النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
ابن بابك ، فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف يُعلمهم ما اجتمعت عليه الروم
من غَزْو بلادهم ، وأنه قد بلغه من حشدهم وجمعهم ما لا كفاء له عنده ،
وأنه إن ضعف عنهم ظفروا بهم جميعاً. فوجّه كلّ ملك من ملوك الطوائف
إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته ، حتى اجتمع عنده أربعمائة
ألف رجل، فولى عليهم صاحب الخضْر - وكان ملكًا من ملوك الطوائف
يلى ما بين انقطاع السواد إلى الجزيرة - فسار بهم حتى لقى ملكَ الروم فقتله
واستباح عسكره ، وذلك هيّج الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من روميّة
إليها . فكان الذى ولى إنشاءها الملكُ قسطنطين، وهو أول ملوك الروم تنصّر، وهو
أجْلى مَن بقى من بنى إسرائيل عن فلسطين والأردن "لقتلهم - بزعمه - عيسى بن
مريم، فأخذ الخشبة التى وجدهم يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها، فعظّمها الروم ،
فأدخلوها خزائنهم ، فهى عندهم إلى اليوم .
٧٠٦/١
قال: ولم يزل ملك فارس متفرّقًا حتى ملك أردشير. فذكر هشام ما ذكرت
عنه ، ولم يبيّن مدة ملك القوم .
٠٠٠
وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس : ملك بعد الإسكندر مُلْك دارا
أناس من غير ملوك الفرس ، غير أنهم كانوا يخضعون(١) لكلّ من يملك بلاد
الجبل ويمنحونه الطاعة .
قال: وهم الملوك الأشغانون(٢) الذين يُدعون ملوك الطوائف. قال: فكان
ملكهم مائتى سنة وستًّاً وستين سنة .
فملك من هذه السنين أشك بن أشجان عشرسنين .
ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة ؛ وفى سنة إحدى وأربعين من
ملكه ظهر عيسى بن مريم بأرض فلسطين . وإن ططوس بن أسفسيانوس
ملك روميّة غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بن مريم بنحو من أربعين سنة،
فقتل مَنْ فى مدينة بيت المقدس، وسبى ذراريَّهم ، وأمرهم فنُسفت مدينة
بيت المقدس ، حتى لم يترك بها حجراً على حجر .
٧٠٧/١
(١) ح : ((يجتمعون)).
(٢) ن: ((الأشعانون)»، ت: ((الأسعانون)).

٥٨٢
ثم ملك جوذرز بن أشغانان الأكبر ، عشر سنين .
ثم ملك بيزن الأشغانىّ ، إحدى وعشرين سنة .
ثم ملك جوذرز الأشغانىّ ، تسع عشرة سنة .
ثم ملك نرسى الأشغانىّ ، أربعين سنة .
ثم ملك هرمز الأشغانىّ، سبع عشرة سنة .
ثم ملك أردوان الأشغانىّ ، اثنتى عشرة سنة .
ثم ملك كسرى الأشغانىّ ، أربعين سنة .
ثم ملك بلاش الأشغانىّ، أربعا وعشرين سنة .
ثم ملك أردوان الأصغر الأشغانىّ، ثلاث عشرة سنة .
ثم ملك أردشير بن بابك .
وقال بعضهم : ملك بلاد الفرس بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين
٧٠٨/١ فرّق الإسكندر المملكة بينهم، وتفرّد بكلّ ناحية مَنْ مَلَك عليها من حين
ملكه ، ما خلا السواد ، فإنها كانت أربعًا وخمسين سنة بعد هلاك الإسكندر
فى يد الروم. وكان فى ملوك الطوائف رجلٌ من نسل الملوك مملكا على الجبال
وأصبهان، ثم غلب ولده بعدذلك على السواد، فكانوا ملوكًا عليها وعلى الماهات(١)
والجبال وأصبهان ، كالرئيس على سائر ملوك الطوائف، لأن السنة جرت
بتقديمه وتقديم ولده ؛ ولذلك قُصِد لذكرهم فى كتب سيرَ الملوك، فاقتُصر
على تسميتهم دون غيرهم .
قال : ويقال إن عيسى بن مريم عليه السلام وُلد بأورِيشَلِم بعد
إحدى وخمسين سنة من ملوك الطوائف ؛ فكانت سنُو ملكهم من لدن
الإسكندر إلى وثوب أردشير بن بابك وقتْله أردوان واستواء الأمر له ،
مائتين وستًّا وستين سنة .
٠
قال : فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيئأت لأولادهم بعد ذلك الغلبة
(١) ت: ((المهات)). س ((المهان)).

٥٨٣
على السواد أشك بن حره بن رسبيان(١) بن أرتشاخ بن هرمز بن ساهم بن رزان(٢) بن ٧٠٩/١
إسفنديار بن بشتاسب . قال: والفرس تزعم أنه أشك بن دارا . وقال بعضهم:
أشك بن أشكان الكبير، وكان من ولد كيبيه بن كيقباذ، وكان ملكه عشرسنين .
ثم ملك من بعده أشك بن أشك بن أشكان ، إحدى وعشرين سنة .
ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان ، إحدى وعشرين سنة .
ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان ، ثلاثين سنة .
ثم ملك جوذرز الأكبر بن سابور بن أشكان ، عشرسنين .
ثم ملك بيرن بن جوذرز ، إحدى وعشرين سنة .
ثم جوذرز الأصغر بن بيزن ، تسع عشرة سنة .
ثم فرسه بن جوذرز الأصغر ، أربعين سنة .
ثم هرمز بن بلاش بن أشكان ، سبع عشرة سنة .
ثم أردوان الأكبر وهو أردوان بن أشكان ، اثنتى عشرة سنة .
ثم كسرى بن أشكان ، أربعين سنة .
ثم بهافرید الأشكانى ، تسع سنين .
ثم بلاش الأشكانىّ ، أربعا وعشرين سنة .
ثم أردوان الأصغر وهو أردوان بن بلاش بن فيروز بن هرمز بن بلاشربن
سابور بن أشك بن أشكان الأكبر، وكان جدّه كيبيه بن كيقباذ . ويقال :
إنه كان أعظم الأشكانية مُلْكًا، وأظهرهم عزًّا، وأسناهم ذكراً، وأشدّ هم قهراً
لملوك الطوائف، وأنه كان قد غلب على كورة إصطخر لاتّصالها بأصبهان ،
ثم تخطّى إلى جُور وغيرها من فارس، حتى غلب عليها ، ودانت له ٧١٠/١
ملوكها لهيبة ملوك الطوائف كانت له ، وكان ملكه ثلاث عشرة سنة .
ثم ملك أردشير .
#
وقال بعضهم : ملك العراق وما بين الشأم ومصر بعد الإسكندر تسعون
ملكًا على تسعين طائفة كلّهم يعظّم مَنْ يملك المدائن، وهم الأشكانيون . قال:
(١) كذا فى س. (٢) كذا فى ن، وفى ت: ((زران)) وفى س: ((زرام)).

٥٨٤
فملك من الأشكانيين أفقور شاه بن بلاش بن سابور بن أشكان بن أرش
الجبار بن سياوش بن كيفاوس الملك ، اثنتين وستين سنة .
ثم سابور بن أفقور - وعلى عهده كان المسيح ويحيى عليهما السلام -
ثلاثا وخمسين سنة .
ثم جوذرز بن سابور بن أفقور الذى غزا بنى إسرائيل طالبًا بثأر يحيى
ابن زكرياء، ملك تسعاً وخمسين سنة .
ثم ابن أخيه أبزان بن بلاش بن سابور، سبعًا وأربعين سنة .
ثم جوذرز بن أبزان بن بلاش، إحدى وثلاثين سنة .
ثم أخوه نرسى بن أبزان ، أربعًا وثلاثين سنة .
ثم عمّة الهرمزان بن بلاش ، ثمانياً وأربعين سنة .
ثم ابنه الفيروزان بن الهرمزان بن بلاش ، تسعًا وثلاثين سنة .
ثم ابنه كسرى بن الفيروزان ، سبعًا وأربعين سنة .
ثم ابنه أردوان بن بلاش، وهو آخرهم ، قتله أردشير بن بابك، خمساً
وخمسين سنة .
٥٨٤/١
قال : وكان ملك الإسكندر وملك سائر ملوك الطوائف فى النواحى خمسمائة
وثلاثًا وعشرين سنة .
..---

ذكر الأحداث التى كانت فى أيام ملوك الطوائف
فكان من(١) ذلك - فيما زعمته الفرس - لمضىّ خمس وستين سنة من
غلبة الإسكندر على أرض بابل ، ولإحدى وخمسين سنة من ملك الأشكانيّين -
ولادةُ مريم بنت عمران عيسى بن مريم عليه السلام .
فأما النصارى فإنها تزعم أن ولادتها إياه كانت لمضى ثلثمائة سنة وثلاث سنين
من وقت غلبة الإسكندر على أرض بابل . وزعموا أن مولد يحيى بن زكرياء
كان قبل مولد عيسى عليه السلام بستة أشهر . وذكروا أن مريم حملت بعيسى
ولها ثلاث عشرة سنة ، وأن عيسى عاش إلى أن رُفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما ،
وأنّ مريم بقيت بعد رفعه ست سنين ، وكان جميع عمرها نيفًا وخمسين سنة .
قال: وزعموا أن يحيى اجتمع(٢) هو وعيسى بنهر الأردن" وله ثلاثون سنة،
وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى . وكان زكرياء بن برخيا(٣) أبو يحيى بن
زكرياء وعمران بن ماثان أبو مريم متزوّجيْن بأختين ؛ إحداهما عند زكرياء
وهى أمّ يحيى، والأخرى منهما عند عمران بن ماثان ، وهى أمّ مريم ، فمات
عمران بن ماثان وأمّ مريم حامل بمريم ، فلما ولدت مريم كفّلَها زكرياء بعد
موت أمّها، لأنّ خالتها أخت أمّها كانت عنده. واسم أمّ مريم حنة بنت فاقود
ابن قبيل ، واسم أختها أم يحيى الأشباع (٤) ابنة فاقود . وكفلها زكرياء ،
وكانت مسماة بيوسف بن يعقوب بن ماثان بن اليعازار بن اليوذ بن أحين بن
صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زربابل بن شلتيل بن يوحنيا بن
يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن
يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود ، ابن عمّ مريم.
٧١٢/١
وأما ابن حميد، فإنه حدثنا عن سلمة ، عن ابن إسحاق ، أنه قال :
(٢) ن: ((صبغ)).
(١) ح: ((فى)).
(٣) ن: ((يرخنا)).
(٤) ن: ((الأشياع)).
٥٨٥

٥٨٦
مريم- فيما بلغنى عن نسبها- ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا
ابن أحزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن
يهشافاظ بن أُسا بن أبيا بن رُحُبْعُم بن سليمان. فولِد لزكرياء يحيى ابن خالة
عيسى بن مريم ، فنبّئ صغيراً ، فساح ، ثم دخل الشأم يدعو الناس ، ثم
اجتمع يحيى وعيسى ، ثم افترقا بعد أن عمّد یحی عيسى.
٧١٣/١
وقيل : إن عيسى بعث يحيى بن زكرياء فى اثنى عشر من الحواربين يعلّمون
الناس : قال : وكان فيما نهوْهم عنه نكاحُ بنات الأخ، فحدثنى أبو السائب،
قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جُبير ،
عن ابن عباس ، قال : بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكرياء ، فى اثنی
عشر من الحواريين يعلمون الناس ، قال : فكان فيما نهوْهم عنه نكاحُ ابنة
الأخ . قال: وكان لملكهم ابنة أخٍ تُعجبه ، يريد أن يتزوّجها، وكانت لها
كلّ يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمَّها قالت لها: إذا دخلتٍ على الملك ،
فسألك حاجتك فقولى: حاجتى أن تذبح لى يحيى بن زكرياء . فلما دخلت
عليه سألها حاجتها ، قالت: حاجتى أن تذبّح لى يحيى بن زكرياء، فقال :
سلِيْنى غير هذا ، قالت : ما أسألُك إلاّ هذا ، قال : فلما أبتْ عليه دعا
يحيى ، ودعا بطست فذبحه ، فندَرت قطرة من دمه على الأرض ، فلم تَزَلْ
تغلى حتى بعث الله بختنصّر عليهم ، فجاءته عجوز من بنى إسرائيل ، فدلّته.
على ذلك الدم ، قال: فألقى الله فى قلبه أن يقُتلَ على ذلك الدم منهم حتى
يسكن ، فقتل سبعين ألفًا منهم من سنّ واحدة ، فسكّن .
٧١٤/١
حدثنا موسى بن هارون الهمدانىّ ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط ، عن السدىّ ، فى خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدَانىّ، عن ابن مسعود - وعن ناسٍ من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنّ رجلا من بنى إسرائيل ، رأى فى النوم
أنّ خرابَ بيت المقدس وهلاكَ بنى إسرائيل على يدئ غلام يتيم ، ابن أرملة
من أهل بابل ، يُدْعَى بختنصر، وكانوا يصدّقون فتصدّق رؤياهم ، فأقبل
يسأل عنه ، حتى نزل على أمّه وهو يحتطب ، فلما جاء وعلى رأسه حزمة
=

٥٨٧
حطب ألقاها ، ثم قعد فى جانب البيت، فكلّمه ، ثم أعطاه ثلاثة دراهم ،
فقال : اشترِ بهذه طعامًا وشرابًا ، فاشترى بدرْهم لحمًا ، وبدرهم خبزاً ،
وبدرهم خمراً ، فأكلوا وشربوا ؛ حتى إذا كان اليوم الثانى فعل به ذلك ، حتى
إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك ، ثم قال : إنى أحبّ أن تكتب لى أمانا
إِنْ أنتَ مُلِّكْتَ يومًا من الدهر؛ قال: تسخر بى! قال : إنى لا أسخرُ بك،
ولكن ما عليك أن تتّخذ بها عندى بداً! فكلّمتْه أمه ، فقالت: وما عليك
إن كان؛ وإلا لم ينقصْك شيئًا! فكتب له أمانًا ، فقال : أرأيتَ إن جئت
والناسُ حولك ، قد حالوا بيني وبينك ! فاجعل لى آيةً تعرفنى بها ، قال :
ترفع صحيفتَك على قَصّبَة فأعْرِ فُك بها . فكساه وأعطاه .
ثم إن ملك بنى إسرائيل كان يكرِم يحيى بن زكرياء ، ويُدنِى مجلسه ،
ويستشيره فى أمره ، ولا يقطع أمراً دونه ، وإنه هوىّ أن يتزوّج ابنةَ امرأة له ،
فسأل يحيى عن ذلك ، فنهاه عن نكاحها ، وقال : لست أرضاها لك ، فبلغ
ذلك أمَّها فحقدتْ على يحيى حين نهاه أن يتزوّج ابنتها ، فعمدت إلى
الجارية حين جلس الملك على شرابه، فألبستْها ثيابًا رِقاقًا حمراً، وطيّبتْها ،
وألبستها من الخلِىّ ، وألبستها فوق ذلك كساء أسود ، فأرسلْتها إلى الملك ،
وأمرتْها أن تسقيه، وأن تعرض له ، فإن أرادها على نفسها أبتْ عليه ، حتى
يعطيها ما سألته ، فإذا أعطاها ذلك سألتْه أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء
فى طَسْت ، ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له ، فلما أخذ فيه الشراب أرادها
على نفسها ، فقالت : لا أفعل حتى تعطينى ما أسألك ، قال : ما تسألينى ؟
قالت: أسألك أن تبعثَ إلى يحيى بن زكرياء ، فأوتَى برأسه فى هذا الطِّسْت،
فقال: ويحث !! سلِينى غيرَ هذا! قالت: ما أريد أن أسألك إلا هذا.
قال : فلما أبتْ عليه ، بعث إليه فأتىَ برأسه ، والرأسُ يتكلّم ، حتى وضع
بين يديه ، وهو يقول: لا تحلُّ لك، فلما أصبحَ إذا دمُه يغلى ، فأمر
بتراب فألُقِىَ عليه، فرقىَ الدمُ فوق التراب يغلى، فألقى عليه التراب
أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزلْ يُلْقَى عليه الترابَ حتى بلغ سورَ المدينة،
٧١٥/١
:

٥٨٨
٧١٦/١ وهو فى ذلك يغلى، وبلغ صيحائين (١) فنادى فى الناس، وأراد أن يبعث
إليهم جيشًا، ويؤمِّر عليهم رجلا، فأتاه بختنصّر، فكلّمه، وقال : إنّ
الذى كنتَ أرسلتَ تلك المرّة ضعيف، فإنى قد دخلتُ المدينة، وسمعت
كلامَ أهلِها ، فابعثنى، فبعثه فسار بختنصّر ؛ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ
تحصّنوا منه فى مدائنهم ، فلم يُطِقْهم، فلما اشتدّ عليه المقام، وجاع أصحابُه
أراد الرجوعَ ، فخرجت إليه(٢) عجوز من عجائز بنى إسرائيل ، فقالت :
أين أمير الجند ؟ فأتى به إليها ، فقالت : إنه بلغنى أنك تريد أن ترجعَ يجندك
قبل أن تفتح هذه المدينة . قال : نعم ، قد طال مقامى ، وجاع أصحابى ،
فلستُ أستطيع المقام فوق الذى كان منّى ، فقالت : أرأيتَك إن فتحتُ لك
المدينة ، أتعطينى ما أسألك ؛ فتقتل مَنْ أمرتك بقتله ، وتكفَّ إذا أمرتُك
أن تكفّ ؟ قال لها : نعم ، قالت : إذا أصبحتَ فاقسم جندك أربعة أرباع ،
ثم أقِمْ علَى كلِّ زاوية ربعًا، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء ، فنادوا : إنّا
نستفتحك يا اللّه بدم يحيى بن زكرياء ؛ فإنها سوف تتساقط . ففعلوا ، فتساقطت
المدينة ، ودخلُوا من جوانبها، فقالت له : كفّ يدك، اقتل على هذا الدم
حتی یسکن ، فانطلقت به إلی دم یحیی وهو على تراب کثیر ، فقتل عليه حتى
سكن ، فقتل سبعين ألف رجل وامرأة ، فلما سكن الدم ، قالت له : كفّ
يدك، فإنّ اللّه عزّ وجلّ إذا قُتِلَ نبِىّ لم يرضَ حتى يقتل من قتله ومَنْ
رضىَ قتله . فأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته ، فكفّ عنه وعن أهل بيته ،
وخرّب بيت المقدس ، وأمر به أن تطرح فيه الجِيف ، وقال : مَنْ طرح
فيه جيفة فله جزيتُه تلك السنة ، وأعانه على (٣) خرابه الروم من أجل أنّ
بنى إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء ، فلما خرّبه بختنصّر ذهب معه بوجوه
بنى إسرائيل وستراتهم، وذهب بدانيال وعليا وعزريا (٤) وميشائيل؛ هؤلاء
كلُّهم من أولاد الأنبياء ، وذهب معه برأس الجالوت، فلما قدم أرض بابل
٧١٧/١
(١) ت: ((صنحابين))، ن: ((صنحابى)).
(٢) ح: ((إليهم)).
(٣) ح: ((عليه)).
(٤) ت: ((وعزوبا))، ن: ((وعزوزيا)).

٥٨٩
وجد صحائین قد مات ، فملك مكانه ، وکان أکرم الناس عليه دانيال
وأصحابه ، فحسدهم المجوس ، فوشُوا بهم إليه ، فقالوا: إنّ دانيال وأصحابه
لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك ، فدعاهم فسألهم فقالوا: أجل
إنّ لنا ربًّا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، وأمر بخَدٌ فخُدّ، فألقُوا
فيه وهم ستة ، وألقِىَ معهم سَبُعُ ضارٍ ليأكلهم ، فقالوا: انطلقوا فلْنأكل
ولنشرب ، فذهبوا ، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوساً، والسبُع
مفترش ذراعيْه بينهم لم يخدش منهم أحداً، ولم ينكأه شيئًا ، فوجدوا معهم
رجلاً ، فعدّوهم فوجدوهم سبعة، فقال : ما بال هذا السابع؟ إنما كانوا ستة!
فخرج إليه السابع - وكان ملكًا من الملائكة - فلَطمه لطمة فصار فى
الوحش ، فكان فيهم سبع سنين(١).
٠
٠ ٠
قال أبو جعفر: وهذا القول-الذى رُوِىَ عَمنّ ذكرت فى هذه الأخبار
التى رويت وعمّن لم يذكر فى هذا الكتاب، من أنّ بختنصّر، هو الذى ٧١٨/١
غزا بنى إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء - عند أهل السير والأخبار والعلم
بأمور الماضين فى الجاهلية ، وعند غيرهم من أهل الملل غَلَط ؛ وذلك أنهم
بأجمعهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بنى إسرائيل عند قتلهم نبيَّهم شعيا
فى عهد إرميا بن حلقياً ، وبين عهد إرميا وتخريب بختنصّر بيت المقدس إلى
مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة فى قول اليهود والنصارى .
ويذكرون أن ذلك عندهم فى كتبهم وأسفارهم مُبَّن ، وذلك أنهم يَعُدّون
من لدن تخريب بختنصّر بيت المقدس إلى حين عمرانها فى عهد كيرش بن
أخشويرش أصبهبذ بابل من قِبَل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب ،
ثم من قِبل ابنته خمانى سبعين سنة، ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر
عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة ، ثم من بعد مملكة الإسكندر
لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلثمائة سنة وثلاث سنين، فذلك على قولهم أربعمائة
سنة وإحدی وستون سنة .
(١) الخبر إلى هنا فى التفسير ١٥: ٢٥، ٢٦ (بولاق).

٥٩٠
٧١٩/١
وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود فى مدّة خراب بيت المقدس ،
وأمر بختنصر، وما كان من أمره وأمر بنى إسرائيل إلى غَلَبة الإسكندر على
بيت المقدس والشام وهلاك (١) دارا، وتخالفهم فى مدة ما بين ملك الإسكندر
ومولد يحيى ، فتزعُ أنّ مدة ذلك إحدى وخمسون سنة . فبين المجوس والنصارى
من الاختلاف فى مدّة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت .
والنصارى تزعم أن" يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر، وأنّ الذى قتله
ملك لبنى إسرائيل يقال له هيردوس ، بسبب امرأة يقال لها هيروذيا ، كانت
امرأةً أخ له، يقال له فيلفوس، عَشِقَها فوافقته(٢) على الفُجور ، وكان لها
ابنة يقال لها دمنى (٣) فأراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا، فنهاه
يحيى وأعلمه أنه لا تحلّ له، فكان هيردوس معجبًا بالابنة، فألهتْه يوماً ،
ثم سألته حاجة فأجابها إليها ، وأمر صاحبًا له بالنفوذ لما تأمره به ، فأمرته أن
يأتِيتَها برأس يحيى ، ففعل ، فلما عرف هيردوس الخبر أسْقِط فى يده ،
وجزع جزعًا شديداً .
#
وأما ما قال فى ذلك أهلُ العلم بالأخبار وأمور أهل الجاهلية فقد حكيتُ
منه ما قاله هشام بن محمد الكلبّى .
وأما ما قال ابن إسحاق فيه ، فهو ما حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا
سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك - يعنى
بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس - يُحدثون الأحداثَ ،
٧٢٠/١ ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل، ففريقًا يكذّبون وفريقًا يقتلون؛ حتى
كان آخر مَنْ بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحيى بن زكرياء وعيسى بن
مريم ، وكانوا من بيت آل داود عليه السلام . وهو يحيى بن زكرياء بن أدى
ابن مسلم بن صدوق بن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن
برخية بن شفاطية بن فاحور بن شلوم بن يهفاشاط بن أُسا بن أبيا بن رُجُبْعُم
(١) ح: ((وإهلاك)).
(٢) ح: ((فرافقته)).
(٣) ت: ((رمتى))، س: ((دمنه))، ن: ((دمى)).

٥٩١
ابن سليمان بن داود .
قال : فلما رَفع الله عيسى عليه السلام من بين أظهرهم ، وقتلوا يحيى بن
زكرياء عليه السلام - وبعض الناس يقول : وقتلوا زكرياء - ابتعث
اللّه عليهم ملِكًا من ملوك بابل يقال له خردوس ، فسار إليهم بأهل
بابل ؛ حتى دخل عليهم الشام ، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رءوس
جنوده يدعى نبوزراذان ، صاحب القتل ، فقال له : إنى كنت حلفت بإلهى :
لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنّهم حتى تسيل دماؤهم فى وسط
عسكرى ؛ إلى ألاّ أجد أحداً أقتله ، فأمره أن يقتلهم ، حتى يبلغ ذلك
منهم . وإنّ نبوزراذان دخل بيت المقدس ، فقام فى البقعة التى كانوا يقرّبون
فيها قربانهم، فوجد فيها دمًا يغلى، وسألهم ، فقال : يا بنى إسرائيل؛ ما شأن
هذا الدم يغلى ؟ أخبرونى خبرَه ولا تكتمونى شيئًا من أمره ، فقالوا : هذا
دم قربان كان لنا كنا قرّبناه فلم يقبَل مِنا ، فلذلك هو يغلى كما تراه ، ولقد
قرّبنا منذ ثمانمائة سنة القربان ، فيُقبل منا إلا هذا القربان . قال: ما صدقتمونى
الخبر، قالوا له : لو كان كأوّل زماننا لقبيل منّا؛ ولكنه قد انقطع مِنّا الملك
والنبوّة والوحى ؛ فلذلك لم يقبل منا . فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم
سبعمائة وسبعين روحًا من رءوسهم فلم يهدأ ، فأمر فأتىَ بسبعمائة غلام من
غلمانهم ، فذْ بحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من بنيهم وأزواجهم
فذبحهم على الدم فلم يبرد ، فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم : يا بنى
إسرائيل ، ويلكم ! أصدقُونى واصبروا على أمر ربكم ؛ فقد طالما ملكتم فى
الأرض تفعلون فيها ما شئتم ، قبل ألا أترك منكم نافخ نار ؛ أنثى ولا ذكراً
إلا قتلته ! فلما رأوا الجهد وشدّة القتل صد قوه الخبر فقالوا : إن هذا دم نىّ
منّا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله ، فلو أطعناه فيها لكان أرشدَ لنا،
وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدّقه فقتلناه ، فهذا دمه . فقال لهم نبوزراذان :
ما كان اسُه ؟ قالوا : يحيى بن زكرياء ، قال : الآن صدقتمونى ، لمثل هذا
ينتقم ربكم منكم . فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خَرّ ساجداً ، وقال
لمن حوله : أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا مَنْ كان ها هنا من جيش خردوس
٧٢١/١
١/ ٧٢٢

٥٩٢ ٠
وخلا فى بنى إسرائيل . ثم قال : يا يحيى بن زكريَّاء، قد علم ربّ وربّك
ما قد أصاب قومَك من أجلك ، وما قتل منهم من أجلك ، فاهدأ بإذن الله
قبل ألاّ أبقى من قومك أحداً، فهدأ دم يحيى بإذن الله، ورفع نبوزراذان عنهم
القتل ، وقال : آمنتُ بما آمنت به بنو إسرائيل ، وصدّقتُ بهِ وأيقنتُ أنه
لا ربّ غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح، لو كان معه شريك لم تستمسك(١)
السموات والأرض ، ولو كان له ولد لم يصلح، فتباركَ وتقدَّس وتسبّحَ وتكبّر
وتعظَّ ! ملك الملوك الذى يملك السموات السبع بعلم وحُكْ (٢) وجبروت وعزّة ،
الذى بسط الأرض وألقى فيها رواسىَ لا تزول ؛ فكذلك ينبغى لربّى أنْ
يكون ويكون مُلْكه . فأوحى إلى رأس من رءوس بقية الأنبياء أنّ نبوزراذان
حبور صدوق - والحبور بالعبرانية حديث الإيمان - وأنّ نبوزراذان قال لبنى
إسرائيل: إنّ عدو الله خردوس أمرنى أن أقتلَ منكم حتى تسيل دماؤكم وسط
عسكره . وإنى فاعل ، لستُ أستطيع أن أعصيَه . قالوا له : افعل ما أمرت
٧٢٣/١ به ، فأمرهم فحفروا خندقًا، وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر
والغنم والإبل فذبحها ، حتى سال الدم فى العسكر ، وأمر بالقتلى الذين كانوا
قُتِلوا قبل ذلك فطُرِحوا على ما قتل من مواشيهم ؛ حتى كانوا فوقهم ؛ فلم
يظنّ خردوس إلا أنّ ما كان فى الخندق من بنى إسرائيل.
فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزراذان : ارفعْ عنهم ، فقد بلغنى
دماؤهم ، وقد انتقمت منهم بما فعلوا . ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل ، وقد
أفنى بنى إسرائيل أو كاد ؛ وهى الوقعة الأخيرة التى أنزل الله ببنى إسرائيل ؛
يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَضَيْنَا إلَى بِ إِسْرَائِيلَ
فِى الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾(٣).
و((عسى))(٤) من الله حقّ، فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، ثم ردّ
(١) ط: ((يستمسك))، وما أثبته من ت.
(٢) ن: ((وحكمة)).
(٣) سورة الإسراء ٤ - ٨ .
(٤) من قوله تعالى فى آية ٨: ((عسى ربكم أن يرحمكم)) ..

٥٩٣
الله لهم الكرّة عليهم، ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده ، وهى كانت
أعظَمَ الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبىُ ذراريهم ونسائهم؛
يقول الله عزّ وجل: ﴿وَلِيَتَبِرُوا مَا عَلَوْا تَتِْيراً﴾(١).
رجع الحديث إلى حديث عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام.
قال : وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمّها بِليَانِ خدمة الكنيسة ،
فكانت مريم إذا نفد مائها - فيما ذكر - وماء يوسف أخذ كلّ واحد منهما
قلّته، فانطلق إلى المغارة التى فيها الماء الذى يستعذبانه، فيملأُ قُلّته، ثم ٧٢٤/١
يرجعان إلى الكنيسة . فلما كان اليوم الذى لقيتها فيه جبرئيل - وكان أطول".
يوم فى السنة وأشدّه حرًّا - نفد ماؤها ، فقالت: يا يوسف، ألا تذهب بنا
نستفى! قال: إنّ عندى لفضْلاً من ماء أكتفى به يومى هذا إلى غد ، قالت :
لكنىّ والله ما عندى ماء، فأخذت قُلَّتها ، ثم انطلقت وحدها ، حتى دخلت
المغارة ، فتجد عندها جبرئيل ، قد مثّله اللّه لها بشرا سويًّا: فقال لها:
يا مريم، إن اللّه قد بعثى إِلَيْكُ لأهب لك غلاماً زكيا ، قالت :
﴿إِنَّى أَعُوذُ بِالرَّحْمُنٍ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾(٢)، وهى تحسبه رجلاً من بنى
آدم فقال: إنما أنا رسولُ ربّك، قالت: (أَنَّى يَكُونُ لِ غُلاَمٌ وَلَ
يَمْسَشِ بَشَرٌ وَمَّ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ
وَلِنَجْعَلَهِ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا)(٣) )، أى أن الله قد
قضى أنّ ذلك كائن. فلما قال ذلك استسلمتْ لقضاء الله، فنفخ فى جيبها،
ثم انصرف عنها ، وملأت قلّتها .
قال : فحدثنى محمد بن سهل بن عسكرالبخارىّ ، قال حدثنا إسماعيل
ابن عبد الكريم، قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل ، ابن أخى وهب ،
(١) سورة الإسراء ٧ .
(٢) سورة مريم ١٨.
(٣) سورة مريم ٢٠، ٢١ .
(٣٨)
٦

٥٩٤
قال : سمعت وهبًاً قال: لما أرسل الله عزَّ وجلَّ جبرئيل إلى مريم، تمثّل لها
٧٢٥/١ بشرا سويًّا. فقالت: ﴿إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمُنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقَيَّ﴾،
ثم نفخ فى جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرَّحِيمِ ، واشتملت
على عيسى .
قال: وكان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجَّار، وكانا منطلِقَيْن
إلى المسجد الذى عند جبل صهيون ؛ وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم
مساجدهم ، وكانت مريم ويوسف يخدمان فى ذلك المسجد فى ذلك الزمان ،
وكان لخدمته فضل عظيم ، فرغبا فى ذلك ، فكانا يَلِيَان معالجته بأنفسهما
وتجميرَه وكناسته وطهوره ، وكلّ عمل يعمل فيه ، فكان لا يُعلم من أهل
زمانهما أحدٌ أشدّ اجتهاداً وعبادة منهما، وكان أول مَنْ أنكر حمثل مريم
صاحبُها يوسف، فلما رأى الذى بها استعظمه ، وعظم عليه ، وفظع به ، ولم
يدر على ماذا يضع(١) أمرها! فإذا أراد يوسف أن يتَّهمها ذكر صلاحها وبراعتها،
وأنها لم تغِبْ عنه ساعة قطُّ، وإذا أراد أن يبرِّبها رأى الذى ظهر بها . فلمّا
اشتدّ عليه ذلك كلَّمها، فكان أولُ كلامه إياها أن قال لها : إنه قد وقع فى
نفسى من أمرك أمر قد حرصت على أن أميته ، وأكتمه فى نفسى ، فغلبنى
ذلك ، فرأيتُ أنّ الكلام فيه أشفى لصدرى ، قالت : فقل قولاً جميلاً ،
قال : ما كنت لأقول إلا ذلك ، فحدّثينى : هل ينبت زرع بغير بَذْر ؟
قالت : نعم.، قال : فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها ؟ قالت : نعم ،
قال: فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ، ألم تعلم أن الله أنبت
الزرع يوم خلقه من غير بذر ، والبذر إنّما كان من الزرع الذى أنبته الله
من غير بذر! أو لم تعلم أنّ اللّه أنبت الشجر من غير غيث، وأنه جعل بتلك
القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كلّ واحد منهما وحده ! أو تقول لم
يقدر الله على أن ينبت الشجر ، حتى استعان عليه بالماء ، ولولا ذلك لم يقدِرْ
على إنباته ! قال لها يوسف : لا أقول ذلك، ولكنىّ أعلم أنّ الله بقدرته على
ما يشاء يقول لذلك: كن فيكون . قالت له مريم: أوَ لم تعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ
٠
٧٢٦/١
(١) ت، ن: ((بصنع)).
۔

٥٩٥
خلق آدم وامرأته من غير ذكَرٍ ولا أنثى ؟ قال : بلى ، فلما قالت له ذلك
وقع فى نفسِهِ أنّ الذى بها شىء من اللّه عزَّ وجلَّ ، وأنه لا يسعه أن يسألها
عنه ؛ وذلك لما رأى من كتمانها لذلك . ثم توّلى يوسف خدمة المسجد ،
وكفاها كلّ عمل كانت تعمل فيه ؛ وذلك لما رأى من رِقّة (١) جسمها واصفرار
لونها ، وكلّفَ وجهها ، ونتوء بطنها ، وضعف قوّتها ، ودأب نظرها ؛ ولم
تكن مريم قبل ذلك كذلك ؛ فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجى من
أرض قومك؛ فإنهم إن ظفروا بك عيَّرُوك وقتلوا (٢) ولدك. فأفضت عند ذلك
إلى أختها ـ وأختُها حينئذ حُبْلى، وقد بُشّرت بيحيى - فلما التقيا وجدت
أمّ يحيى ما فى بطنها خرّ لوجهه ساجداً معترفًا بعيسى ؛ فاحتملها يوسفُ إلى
أرض مصر على حمار له ، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكاف(٣)
شىء، فانطلق يوسف بها ؛ حتى إذا كان مُتاخماً لأرض مصر فى مُنقطع ٧٢٧/١
بلاد قومها أدرك مريم النفاس، وألحأها إلى آرىّ حمار - يعنى مزْود الحمار -
فى أصل نخلة ؛ وذلك فى زمان الشتاء ، فاشتدّ على مريم المخاض ؛ فلما وجدت
منه شدّة التجأت إلى النخلة ، فاحتضنتْها واحتوشتْها الملائكة ، قاموا صفوفًا
محد قين بها(٤).
فلما وضعت وهى محزونة ، قيل لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ
رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) إلى ﴿إِنَّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ
الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾(٥)، فكان الرُّطبُ يتساقط عليها، وذلك فى الشتاء.
فأصبحت الأصنام التى كانت تُعبَد من دون اللّه حين ولدت بكلّ أرض
مقلوبة منكوسة على رءوسها ، ففزعت الشياطين وراعها ، فلم يدرُوا ما سبب
ذلك ، فساروا عند ذلك مسرعين ، حتى جاءوا إبليس ، وهو على عرش له ،
فى لُجّة خضراء، يتمثّل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب، يتمثّل بحجب
النور التى من دون الرحمن ، فأتوْه وقد خلا ست ساعات من النهار ، فلما
(١) ت: ((دقة)).
(٢) ن: ((وقتلوك وولدك)).
(٣) الإكاف، ككتاب وغراب : برذعة الحمار .
(٤) الخبر فى التفسير ١٥: ٤٩، ٥٠ (بولاق).
(٥) سورة مريم ٢٤ - ٢٦.

٥٩٦
رأى إبليسُ جماعتهم ، فزِع من ذلك ، ولم يرهم جميعًا منذ فرّقهم قبل
تلك الساعة ؛ إنما كان يراهم أشتاتًا ، فسألهم فأخبروه أنه قد حدث فى الأرض
حدث أصبَحَتْ الأصنام منكوسة على رءوسها ، ولم يكن شىء أعونُ على
٧٢٨/١ هلاك بنى آدم منها؛ كنا ندخلُ فى أجوافها فنكلِّمهم ، وندبّر أمرهم فيظنون
أنها التى تكلّمهم ، فلما أصابها هذا الحدث صغّرَها فى أعين بنى آدم ،
وأذلَّها وأدناها ، ذلك وقد خشِينا ألا يعبدوها بعد هذا أبداً . واعلم أنّا لم نأتِك
حتى أحصينا الأرضَ، وقلبنا البحار وكلّ شىء قوينا عليه؛ فلم تزدد بما أردنا
إلا جهلاً . قال لهم إبليس : إنّ هذا لأمر عظيم، لقد علمت بأنى كُتِمتُه،
وكونوا على مكانكم هذا. فطار إبليس عند ذلك ، فلبث عنهم ثلاث ساعات،
فمرّ فيهنّ بالمكان الذى وُلُد فيه عيسى؛ فلما رأى الملائكة محدقين بذلك
المكان ، علم أن ذلك الحدث فيه ، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه ؛ فإذا فوقه
رءوس الملائكة ومناكبهم عند السماء . ثم أراد أن يأتيه من تحت الأرض ؛
فإذا أقدام الملائكة راسية أسفل مما أراد إبليس . ثم أراد أن يدخل من بينهم
فنحَّوْه عن ذلك .
ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال لهم: ما جئتكم حتى أحصيت الأرض
كُلَّها مشرقها ومغربها، وبرّها وبحرها، والخافقين، والجوّ الأعلى؛ وكلّ
هذا بلغتُ فى ثلاث ساعات؛ وأخبرهم بمولد المسيح ، وقال لهم: لقد كتمتُ
شأنه ، وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمى، ولا وضعتْه قطّ ، إلاّ
وأنا حاضرها ؛ وإنى لأرجو أن أضِلَّ به أكثر مما يهتدى به ، وما كان نبيّ
قبله أشدّ علىّ وعليكم منه .
وخرج فى تلك الليلة قوم يؤمُونه من أجل نجم طلع أنكروه، وكان قبل
ذلك يتحدّثون أنّ مطلع ذلك النجم من علامات مولود فى كتاب دانيال .
٧٢٩/١: فخرجوا يريدونه، ومعهم الذهب والمُرّ واللّبان، فمرّوا بملك من ملوك الشأم،
فسألهم : أين يريدون ؟ فأخبروه بذلك ، قال : فما بالُ الذهب والمرّ واللبان
أهديتموه له من بين الأشياء كلّها ؟ قالوا : تلك أمثاله : لأنّ الذهب هو
سيّد المتاعِ كلِّه، وكذلك هذا النبىّ هوسيّدُ أهل زمانهِ، ولأنّ المرّ يُجبَرُ به

٥٩٧
الجرح والكسر، وكذلك هذا النبىّ يشفى به اللّه كلَّ سقيم ومريض؛ ولأن
اللبان ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره، كذلك هذا النبىّ يرفعه اللّه إلى
السماء لا يرفع فى زمانه أحد غيره.
فانتا- قالوا ذلك لذلك الملك حدّث نفسه بقتله، فقال: اذهبوا، فإذا علمتم
مكانه فأعلمونى ذلك، فإنى أرغب فى مثل ما رغبتم فيه من أمره . فانطلقوا حتى
دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم ، وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك
ليعلموه مكانَ عيسى ، فلقيتهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا إليه ، ولا تُعلموه
بمكانه ، فإنه إنما أراد بذلك ليقتله؛ فانصرفوا فى طريق آخر ، واحتملته
مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف، حتى وردا أرض مصر، فهى الربوة التى قال الله:
﴿وَآَوَ يْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ(١)).
فمكثت مريم اثنتى عشرة سنة تكتمه من الناس ، لا يطّلع عليه أحد ؛
وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحداً، كانت تلتقط السنبل من
حيث ما سمعت بالحصاد ، والمهد فى منكبها والوعاء الذى تجعل فيه السنبل فى
منكبها الآخر ، حتى تمّ لعيسى عليه السلام اثنتا عشرة سنة ؛ فكان
أوّل آية رآها الناس منه أنّ أمّه كانت نازلةً فى دار دهقان من أهل مصر،
فكان ذلك الدّهقان قد سرقت له خزانة ،و کان لا یسکن فی داره إلا المسا کین،
فلم يتّهمهم ، فحزنت مريم لمصيبة ذلك الدّهقان، فلما أنْ رأى عيسى حُزْنَ
أمّه بمصيبة صاحب ضيافتها، قال لها : يا أمّه، أتحبّين أن أدله على ماله ؟
قالت : نعم يا بُنىّ ، قال : قولى له يجمع لى مساكين داره ، فقالت مريم
للدهقان ذلك ، فجمع له مساكين داره ، فلما اجتمعوا عمد إلى رجليْن منهم :
أحدهما أعمى والآخر مُقْعَد ، فحمل المقعد على عاتق الأعمى ، ثم قال له :
قم به ، قال الأعمى : أنا أضعف من ذلك ، قال عيسى عليه السلام :
فكيف قويت على ذلك البارحة ؟ فلما سمعوه يقول ذلك ، بعثوا الأعمى ، حتى
قام به، فلما استقلّ قائمًا حاملاً هوى المقعد إلى كوّة الخزانة . قال عيسى :
هكذا احتالا لمالك البارحة، لأنه استعان الأعمى بقوّته ، والمقعد بعينيه ، فقال
٧٣٠/١
(١) سورة المؤمنين ٥٠ .
ما

٥٩٨
المقعد والأعمى : صدق ، فردًا على الدهقان ماله ذلك ، فوضعه الدّهقان فى
خزانته ، وقال : يا مريم خذى نصفه، قالت: إنى لم أَخْلَقْ لذلك ، قال
الدّهقان : فأعطيه ابنَك، قالت: هو أعظم منى شأنًا، ثم لم يلبث الدهقان
٧٣١/١ أن أعرس ابنٌ له فصنع له عيداً فجمع عليه أهل مصركُلّهم ، فلما انقضى
ذلك زاره قوم من أهل الشأم لم يحذرهم الدهقان ، حتى نزلوا به ، وليس عنده
يومئذ شراب، فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتًا من بيوت الدّهقان ،
فيه صفَّان من جرار ، فأمرّ عيسى يده على أفواهها ، وهو يمشى، فكلّما
أمرّ يده على جَرّة امتلأت شرابًا، حتى أتى عيسى على آخرها، وهو يومئذ
ابن اثنتى عشرة سنة ، فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشأنه وما أعطاه الله
من ذلك ؛ فأوحى الله عزَّ وجلَّ إلى أمّه مريم، أن اطلعى به إلى الشأم ، ففعلت
الذى أمرت به ، فلم تزل بالشأم حتى كان ابن ثلاثين سنة ، فجاءه الوحىُ على
ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين . ثم رفعه الله إليه، فلما رآه إبليس يوم
لقيه على العقبة لم يُطِقْ منه شيئًا، فتمثَّل له برجل ذى سنّ وهيئة، وخرج
معه شيطانان ماردان متمثّلين كما تمثّل إبليس، حتى خالطوا جماعة الناس.
#F
وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى فى الجماعة الواحدة
خمسون ألفًا، فمن أطاق منهم أن يَبلُغه بلغه، ومن لم يطِقْ ذلك منهم أتاه
عيسى عليه السلام يمشى إليه؛ وإنما كان يُداويهم بالدعاء إلى الله عزّ وجل،
فجاءه إبليس فى هيئة يَبْهَرُ الناس حسنُها وجمالها ، فلما رآه الناس فرغوا
له، ومالوا نحوه ، فجعل يخبرهم بالأعاجيب؛ فكان فى قوله : إنّ شأن هذا
الرجل لعجّب(١)؛ تكلم فى المهد، وأحيا الموتى، وأنبأ عن الغيب، وشفى
المريض ؛ فهذا اللّه . قال أحد صاحبيه : جهلتَ أيها الشيخ ، وبئس
ما قلت! لا ينبغى الله أن يتجلّى للعباد، ولا يسكن الأرحام ، ولا تسعه أجواف
النساء ؛ ولكنه ابن اللّه. وقال الثالث: بئس ما قلما ، كلا كما قد أخطأ
وجهل ؛ ليس ينبغى للّه أن يتخذ ولداً، ولكنه إله معه ؛ ثم غابوا حين فَرّغوا
٧٣٢/١
(١) ت: ((لعجيب)).

٥٩٩
من قولهم ، فكان ذلك آخر العهد منهم .
حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثناعمرو بن حماد ، قال : حد ◌ّثنا
أسباط ، عن السدىّ فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن
ابن عباس - وعن مرّة الهمدانىّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلّم، قال : خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها
فاتّخذت من دونهم حجابًا من الجدران ، وهو قوله: ﴿ فَأَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا
مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَأَتَّخَذَتْ مِنْ دُوْهِمْ حِجَابًا﴾ فى شرق المحراب ، فلما
طَهُرت إذا هى برجل معها، وهو قوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا ﴾
فهو جبرئيل ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًّا سَوِيًّا). فلما رأته فزعت منه وقالت:
﴿إِى أُعُوذُ بِالرَّحْمُنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ نَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
لِأَهَبَ لَكِ غُلَامَا زَكِيَّ ﴾ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَنِ بَشَرٌ
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ - تقول زانية -﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ
آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَان أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾(١). فخرجت، عليها جلبابُها ،
فأخذ بكمّيها، فنفخ فى جيب درعها - وكان مشقوقًا من قُدّامها- فدخلت
النفخة فى صدرها ، فحملت ، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلةً تزورها ، فلما
فتحت لها الباب التزمتْها ، فقالت امرأة زكرياء: يا مريمُ أشعرت أنى حبلى.
قالت مريم : أشعرت أنى أيضًا حبلى. قالت امرأة زكرياء: فإنى وجدتُ ما فى
بطنى يسجد لما فى بطنك، فذلك قوله: ﴿ مُصَدِّقًا بَكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾(٢).
فولدت امرأةُ زكرياء يحيى ، ولما بلغ أن تضع مريم ، خرجتْ إلى جانب
المحزاب الشرقىّ منه، فأتت أقصاه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾
يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة، ﴿قَالَتْ): وهى تطلق من الحبل
استحياء. من الناس: ﴿ يَا لَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هُذَا، وَكُنْتُ نَمْيَا مَنْسِيًّا).
٧٣٣/١
(١) سورة مريم ١٦ - ٢١.
(٢) سورة آل عمران ٣٩.

٦٠٠
تقول : نسيًا: نُسىَ ذكرى، ومنسيًا، تقول: نُسِى أثرِى، فلا يرى لى
أثر ولا عين. ﴿فَنَادَاهَا)، جبرئيل: ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَ نِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ
تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، والسرىّ هو النهر. ﴿وَهُزِّى إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾،
وكان جذعًا منها مقطوعًا فهزّته ، فإذا هو نخلة ، وأجرى لها فى المحراب نهراً
فتساقطت النخلة رطباً جنيًّا، فقال لها: كُلى واشربى وقرّى عيناً، ﴿ فَإِنَّا
تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْنِ صَوْماً فَلَنْ أُ كَلِّمَ
الْيَوْمَ إنْسِيًّا) ، فكان من صام فى ذلك الزمان لم يتكلّم حتى يمسى ، فقيل لها :
٧٣٤/١ لا تزيدى على هذا، فلما ولدتْه ذهب الشيطان فأخبربنى إسرائيل أنّ
مريم قد ولدت ، فأقبلوا يشتدون ، فدعوها ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا
يَا مَرْيَمُ لَقَدَ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) - يقول عظيمً ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ
أَبُوكِ امْرَأَ سَوءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، فما بالك أنت يا أخت هارون!
وكانت من بنى هارون أخى موسى ؛ وهو كما تقول :" يا أخا بنى فلان ؛
إنما تَعنى قرابتَه. فقالت لهم ما أمرها اللّه، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام،
أشارت إليه - إلى عيسى - فغضبوا وقالوا : لَسُخريتُها بِنَا حين تأمرنا
أن نكلّم هذا الصبى أشدُّ علينا من زناها! ﴿ قَالُوا كَيْفَ نَكَلِّمُ مَنْ كَانَ
فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فتكلّم عيسى فقال: ﴿ إِنِى عَبْدُ اللهِ آتَانِىَ الْكِتَابَ
وَجَعَلْنِى نَبِيًّا .. وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾(١) فقالت بنو إسرائيل: ما أحبلها
أحد غير زكرياء ، هو كان يدخل إليها ، فطلبوه ففرّ منهم فتشبّه له
الشيطان فى صورة راع ، فقال : يا زكرياء ، قد أدركوك ، فادعُ الله
حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها ، فدعا الله فانفتحت له الشجرة ،
فدخل فيها وبقى من ردائه هُدَبٌ ، فمرت بنو إسرائيل بالشيطان ، فقالوا :
يا راعى ، هل رأيتَ رجلاً من ها هنا قال : نعم سحر هذه الشجرة ،
(١) سورة مريم ٢٣ - ٣١.