النص المفهرس

صفحات 561-580

رجع الخبر إلى قصة بشتاسب وذكر ملكه والحوادث التى كانت
فى أيام ملكه التى جرت على يديه ويدغيره من عماله
فى البلاد خلا ما جری من ذلك علی ید بختنصر
٦٧٦/١
ذكر العلماء بأخبار الأمم السالفة من العجم والعرب ، أنَّ بشتاسب بن
کی لهراسب لما عقد له التاج، قال يوم ملك : نحن صارفون فكرنا وعملنا
وعلمنا إلى كلّ مايُنال به البرّ . وقيل: إنه ابتنى بفارس مدينةَ فَسَاً، وببلاد
الهند وغيرها بيوتًا للنيران، ووكّل بها الهرابذة(١)، وإنه رتّب سبعة نفر من عظماء
أهل مملكته مراتب، وملَّك كلَّ واحد منهم ناحية جعلها له ، وإن زرادشت
ابن أسفيمان ظهر بعد ثلاثين سنة من مُلْكه فادّعى النبوّة، وأراده على قبول
دينه ، فامتنع من ذلك ثم صدّقه ، وقبل ما دعاه إليه وأتاه به من كتاب
ادّعاه وحيًا، فكُتِب فى جلد اثنى عشرة ألف بقرة حَفْراً فى الجلود ، ونقشا
بالذهب ، وصيّر بشتاسب ذلك فى موضع من إصطخر ، يقال له دزنبشت ،
ووكَّل به الهرابذة ، ومنع تعليمَة العامة . وكان بشتاسب فى أيامه تلك
مهادئًا لخرزاسف بن كى سواسف ، أخى فراسياب ملك الترك على ضَرْبٍ
من الصلح ، وكان من شرط ذلك الصلح أن يكون لبشتاسب بباب خرزاسف
دابةٌ موقوفة بمنزلة الدواب" التى تنوب (٢) على أبواب الملوك، فأشار زرادشت على
بشتاسب بمفاسدة ملك الترك ، فقبل ذلك منه، وبعث إلى الدابة والموكّل بها ،
فصرفهما إليه، وأظهر الخبر لخرزاسف، فغضب من ذلك- وكان ساحراً عاتيًا .-
فأجمع على محاربة بشتاسب ، وكتب إليه كتابًا غليظًا عنيفًا ، أعلمه فيه أنه
أحدث حدثًا عظيمًا ، وأنكر قبوله ما قبل من زرادشت ، وأمره بتوجيهه
إليه ، وأقسم إن امتنع أن يغزوَه حتى يسفك دمه ، ودماء أهل بيته .
(١) الهرابذة: هم خدم النار ؛ أو حكام المجوس الذين يصلون بهم؛ واحده الهربد
(٢) ت، س: ((تكون)).
( المعرب ٣٥١).
٥٦١
( ٣٦)

٥٦٢
فلما ورد الرسول بالكتاب على بشتاسب، جَمَع إليه أهلَ بيته وعظماء أهل
مملكته ، وفيهم جاماسف عالمهم وحاسبهم ، وزرين بن لهراسب . فكتب
٦٧٧/١ بشتاسب إلى ملك الترك كتابًا غليظًا جواب كتابه، آذنه فيه بالحرب ،
وأعلمه أنه غير ◌ُمْسك عنه إن أمسك. فسار بعضهما إلى بعض، مع كلّ واحد
منهما من المقاتلة ما لا يُحْصَى كثرة، ومع بشتاسب يومئذ زرين أخوه ونسطور
ابن زرين وإسفنديار وبشوتن ابنا بشتاسب ،وآل لهراسب جميعًا، ومع خرزاسف
وجوهرمز وأندرمان أخواه وأهل بيته ، وبيدرفش الساحر ، فقُتِل فى تلك
الحروب زرين، واشتدّ ذلك على بشتاسب، فأحسن الغناء عنه ابنه إسفنديار ،
وقتّل بيدرفش مُبارزة، فصارت الدّبْرة على الترك، فقتلوا قتلاً ذريعًا ، ومضى
خرزاسف هاربًا ، ورجع بُشتاسب إلى بَلْخ ، فلما مضت لتلك الحروب
سنون سعى على إسفنديار رجل يقال له قرزم(١)، فأفسد قلب بشتاسب عليه،
فندَ بَه لحرب بعد حرب ، ثم أمر بتقييده وصيّره فى الحصن الذى فيه حبس
النساء، وشخص بشتاسب إلى ناحية كِرْمان وسجِسْتان ، وصار منها إلى
جبل يقال له طميذر (٢) لدراسة دينه والنُّسْك هناك، وخلّف لهراسب أباه"
مدينة بلْخ شيخًا قد أبطله الكِبَرُ ، وترك خزائنه وأمواله ونساءه مع خطوس
امرأتيه، فحملت الجواسيس الخبرّ إلى خزاسف ، فلما عرف جمع جنوداً
لا يُحصوْن كثرة، وشخص من بلاده نحو بلْخ، وقد أمّل أن يجد فرصة من
بشتاسب ومملكته . فلما انتهى إلى تخوم(٣) ملك فارس قدَّم أمامه جوهر مز
أخاه - وكان مرشّحًا للملك بعده فى جماعة من المقاتلة كثيرة - وأمره أن
يَغِذّ السير حتى يتوسّط المملكة ويُوقع بأهلها ، ويُغِير على القرى والمدن ،
ففعل ذلك جوهرمز ، وسفك الدماء واستباح من الحُرَم ما لا يحصى، واتّبعه
خرزاسف فأحرق الدواوين ، وقتل لهراسف والهرابذة ، وهدم بيوتَ النيران ،
واستولى على الأموال والكنوز ، وسبى ابنتين لبشتاسب ، يقال لإحداهما :
خمانى، والأخرى باذا فره، وأخذ- فيما أخذ ـ العلّم الأكبر الذى كانوا يسمونه
٦٧٨/١
(١) ت: ((فرزم))، ح: ((قدوم))، س ((فرارم)).
(٢) كذا فى ت ، س .
(٣) التخوم : جمع تخم ؛ بفتح التاء وضمها : الفصل بين الأرضين من المعالم والحدود.

٥٦٣
درفش كابيان ، وشخص متّبعًا لبشتاسب ، وهرب منه بشتاسب حتى تحصّن
فى تلك الناحية مما يلى فارس فى الجبل الذى يعرف بطميذر ، ونزل ببشتاسب
ما ضاق به ذرعًا؛ فيقال إنه لما اشتدّ به الأمر وجّه إلى إسفندیار جاماسب
حتى استخرجه من محبسه ، ثم صار به إليه ، فلما أدخل عليه اعتذر إليه ،
ووعده عَقْد التاج على رأسه ، وأن يفعل به مثل الذى فعل لهراسب به ، وقلَّده
القيام بأمر عسكره ، ومحاربة خرزاسف .
فلما سمع إسفنديار كلامه كفّر (١) له خاشعًا، ثم نهض من عنده، ١ / ٦٧٩
فتولى عرْض الجند وتمييزهم ، وتقدم فيما احتاج إلى التقدم فيه ، وبات ليلته
مشغولاً بتعبئته ، فلما أصبح أمر بنفخ القرون ، وجمع الجنود ، ثم سار بهم
نحو عسكر الترك، فلما رأت الترك عسكره خرجوا فى وجوههم يتسابقون ، وفى
القوم جوهرمز وأندرمان ، فالتحمت الحرب بينهم ، وانقضّ إسفنديار وفى
يده الرمح كالبرق الخاطف ، حتى خالط القوم ، وأكبّ عليهم بالطعن ،
فلم يكن إلا هُنيهة حتى ثلم فى العسكر ثُلمة عظيمة ، وفشا فى الترك أنّ إسفنديار
قد أطلقٍ من الحبس ، فانهزموا لا يدْوُون على شىء ، وانصرف إسفنديار ،
وقد ارتجع العلم الأعظم ، وحمله معه منشوراً ، فلما دخل على بشتاسب
استبشر بظفره ، وأمره باتباع القوم ، وكان مما أوصاه به أن يقتل خرزاسف
إن قدر عليه بلهراسف ، ويقتل جوهر مز وأندرمان بمن قتل من ولده ، ويهدِمَ
حصون الترك وُيحرق مدنها ، ويقتل أهلَها بمن قتلوا من حملة الدين ، ويستنقذ
السبايا . ووجّه معه ما احتاج إليه من القوّاد والعظماء.
فذكروا أنّ إسفنديار دخل بلاد الترك من طريق لم يَرُمه أحد قبله ، وأنه
قام - من حراسة جنده ، وقتْل ما قتل من السباع، ورمى العنقاء المذكورة - ٦٨٠/١
بما لم يقم به أحد قبله، ودخل مدينة الترك التى يسمونها د زْرُوئين - وتفسيرها
بالعربية الصُّفْرية - عنوة حتى قتل الملك وإخوته ومقاتلته، واستباح أمواله
وسبى نساءه ، واستنقذ أختيْه ، وكتب بالفتح إلى أبيه ، وكان أعظم الغناء
(١) كفر له : خضع ؛ وهو من فعل العلوج للدهاقين؛ يضع العلج يده على صدره ويطاطى.
رأسه ويتطأمن تعظيما .

٥٦٤
فى تلك المحاربة بعد إسفنديار لفشوتن أخيه وأدرنوش ومهرين ابن ابنته .
ويقال إنهم لم يصلوا إلى المدينة حتى قطعوا أنهاراً عظيمة مثل كاسروذ ،
ومهرروذ ، ونهرا آخر لهم عظيمًا ، وإن إسفنديار دخل أيضًا مدينة كانت
لفراسياب، يقال لها وهشكند(١)، ودوّخ البلاد وصار إلى آخر حدودها ،
وإلى التُبَّت وباب صول، ثم قطع البلاد وصيّر كلّ ناحية منها إلى رجل من
وجوه الترك بعد أن آمنهم، ووظّف على كلّ واحد منهم خراجًا يحمله إلى
بشتاسب فى كل سنة ، ثم انصرف إلى بلخ .
ثمّ إن بشتاسب حسد ابنه إسفنديار لما ظهر منه، فوجّهه إلى رسْتَمَ
٦٨١/١ بسجسْتان، فحدّثت عن هشام بن محمد الكلىَّ أنه قال: قد كان بشتاسب
جعل المُلك من بعده لابنه إسفنديار ، وأغزاه الترك ، فظفر بهم ، وانصرف
إلى أبيه ، فقال له : هذا رستم متوسطًا بلادنا ، وليس يعطينا الطاعة لادعائه
ما جعل له قابوس من العتق من رقّ الملك، فسرْ إليه فأتنى به ، فسار إسفنديار
إلى رستم فقاتله، فقتله رستم. ومات بشتاسب، وكان ملكه مائة سنة واثنتى
عشرة سنة .
#
وذكر بعضُهم أن رجلاً من بنى إسرائيل ؛ يقال له سمى كان نبيًا ، وأنه
بُعث إلی بشتاسب فصار إلیهإلى بلْخ ،ودخل مدینتها، فاجتمع هو وزرادشت
صاحب المجوس ، وجاماسب العالم بن فخد(٢)، وكان سمى يتكلّم بالعبرانية
ويعرف زرادشت ذلك بتلقين، ويكتب بالفارسية ما يقول سمى بالعبرانية ،ويدخل
جاماسب معهما فى ذلك ، وبهذا السبب سمى جاماسب العالم .
٠
وزعم بعض العجم أن جاماسب هو ابن فخد بن هو بنحکاوبن نذكاو بن
فرس بن رج بن خوراسرو بن منوشهر الملك، وأن زرادشت بن يوسيسف(٣)
ابن فردواسف بن اربحد بن منجدسف (٤) بن جخشنش بن فيافيل بن الحدی
٦٨٢/١ ابن هردان بن سفمان بن ويدس بن أدرا بن رج بن خوراسروبن منوشهر.
وقيل إن بشتاسب وأباه لهراسب كانا على دين الصابئين ، حتى أتاه سمى
(١) كذا فى س، وفى ت: ((وحسكتك)).
( ٤ ) كذا فى ت .
(٣) كذا فى ت .
(٢) كذا فى ح.
٢

٥٦٥
وزرادشت بما أتياه به ، وأنهما أتياه بذلك لثلاثين سنة مضت من ملكه .
وقال هذا القائل: كان ملك بشتاسب مائة وخمسين سنة، فكان ممن رتب
بشتاسب من النفر السبعة المراتب الشريفة، وسماهم عظماء بهكا بهند (١) ومسكنه
دهسْتان(٢) من أرض جرجان، وقارن الفلهوى ومسكنه ماهنهاوند(٣)، وسورین
الفلهوی ومسكنه سجستان ، وإسفنديار الفلهوى ومسكنه الرّى.
٠ ٠
#
وقال آخرون : كان ملك بشتاسب مائة وعشرين سنة .
(١) كذا فى ت، وفى ط من غير فقط.
(٢) دهستان، بكسر أوله وثانيه؛ ذكرها ياقوت، وقال: ((إنها بلد مشهور فى طرف
مازندان ، قرب خوارزم وجرجان )) .
(٣) قال ياقوت: ((الماه بالهاء خالصة: قصبة البلد؛ ومنه قيل: ماء البصرة وماء الكوفة
وماه فارس؛ ويقال لنهاوند وهذان وقم: ماء البصرة)). وانظر نهاوند فى معجم البلدان - ماء البصرة.

ذكر الخبر عن ملوك اليمن
فی أیام قابوس وبعده إلىعهد بهمن بن إسفنديار
قال أبو جعفر : قد مضی ذکرنا الخبر عمن زعم أن قابوس کان فى عهد
سليمان بن داود عليهما السلام ، ومضى ذكرُنا مَنْ كان فى عهد سليمان من
ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت إيليشرح .
فحلرِّتت عن هشام بن محمد الكلبىّ أن المُلْك باليمن صار بعد بلقيس
٦٨٤/١ إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذى كان يقال له ياسر أنعم. قال: وإنما سمّوْه(١)
ياسر أنعم لإنعامه عليهم بما(٢) قوّى من ملكهم، وجمع من أمرهم .
قال : فزعم أهلُ اليمن أنه سار غازيًا نحو المغرب حتى بلغ واديًا يقال
له وادى الرمل، ولم يبلغه أحد قبله ، فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازاً لكثرة
الرمل ، فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل ، فأمر رجلامن أهل بيته- يقال
له عمرو- أن يعبُر هو وأصحابه ؛ فعبروا فلم يرجعوا . فلما رأى ذلك أمر
بصنم نحاس فصنع ، ثم نصب على صخرة على شفير الوادى، وكُتِب فى صدره
بالمسند: ((هذا الصنم لياسر أنعم الحميرىّ، وليس وراءه مذهب، فلا يتكلّفنّ"
ذلك أحدٌ فيعطب )).
قال : ثم ملك من بعده تُبَّع ، وهو تُبان أسعد ، وهو أبو كرب بن
ملكى كرب تُبَّع بن زيد بن عمروبن تُبَّع ؛ وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبّع ذى المنار
ابن الرائش بن قيس بن صيفىّ بن سبأ . قال: وكان يقال له الرائد.
قال : فكان تُّع هذا فى أيام بشتاسب وأردشير بهمن بن إسفنديار بن
بشتاسب ، وأنه شخص متوجّهًا من اليمن فى الطريق الذى سلكه الرائش ،
حتى خرج على جبلى طيئ ، ثم سار يريد الأنبار ، فلما انتهى إلى الخيرة
- وذلك ليلا- تحير، فأقام مكانه وسُمّى ذلك الموضع الحيرة، ثم سار وخلّف به
قومًا من الأزْد والخم وجُذام وعاملة وقُضاعة، فبنوا وأقاموابه، ثم انتقل إليهم بعد
٦٨٥/١
(١) ح: ((منى)).
(٢) ت، ن: ((ما)).
٥٦٦

٥٦٧
ذلك ناس من طبيًّ وكلب والسّكون وبلْحارث بن كعب وإياد. ثم توجّه إلى
الأنبار ثم إلى الموصل ، ثم إلى أذربيجان ، فلقىَ الترك بها فهزمهم ، فقتل
المقاتلة ، وسبى الذريَّة، ثم انكفأ راجعًا إلى اليمن . فأقام بها دهراً ، وهابته
الملوك وعظّمته وأهدت إليه . فقدم عليه رسول ملك الهند بالهدايا والتّحف،
من الحرير والمسك والعود وسائر طُرَف بلاد الهند، فرأى ما لم يَرَمثله ، فقال :
ويحك! أكلَّما أرى فى بلاد كم ! فقال: أبيت اللعن ! أقلّ ما ترى فى بلادنا،
وأكثره فى بلاد الصين، ووصف له بلاد الصين وسعتها وخِصْبها وكثرة طُرَفها،
فآلى بيمين لَيَغُزوّتها. فسار بحمْيَر مساحِلا(١)، حتى أتى الركائك وأصحاب
القلانس السود ، ووجّه رجلا من أصحابه ، يقال له ثابت نحو الصين ؛ فى
جمع عظيم فأصيب، فسار تُبَّعَ حتى دخل الصين ، فقتل متقائلها، واكتسح
ما وجد فيها . قال : ويزعمون أن مسيره كان إليها ومقامه بها(٢) ورجعته منها ٦٨٦/١
فى سبع سنين ، وأنه خلَف بالتُّبَّت(٣) اثنى عشر ألف فارس من حمير ،
فهم أهلُ التبّت، وهم اليوم يزعمون أنهم عَرَب، وخلقهم وألوانهم خلق العرب
وألوانها .
حدثنى عبد الله بن أحمد المروزىّ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى
سليمان ، قال : قرأت على عبد اللّه، عن إسحاق بن يحيى ، عن موسى بن
طلحة : أن تُبّعًا خرج فى العرب يسير ، حتى تحيّروا بظاهر الكوفة، وكان
منزلا من منازله ، فبقىَ فيها من ضعفة الناس، فسمُّيت الحيرة لتحيّرهم ، وخرج
تُبّعَ سائراً، فرجع إليهم وقَد بنوا وأقاموا، وأقبل تُبّع إلى اليمن وأقاموا هم ،
ففيهم من قبائل العرب كلّها من بنى لحيان، وهذيل وتميم، وجُعفىّ وطى، وكلب .
(١) مساحلا، أى سائراً تجاه الساحل. وفى الأصول: ((مساجلا)).
(٢) ن: ((فيها)).
(٣) التبت، بالضم: قال ياقوت: ((بلد بأرض الترك فى الإقليم الرابع المتاخم لبلاد الهند)).

ذ کرخبر أردشیر بهمن وابنته خمانی
ثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن ؛ فذكر أنه قال يوم ملك
وعقد التاج على رأسه : نحن محافظون على الوفاء ، ودائنون رعيّتنا بالخير؛
فكان يدعى أردشير الطويل الباع ؛ وإنما لقّب بذلك فيما قيل-لتناوله كلّ
٦٨٧/١ ما مدّ إليه يده من الممالك التى حوله، حتى ملك الأقاليم كلّها . وقيل إنه
ابتنى بالسواد مدينة ، وسماها آباد أردشير هى القرية المعروفة بهُميْنا من
الزاب الأعلى، وابتنى بكور دجْلَة مدينة وسماها بهمن أردشير(١)، وهى الأبُلّة،
وسار إلى سِجِسْتان طالبًا بثأر أبيه، فقتل رستم وأباه دستان وأخاه إزواره(٢) وابنه
فرمرز(٣)، واجتبى الناس الأرزاق الجند ونفقات الهرابذة وبيوت النيران وغير ذلك
أموالاً عظيمة ؛ وهو أبو دارا الأكبر ، وأبو ساسان أبى ملوك الفرس الأخر
أردشير بن بابك وولده ، وأمّ دارا خمانى بنت بهمن .
فحدثت عن هشام بن محمد قال : ملك بعد بشتاسب أردشير بهمن بن
إسفنديار بن بشتاسب؛ وكان- فيما ذكروا متواضعًا مرضيًّا فيهم ، وكانت
كتبه تخرج من أردشير: ((عبد الله وخادم اللّه، السائس(٤) لأمركم)). قال:
ويقال إنه غزا الروميّة الداخلة فى ألف ألف مقاتل .
وقال غير هشام : هلك بهمن ودارا فى بطن أمه ، فملكوا خمانى شكراً
لأبيها بهمن ، ولم تزل ملوك الأرض تحمل إلى بهمن الإتاوة والصلح ، وكان
من أعظم ملوك الفرس - فيما قالوا - شأنًا ، وأفضلهم تدبيراً ، وله کتب
ورسائل تفوق كتب أردشير وعهده ، وكانت أم بهمن أستوريا (٥) ، وهى
٦٨٨/١
(١) ذكرها ياقوت؛ وقال: ((كورة واسعة بين واسط والبصرة))، ونقل عن الأصبهانى:
((بهمنشير)) تعريب ((بهمن أردشير)). وكانت مدينة مبنية على عبر دجلة العوراء فى شرقيها تجاه
الأبلة .
(٢) ح: ((إروان)). (٣) ت: ((فرمرد))، ح: ((قرمداد))، س: ((قرمزد)).
(٥) س: ((أستواريا)).
(٤) ح: ((والسائس.
٥٦٨

٥٦٩
أستار بنت يائير(١) بن شمعى بن قيس بن ميشا(٢) بن طالوت الملك بن قيس
ابن أبل بن صارور(٣) بن بحرث بن أفيح بن إيشى بن بنيامين بن يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام . وكانت أمّ ولده راحب
بنت فنحس من ولد رُحُبْعُم بن سليمان بن داود عليه السلام . وكان
بهمن ملّك أخاها زربابل بن شلتايل(٤) على بنى إسرائيل، وصيّر له رياسة الجالوت،
وردّه إلى الشام بمسألة راحب أختِه إياه ذلك، فتوفّى بهمن يوم توفّى وله من
الولد : ابناه دارا الأكبر وساسان ، وبناته: خمانى التى ملكت بعده، وفرنك(٥)
وبهمن دخت (٦)، وتفسير (( بهمن)) بالعربية ((الحسن النية))، وكان ملكهمائة واثنتی
عشرة سنة .
فأما ابن الكلبى هشام فإنه قال : كان ملكه ثمانين سنة .
*
٦٨٩/١
ثم ملكت خمانى بنت بهمن، وكانوا ملكوها حبًا لأبيها بهمن، وشكراً
لإحسانه ولكمال عقلها وبها ئها وفر وسيتها ونجْدتها- فيما ذكره بعض أهل الأخبار -
فكانت تلقَّب بشهرازاد(٧) . وقال بعضهم: إنما ملكت خمانى بعد أبيها بهمن
أنها حين حملت منه دارا الأكبر سألته أن يعقد التاج له فى بطنها ويؤثره
بالملك ، ففعل ذلك بهمن بدارا ، وعقد عليه التاج حَمْلاً فى بطنها ، وساسان
ابن بهمن فى ذلك الوقت رجل يتصنّع للملك لا يشكّ فيه. فلما رأى ساسان
ما فعل أبوه من ذلك لحق بإصطخر، فَتزهّد وخرج من الحلية الأولى وتعبّد
فلحق برءوس الجبال يتعبَّد فيها، واتّخذ غُنَيْمة، فكان يتولّى ماشيتَه بنفسه ،
واستشنعت(٨) العامّة ذلك من فعله، وفظعَتْ به ، وقالوا : صار ساسان
راعيًا ، فكان ذلك سبب نسبة الناس إياه إلى الرّعى ، وأم ساسان ابنة شالتيال
ابن يوحنّا بن أوشيا بن أمون بن منشى بن حازقيا بن أحاذ بن يوثام بن عوزیا
ابن يورام بن یوشافط بن أبيا بن رُحُبْعُم بن سليمان بن داود .
وقيل : إن بهمن هلك وابنُه دارا فى بطن خمانى، وأنها ولدته بعد أشهر من
(٢) كذا فى ت. (٣) ت، س: ((صاروده)).
(١) ح، ت: (( یاس )) .
(٤) ت: ((سلبايل))
(٥) كذا فى س، وفى ت: ((قربك)).
(٦) ح: ((بهمن رحت))، س: ((بهمن زحت)).
(٧) س: ((شهر زاد)).
(٨) ح: ((استصبعتِ)).

٥٧٠
٦٩٠/١
مُلكها وأنفت من إظهار ذلك، فجعلته فى تابوت ، وصيّرت معه جوهراً نفيساً،
وأجرته فى نهر الكُرّ من إصطخر. وقال بعضهم: بل نهر بلْخ، وإن التابوت
صار إلى رجل طحّان من أهل إصطخر، كانله ولد صغير فهلك، فلما وجده الرجل
أتى به امرأته ، فسرت به لجماله ونفاسة ما وجد معه ، فحضنوه، ثم أظهِر
أمره حين شبّ، وأقرّت خمانى بإساعتها إليه وتعريضها إياه للتلف ؛ فلما تكامل
امتحن فوُجد على غاية ما يكون عليه أبناء الملوك، فحوّلت التاج عن رأسها
إليه، وتقلّد أمر المملكة، وتنقلّت(١) خمانى وصارت إلى فارس (٢) وبنَتْ
مدينة إصطخر ، وأغزت الروم جيشًا بعد جيش ، وكانت قد أوتيت ظفراً ،
فقمَعَت الأعداء، وشغلتهم عن تطرّف شىء من بلادها، ونال رعيتُها فى ملكها
رفاهة وخفضًا. وكانت خمانى حين أغزت أرض الروم سُبِى لها منها بشرٌ
كثير ، وحُمِلوا إلى بلادها، فأمرت مَنْ فيهم من بنّائى الروم ، فبنوا لها فى
كلّ موضع من حَيّز مدينة إصطخر بنيانًا على بناء الروم منيفًا معجبًا، أحد
ذلك البنيان فى مدينة إصطخر ، والثانى على المدرجة التى تسلك فيها إلى
دارابجرد، على فرسخ من هذه المدينة، والثالث على أربعة فراسخ منها فى المدرجة
التى تسلك فيها إلى خراسان. وإنها أجهدت نفسها فى طلب مرضاة الله عزّ وجلّ؛
فأوتيت الظفر والنصر، وخففت عن رعيتها فى الخراج .
وكان مُلْكها ثلاثين سنة .
#
ثم نرجع الآن إلى :
(١) ح: ((وانتقلت)).
(٢) ت، س: ((أرض: ارس)).

ذ کرخبر بنی إسرائیل
ومقابلة تأريخ مدة أيامهم إلى حين تصرمها بتأريخ
مدة من كان فى أيامهم من ملوك الفرس
قد ذكرنا فيما مضى قبلُ سببَ انصرافٍ من انصرف إلى بيت المقدس
من سبايا بنى إسرائيل الذين كان بختنصّر سباهم وحملهم معه إلى أرض بابل ،
وأنّ ذلك كان فى أيام كيرش بن أخشويرش وملكه ببابل من قِبَل بهمن بن
إسفنديار فى حياته وأربع سنين بعد وفاته فى ملك ابنته خمانى ، وأن خمانى
عاشت بعد (١) هلاك كيرش بن أخشويرش ستًّا وعشرين سنة فى ملكها، تمام
ثلاثين سنة . وكانت مدة خراب بيت المقدس من لدن خَرّبه بختنصّر
إلى أن عمير - فيما ذكره أهل الكتب القديمة والعلماء بالإخبار - سبعين سنة،
كلّ ذلك فى أيام بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بعضه ، وبعضه
فى أيام خمانى ، على ما قد بين فى هذا الكتاب .
وقد زعم بعضُهم أن كيرش هو بشتاسب، وأنكر ذلك من قِيله بعضُهم،
وقال: كى أرش إنما هو عمّ لجد بشتاسب، وقال: هو كى إرش أخو كيقاوس
ابن کیبیه بن کیقباذ الأ کبر ، ویشتاسبالملك هو ابن کیلھراسب بن کیوجی
ابن كيمنوش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الأكبر . قال : ولم يملك
کی أرش قط، وإنما كان ممدَّكًا على خوزستان وما يتصل بها من أرض بابل
من قِبَل كيفاوس، ومن قبل كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس، ومن قِبَل ٦٩٢/١
لهراسف من بعده . وكان طويلَ العُمر، عظيم الشأن ، ولما مُمر بيت
المقدس ورجع إليه أهله من بنى إسرائيل كان فيهم عُزّير - وقد وصفت
ما كان من أمره وأمر بنى إسرائيل - وكان الملك عليهم بعد ذلك من قبل الفرس؛
إمّا رجل منهم وإما رجل من بنى إسرائيل، إلى أن صار الملك بناحيتهم لليونانية
والروم بسبب غلبة الإسكندر على تلك الناحية حين قتّل دارا بن دارا . وكانت
جملة مدة ذلك - فيما ڤيل - ثمانياً وثمانين سنة .
*
ونذكر الآن :
(١) ح: ((ثم إن خمانى ملكت)).
٥٧١

خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر
ءَ
ابن دارا الأكبر وكيف كان هلاكه مع خبر ذى القرنين
٦٩٣/١
وملّك دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب ، وكان ينبّه بجهر ازاد
۔۔ یعنی بہ کريم الطبع۔۔ فذ کروا أنه نزل بابل ، وکان ضابطًا لملكه ،
قاهراً لمن حوله من الملوك ، يؤدُّون إليه الخراج ، وأنه ابتنى بفارس مدينة سماها
دارا بجرد، وحذف (١) دوابَّ البُرُّد ورتّبها، وكان معجبًا بابنهدارا، وأنه من حبّه
إياه سمَّاه باسم نفسه، وصير له الملك من بعده، وأنه كانله وزیر یسمی رستين(٢)
محموداً فى عقله ، وأنه شَجَر بينه وبين غلام تربّى مع دارا الأصغر ، يقال
له برى(٣) شرّ وعداوة ، فسعى رستين عليه عند الملك، فقيل: إن الملك سقى
برى شربة مات منها ، واضطغن دارا على رستين الوزير وجماعة من القوّاد ،
كانوا عاونوه على برى ما كان منهم، وكان مُلْك دارا اثنتى عشرة سنة .
ثم ملك من بعده ابنه دارا بن دارا بن بهمن ؛ وكانت أمه ماهيا هند
بنت هزار مرد بن بهرادمه ، فلما عقد التاج على رأسه قال : لن ندفع أحداً فى
مَهْوى الهلكة، ومن تَرَدَّى فيها لم نكففه عنها . وقيل إنه بنىَ بأرض الجزيرة
مدينة دارا ، واستكتب أخا برى واستوزره لأنسه(٤) كان به وبأخيه ، فأفسد
قلبه على أصحابه ، وحمله على قَتْل بعضهم ، فاستوحشت لذلك منه الخاصة
والغامة ، ونفروا عنه ، وكان شابًّاً غرًّا حميًّا حقوداً جباراً.
وحُدَّثت عن هشام بن محمد قال : ملك من بعد دارا بن أردشير دارا
ابن دارا أربع عشرة سنة، فأساء السيرةَ فى رعيته، وقتل رؤساءهم، وغزاه الإسكندر
٦٩٤/١ على تشفّة(٥) ذلك، وقد ملَّه أهل مملكته وسئموه، وأحبّوا الراحة منه، فلحق كثير
من وجوههم وأعلامهم بالإسكندر ، فأطلعوه على عورة دارا ، وقوّوْه عليه ،
(١) الحذف هنا : قطع ذنب الدابة .
(٣) كذا فى ن
(٢) كذا فى ن .
(٤) ح ، ن: ((لأنسة كانت به)).
(٥) على تثفة ذلك ، أى على حين ذلك.
٥٧٢

٥٧٣
فالتقيا ببلاد الجزيرة ، فاقتتلا سنة . ثم إن رجالا من أصحاب دارا وثبُوا به
فقتلوه ، وتقرّبوا برأسه إلى الإسكندر ، فأمرَ بقتلهم ، وقال : هذا جزاء من
اجترأ على مَلِكِه. وتزوّج ابنتَه روشنك بنت دارا، وغزا الهند ومشارق الأرض ،
ثم انصرف وهو يريد الإسكندرية، فهلك بناحية السَّواد، فحميل إلى الإسكندرية
فى تابوت من ذهب ، وكان ملكه أربع عشرة سنة، واجتمع ملك الروم، وكان
قبل الإسكندر متفرقًا ، وتفرّق ملك فارس وكان قبل الإسكندر مجتمعًاً .
1
قال : وذكر غير هشام أنَّ دارا بن دارا لما مَلّك أمَر فبنيت له بأرض
الجزيرة مدينة واسعة وسماها دارنوا ، وهى التى تسمى اليوم دارا ، وأنه عمرها
وشحنها من كلّ ما يحتاج إليه فيها ، وأن فيلفوس أبا الإسكندر اليونانىّ من
أهل بلدة من بلاد اليونانيين تدعى مقدونيّة ، كان ملكاً عليها وعلى بلاد أخرى
احتازها إليها ، كان صالحَ دارا على خراج يحمله إليه فى كلّ سنة ، وأن
فيلفوس هلك ، فملك بعده ابنه الإسكندر ، فلم يحمل إلى دارا ما كان يحمله
إليه أبوه من الخراج ، فأسخط ذلك عليه دارا، وكتب إليه يؤنبه بسوء (١) صنيعه
فى ترْكه حَمْل ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج (٢) وغيره، وأنه إنما دعاه إلى حبس ٦٩٥/١
ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج الصِّبًا والجهل ، وبعث اليه بصوْلجان وكرة
وقتفِيز من سمسم ، وأعلمه فيما كتب إليه أنه صبىّ، وأنه إنما ينبغى (٣) له أن
يلعب بالصوْلجان والكرة اللذيْن بعث بهما إليه، ولا يتقلَّد الملك، ولا يتلبّس
به ، وأنه إن لم يقتصر على ما أمره به من ذلك، وتعاطى المُلْك واستعصى عليه ،
بعث إليه مَنْ يأتيه به فى وَثاق، وأن عدّة جنوده كعدة حَبّ السمسم الذى
بعث به إليه .
فكتب إليه الإسكندر فى جواب كتابه ذلك، أن قد فهم (٤) ما كتب، وأن
قد نظر إلى ما ذكر فى كتابه إليه من إرساله الصوْلجان والكرة ، وتيمن به لإلقاء
(١) ن، س: ((لسوء)).
(٢) ح: ((وأن دارا كتب إليه يخوفه ويتوعده ويعرفه فى جملة ما كتب إليه أنه إنما دعاه
إلى تأخير ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج الصبا . .. ))
(٣) س: ((وينبغى له أن ... ).
(٤) س: ((فهمت ماكتبت)).
:

٥٧٤
الملقِى الكرة إلى الصولجان، واحترازه(١) إياها؛ وشبّه الأرضَ بالكرة، وأنه
محتاز، مُلْكَ دارا إلى ملكه، وبلادَه إلى حيّزه من الأرض، وأنّ نظره
إلى السمسم الذى بعث به إليه كنظره إلى الصوْلجان والكرة لدَسمه وبعده من
المرارة والحرافة . وبعث إلى دارا مع كتابه بِصُرّةٍ من خردل، وأعلمه فى ذلك
٦٩٦/١ الجواب أنّ ما بعث به إليه قليل؛ غير أنَّ ذلك مثل الذى بعث به فى الحرافة
والمرارة والقوة ، وأن جنودَه فى كل٣(٢) ما وصف به منه .
فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر ، جمعَ إليه جنده، وتأهّب
محاربة الإسكندر ، وتأهّب الإسكندر وسار نحو بلاد دارا .
وبلغ ذلك دارا ، فزحف إليه فالتفى الفئتان ، واقتتلا أشَدّ القتال ، وصارت
الد برة(٣) على جند دارا، فلما رأى ذلك رجلان من حرس دارا، يقال إنهما كانا
من أهل هَمَذان ، طعنا دارا من خلفه فأردياه من مركبه ، وأرادا بطعنهما
إياه الخُظْوة عند الإسكندر، والوسيلة إليه، ونادى الإسكندر أن يُؤْسَر دارا
أسراً ولا يقتل ، فأخبر بشأن دارا ، فسار الإسكندر حتى وقف عنده، فرآه
يجود بنفسه ، فنزل الإسكندر عن دابَّته حتى جلس عند رأسه ، وأخبره أنه لم
يهمّ قطُّ بقتله، وأن الذى أصابه لم يكن عن رأيه، وقال له: سكنى ما بدا لك
فأسعفك فيه ، فقال له دارا : لى إليك حاجتان : إحداهما أن تنتقم لى من
الرجلين اللذين فَتّكا بى - وسماهما وبلادهما - والأخرى أن تتزوّج ابنتى
روشتك . فأجابه إلى الحاجتين ، وأمر بصلْب الرجلين اللذين انتهكا من دارا
١٠ انتهکا ، وتزوّج روشنك وتوسط بلاد دارا ، و کان ملکه له .
٠ ٠
وزعم بعض أهل العلم بأخبار الأولين أنّ الإسكندر هذا الذی حارب دارا
الأصغر ؛ هو أخو دارا الأصغر الذى حاربه ، وأن أباه دارا الأكبر كان
٦٩٧/١ تزوَّج أمّ الإسكندر، وأنها ابنة ملك الروم(٤) واسمها هلاى(٥)، وأنها حُملت
(١) ط: ((واجتراره)) وما أثبته من ن، وابن الأثير.
(٣) الدبرة : الهزيمة .
(٤) ت، ح، ((الزنج)).
(٥) ح: ((هلايا)).
(٢) ن: ((فيما)).
.

٥٧٥
إلى زوجها دارا الأكبر، فلما وَجَد نتن ريحها وعَرَقها وَسَهَكها (١)، أمر أن
يحتال لذلك منها ، فاجتمع رأىُ أهل المعرفة فى مداواتها على شجرة يقال لها
بالفارسية ((سندر))، فطبخت لها فغسلت بها وبمائها ، فأذهب ذلك كثيراً من
ذلك النتن، ولم يُذهب كلّه، وانتهت نفسه عنها لبقيّة ما بها، وعافها وردّ ها
إلى أهلها، وقد علقت منه فولدت غلامًا فى أهلها ، فسمّته باسمها واسم الشجرة
التى غُسلت بها، حتى أذهبت عنها نتنها: ((هلاى سندروس))، فهذا أصل
الإسكندروس .
*
قال : وهلك دارا الأكبر ، وصار الملك إلى ابنه دارا الأصغر ، وكانت
ملوك الروم تؤدّى الخراجَ إلى دارا الأكبر فى كلّ سنة، فهلك أبو هلاى ملك
الروم جدّ الإسكندر لأمّه ، فلما صار الملك لابن ابنته بعث دارا الأصغر إليه
للعادة: إنّك أبطأت علينا بالخراج الذى كنت تؤدّيه ويؤدّ يه مَنْ كان قَبْلَك،
فابعث إلينا بخراج بلادك وإلا نابذناك المحاربة . فرجع إليه جوابُه: أنىّ قد
ذبحت الدجاجة ، وأكلت لحمها، ولم يبق لها بقيّة، وقد بقيت الأطراف،
فإن أحببت وادعناك ، وإن أحببت ناجزناك . فعند ذلك نافره دارا وناجزه القتال،
وجعل الإسكندر لحاجبيْ دارا حكمها على الفتك به ، فاحتكما شيئًا ، ولم
يشترطا أنفسهما ، فلما التقوْا للحرب ، طعن حاجبا دارا دارا فى الوقعة ، فلحقه
الإسكندر صريعًا ، فنزل إليه وهو بآخِرِ رمق، فمسح التراب عن وجهه ووضع ٦٩٨/١
رأسه فى حِجْره، ثم قال له : إنما قتلك حاجباك، ولقد كنتُ أرغب بك
يا شريفَ الأشراف وحرّ (٢) الأحرار وملك الملوك ؛ عن هذا المصرع ؛
فأوصينى بما أحببت . فأوصاه دارا أن يتزوّج ابنته روشنك، ويتّخذها لنفسه
ويستبقىَ أحرارَ فارس ، ولا يولّىَ عليهم غيرهم. فقبل وصيّته وعمل بأمره ،
وجاء اللذان قتلا دارا إلى الإسكندر فدفع إليهما حكمهما ، ووفّ لهما ثم قال
لهما : قد وَفّيت لكما كما اشترطتما ولم تكونا اشترطما أنفسكما ، فأنا قاتلكما ،
فإنه ليس ينبغى لقتلة الملوك أن يُستبقَوْا إلا بذمّة لا تخفَرَ. فقتلهما.
(١) السهك : رائحة العرق .
(٢) ح: ((ياحر)).

٥٧٦
وذ کر بعضهم أن ملك الروم فی أیام دارا الأ کبر کان یؤدّی إلی دارا
الإتاوة فهلك، وملك الروم الإسكندر، وكان رجلاً ذا حزم وقوّة ومكر ؛
فيقال إنه غزا بعضَ ملوك المغرب فظفر به ، وآنس لذلك من نفسه القوة (١)
فنشز على دارا الأصغر ، وامتنع من حَمْل ما كان أبوه يحمله من الخراج ،
فحمِيَ دارا لذلك، وكتب إليه كُتُبًا عنيفة(٢)، ففسد ما بينهما وسار كلْ
واحد منهما إلى صاحبه وقد احتشدا والتقيا فى الحدّ. واختلفت بينهما الكتبُ
والرسائل ، ووجل الإسكندر من محاربة دارا ؛ ودعاه إلى الموادعة ، فاستشار
دارا أصحابَه فى أمره ، فزيَّنوا له الحرب لفساد قلوبهم عليه . وقد اختلفوا فى
٦٩٩/١ الحدّ وموضع التقائهما؛ فذكر بعضُهم أن التقاءهما كان بناحية خُراسان
مما يلى الخَزّرَ، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى خَلَص إليهما السلاح ، وكان تحت
الإسكندر يومئذ فرس له عجيب يقال له بو كفراسب (٣)، ويقال إن رجلاً
من أهل فارس حمل ذلك اليوم حتى تخرّق الصفوف ، وضرب الإسكندر
ضربة بالسيف خيف عليه منها ، وإنه تعجّب من فعله وقال: هذا من فرسان
فارس الذين كانت تُوصف شدّتهم ، وتحركت على دارا ضغائن أصحابه ،
وكان فى حرسه رجلان من أهل همذان، فراسلا الإسكندر والتمسا الحيلة لدارا
حتى طعناه، فكانت منيّته من طعْنهما (٤) إياه ، ثم هربا .
فقيل إنه لما وقعت الصيحة، وانتهى الخبر إلى الإسكندر ر کب فى أصحابه،
فلما انتهى إلى دارا وجده يجود بنفسه ، فكلّمه ووضع رأسه فى حجره ، وبكى
عليه ، وقال له : أتِيت من مأمنك، وغّدَ ربك ثقاتُك ، وصرت بين أعدائك
وحيداً ، فسلْتِى حوائجَك فإنىِّ على المحافظة على القرابة بيننا .. يعنى القرابة بين
سلم وهيرج ابنى أفريذون - فيما زعم هذا القائل - وأظهر الجزع لما أصابه ،
وحمد ربه حين لم يبتله بأمره ، فسأله دارا أن يتزوّج ابنته روشنك ، ويرعى
لها حقَّها ، ويعظِم قدرَها ، وأن يطلب بثأره ، فأجابه الإسكندر إلى ذلك .
(٢) ح: ((كتابا عنيفاً)).
(١) ح: ((بالقوة)).
(٣) س: ((أبو كقراس)).
(٤) ح: ((طعنتيهما)).
٢

٥٧٧
ثم أتاه الرجلان اللذان وثبا على دارا يطلبان الجزاء، فأمر بضرب رقابهما وصلبهما ،
وأن ينادى عليهما: هذا جزاءُ من اجترأ على متلكه، وغشّ أهل بلده .
٧٠٠/١
ويقال: إن الإسكندر حمل كتبًا وعلومًا كانت لأهل فارس من علوم
ونجوم وحِكْمة، بعد أن نقل ذلك إلى السريانية ثم إلى الروميّة.
وزعم بعضُهم أن دارا قُتِل وله من الولد الذكور : أشك بن دارا وبنودارا(١)
وأردشير . وله من البنات روشنك ، وكان مُلْك دارا أربع عشرة سنة .
وذكر بعضُهم أن الإتاوة التى كان أبو الإسكندر يؤديها إلى ملوك الفرس
كانت بَيْضاً من ذهب ؛ فلما ملك الإسكندر بعث إليه دارا يطلب ذلك
الخراج ، فبعث إليه: إنّى قد ذبحت تلك الدجاجة التى كانت تبيض ذلك
البيض ، وأكلتُ لحمها فَأذَنْ بالحرب. ثم ملك الإسكندر بعد دارا بن دارا .
وقد ذكرت قول من يقول : هو أخو دارا بن دارا من أبيه دارا الأكبر .
٠٠
#
وأما الروم وكثير من أهل الأنساب فإنهم يقولون : هو الإسكندر بن
فيلفوس، وبعضهم يقول : هوابن بيلبوس بن مطريوس ، ويقال : ابن مصريم
ابن هرمس بن هردس بن میطون(٢) بن رومی بن لیطی(٢) بن یونان بن یافٹ بن
ثوبة بن سرحون بن رومية بن زنط (٣) بن توقيل(٣) بن رومى(٣) بن الأصفر بن اليفز
ابن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام. فجمع بعد مهلك
دارا مُلْكَ دارا إلى ملْكه ، فملكَ العراق والروم والشأم ومصر ، وعرض جنده
بعد هلاك دارا فوجدهم فيما قيل-ألف ألف وأربعمائة رجل؛ منهم من جنده
ثمانمائة ألف ، ومن جند دارا ستمائة ألف .
٧٠١/١
وُذكر أنه قال يوم جلس على سريره : قد أدالنا اللّه من دارا ، ورزقنا
خلاف ما كان يتوعّدنا به ، وأنه هدم ما كان فى بلاد الفرس من المدن والحصون
وبيوت النيران ، وقَتّل الهرابذة ، وأحرق كتبهم ودواوين دارا ، واستعمل
على مملكة دارا رجالا من أصحابه ، وسار قُدمًا إلى أرض الهند ، فقتل ملكتها
وفتح مدينتها ، ثم سار منها إلى الصين، فصنع بها كصنيعه بأرض الهند ، ودانت
(١) كذا فى ج .
(٢) كذا فى ت وابن الأثير: ١ : ١٦٠
(٣) كذا فى ابن الأثير .
(٣٧)

٥٧٨
له عامة الأرضين ، وملك التَّبَّت والصين ، ودخل الظلمات مما يلى القطب
الشمالىّ والشمس جنوبيّة فى أربعمائة رجل يطلب عين الخُلْد ، فسار فيها
ثمانية عشر يومًا ، ثم خرج ورجع إلى العراق ، وملك ملوك الطوائف ، ومات
فى طريقه بشَهْرَ زُور .
وكان عمره ستًّاً وثلاثين سنة فى قول بعضهم ، وحُمِل إلى أمه بالإسكندرية.
٠ ٠ ٠
٧٠٢/١
وأما الفرس فإنها تزعم أن مُلْك الإسكندر كان أربع عشرة سنة ،
والنصارى تزعم أن ذلك كان ثلاث عشرة سنة وأشهراً ، ويزعمون أن قتْل دارا
كان فى أول السنة الثالثة من مُلْكه .
وقيل إنه أمر ببناء مدن فبنيت اثنتا عشرة مدينة ، وسماها كلها إسكندرية،
منها مدینة بأصبهان یقال جیّ، بنيت على مثال الحيّة، وثلاث مدائن بخراسان،
منهنَّ مدينة هَراة ومدينة مَرْو ومدينة سمرْقَنْد، وبأرض بابل مدينة أروشك
بنت دارا، وبأرض اليونانية فى بلاد هيلاقوس مدينة للفرس، ومدنًا أخَر غيرها.
*
*
ولما مات الإسكندر عرض الملك من بعده على ابنه الإسكندروس ، فأبى
واختار النُّسْك والعبادة، فمدَّكت اليونانية عليهم-فيماقيل-بطلميوس بن أوغوس،
وكان ملكه ثمانيًا وثلاثين سنة، فكانت المملكة أيام اليونانيّة بعد الإسكندر
وحياةَ الإسكندر إلى أن تحوّل الملك إلى الروم المصاص لليونانية، ولبنى إسرائيل
ببيت المقدس ونواحيها الديانة والرياسة على غير وجه الملك إلى أن خرّبت بلادَهم
الفرس والروم ، وطردوهم عنها بعد قتل يحيى بن زكرياء عليه السلام .
ثم كان الملك ببلاد الشام ومصر ونواحى المغرب بعد بطلميوس بن لوغوس
لبطلميوس دينایوس (١) أربعين سنة .
٧٠٣/١
ثم من بعده لبطليموس أورغاطس أربعا وعشرين سنة .
ثم من بعده لبطلميوس فيلافطر إحدى وعشرين سنة .
ثم من بعده لبطلميوس أفيفانس اثنتين وعشرين سنة .
ثم من بعده لبطلميوس أورغاطس تسعًا وعشرين سنة .
ثم من بعده لبطلميوس ساطر (٢) سبع عشرة سنة .
(٢) ت ((بباطر)).
(١) كذا فى ح، وفى ت: ((ميانوس)).
۔۔

٥٧٩
ثم من بعده لبطلميوس الأحسندر(4) إحدى عشرة سنة.
ثم من بعده لبطلميوس الذى اختفى عن ملكه ثمانى سنين .
ثم من بعده لبطلميوس دونسيوس ست عشرة سنة .
ثم من بعده لبطلميوس قالو بطرى (٢) سبع عشرة سنة .
فكل هؤلاء کانوا یونانیین ؛ فكلّ ملك منهم بعد الإسكندر کان يدعی
بطلميوس ، كما كانت ملوك الفرس يدعون أكاسرة ، وهم الذين يقال لهم
المفقانيون(٣) .
ثم ملك الشأم بعد قالو بطری- فيماذكر الروم -المُصاص، فكان أول من
ملك منهم جایوس يوليوس خمس سنين
٧٠٤/١
ثم ملك الشام بعده أغوسطوس ستًّا وخمسين سنة . فلما مضى من ملكه
اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى بن مريم عليه السلام ، وبين مولده وقيام
الإسكندر ثلثمائة سنة وثلاث سنين .
(١) ح: ((الأحسدر))، س: ((الأحتشدر))، ابن الأثير: ((الأخشدر)).
(٢) ابن الأثير: ((كيلو بطره)).
(٣) كذا فى ت، س، وفى ن: ((القفانيون)).

ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الإسكندر
وهم ملوك الطوائف
ونرجع الآن إلى ذكر خبر الفرس بعد مهلك الإسكندر لسياق التأريخ
علی ملکھم.
فاختلف أهلُ العلم بأخبار الماضين فى الملك الذى كان بسواد العراق بعد
الإسكندر، وفى عدد ملوك الطوائف الذين كانوا ملكوا إقليم بابل بعده إلى أن
قام بالملك أردشير بابكان .
فأما هشام بن محمد فإنه قال- فيما حُدّثت عنه: ملك بعد الإسكندر
يلاقس(١) سلقيس، ثم أنطيحس. قال: وهو الذى بنى مدينة أنطاكية. قال:
وكان فى أيدى هؤلاء الملوك سواد الكوفة ، قال : وكانوا يتطرّقون الجبال وناحية
الأهواز وفارس؛ حتى خرج رجل يقال له أشك، وهو ابن دارا الأكبر، وكان
مولده ومنشؤه بالرّى، فجمع جمعًا كثيراً وسار يريد أنطيحس ، فزحف إليه
أنطيحس، فالتقيا ببلاد الموصل فقتل أنطيحس، وغلَب أشك على السواد ،
فصار فى يده من الموصل إلى الرّىّ وأصبهان، وعظّمه مائرُ ملوك الطوائف
لنسبه، وشرّفه فيهم ما كان من فعله، وعرفوا له فضله، وبدءوا به فى كتبهم، وكتب
إليهم فبدأ بنفسه ، وسمّوْه ملكا ، وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحداً منهم
أو يستعمله .
٧٠٥/١
ثم ملك بعده جوذرز بن أشكان . قال : وهو الذى غزا بنى إسرائيل المرّة
الثانية ، وكان سبب تسليط اللّه إياه عليهم - فيما ذكر أهل العلم - قتْلهم
يحيى بن زكرياء، فأكثر القتل فيهم، فلم تعدْ لهم جماعة كجماعتهم الأولى ،
ورفع الله عنهم النبوّة وأنزل بهم الذل". قال: وقد كانت الروم غَزَت بلاد
فارس ، يقودها ملكُها الأعظم يلتمس أن يُدرك بثأرها فى فارس لقتل أشك
ملك بابل أنطيحس ، وملك بابل يومئذ بلاش أبو (٢) أردوان، الذى قتله أردشير
(٢) ح، ن: ((ابن)».
(١) كذا فى س، وفى ت وابن الأثير: ((بلاقس)).
٠ ٥٨