتب الكتب إلى
العمّال فى حُسْن السيرة والرّفق بالرّعيّة، وأمر بمثل ذلك وزراءه و كتابهوحاشيته،
وخطبهم خطبة بليغة ، ولم يزلْ عادلا على رعيّته ، متحنّنا عليهم لما كان تبيّن
من مودّتهم ومحبّتهم وطاعتهم ، وخضع له تَمّه أردشير المخلوع ، ومنحه الطاعة .
وإنّ العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فُسْطاط كان ضُرِب عليه فى حجرة
من حُجَرَه ، فسقط عليه الفسطاط .
و کان ملكه خمس سنين .
٠
[ ذكر ملك بهرام بن سابور ]
٨٤٧/١
ثم ملك بعده أخوه بتهرام بن سابور ذى الأكتاف . وكان يلقّب كَرْمان
شاه؛ وذلك أنّ أباه سابور كان ولاه فى حياته كَرْمان، فكتب إلى قوّاده
كتابًا يحثُّهم فيه على الطاعة ، ويأمرهم بتَقْوى اللّه والنصيحة للملك، وبنتى
بكَرْمان مدينة ، وكان حَسَنَ السياسةُ لرعيّته ، محموداً فى أمره .

٦٣
وكان ملكه إحدى عشرة سنة. وإنّ ناسًا من الفتّاك ثاروا إليه فقتله
رجل منهم برمية رماها إيّاه بنشّابة(١).
۵
[ذكر ملك يزدجرد الأثيم]
ثم قام بالملك بعده يَزْدَ جِرْد الملقب بالأثيم، بن بهرام الملقَّب بكَرْمان
شاه بن سابور ذى الأكتافَ .
ومن أهل العلم بأنساب الفرس مَنْ يقول: إن يَزْدَ جِرد الأثيم هذا، هو
أخو بهرام الملقَّب بكَرْمان شاه وليس بابنه، ويقول: هو يَزْدَ جِرْد بن سابور
ذى الأكتاف . وممن نسبه هذا النسب وقال هذا القول ، هشام بن محمد .
وكان - فيماذكر - فَظًّا غليظًا ذا عيوب كثيرة ، وكان من أشدِّ عيوبه
وأعظمها - فيما قيل - وَضْعُه ذكاء ذهن وحسن أدب كان له وصنوفًا من
العلم قد مهرها وعلمها ، غير موضعه ، وكثرة رؤيته فى الضارّ من الأمور ،
واستعمال كلّ ما عنده من ذلك ، فى المواربة والدهاء والمكايدة والمخاتلة، مع ٨٤٨/١
فطنة كانت بجهات الشرّ، وشدّة عُجْبه بما عنده من ذلك، واستخفافه بكلّ
ما كان فى أيدى الناس من عِلْم وأدب ، واحتقاره له ، وقلة اعتداده به ،
واستطالته على الناس بما عنده منه . وكان مع ذلك غلقاً سَيِّئ الخلق، ردىء
الطِّعْمَة (٢)حتى بلغ من شِدّة غَلَقه وحِدّته أنَّ الصغير من الزلات كان
عنده كبيراً، واليسيرَ من السَّقَطات عظيمًا . ثم لم يقدِرْ أحد - وإن كان
لطيفَ المنزلة منه - أن يكونَ لمن ابُتِلِىَ عنده بشىء من ذلك شفيعاً ، وكان
دهرَه كلَّه للناس متّهِمًا، ولم يكن يأتمن أحداً على شىء من الأشياء ، ولم
يكن يكافئ على حسن البلاء . وإن هو أوْلَى الخسيس من العُرْف استجزل
ذلك ، وإن جَسَر على كلامه فى أمر كلّمه فيه رجل لغيره قال له : ما قَدْر
جعالتك (٣) فى هذا الأمر الذى كلّمتنا فيه؟ وما أخذْت عليه؟ فلم يكن يكلّمه
فى ذلك وما أشبهَه إلاَّ الوفُود القادمون عليه من قِبَل ملوك الأمم . وإنّ
رعيَّه إنما سَلِموا من سطوته وبليَّته، وما كان جمع من الخلال السيّئَة بتمسكهم
(١) ت، س: ((بنشاب)).
(٢) ردىء الطعمة، أى سيىء السيرة.
(٣) الجعالة : الرشوة .

٦٤
بمن كان قبل مملكته بالسُّنن الصالحة وبأدبهم . وكانوا لسوء أدبه ، ومخافة
سطوته ، متواصلين متعاونين ، وكان من رأيه أن يعاقب كلّ من زلّ عنده
وأذنب إليه من شدّة العقوبة بما لا يستطاع (١) أن يُبلَغ منه مثلها فى مدّة ثلثمائة .
وكان لذلك لا يقرعه بسوط انتظاراً منه للمعاقبة له بما ليس وراءه أفظع منه .
وكان إذا بلغه أنّ أحداً من بطانته صافى رجلا من أهل صناعته أو طبقته
نحّاه عن خدمته .
٨٤٩/١
وكان استوزر عند ولايته نَرْسِى حكيمَ دهره . وكان نَرْسِى كاملاً
فى أدبه ، فاضلاً فى جميع مذاهبه ، متقدّمًا لأهل زمانه . وكانوا يسمونه
مِهْ نَرْسِى ومِهْنَرْسَه، ويلقّب بالهزَاربَنْده، فأمّلت الرعيّةُ بما
کان منه أن ینزِع عن أخلاقه، وأن يُصْلح ترْسِی منه ، فلما استوی له الملك،
اشتدّت (٢) إهانتُه الأشراف والعظماء، وحَمَل على الضعفاء، وأكثر من سَفْك
الدّماء، وتسلّط تسلّطًا لم يُبْتَلَ الرعية بمثله فى أيامه. فلما رأى الوجوه والأشراف
أنّه لا يزداد إلا تتابعًا فى الجَوْر، اجتمعوا فشكوْا ما ينزل بهم من ظُلْمه ،
وتضرّعوا إلى ربهم ، وابتهلوا إليه بتعجيل إنقاذهم منه . فزعموا أنه كان يجُرْ جان،
فرأى ذاتَ يوم فى قَصْره فرسًا عائراً (٣) - لم يُرَ مثله فى الخيل، فى حسن صورة ،
وتمام خَلْق - أقبل حتى وقف على بابه ، فتعجّب الناس منه ، لأنّه كان
متجاوزَ الحال ، فأخبِرِ يَزْدَ جِرْد خبَرَه، فأمر به أن يُسرَجَ ويُلْجَمَ ،
ويدخل عليه ، فحاول ساستُه وصاحب مراكبه إلحامه وإسراجه ، فلم يمكن
أحداً منهم من ذلك ، فأنْهىَ إليه امتناعُ الفرس عليهم، فخرج ببدنه(٤) إلى
الموضع الذى كان فيه ذلك الفرس فألحمه بيده ، وألقى لِبْداً على ظهره ، ووضع
فوقه سَرْجًا، وشدّ حِزامه ولَبَّتَه فلم يتحرّك الفرس بشىء من ذلك ، حتى
إذا رفع ذنبه لِيُشْفِره (٥) استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه،
٨٥٠/١ ثم لم يعادَن ذلك الفرس. ويقال: إنّ الفرسَ ملأ فُروجتَه جريًا فلم يدرَك ولم
(١) ت: ((ما استطاع)).
(٢) فى الأصول: ((واشتدت))، والأجود حذف الواو.
(٣) يقال: عار الفرس، إذا ذهب كأنّه منفلت من صاحبه .
(٤) البدن هنا: شبه الدرع ؛ إلا أنه قصير قدر ما يكون على البدن فقط.
(٥) أثفر الدابة، أى عمل لها ثفرا، والثفر: السير الذى فى مؤخر السرج .
1

٦٥
يوقف على السبب فيه، وخاضت الرعيّة بينها ، وقالت : هذا من صنع اللّه لنا
ورأفته بنا .
وكان مُلْك يَزْدَ جِرْد فى قول بعضهم اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر
وستة عشر يومًا . وفى قول آخرين إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية
عشر يومًا .
ولما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن عدىّ فى عهد سابور
ابن سابور، استخلف سابورُ بن سابور على عمله أوْسَ بن قلاًّم فى قول هشام.
قال : وهو من العماليق من بنى عمرو بن عمْليق، فثار به جَحْجَبى بن
عَتِيك بن لَخَمْ فَقَتَله، فكان جميعُ ولاية أوس خمسَ سنين ، وهلك فى
عهد بَهْرام بن سابور ذى الأكتاف . واستخلف بعده فى عمله امر ؤ القيس
البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو خمسًا وعشرين سنة ، وكان
هلاكه فى عهد يَزْدَ جِرْد الأثيم . ثم استخلّف يزدجرد مكانه ابنه النعمان بن
امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدىّ ، وأمّه
شقيقة ابنة أبى ربيعة بن ذُهْل بن شيبان ، وهو فارس حَلِيمة ؛ وصاحب
الخَورْنَق.
وكان(١) سبب بنائه الخَوَرْنق - فيما ذُكِر - أن يَزْدَ جرد الأثيم بن
بَهْرام كَرْمان شاه بن سابور ذى الأكتاف كان لا يبقى له ولد فولد له بهرام، فسأل ٨٥١/١
عن منزل برّىّ مرِىء صحيح من الأدْواء والأسقام، فدُلَّ على ظهر الحيرة، فدفع
ابنه بهْرام جُور إلى النّعمان هذا، وأمره ببناء الخَوَرْنَق مسكنًا له، وأنزله
إياه ، وأمره بإخراجه إلى بوادى العرب؛ وكان الذى بنى الخَوَرْنق رجلا يقال
له سِنِمَّر، فلما فرغ من بنائه، تعجبوا من حُسْنه وإتقان عمله ، فقال :
لو علمت أنكم تُوفونى أجْرِى وتصنعون بى ما أنا أهله بنيتُه بناءً يدور مع
الشمس حيثما دارت ، فقال: وإنّك لتقدر على أن تبنىَ ما هو أفضل منه
(١) الخبر فى الأغانى ٢: ١٤٤ - ١٤٦ (طبعة دار الكتب).
ج ٢ (٥)

٦.٦
ثم لم تبنه! فأمر به فطُرٍ ح من رأس الخورفق (١)؛ ففى ذلك يقول أبو الطَّصَحَان
القَيْنِىّ :
جَزَاءَ سِنِيَّارِ جَزَاهَا، وَرَبِّهَا وباللَّتِ والعُزَّى جَزاءَ المَكَفَّرَ(٢)
وقال سليط بن سعد :
وحُسْنِ فِْلِ كَمَا يُجْزَى سِعَّارُ
جزَى بنوهُ أَبا الغِيلَانِ عنْ كِبْرٍ
وقال يزيد بن إياس التّهشلىّ :
جَزَاءَ سِنِعَّارِ جَزَاءَ مُوَفّرا
جزَى اللهُ كمالاً بِأَسْوَا فِعْلِهِ
وقال عبد العزَّى بن امرئ القيس الكلبىّ - وكان أهدَى أفراسًا إلى
الحارث بن ماريةَ الغسانىّ، ووفد إليه فأعجبته وأعْجيب بعبد العُزَّى وحديثِه،
وكان للملك ابن مسترضع فى بنى الحميم (٣) بن عوف من بنى عبْدٍ وَدّ، من كَلْب،
فنهشتْه حيّة، فظنّ الملك أنهم اغتالوه، فقال لعبد العُزّى: جننى بهؤلاء
٨٥٢/١ القوم، فقال: هم قوم أحرار، وليس لى عليهم فَضْل فى نسب ولا فَعال ،
فقال: لتأتينّى بهم أو لأفعلنَّ ولأفعلنّ! فقال: رجونا من حبائك أمراً حال
دونه عقابك . ودعا ابنيه : شَرَاحِيل وعبد الحارث ، فكتب معهما إلى قومه :
جَزَاءَ سِمَّارٍ وَمَا كَانَ ذَا ذَنْسٍ (٤)
جَزَانِى جَرَاهُ اللهُ شَرَّ جَزَائِه
يُعَلِّى عليه بالقرَاميد والسّكْب(٥)
سِوَى رَصِّه البُنْيَانَ عِشْرِينَ حِجَّةً
وَآَضَ كِمِثْل الطُودِذِى الباذخ الصَّعبِ (٦)
فَلَّا رَأَى الْبُنْيَانَ تَمَّ سُقُهُ
(١) فى الأغانى: ((من أعلى الجوسق)).
(٢) فى الأغانى؛ وعنه فى خزانة الأدب ١: ١٤٢: ((جزوها))، والمكفّر: المحسن
المجحود إحسانه .
(٣) كذا فى الطبرى وفى الأغانى: ((ابن مسترضع فى بنى عبدود)).
(٤) وردت الأبيات فى الحيوان ١: ٢٣، وثمار القلوب ١٠٩، والروض الأنف ١ : ٦٧،
والعينى ٢ : ٤٩٦، ومعجم البلدان (الخورفق) ، بروايات مختلفة .
(٥) القراميد، مفرده قرمد؛ وهو الآجر. والسكب : النحاس أو الرصاص، وفى الحيوان:
((سبعين حجة))، وفى معجم البلدان: ((ستين حجة)).
(٦) فى معجم البلدان: ((كمثل الطود والشامخ الصعب)).

٦٧
فَأَتْهَهُ مِنْ بَعْدٍ حَرْسٍ وحِقْبَةٍ
وَظَنَّ سِنِيَّارٌ به كلَّ حَبْرَةٍ (١)
فقال أُقْذِفِوا بالعِلْجِ مِنْ فَوْقِ بُرْجِهِ
ومَا كَانَ لِ عِنْدَ ابْنٍ جَفْنَةَ فاعْلَمَوا
لَيَلْتَسَنْ بِالْغَيْلِ مُقْرَ بِلادِهِمْ
ودُونَ الَّذِى مَّ ابْنُ جَفْنَةَ نَفْسَهُ
وقَدْ رَامَنَا مِنْ قَبْلِكَ الَمَرْءِ حَارِثٌُ
وقدْ هَرَّ أَهْلُ المشَارِقِ والغَرْبِ
وفازَ لدَيْهِ بِالمَوَدَّةِ وَالقُرْبِ
فَهَذَا لَعَمْرُ اللهِ مِنْ أَعْجَبِ الخَطْبِ(٢)
مِنَ الذَّنْبِ مَا آلى يَيناً على كَلْبٍ
تَحلَّلْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ مِنْ قَوْلِكَالْمُزْبِ(٣)
رِجَالٌ يَرُدُونَ الظُلُومَ عَنِ الشّعْبِ
فغُودِ رَ مَسْلُولًا لدَى الْأَكَرَ الصُّهْبِ ٨٥٣/١
قال هشام : وكان النّعمان هذا قد غزا الشأم مراراً ، وأكثر المصائب فى
أهلها، وسَبَى وغنم، وكان من أشدّ الملوكِ نِكاية فى عدوِّه، وأبعدهم مُغاراً
فيهم ، وكان ملك فارس جعل معه كتيبتيْن : يقال لإحداهما: دَوْسر، وهى
لتَنُوُخ، وللأخرى: الشهباء ، وهى لفارس، وهما اللّتان يقال لهما: القبيلتان ،
فكان يغزو بهما بلاد الشأم ومنْ لم يَدِنْ له من العرب.
قال: فذُكِرلنا - والله أعلم - أنه جلس يومًا فى مجلسه من الخورْنَق،
فأشرف منه على النَّجَف وما يليه من البساتين والنخل والجِنان والأنهار ممّا
يلِ المغرب ، وعلى الفُرَاتِ ممّا يلِى المشرق، وهو على متن النَّجَف، فى يوم
من أيام الربيع ، فأعجبه ما رأى من الحُضْرة والنّوْر والأنهار ، فقال لوزيره
وصاحبه : هل رأيتَ مثل هذا المنظر قطّ! فقال: لا، لو كان يدوم ! قال:
فما الذى يَدُّوم؟ قال: ما عند اللّه فى الآخرة ، قال: فيم يُنال ذاك ؟ قال :
بتركك الدنيا وعبادة اللّه والتماس ماعنده ؛ فترك مُلْكَه من ليلته ولَبِس المُسوح،
وخرج مستخفياً هارباً لا يُعْلَمَ به ، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا
بابه؛ فلم يُؤذن لهم عليه كما كان يفعل ، فلما أبطأ الإذنُ عليهم، سألوا عنه
فلم يجدوه ، وفى ذلك يقول عدى بن زيد العِبَادىّ:
(١) الخبرة: السرور، وفى الحيوان ومعجم البلدان: ((حبوة)).
(٢) ت: ((أعظم الخطب)).
(٣) المزبى : المقلق المزعج .

٦٨
رَفَ يَوْماً وَلِلْهُدَى تَبْصِيرُ(١)
وتَفَكَّرْ رَبَّ الْخَوَرْنَ إِذْ أَشْ
لكُ وَالْبَحْرُ مُعْرِضٌ وَالسَّدِيرُ(٣)
سَرَّهُ حالُهُ وكثرَةُ مَا يَمْـ
٨٥٤/١
فارْ عَوَى قَلْبُه فقالَ وَمَا غِبْ طَةُ حَىّ إلى الْمَمَاتِ يَصِيرُ!
مُّ بَعْدَ الفَلاَح والُلْكِ والْإِمَّةِ وَارَتْهُمُ هُنَاكَ الْقُبُورُ(٣)
ثمَّ أضْحَوْا كَأَنَّهُمْ وَرَقٌ جَفَّ، فَأَلْوَتْ به الصَّبَا وَالدَّبُورُ(٤)
فكان مُلْك النعمان إلى أن ترك مُلْكه وساح فى الأرض تسعًا وعشرين
سنة وأربعة أشهر .
قال ابن الكلبىّ: من ذلك فى زمن يَزْدَ جِرْد خمس عشرة سنة ، وفى
زمن بَهْرام جور بن يَزْدَ جِرد أربع عشرة سنة .
وأمّا العلماء من الفُرْس بأخبارهم وأمورهم فإنهم يقولون فى ذلك ما أنا ذاكره .
[ ذكر ملك بَهْرام جور]
ثم ملك بعد يَزْدَ جِرد الأثيم ابنه بَهْرام جُور بن يَزْدَ جِد الخَشِنِ
ابن بَهْرام كَرْمان شاه بن سابور ذى الأكتاف . وُذكر أن مولده كان
هُرْ مَزْدروز فَرْوَرْدِينِ ماه(٥)، لسبع ساعات مضيْن من النَّهار. فإنّ أباه
يَزْدَ جِرْد دعا ساعة ولِدَ بهْرام ممن كان ببابه من المنجِّمين ،
فأمرهم بإقامة كتاب مولده وتبيّنه بيانًا يدلّ على الذی ینول إليه كلّ أمره ،
فقاسوا الشمس ونظروا فى مطالع النجوم، ثم أخبروا يَزْدَ جيرد أنّ اللّه
مورّثٌ بَهْرامَ مُلْك أبيه، وأنّ رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس، وأنّ
منْ الرأى أن يربى بغير بلاده، فأجال يَزْدَ جِرْدِ الرأىَ فى دفعه
فى الرضاع والتربية إلى بعض مَنْ ببابه من الرّوم أو العرب أو غيرهم ممن لم
٨٥٥/١ يكن من الفرس ، فبدا له فى اختيار العرب لتربيته وحضانته ، فدعا بالمنذر
(١) فى الأغانى ٢: ١٣٩: (( وتذكر)).
(٣) الإمة : النعمة.
(٢) الأغانى: ((سره ماله)) .
(٤) ألوت به ، أى ذهبت به .
(٥) يريد أنه ولد فى غرة شهر الربيع، وهو أول شهر فى السنة الشمسية عند الفرس.

٦٩
ابن النعمان، واستحضنه بَهْرام، وشرّفه وأكرمه، وملكه على العرب، وحباه
بمرتبتيْن سَنِيّتين، تدعى إحداهما: رام أبزوذ يزدجرد، وتأويله ((زاد سرور
يَزْدَ جِرْد)»، والأخرى تدعى بمِهِشْت، وتأويلها ((أعظم الحَوّل)»، وأمر له بصلة
وكُسوة بقدر استحقاقه لذلك فى منزلته ، وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب .
فسار به المنذر إلى محلّته منها ، واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام
صحيحة، وأذهان ذكية، وآداب رضية؛ من بنات الأشراف؛ منهنّ امرأتان
من بنات العرب ، وامرأة من بنات العجم ، وأمر لَهنّ بما أصلحهنّ من
الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجْن إليه ، فتداولْنَ رضاعه ثلاث
سنين، وفُطِم فى السنة الرابعة، حتى إذا أتت له (١) خمسُ سنين، قال للمنذر:
أحضرْنى مؤدّبين ذوى علم، مدّربين بالتعليم؛ ليعلّمونى الكتابة والرمى والفقه .
فقال له المنذر : إنّك بعدُ صغير السنّ ، ولم يأن لك أن تأخذ فى التعليم ؛
فالزم مايلزم الصِّبْيان الأحداث، حتى تبلغَ من السنّ ما يُطيق التعلّم والتأدُّب،
وأحضر (٢) مَنْ يعلّمك كلّ ما سألت تعلّمَه. فقال بَهْرام للمنذر: أنا لعمرى
صغير، ولكنّ عقلى عقل مُحْتَنِك، وأنت كبير السنّ وعقلك عقل ضَرّع(٣).
أما تعلمُ أيّها الرجل؛ أنّ كلّ ما يُتَقدّم فى طلبهُ ينال فى وقته، وما يُطلب ٨٥٦/١
فى وقته يُنال فى غير وقته، وما يُفَرّط فى طلبه يفوتُ فلا ينال! وإنِى من ولد
الملوك، والمُلْك صائر إلىّ بإذن الله، وأوْلى ما كُلِّف به الملوك وطلبوه صالح
العلم ؛ لأنه لهم زَيْن ، ولملكهم ركن به يقوَوْن . فعجّل علىّ بمن سألتُك
من المؤدّبين .
فوجّه المنذر ساعةَ سمع مقالة بتَهْرام هذه إلى باب الملِك مَنْ أتاه برهط
من فقهاء الفرس، ومعلّمى الرّمْىِ والفُروسيّة ومعلمى الكتابة وخاصّة (٤) ذوى
الأدب، وجمع له حكماء من حكماء فارس والرّوم، ومحدّثين من العرب، فألزمهم
بَهْرام، ووقَّت لأصحاب كلّ مذهب من تلك المِهَن وقتًا يأتونه فيه؛ وقدّر
(١) ل: ((عليه)).
(٢) ت: ((وأحضرك)).
(٣) الضرع ، بالتحريك : الصغير السن الضعيف .
(٤) ط: ((وحصة)).

٧٠
لم قدراً يفيدونه ماعندهم، فتفرّغ بَهْرام لتعلّم كلّ ماسأل أن يتعلّم، وللاستماع(١)
من أهل الحكمة وأصحاب الحديث، ووعتى كلّ ما استمع، وثَقِف كلّ
ما علم بأيسر تعليم. وألْفِىَ بعد أن بلغ اثنتى عشرة سنة، وقد استفاد كلّ ما أفيد
وحفظه ، وفاق معلّميه ومَنْ حضره من أهل الأدب ؛ حتى اعترفوا له بفضله
عليهم .
وأثاب بهرام المنذرَ ومعدّميه، وأمرهم بالانصراف عنه، وأمر معلمى الرمى
والفروسيّة بالإقامة عنده ؛ ليأخذ عنهم كلَّ ما ينبغى له التدرّب به ، والإحكام
له ؛ ثم دعا بتَهْرام بالنّعمان بن المنذر، وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم
من الذكور والإناث على أنسابها ، فأذن النعمان للعرب بذلك ، وبلغ المنذر
٨٥٧/١ الذى كان من رأى بَهْرام فى اختيار الخيل لمركبه، فقال لبهرام: لا تجشّمَنَّ
العرب إجراءَ خيلهم ؛ ولكن مُرْ مَنْ يعرض الخيل عليك، واختر منها رضاك،
وارتبطه لنفسك . فقال له بهرام : قد أحسنت القول ؛ ولكنى أفضل الرجال
سؤدداً وشرفًا ، وليس ينبغى أن يكون مركبى إلاّ أفضل الخيل ، وإنما يعرف
فضلُ بعضها على بعض بالتجربة (٢)؛ ولا تجربة بلا إجراء.
فرضىَ المنذر مقالتَه ، وأمر النّعمان العرب فأحضروا خيولهم ، وركبَ
بتَهْرام والمنذر لحضور الحلْبة ، وسرّحت الخيل من فرسخيْن ، فبَدرَ فرس
أشقر للمنذر تلك الخيل جميعًا سابقًا، ثم أقبل بعده بقيّتُها بَدَادٍ بَدَاد (٣)
من بين فرسين تالييْن، أو ثلاثة موزّعة، أو سُكَيْتًا (٤). فقرّب المنذر بيده
ذلك الأشقر إلى بَهْرام ، وقال: يبارِك اللّهُ لك فيه، فأمر بَهْرام بقبضه
وعظُم سروره به، وتشكّر للمنذر .
وإنّ بتَهْرام ركب ذات يوم الفرس الأشقر الذى حمله عليه المنذر إلى
الصيد، فبصُر بعانة (٥)، فرمتى عليها وقصد نحوها؛ فإذا هو بأسد قد شدّ على
(١) س، ل: ((والاستماع)).
(٢) ت: ((فى التجربة)).
(٣) بداد بداد؛ أى مرتين. وفى الأصول: ((بدار بدار)).
(٤) السكيت : من يجىء آخر الحلبة .
(٥) العانة : القطيع من حمر الوحش .

٧١
عَيْر كان فيها ، فتناول ظهره بفِيه ليَقْصِمه ويفترسه، فرماه بَهْرام رمية فى
ظهره، فنفذت النشّابة من بطنه وظهر العَيْرُ وسُرَّتِه حتى أفضت إلى الأرض.
فساخت فیھا إلی قریب من ثلثيها ، فتحرّك طويلا، و کان ذلك بمشهد ناس
من العرب وحرس بهرام وغيرهم . فأمر بَهْرام فصور ما كان منه فى أمر الأسد
والعيْر فى بعض مجالسه .
ثم إنّ بتَهْرام أعلم المنذر أنه على الإلمام بأبيه، فشخص إلى أبيه ، وكان
أبوه يَزْدَ جِرِد لسوء خلقه لا يحفل بولد له، فاتخذ بَهْرام للخدمة ، فلقى
بتَهْرام من ذلك عناء.
ثم إنّ يَزْدَ جِرْد وفد عليه أخ لقيصر، يقال له: ثياذوس، فى طلب ٨٥٨/١
الصلح والهدنة لقيصر والروم، فسأله بَهْرام أن يكلّم يَزْدَ جِرد فى الإذن له فى
الانصراف إلى المنذر ، فانصرف إلى بلاد العرب ، فأقبل على التنعيم والتلذذ .
وهلك أبوه يَزْدَ جِرد وبهرام غائب، فتعاقد ناس من العظماء وأهل البيوتات
ألاّ يملكوا أحداً من ذريّة يَزْدَ جِرْد لسوء سيرته، وقالوا: إن يَزْدَ جِرْد
لم يخلِّف ولداً يحتمل الملك غير بتَهْرام، ولم يَلِ بَهْرام ولاية قطّ يُبلَى(١)
بها خبره ، ويعرف بها حاله، ولم يتأدّب بأدب العجم؛ وإنما أدبُه أدب العرب،
وخُلُقْه كخلُقهم ، لنشئه بين أظهرهم . واجتمعت كلمتهم وكلمة العامّة
على صرف الملْك عن بتَهْرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك ، يقال له
كسرى، ولم يقيمُوا أن متكوه . فانتهى هلاكُ يَزْدَ جِرْد والذی کان من تملیکھم
كسرى إلى بَهْرام وهو ببادية العرب، فدعا بالمنذر والنعمان ابنه ، وناسٍ
من عِلْية العرب، وقال لهم : إنِّ لا أحسبكم تجحدون خصّصَى والدى ؛
كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم، مع فظاظته وشدّته كانت
على الفرس ؛ وأخبرهم بالذى أتاه من نَعْىٍ أبيه، وتمليك الفرس منْ متكوا
عن تشاور منهم فى ذلك .
فقال المنذر : لا يهولنّك ذلك حتى ألطف الحيلة(٢) فيه. وإنّ المنذر
(١) ت: ((يبتلى)).
(٢) ط: ((الحيلة، وما أثبته من ت)).

٧٢
د
جهّز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب، ووجههم مع ابنه إلى طيسبون(١)
وبِهْأرْ دشير مدينتى الملك، وأمره أن يعسكر قريبًا منهما ، ويدمين إرسال
طلائعه إليهما ، فإن تحرَّك أحد لقتاله قاتله وأغار على ماوالاهما ، وأسر
وسَبَتَى؛ ونهاه عن سَفْك الدماء . فسار النّعمان حتى نزل قريبًا من المدينتين،
ووجّه طلائعه إليهما، واستعظم قتال الفرس. وإنّ مَنْ بالباب من العظماء وأهل
البيوتات أوفدوا جوانى صاحب رسائل يَزْدَ جِرْد إلى المنذر ، وكتبوا إليه يعلمونه
أمر النعمان ، فلما ورد جُوانى على المنذر وقرأ الكتاب الذى كتب إليه ،
قال له: القَ الملكَ بَهْرام، ووجته معه مَنْ يوصله إليه. فدخل جوانى على بَهْرام
فراعه ما رأى من وسامته وبهائه، وأغفل السجود دهشًا، فعرف بَهْرام أنه إنما
ترك السجود لما راعه من رُوائه ، فكلّمه بَهْرام ، ووعده من نفسه أحسن الوعد ،
وردّه إلى المنذر ، وأرسل إليه أن يجيب فى الذى كتب ، فقال المنذر الجوانى :
قد تدبّرت الكتاب الذى أتيتَنى به؛ وإنما وجته النعمان إلى ناحيتكم الملك بتهترام
حيث ملكه الله بعد أبيه، وخَوّله إيّاكم .
فلما سمع جُوانى مقالة المنذر ، وتذكّر ما عاين من رُواء بهرام وهيبته عند
نفسه، وأنّ(٢) جميع مَنْ شاور (٣) فى صرف الملك عن بتَهْرام مخصوم محجوج،
قال (٤) للمنذر: إنى لست محيراً جوابًا، ولكن سِرْ إن رأيت إلى محلَّة الملوك
فيجتمع (٥) إليك مَنْ بها من العظماء وأهل البيوتات ، وتشاوروا فى ذلك .
وأتٍ فيه ما يحمل ؛ فإنهم لن يخالفوك فى شىء ممّا تشير به .
فرد" المنذر جُوانى إلى مَنْ أرسله إليه، واستعدّ وسار بعد فصول جوانى
٨٦٠/١ من عنده بيوم ببهرام فى ثلاثين ألف رجل من فُرسان العرب وذوى (٦)
البأس والنّجدة منهم إلى مدينتى الملك؛ حتى إذا وردهما، أمَر فجمع الناس،
وجلس بَهْرام على مِنْبَرٍ (٧) من ذهب مكلّل بجوهر، وجلس المنذر عن يمينه،
(١) ت: ((طيسيون)). س: ((طيسون)).
(٣) ت، س: ((تشاور)).
(٥) ت: ((فتجمع)).
(٢) ل: ((علم بأن)).
(٤) ل: ((فقال)).
(٧) ت ((سرير)).
(٦) ت: ((وأولى))
م

٧٣
وتكلّم عظماء الفرس وأهل البيوتات، وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يَزْدَ جِرْد
أبى بهرام كانت ، وسوء سيرته، وأنه أخرب بسوء رأيه الأرضَ، وأكثر القتل
ظلمًا ، حتى قد قَتلَ النَّاس فى البلاد التى كان يملكها ، وأموراً غير ذلك
فظيعة . وذكروا أنّهم إنما تعاقدوا وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يَزْدَ جرد
لذلك ، وسألوا المنذر ألاّ يجبرهم فى أمر الملك على ما يكرهونه .
فوعى المنذر ما بثُّوا من ذلك ، وقال لبتَهرام : أنت أوْلَى بإجابة القوم
منّى . فقال بهرام: إنّى لستُ أكذّبكم معشر المتكلمين فى شىء مما نسبتم
إليه يَزْدَ جِرد لِمَا استقرّ عندى من ذلك ، ولقد كنت زارياً عليه لسوء هديه،
ومتنكّبًا لطريقه(١) ودينه، ولم أزل أسأل الله أن يمنّ علىّ بالملك ، فأصلح
كلّ ما أفسد ، وأرأب ما صدع ؛ فإن أتتْ لملكى سنة ولم أفٍ لكم بهذه
الأمور التى عددت لكم تبرّأت من الملك طائعًا، وقد أشهدت بذلك علىّ الله
وملائكته وموبَذان مَوْبذ. ولْيَكُنْ هو فيها حَكَمًا بينى وبينكم. وأنا
مع الذى بيّنت على ما أعلمكم من رضاى بتمليككم مَنْ تناول التاج والزينة؛
من بين أسدين ضارييْن مُشْبِلِين، فهو الملك .
فلما سمع القومُ مقالة بَهْرام هذه ، وما وعد من نفسه ، استبشروا بذلك ،
وانبسطت آمالهم ، وقالوا فيما بينهم: إنّا لسنا نقدر على ردّ قول بهرام؛ مع ١ / ٨٦١
أنّا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوّف أن يكون فى ذلك هلاكنا لكثرة
من استمدّ واستجاش من العرب ؛ ولكنَّا نمتحنه بما عَرَض علينا مما لم يدْعه
إليه إلاّ ثقة بقوته وبطشه وجرأته، فإن يكن على ما وصف به نفسه، فليس
لنا رأى إلاّ تسليم الملك إليه، والسمع والطاعة له، وإنْ يهلِكْ ضعفًا وَمعجزة،
فنحن من هَلَكته(٢) برآء، ولشرّه وغائلته آمنون .
وتفرَّقوا على هذا الرأى ، فعاد بهرام بعد أن تكلّ بهذا الكلام ، وجلس
كمجلسه الذى كان فيه بالأمس، وحضره مَنْ كان يحادّه . فقال لهم: إمّا
(١) ل: ((لطريقته)).
(٢) س: ((مهلكته)).

٧٤
أن تجيبونى فيما تكلّمت أمس ، وإما أن تسكتوا باخعين (١) لى بالطاعة.
فقال القوم : أمّا نحن ، فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى، ولم نَرَ منه إلاّ
ما نحبُّ ؛ ولكنّا قد رضينا مع ذلك أن يُوضع التاج والزينة كما ذكرت بين
أسدين ، وتتنازعانهما أنت وكسرى، فأيّكما تناولها من بينهما، سلّمنا له الملك.
فرضى بهرام بمقالتهم ، فأتى بالتاج والزينة موبذان موبذ ، الموكّل كان
بعقد التّاج على رأس كلِّ ملِك يملك ، فوضعهما فى ناحية ، وجاء بيسطام
إصْبَهْبَذَ، بأسدين ضارييْن مجوّعين مُشْبلين، فوقف أحدُ هما عن جانب الموضع
الذى وُضع فيه التاج والزينة ، والآخر بحذائه ، وأرخى وثاقهما ، ثم قال بهرام
لكسرى : دونَك التّاج والزينة . فقال كسرى : أنت أولى بالبدء وبتناولهما
٨٦٢/١ منى؛ لأنّك تطلب المُلْك بوراثة، وأنا فيه مغتصب. فلم يكره بهرام قوله ،
لثقته كانت ببطشه(٢) وقُوّته، وحمل جُوْزًا(٣)، وتوجه نحو التاج والزينة، فقال
له موبذان مَوْبَذ : استماتتك فى هذا الأمر الذى أقدمت عليه ؛ إنما هو تطوّع
منك ، لا عن رأى أحدٍ من الفرس ، ونحن برآء إلى اللّه من إتلافِك نفسَك .
فقال بهرام: أنتم من ذلك برآء ، ولا وِزْرَ عليكم فيه. ثم أسرع نحو الأسدين ،
فلما رأى مَوْبَذَان موبذ جِدّهُ فى لقائهما، هتف به وقال : بُحْ بذنوبك،
وتُبْ منها ، ثم أقدم إن كنت لا محالة مُقدمًا ، فباح بتَهْرام بما سلف من
ذنوبه ، ثم مشى نحو الأسدين ، فبدر إليه أحدُهما ، فلما دنا من بَهْرام
وثب وثبة ، فعلا ظهره ، وعصر جَنْبَى الأسد بفخذيه عَصْراً أثخنه ، وجعل
يضرب على رأسه بالجُرْز الذى كان حمل ، ثم شّدّ الأسد الآخر عليه ،
فقبض على أذنيْه ، وعَرَكهما بكلتا يديه ، فلم يزل يضرب رأسه برأس
الأسد الذى كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجُرْز
الذى كان حمله : وكان ذلك من صنيعه (٤) بمرأى من كِسْرِى ومَنْ حضر
ذلك المحفل .
(١) ل: ((خاضعين)).
(٣) الجرز: عمود من الحديد .
(٢) ل: ((كانت فى بطشه)).
(٤) ت: ((صنعه)).

٧٥
فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة ، فكان كسرى أوّل من ھَتَف به ،
وقال: عمّرك الله بهرام! الذى مَنْ حولَهُ سامعون، وله مطيعون، ورزقه مُلْك
أقاليم الأرض السبعة. ثم هتف به جميع (١) الحضّر، وقالوا : قد أذعنّا للملك
بهرام، وخضعنا له ورضينا به مَلِكًا. وأكثروا الدُّعاء له. وإنّ العظماء وأهلّ
البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقُوا المنذر بعد ذلك اليوم، وسألوه(٢)
أن يكلّم بهرام فى التغمّد لإساءتهم فى أمره، والصفح والتجاوز عنهم ، فكلّم
المنذر بَهْرام فيما سألوه من ذلك ، واستوهبه ما كان احتمل عليهم فى نفسِهِ ،
فأسعفه بَهْرام فيما سأل ، وبسط آمالهم .
٨٦٣/١
وإنّبهرام ملك وهو ابن عشرين سنة، وأمرَ من يومه ذلك أن يُلزِمِ رعيّته راحة
وَدَعَةً ، وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية، يعِدُهم الخير من نفسه ،
ويأمرهم بتقوى الله وطاعته .
*
ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثراً للهو (٣) على ما سواه، حتى كثرتْ ملامة
رعيَته إياه على ذلك، وطمِع مَنْ حوله من الملوك فى استباحة بلاده، والغلبة
على ملكه؛ وكان أوّل مَنْ سبق إلى المكاثرة (٤) له عليه خاقان ملك الترك،
فإنّه غزاه فى مائتين وخمسين ألف رجل من الترك ، فبلغ الفرس إقبال خاقان
فى جَمْع عظيم إلى بلادهم، فتعاظمهم ذلك وهالهم، ودخل عليه من عظمائهم
أناس لهم رأى أصيل ، وعندهم نظر للعامّة، فقالوا له: إنه قد أزَمَكَ أيها
الملك من بائقة هذا العدّوما قد شغلك عمّا أنت عليه من اللهو والتلذّذ، فتأهّبْ
له كيلا يلحقنا منه أمرٌ يلزمك فيه مسبّة وعار. فقال لهم بهرام: إن الله ربّنا(٥)
قوىّ ونحن أولياؤه . ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذّذ والصيد.
وإنه تجهّز فسار إلى أذْرَ بيجان لينسُك (٦) فى بيت نارها، ويتوجّه منها إلى
(١) ت: ((الجمع)).
(٣) س، ل: ((اللهو)).
(٥) ت: ((تعالى)).
(٢) ل: ((فسألوه)).
(٤) ت، س: ((المكابرة)).
(٦) ينسك : يتعبد.

٧٦
٨٦٤/١ أرمينية، ويطلب الصيد فى آجامها، ويلهو فى مسيره فى سبعة رهط من العظماء
وأهل البيوتات؛ وثلثمائة رجل من رابطته ذوى بأس ونجدة ، واستخلف أخًا له
يسمّى نَرْسِى على ما كان يدبّر من ملكه. فلم يشكّ الناسُ حين بلغهم
مسير بَهْرام فيمن سار واستخلافه أخاه على ما استخلف فى أنّ ذلك ھَرَبٌ
من عدوّه، وإسلام لملكه؛ وتآمروا فى إنفاذ وفد إلى خاقان، والإقرار له بالخراج،
مخافةً منه لاستباحة بلادهم، واصطلامه مقاتِلّهم إن هم لم يُذْعِنوا له بذلك.
فبلغ خاقان الذى أجمعَ عليه الفرس من الانقياد والخضوع له ، فآمن ناحيتهم،
وأمر جنده بالتوَرّع ، فأتى بهرام عينٌ كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان ، فأخبره
بأمر خاقان وعزْمِه ، فسار إليه بهرام فى العدّة الذين كانوا معه فبيّته ، وقتل
خاقان بيده ، وأفشى القَّلَ فى جنده، وانهزم مَنْ سَلِيمٍ من القتل منهم ،
ومنحوه أكتافهم، وخلّفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم ، وأمعن بَهْرام فى طلبهم
يقتلهم ويحوى ما غنم منهم، ويَسَبِى ذراريَّهم . وانصرف وجنده سالمين ،
وظفر(١) بَهْرام بتاج خاقان وإكليله، وغلب على بلاده من بلاد الترك، واستعمل(٢)
على ما غلب (٣) عليه منها مَرْزبانا حباه سريراً من فضة ، وأتاه أناس من أهل
البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة ،
وسألوه أن يُعلِمِهم حدّ ما بينه وبينهم فلا يتعدّوه ، فحدّ لهم حدًّا ، وأمر
فبنيت منارة، وهى المنارة التى أمر بها فيْرُوز الملك ابن يَزْدَ جِرِد، فقدّمت
٨٦٥/١ إلى بلاد الترك، ووجّه بهرام قائداً من قوّاده إلى ما وراء النهر منهم، وأمره بقتالهم
فقاتلهم وأثخنهم ، حتى أقرُّوا لبهرام بالعبوديّة وأداء الجِزية .
*
وإنّ بهرام انصرف (٤) إلى أَذر بيجان، راجعًا إلى محلّته من السّواد ، وأمر
بما كان فى إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجوهر ، فعلِّق على بيت نار
آذر بيجان ، ثم سار وورد مدينة طيسبون، فنزل(٥) دار المملكة بها ، ثم
(١) ت: ((فظفر))، ل: ((وظهر)).
(٢) ت: ((واستخلف)).
(٣) ت: ((ما قد غلب عليه)). س، ل: ((على ما غلب عليه)).
(٤) ت: ((سار)).
(٥) ت: ((ونزل)).

٧٧
كتب إلى جُنْدِه وعمّاله بقتله خاقان ، وما كان من أمره وأمر جنده . ثم ولّى
أخاه ذَرْسِى خُراسان، وأمرَه أن يسير إليها وينزل بلْخ ، وتقدّم إليه
بما أراد .
ثم إنّ بَهْرام سار فى آخر سُلْكه إلى ماه للصيد بها ، فركب ذات يوم
للصيد ، فشدّ على عَيْر ، وأمعن فى طلبه ، فارتطم فى جُبّ ، فغرق ، فبلغ
والدته فسارت إلى ذلك الجُبّ بأموال عظيمة ، وأقامت قريبة منه ، وأمرت
بإنفاق تلك الأموال على مَنْ يخرجه منه، فنقلوا من الجبّ طينًا كثيراً وحَمْأةً،
حتى جمعوا من ذلك آكامًا عظامًا، ولم يقدروا على جُنّة بتَهْرام.
وذُكِرٍ أن بَهْرام لمّا انصرف إلى مملكته من غَزْوِه (١) الترك، خطب أهلَ
مملكته أيامًا متوالية ، حثَّهم فى خطبته على لُزوم الطاعة، وأعلمهم أنْ نيّتَه
التَّوسعة عليهم، وإيصالُ الخير إليهم، وأنّهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من
غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه ، وأنّ أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة ،
فجحدوا ذلك أو مَنْ جِحده منهم ، ولم يخضعوا له خضوع الحَوّل والعبيد
للملوك ، فأصاره ذلك إلى الغِلْظة وضرب الأبشار وسفك الدماء . وإنّ
انصراف بهرام من غزوه ذلك كان على طريق أذْرَ بيجان، وإنه نَحَل بيت نار ٨٦٦/١
الشيز ما كان فى إكليل خاقان من اليواقيت والجوهر (٢) وسيفا كان لخاقان
مُفصّصًا بدر وجوهر وحلْية كثيرة ، وأخدمه خاتون امرأة خاقان ، ورفع عن
الناس الخراج لثلاث سنين شكراً على ما لقِىَ من النَّصْر فى وجهه ، وقسّم
فى الفقراء والمساكين مالا عظيمًا، وفى البيوتات وذوى الأحساب عشرين ألف
ألف درهم ، وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتبًا ، يذكر فيها أنّ الخبر ورد
عليه بورود خاقان بلادَه ، وأنّه مجد الله وعظَّمه وتوكّل عليه، وسار نحوه فى
سبعة رهط من أهل البيوتات ، وثلثمائة فارس من نُخْبة رابطته على طريق
أَذْرَ بيجان وجبل القبْق ؛ حتى نفذ على برارىّ خُوارزم ومفاوزها ، فأبلاه
(١) ت: ((غزو)).
(٢) ت: ((والجواهر)).
٠

٧٨
الله أحسن بلاء، وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج ، وكان كتابه فى ذلك
كتابًا بليغًا .
وقد كان بَهْرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عن أهل الخراج البقايا
التى بقيتْ عليهم من الخراج، فأعلِمِ أنّ ذلك سبعون ألف ألف درهم ، فأمر
بتركها وبترك ثلث خراج السّنة التى وَّلىَ فيها .
وقيل إنّ بهرام جُور لمّا انصرف إلى طيسبُون من مَغْزاه خاقان التركىّ،
ولَّى نَرْسى أخاه خراسان ، وأنزله بَلْخ، واستوزر مِهْر نَرْسِى بن بُرازة،
وخصّه وجعله بُزُرجَفْر مَذار، وأعلمه أنه ماضٍ إلى بلاد الهند ، ليعرف
أخبارها ، والتلطّف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته ؛ ليخفّف بذلك بعض
مؤونة عن أهل مملكته ، وتقدّم إليه بما أراد التقدّم إليه فيما خلّفه عليه إلى
أوان انصرافه ، وأنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكراً ، فمكث
بها حينًا لا يسأله أحدٌ من أهلها عن شىء من أمره غير ما يروْن من فروسيته (١)
وقتله السباع ، وجماله وكمال خلْقه ما يعجبون منه . فلم يزل كذلك حتى بلغه
أنّ فى ناحيةٍ من أرضهم فيلا قد قطع السُّبُل، وقتل ناسًا كثيراً، فسأل
بعضَهم أن يدلَّه عليه ليقتله، وانتهى أمره إلى الملك فدعا به ، وأرسل معه
رسولاً ينصرف إليه بخبره . فلما انتهى بَهْرام والرسول إلى الأجَمَة التى فيها
الفيل، رقِىَ الرسول إلى شجرة لينظر إلى صُنْع (٢) بهرام. ومضى بَهْرام ليستخرج
الفيل ، فصاح به ، فخرج إليه مُزبيداً وله صوت شديد ، ومنظر هائل ، فلما
قرب من بَهْرام رماه رميةً وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب، ووقَذَه بالنُّشَّاب،
حتى بلغ منه ، ووثب عليه فأخذه بِمشْفرِه ، فاجتذبه جَذْبة جًا لها
الفيل على ركبتيْه ، فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه ، فاحتزّ رأسه وحمله
على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق ، ورسول الملك ينظر إليه . فلما انصرف
الرسول اقتصّ خبره على الملك ، فعجب من شدّته وجرأته ، وحباه حباء
عظيماً ، واستفهمه أمره . فقال له بهرام : أنا رجل من عظماء الفُرس ، وكان
٨٦٧/١
(١) ت: ((فروسته)).
(٢) ت: ((إلى صنيع))، س: ((ما يصنع)).

٧٩
٨٦٨/١
ملك فارس سَخِط علىّ فى شىء فهربت منه إلى جوارك ، وكان لذلك الملك
عدوّ قد نازعه مُلْكَه، وسار إليه بجنود عظيمة، فاشتدّ وَجَلُ الملك صاحب
بهرام منه لما كان يعرف من قُوّته ، وأراده على الخضوع له وحَمْل الخراج
إليه ، وهمّ صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك، فنهاه بهرام عن ذلك، وضمِن له
كفاية أمره، فسكن إلى قوله، وخرج بهرام مستعدًّاً له، فلما التَّقَوْا قال لأساورة
الهند: احرسوا ظهرى . ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرّجُل على رأسه فتنتهى
ضربتُهُ إلى فمه، ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين، ويأتى الفيل فيقدّ مِشْفره
بالسيف، ويحتمل الفارس عن سرجه - والهند قوم لا يحسنون الرمى، وأكثرهم
رَجَّالة لا دوابٌ لهم - وكان بهرام إذا رمى أحد هم أنفذ السهمَ فيه، فلما عاينوا
منه ما عاينوا ، ولَّوْا منهزمين لا يلوون على شىء ، وغَنِيمٍ صاحب بهرام ما كان
فى عسكر عدوّه ، وانصرف محبوراً مسروراً، ومعه بهرام ، فكان فى مكافأته
إيّاه أن أنْكَحه ابنته، ونحَله الدَّيْبُلَ ومُكثران وما يليها من أرض السّند ،
وكتب له بذلك كتابًا ، وأشهد له على نفسه شهوداً ، وأمر بتلك البلاد حتى
ضُمَّت إلى أرض العجم ، وحمل خراجها إلى بَهْرام، وانصرف بهرام مسروراً .
ثم إنه أغزى مِهْرَ نَرْسى بن بُرازة بلاد الروم فى أربعين ألف مقاتل ،
وأمرَه أن يقصد عظيمها، ويناظره فى أمر الإتاوة وغيرها؛ ممّا لم يكن يقوم
بمثله إلا مثل مِهْرِنَرْسى، فتوجَّه (١) فى تلك العدّة، ودخل القُططينيّة،
وقام مقامًا مشهوراً ، وهادنه عظيم الروم ، وانصرف بكلّ الذى أراد بتَهْرام،
ولم يزل لِمِهْرِ نَرْسِى مُكْرِماً، وربما خفَّف اسمه فقيل ((نَرْسى)) وربّما قيل
((مِهْرُنَرْسِه))، وهو مِهْ نَرْسِى بن بُرازة بن فرُّخزاذ بن خُورَ هباذ بن سيسفاذ
ابن سيسنابروه بن كَىْ أشَك بن دارا بن دارا بن بَهْمن بن إسفنديار بن
يشتاسب .
٨٦٩/١
وكان مِهْرِ ذَرْسِى معظَمًا عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه، وجودة
آرائه، وسكون العامّة إليه، وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه فى القدر ، وعملوا
للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته ؛ وإنّ منهم ثلاثة قد كانوا برّزوا :
(١) ل: ((فوجهه)).

٨٠
أحدهم زَرَ وَانْداذ ؛ كان مِهْر نرسى قصد به الدين والفقه ، فأدرك مِنْ ذلك
امراً عظيمًا، حتى صيّره بهرام جور هِرْبذان هرْبَذ، مرتبة شبيهة بمرتبة مَوْبذان
مَوبَذ. وكان يقال للآخر: ما جُشْنَس، ولم يزل متولّيًا ديوان الخراج أيام
بَهْرام جور. وكان اسم مرتبته بالفارسية ((راستراى وشانسلان)). وكان الثالث اسمه
كارد صاحب الجيش الأعظم ، واسم مرتبته بالفارسية ((أسطران سلار))؛ وهذه
مرتبة فوق مرتبة الإصبَهبد تقارب مرتبة الأرْجَذ، وكان اسم مِهْر نرسى
٨٧٠/١ بمرتبته بالفارسية ((بُزُرْ جفر ماندار))؛ وتفسيره بالعربية ((وزير الوزراء))
أو رئيس الرؤساء . وقيل إنه كان من قرية يقال لها إبروان من رستاق
دَشْتبارين من كورة أردشير خُرّة ، فابتنى فيه وفى جِرِه من كُورة سابور
الاتّصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة، واتخذ فيها بيت نار - هو باق فيما
ذكر إلى اليوم . وناره توقد إلى هذه الغاية - يقال لها مِهْنَرْسِيان، واتّخذ
بالقرب من إبروان أربع قرى ، وجعل فى كل واحدة منها بيتَ نار؛ فجعلَ
واحداً منها لنفسه، وسماه فراز مرا آوَرْ خُذايان؛ وتفسير ذلك: ((أقبلى إلىّ
سيّدقى))، على وجه التعظيم للنار، وجعل الآخر لزراوْنداد، وسماه زراونداذان،
والآخر لكارد وسماه كارداذان، والآخر لماجُشْنَس، وسماه ماجُشْتَسْفان؛
واتّخذ فى هذه الناحية ثلاث باغات (١)، جعل فى كلّ باغ منها اثنتَىْ عشرة
٨٧١/١ ألف نخلة ، وفى باغ اثنى عشر ألف أصل زيتون، وفى باغ اثنتى عشرة ألف
سَرْوة (٢)، ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيران فى يد قوم من ولده معروفين
إلى اليوم ؛ وإنّ ذلك - فيما ذكر - إلى اليوم باقٍ على أحسن حالاته .
وذكر أن بَهْرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم ، مضى إلى
بلاد السودان من ناحية(٣) اليمن، فأوقع بهم؛ فقتل منهم مقتلة عظيمة. وسبى
منهم خَلْقاً ، ثم انصرف إلى مملكته . ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت .
واختلفوا فى مدة ملكه ، فقال بعضهم : كان ملكه ثمانى عشرة سنة وعشرة
(١) الباغ: البستان، وانظر المعجم فى اللغة الفارسية ٣٢.
(٢) السرو: شجر حسن الهيئة قويم الساق ؛ فسره صاحب القاموس بالعرعر، واحدته سروة.
(٣) ت: ((ما يلى)).