النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
كان محموداً فى أهل مملكته ، شديد القمع للملوك المحيطة بإيران شَهْر(١)،
شديد التفقد لأصحابه ، بعيد الهمة کثیر الفکرفی تشیید البنيان ، وشق الأنهار ،
وعمارة البلاد، فكانت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه فى كلّ سنة
وظيفة معروفة وإتاوة معلومة ، ويكاتبونه بالتعظيم ويقرّون له أنه ملك الملوك
هيبة له وحذراً .
٦٤٩/١
قال: ويقال: إن بختنصّر حمل إليه من أورِيشَلِم (٢) خزائن وأموالاً،
فلما أحس بالضعف من قوته ملّك ابنه بشتاسب، واعتزل الملك وفوّضه إليه ،
وكان ملك لهراسب - فيما ذكر - مائة سنة وعشرين سنة.
وزعم أن بختنصر هذا الذیغزا بنى إسرائيل اسمه ((بخترشه)»، وأنه رجل من
العجم، من ولد جوذرز ، وأنه عاش دهراً طويلا جاوزتْ مدته ثلثمائة سنة ، وأنه
كان فى خدمة لهراسب الملك ، أبى بشتاسب، وأن لهراسب وجّهه إلى الشام
وبيت المقدس ليجلِىّ عنها اليهود. فسار إليها ثم انصرف، وأنه لم يزل من بعدهراسب
فى خدمة ابنه بشتاسب ، ثم فى خدمة بهمن من بعده ، وأنّ بهمن كان مقيمًا
بمدينة بَلْخ - وهى التى كانت تسمى الحسناء - وأنه أمر بخترشه بالتوجُّه إلى
بيت المقدس لُيْجِلِىَ اليهود عنها، وأنّ السبب فى ذلك وثوبُ صاحب بيت
جالمقدس على رسُلٍ كان بهمن وجَّههم إليه ، وقتله بعضهم . فلما ورد الخبر
على بهمن دعا بخترشه فملّكه على بابل ، وأمره بالمسير إليها ، والنفوذ منها إلى
الشام وبيت المقدس ، والقصد إلى اليهود حتى يقتُل مقاتلتهم ، ويَسِّ
ذراريّهم ، وبسط يده فيمن يختار من الأشراف والقواد ، فاختار من أهل
بيت المملكة(٣) داريوش (٤) بن مهرى ، من ولد ماذى بن يافث بن نوح ،
وكان ابن أخت بخترشه . واختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام ،
(١) إيران شهر، بالكسر وراء وألف ونون ساكنتين وفتح الشين المعجمة وهاء ساكنة وألف:
هى بلاد العراق وفارس والجبال وخراسان، يحملها كلها هذا الاسم. ( معجم البلدان) .
(٢) أوريشلم، بالضم ثم السكون وكسر الراء وياء ساكنة وشين معجمة مفتوحة ولام مكسورة -
ويروى بالفتح- وسيم: هذا هواسم البيت المقدس بالعبرانية؛ إلا أنهم يسكنون اللام. (معجم البلدان )
(٣) س: ((الملك)).
(٤) ت، س: ((دارذوش)).

٥٤٢
٦٥٠/١ وكان خازنًا على بيت مال بهمن، وأخشويرش(١) بن كيرش بن جاماسب الملقَّب
بالعالم ، وبهرام بن كيرش بن بشتاسب. فضمّ بهمن إليه من أهله وخاصته
هؤلاء الأربعة، وضمّ إليه من وجوه الأساورة ورؤسائهم ثلثمائة رجل ، ومن الجند
خمسين ألف رجل، وأذن له فى أن يفرض (٢) ما احتاج إليه، وفى إثباتهم. ثم أقبل
بهم حتى صار إلى بابل ، فأقام بها للتجهّز(٣) والاستعداد سنة، والتفّت إليه
جماعة عظيمة ، وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب ، الملك الذى
كان غزا حزقيا بن أحاز الملك ، الذى كان بالشام وببيت المقدس من ولد
سليمان بن داود صاحب شعيا ، يقال له بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب،
صاحب الموصل وناحيتها ، بن داريوش بن عبيرى (٤) بن تيرى(٥) بن روبا(٦)
ابن رابيا (٧) بن سلامون بن داود بن طامى بن هامل بن هرمان بن فودى (٨) بن
٦٥١/١ همول(٩) بن درمى بن قمائل(١٠) بن صاما بن رغما(١١) بن نمروذ بن كوش بن
حام بن نوح عليه السلام .
وكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى حزقيا(١٢) وبنو إسرائيل إلى جدّه
سنحاريب عند غزوه إياهم، وتوسّل إليه بذلك ، فقدّمه فى جماعة كثيرة ، ثم
اتَّبعه ، فلما توافت العساكر ببيت المقدس ، نُصِر بخترشه على بنى إسرائيل
لما أراد الله بهم من العقوبة، فسباهم، وهدّم البيت وانصرف إلى بابل ، ومعه
يوياحن(١٣) بن يوياقيم ملك بنى إسرائيل فى ذلك الوقت ، من ولد سليمان.
بعد أن ملّك مثَّنيا عمّ يوحينا، وسماه صدقيا .
(١) ت: ((أخشونش)): س: ((أحنوش))، ن: ((أخشوفوش)).
(٢) ن: ((يعرض)).
(٣) ح: ((للتجهيز))، ن: ((التهجم)).
(٤) كذا فى س:، ت ((عنبرى))، وفى ط مهمل .
(٥) كذا فى ح، وفى ت: ((ثیری))، وفى ط مهمل .
(٧) كذا فى ت .
(٦) كذا فى س، وفى ت: ((رويا)) وفى ح: ((ورقا)).
(٩) ح: ((هفول)).
(٨) كذا فى س، وفى ت ((قودى)).
(١١) س: ((زعما)).
(١٠) ح: ((تماثل)).
(١٢) ح: ((حيزقيا))، ت ((حزقيل))، ن: ((حريفا)).
(١٣) ت: ((يوحينا))، ن: ((يوحنا)).
٧

٥٤٣
فلما صار بختنصر ببابل خالفه صدقيا ، فغزاه بختنصّر ثانية فظفر به ،
وأخرب(١) المدينة والهيكل، وأوثق صدقيا، وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده ،
وسمل عينيه . فمكث بنو إسرائيل ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس ، فكان
غلبة بختنصّر المسمى بخترشهعلى بيت المقدس إلى أن مات- فى قول هذا
الذی حکینا قوله ۔۔ أربعين سنة .
٠
*
*
ثم قام من بعده ابن يقال له أولمرودخ ، فملكَ الناحية ثلاثاً وعشرين
سنة، ثم هلك وملك مكانه ابن يقال له بلتشصر بن أولمرودخ سنة ، فلما ملك ٦٥٢/١
بلتشصر خلط فى أمره ، فعزله بهمن وملّك مكانه على بابل وما يتصل بها من
الشأم وغيرها داريوش الماذوىّ، المنسوب إلى ماذى بن يافث بن نوح عليه السلام
حين صار إلى المشرق ، فقتل بلتشصر ، وملك بابل وناحية الشأم
ثلاث سنين . ثم عزله بهمن وولَّى مكانه كيرش الغيلمىّ ، من ولد غيلم بن سام
ابن نوح ، الذى كان نزع إلى جامر مع ماذى عند ما مضى جامر إلى المشرق ؛
فلما صار الأمر إلى كيرش كتب بهمن أن يرفق(٢) ببنى إسرائيل، ويُطلق
لهم النزولَ حیث أحبُّوا، والرجوع إلى أرضهم، وأن یولِّی علیھم من يختارونه،
فاختاروا دانيال النبيّ عليه السلام ، فولىَ أمرهم ، وكان مُلْك کیرش على
بابل وما يتصل بها(٣) ثلاث سنين ، فصارت هذه السنون - من وقت غلبة
بختنصّر إلى انقضاء أمره وأمرٍ ولده ومُلْك کیرش الغيلمیّ۔۔ معدودةمن خراب
بيت المقدس ، منسوبة إلى بختنصّر، ومبلغها سبعون سنة .
ثم ملك بابل وناحيتها من قِبَل بهمن رجل من قرابته ، يقال له أخشوارش
ابن كيرش بن جاماسب ، الملقَّب بالعالم ، من الأربعة الوجوه الذين اختارهم
بخترشه عند توجهه إلى الشأم من قِبَل بهمن ؛ وذلك أن أخشوارش انصرف
إلى بهمن من عند بختنصّر محموداً ، فولاه ذلك الوقت بابل وناحيتها ؛ وكان
السبب فى ولايته - فيما زعم - أنّ رجلاً كان يتولى لبهمن ناحية السّند والهند ٦٥٣/١
(١) أخرب المدينة : تركها خراباً .
(٢) ح: ((أن ترفق)).
(٣) ح: ((وما يليها)).

٥٤٤
يقالله کراردشیر (١) بندشكال خالفه، ومعهمن الأتباع ستمائة ألف ، فولی بهمن
أخشويرش (٢) الناحية، وأمره بالمسير إلى كراردشير ، ففعل ذلك وحاربه ،
فقتله وقتل أكثر أصحابه ، فتابع له بهمن الزيادة فى العمل ، وجمع له طوائف
من البلاد، فلزم السُّوس(٣)، وجمع الأشراف، وأطعم الناس اللحم، وسقاهم
الخمر ، وملك بابل إلى ناحية الهند والحبشة وما يلى البحر ، وعقد لمائة وعشرين
قائداً فى يوم واحد الأثويّة، وصيّر تحت يد كل قائد ألف رجل من أبطال
الجند الذين يَعْدل الواحد منهم فى الحرب بمائة رجل ، وأوطن (٤) بابل ،
وأكثر المقام بالسُّوس ، وتزوج من سَبْى بنى إسرائيل امرأة يقال لها أشتر ابنة
أبى جاويل ، كان رّباها ابن عمّ لها يقال له مردخى، وكان أخاها من الرضاعة؛
لأن أمّ مردخى أرضعت أشتر، وكان السبب فى تزوَّجه إياها قتله امرأة كانت
له جليلة جميلة خطيرة ، يقال لها وشتا(٥) ، فأمرها بالبروز ليراها الناس ،
ليعرفوا جلالَتها وجمالها ، فامتنعت من ذلك فقتلها ، فلما قتلها جَزِع لقتلها
جزءاً شديداً ، فأشير عليه باعتراض نساء العالم، ففعل ذلك، وحبّبت إليه أشتر
صنعًاً لبنى إسرائيل ؛ فتزعمُ النصارى أنها ولدت له عند مسيره إلى بابل ابنًا
فسماه كيرش، وأن مُلْك أخشويرش كان أربع عشرة سنة ، وقد علّمه مردخی
التوراة ، ودخل فى دين بنى إسرائيل ، وفهم عن (٦) دانيال النبى عليه
السلام ومن كان معه حينئذ ، مثل حننيا وميشايل وعازريا ؛ فسألوه بأن
يأذن لهم فى الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال : لوكان معى منكم ألف نىّ
ما فارقتى منكم واحد ما دمت حيًّا . وولى دانيال القضاء ، وجعل إليه
جميعَ أَمْره، وأمره أن يُخِرِج كلَّ شىء فى الخزائن مما كان بختنصر أخذه
من بيت المقدس ويردّه، وتقدم فى بناء بيت المقدس ، فبُنى وعمّر فى أيام
٦٥٤/١
(١) س: ((كرازدشير)).
(٢) س: ((إخوارش)).
(٣) ضبطه ياقوت: ((بضم أوله وسكون ثانيه، وسين مهملة أخرى، بلفظ السوس الذى
يقع فى الصوف)). وقال: ((بلدة بخوزستان، فيها قبر دانيال النبى عليه السلام)).
(٤) أوطن بابل: اتخذها محلا وسكناً .
(٥) ت، س: ((وسنا)).
(٦) ح: ((أمر))، ت: ((من)).

٥٤٥
كيرش بن أخشويرش . وكان ملك كيرش، مما دخل فى ملك بهمن وخمانى
اثنتين وعشرين سنة .
ومات بهمن لثلاث عشرة سنة مضت من ملك كيرش، وكان موت کیرش
لأربع سنين مضيْن من ملك خُمانى ، فكان جميع ملك كيرش بن أخشویرش
اثنتين وعشرين سنة .
فهذا ما ذكر أهل السير والأخبار فى أمر بختنصّر وماكان من أمره وأمر
بنى إسرائيل .
وأمّ السلف من أهل العلم فإنهم قالوا فى أمرهم أقوالا مختلفة ؛ فمن ذلك
ما حدثنى القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج
عن ابن جريج، قال: حدّثّنى يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جُبير، أنه سمعه يقول:
كان رجل من بنى إسرائيل يقرأ، حتى إذا بلغ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً
لَنَا أُولِى بَأْسِ شَدِيدٍ﴾(١) بكى، وفاضت عيناه، ثم أطبق المصحف ، فقال:
ذلك ما شاء اللّه من الزمان ! ثم قال: أيْ ربّ ، أرِنِى هذا الرجل الذى جعلت
هلاك بنى إسرائيل على يديه . فأرِىَ فى المنام مسكينا ببابل يقال له بختنصّر، ٦٥٥/١
فانطلق بمال وأعبُد له - وكان رجلاً موسراً - فقيل له : أين تريد ؟ فقال :
أريد التجارة ؛ حتى نزل داراً ببابل فاستكراها ، ليس فيها أحد غيرُه ، فجعل
يدعو المساكين (٢) ويلطُف بهم حتى لا يأتيَه أحد إلا أعطاه، فقال:
هل بقىّ مسكين غيركم (٢)؟ فقالوا: نعم مسكين بفجّ آل فلان مريض، يقال
له بختنصّر ، فقال لغلْمته: انطلقوا بنا ، فانطلق(٣) حتى أتاه فقال: ما اسمك؟
قال : بختنصّر، فقال لغلمته : احتملوه. فنقله إليه فمرّضه حتى برئ ، وكساه
وأعطاه نفقة، ثم أذن الإسرائيلىّ بالرحيل، فبكى بختنصّر، فقال الإسرائيلى":
ما يبكيك ؟ قال : أبكى أنك فعلت بى ما فعلت ، ولا أجد شيئًا أجزيك !
(١) سورة الإسراء ٥ .
(٢ - ٢) التفسير: ((ويلطف بهم حتى لم يبق أحد؛ فقال هل بق ... ))
(٣) ح: ((فانطلقوا)).
(٣٥)

٥٤٦
قال : بلى شيئًاً يسيراً ، إن ملكتَ أطعتَنى (١). فجعل الآخريتبعه ويقول :
تستهزئ بی ! ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله إلاّ أنه یری أنه يستهزئ به . فبكى
الإسرائيلىّ وقال: لقد علمتُ ما يمنعك أن تعطينى ما سألتُك؛ إلا أن الله
عزّ وجلّ يُريد أن يُنفذ ما قضى وكتب فى كتابه .
٦٥٦/١
وضرب الدهر من ضربه(٢)، فقال صيحون(٣)، وهو ملك فارس ببابل :
لو أنَّا بعثنا طليعة إلى الشأم! قالوا: وما ضرّك لو فعلت ! قال : فمن تروْن ؟
قالوا: فلان ، فبعث رجلاً، وأعطاه مائة ألف ، وخرج بختنصّر فى مطبخه
لا يخرج إلا ليأكل فى مطبخه ، فلما قدم الشام رأى صاحبُ الطليعة أكثرَ
أرض اللّه فرسًا ورجلاً جلداً، فكسره (٤) ذلك فى ذرعه ، فلم يسأل ؛ فجعل
بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول : ما يمنعكم أن تغزوا بابل ؟ فلو
غزوتموها ، فما دون بيت مالِها شىء . قالوا : لا نحسن القتال ولا نقاتل
حتى تنفد مجالس أهل الشام ، ثم رجعوا ، فأخبر متقدّم الطليعة ملكهم بما
رأى، وجعل بختنصّر يقول الفوارس الملك : لو دعانى الملك لأخبرته غير ما أخبره
فلان . فرفع ذلك إليه ، فدعاه فأخبره الخبر، وقال: إن فلانًا لمَّا رأى أكثر
أرض الله كُراعا ورجلا جلداً، كسر ذلك فى ذَرْعه(٥)، ولم يسألهم عن شىء ،
وإنى لم أدع مجلسًا بالشام إلا جالست أهله ، فقلت لهم كذا وكذا ، فقالوا
لى كذا وكذا - الذى ذكرسعيد بن جبير أنه قال لهم فقال(٦) متقدم الطليعة لبختنصّر:
فضحتنى ! لك مائة ألف وتنزع عما قلت . قال : لو أعطيتنی بيت مال بابل
ما نزعتُ . وضرب الدهر من ضربه، فقال الملك: لوبعثنا جريدةَ خيل إلى الشأم،
فإن وجدوا مساغًا ساغوا، وإلا امتشّوا (٧) ما قدروا عليه. قالوا : ما ضرّك
٦٥٧/١
(١) م: التفسير: ((أعطيتنى))
(٢) ح: ((ما ضرب)).
(٣) ح، والتفسير: ((صحوز)).
(٤) التفسير: ((كبر ذلك فى روعه)).
(٥) التفسير: ((كبر ذلك فى رءعه ))
(٦) التفسير: ((قال لهم)).
(٧) امتشوا : انتزعوا.

٥٤٧
لو فعلت ! قال : فمنْ ترون ؟ قالوا : فلان ، قال : بل الرجل الذى أخبرنى
بما أخبرنى ، فدعا بختنصر، فأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم ،
فانطلقوا فجاسوا خلال الديار ، فسبوْا ما شاء التولم يخرّبوا ولم يقتلوا، ورُمى
فى جنازة صيحون، قالوا: استخلفوا رجلاً، قالوا : عَلَى رِسْلِكم حتى يأتى
أصحابُکم، فإنهم فرسانكم؛ أن ینغّصوا علیکم شيئًا ! فأمهلوا حتى جاء بختنصر
بالسّبْى وما معه ، فقسمه فى الناس فقالوا: ما رأينا أحداً أحقَّ بالملك من
هذا! فملكوه(١).
وقال آخرون منهم : إنما كان خروج بختنصّر إلى بنى إسرائيل لحربهم
حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء .
ذكر بعض من قال ذلك منهم :
حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط، عن السُّدىّ ، فى الحديث الذى ذكرنا إسناده قبل: أن بختنصّر بعثه
صيحائين لحرب بنى إسرائيل حين قتَل ملكُهم يحيى بن زكرياء عليه السلام ،
وبلغ صیحائین قتله
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، قال -- فيما
بلغنى : استخلف الله عزَّ وجلّ على بنى إسرائيل بعد شعيا رجلا منهم يقال له
ياشية بن أموص ، فبعث اللّه لهم الخضر نبيًّا، واسم الخضر - فيما كان
وهب بن منبّه يزعم عن بنى إسرائيل - إرميا من حلقيا ، وكان من سِبْط
هارون .
٦٥٨/١
وأما وهب بن منبه فإنه قال فيه ماحدثنى محمد بن سهل بن عسكر البخارىّ،
قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل ،
قال : سمعت وهب بن منبه يقول :
(١) الخبر فى التفسير ١٥: ٢٢ - ٢٣ (بولاق)

٥٤٨
وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم
عن وهب بن منبِّه اليمانىّ أنه كان يقول: قال اللّه عزّ وجلّ لإرميا حين بعثه
نبيا إلى بنى إسرائيل: ((يا إرميا، مِن قبل أن أخلقك اخترتُك، ومن قبل أن
أُصوَّرك فى بطن أمك قدّستُك، ومِن قبْل أن أخرجت من بطن أمك طهّرتك،
ومن قبل أن تبلغ السَّعْى نبَّيتك(١)، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اختبرتك (٢) ،
ولأمر عظيم اجتبيتك (٣)). فبعث الله عزَّ وجلّإرميا إلى ذلك الملك من بنى إسرائيل
يسدّده ويرشده، ويأتيه بالخبر من قِبَل اللّه فيما بينه وبين الله عزّ وجلّ".
قال: ثم عظُمت الأحداث فى بنى إسرائيل ، وركبوا المعاصِى، واستحلُّوا
المحارم ، ونسُوا ما كانالله صنع بهم، وما نجاهم من عدوّهم سنحاريب وجنوده،
فأوحى الله عزّ وجلّ إلى إرميا: أنائتِ قومك من بنى إسرائيل، فاقصُصْ عليهم
ما آمرك به ، وذكرهم نِعَمِىٍ عَلَيْهم ، وعرِّفهم إحداثهم . فقال إرميا : إنى
ضعيف إن لم تقوّنى، عاجز إن لم تبلِّغْنى، مُخْطئ إن لم تسدِّدنى، مخذول"
إن لم تنصرفى، ذليلٌّ إن لم تعزّنى. قال اللّه عزّ وجل": ألم تعلم أن الأمور كلَّها
تصدر عن مشيئّى، وأن القلوبَ كلَّها والألسن بيدى، أقلِّبها كيف شئت
فتطيعنى! وأنى أنا الله الذى لا شىء مثلى، قامت السموات والأرض وما فيهنّ
بكلمتى، وأنا كلَّمت البحار ففهمتْ قولى، وأمرتُها فعَقلتْ (٤) أمرى،
وحدّدْتُ عليها بالبطحاء فلا تَعدَّى حَدّى ، تأتى بأمواج كالجبال ؛ حتى
إذا بلغت حدِّى ألبَستْها مذلَّةُ طاعتى خوفًا واعترافًا لأمرى، إنى معك ولن
يصل إليك شىءٌ معى ؛ وإنى بعثتُك إلى خلق عظيم من خَلْقى لتبلّغهم
رسالاتى ، وتستحق "(٥) بذلك مثل أجر من اتّبعك منهم، لا ينقص ذلك من
أجورهم شيئًا ، وإن تقصّر به عنها تستحقُّ بذلك مثل وِزْرٍ من تركت فى
عماه ؛ لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا. انطلق إلى قومك فقل: إن اللّه ذكر
٦٥٩/١
(١) التفسير: ((نبأتك)).
(٢) التفسير: ((أخترتك)).
(٣) التفسير: ((اختبأتك)).
(٤) كذا فى ن والتفسير؛ وفى ط: ((ففعلت)).
(٥) التفسير: ((ولتستحق)).

٥٤٩
بكم صلاح آبائكم ، فحمّله ذلك على أن يستنيبكم (١) يا معشر الأبناء .
وسلْهم كيف وجد آباءهم مغبّة طاعتى، وكيف وجدوا هم مغبّة معصيتى !
وهل علموا أن أحداً قبلهم أطاعى فشِىَ بطاعتى، أو عصانى فسعد بمعصينى!
وأن الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها ، وأن هؤلاء القوم رتعوا فى مروج
اهلکة أما أحبارهمورهبانهم فاتخذوا عبادخولاً (٢) یتعبدونهمدونى، و يحكمون
فيهم بغير كتابى (٢)، حتى أجهلوهم أمرى، وأنسوْهم ذكرى ، وغرّوهم منى.
وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتى ، وأمنوا مكرى، ونبذوا كتابى ،ونسُوا عهدى،
٦٦٠/١
وغيّروا سُنّتى، وادّان(٣) لهم عبادى بالطاعة التى لا تنبغى إلا لى ؛ فهم
يطيعونهم فى معصيتى ، ويتابعونهم على البدع التى يبتدعون فى دينى ، جُرأةً
علىّ وَغِرّة، وفِرْية علىّ وعلى رُسُلى، فسبحان جلالى وعلوّ مكانى وعظمة شأنى!
وهل ينبغى لبشر أن يُطاع فى معصيتى ! وهل ينبغى أن أخلق عباداً أجعلهم
أربابًا من دونى! وأما قرّاؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون فى المساجد، ويتزيَّنون(٤)
بعمارتها لغيرى لطلب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير العلم ، ويتعلّمون فيها
لغير العمل . وأما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترّون ، يخوضون مع
الخائضين ، فيتمنّون على مثل نصرة آبائِهِم ، والكرامة التى أكرمتهم بها ،
ويزعمون أن لا أحدَ أوْلى بذلك منهم منى بغير صدق ولا تفكر ولا تدبّر (٥)
ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لى ، وكيف كان جدّهم فى أمرى ، حين
غَيَّر المغيّرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا حتى عزّ
أمرى ، وظهر دينى ، فتأنَّيت بهؤلاء القوم لعلَّهم يستجيبون ، فأطولتُ لهم،
وصفحت عنهم لعلهم يرجعون، وأكثرت ومددت لهم فى العمر لعلهم يتفكرون(٦)،
فأعذرت. وفى كلّ ذلك أمطر عليهم السماء ، وأنبت لهم الأرض ، وألبسهم
(١) ت: ((يستثيبكم)). ح: ((يبتليكم)).
(٢-٢) التفسير: ((ليعبدوهم دونى، وتحكموا فيهم بغير كتابى)).
(٣) التفسير: ((فادان)).
(٤) كذا فى ت، ن، والتفسير، وفى ط: ((يتدينون)).
(٥) كذا فى التفسير، وفى ط: ((تعبر)).
(٦) التفسير: ((يتذكرون)).

٥٥٠
٦٦١/١
العافية ، وأظهرهم على العدوّ ؛ فلا يزدادون إلا طغيانًا وبعداً منى . فحتى متى
هذا! أبى يتمرّسون ! أم إياى يخادعون! فإنى أحلف بعزّى لأقيَّصنّ لهم فتنة
يتحيّر فيها الحليم، ويضِلّ فيها رأىُ ذى الرأى وحكمة الحكيم. ثم لأسلطنّ
عليهم جباراً قاسيًا عاتيًا ، ألبسه الهيبة ، وأنزع من صدره الرأفة والرحمة
والليان ، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ، له عساكر مثل قِطَع السحاب ،
ومراكب أمثال العجاج ؛ كأن خفيق راياته طيرانُ النسور، وكأن حملة فرسانه
كرير (١) العقبان .
ثم أوحى الله عزَّ وجلّ إلى إرميا أنى مهلك بنى إسرائيل بيافث - ويافث
أهلُ بابل ، فهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام - فلما سمع إرميا
وحتى ربه صاح وبكى وشقّ ثيابه، ونبذَ الرماد على رأسه، فقال: ملعون يوم
ولدت فيه ، ويوم لقِّنت(٢) فيه التوراة ، ومن شرّ أیامی يوم ولدت فيه ، فما
أبقيتُ آخر الأنبياء إلا لما هو شرّ علىّ، لو أراد بى خيراً ما جعلنى آخر
الأنبياء من بنى إسرائيل ؛ فمن أجلى تصيبُهم الشقوة والهلاك !
فلما سمع الله عزّ وجلّ تضرّع الخضر وبكاءه ، وكيف يقول ، ناداه :
يا إرميا ، أشقّ عليك ما أوحيت لك ! قال: نعم يا ربّ ؛ أهلكنى قبل أن
أرى فى بنى إسرائيل ما لا أسرّ به، فقال الله تعالى: وعزتى(٣) وجلالى لا أهلك
بيت المقدس وبنى إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك فى ذلك . ففرح
عند ذلك إرميا لما قال له ربه ، وطابت نفسه وقال : لا ، والذى بعث موسى
وأنبياءه بالحقّ ، لا آمر ربىّ بهلاك بنى إسرائيل أبداً.
٦٦٢/١
ثم أتى مليكَ بنى إسرائيل فأخبره بما أوْحى اللّه إليه فاستبشر وفرح؛ وقال:
إن يعذّبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدَّمناها لأنفسنا ، وإن عفا عنّا فبقدرته .
ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحى ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتمادياً فى
الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكُهم ، فقلّ الوحى حين لم يكونوا يتذكرون
الآخرة ، وأمسك عنهم حين (٤) ألهتهم الدنيا وشأنها، فقال لهم ملكُهم :
(١) الكرير: صوت فى الصدر كصوت المختنق.
(٣) التفسير: ((وعزتى العزيزة)).
(٢) ن والتفسير: ((لقيت)).
(٤) ن: ((حيث)) ..

٥٥١
يا بنى إسرائيل، انتهوا عمّا أنتم عليه قبل أن يمسَّكم بأسُ اللّه، وقبل أن يبعث
الله عليكم قومًا لا رحمة لهم بكم ، فإنّ ربّكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير،
رحيم بمن تاب إليه. فأبوا عليه أن ينزعوا عن شىء مما هم عليه . وإنّ اللّه ألقى
فى قلب بختنصّر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ
ابن عابر - ونمروذ صاحب إبراهيم عليه السلام ، الذى حاجه فى ربه -
أن يسير إلى بيت المقدس ، ثم يفعل فيه ما كان جدّه سنحاريب أراد أن
يفعل . فخرج فى ستمائة ألف راية يريد أهلَ بيت المقدس ، فلما فَصَل سائراً
أتى ملك بنى إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم ، فأرسل
الملك إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعمْتَ لنا أنّ ربك أوحى إليك
ألاّ يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر فى ذلك! فقال إرميا للملك:
إن ربّى لا يخلف الميعاد ، وأنا به واثق .
فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم ، وعزم اللّه تعالى على هلاكهم ،
بعث الله عزّ وجلَ مََّلَكًا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا واستفته. ٦٦٣/١
وأمره بالذى يستفتيه فيه. فأقبل الملك إلى إرميا، وقد(١) تمثّل له رجلا من بنى
إسرائيل، فقال له إرميا: مَنْ أنت ؟ قال: أنا رجل من بنى إسرائيل أستفتيك
فى بعض أمرى، فأذن له ، فقال له الملك : يا فىّ اللّه ، أتيتك أستفتيك فى
أهل رحمى ؛ وصلتُ أرحامهم بما أمرنى اللّه به، لم آت إليهم إلا حُسْنًا،
ولم آلهثم كرامة ، فلا تزيدهم كرامتى إياهم إلا إسخاطًا لى ، فأفتِنى فيهم
يا نىّ الله! فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصل" ما أمرك الله أن
تصلَ ، وأبشر بخير. قال : فانصرف عنه الملك ، فمكث أيامًا ثم أقبل إليه فى
صورة ذلك الرجل الذى كان جاءه ، فقعد بين يديه ، فقال له إرميا : مَنْ
أنت ؟ قال. أنا الرجل الذى أتيتك أستفتيك فى شأن أهلى ، فقال له نىّ اللّه:
أو ما طهُرت (٢) لك أخلاقُهم بعد ، ولم ترمنهم الذى تحبّ! قال : يا نى
الله، والذى بعثك بالحقّ ما أعلم كرامةً يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه
(١) كذا فى ح، وفى ط: ((قد)) بدون الواو، وفى التفسير: (( وكان قد تمثل
(٢) طهارة الأخلاق: بعدها عن الدنس والإثم .

٥٥٢
إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك . فقال النبيّ : ارجع إلى أهلك فأحسن
إليهم، واسأل الله الذى يُصلح عبادَه الصالحين أن يصلح ذات بينكم، وأن
يجمعتكم على مرضاته، ويحنّبكم سَخَطه(١) . فقام الملك من عنده فلبث أيامًا
وقد نزل بختنصّر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر (٢) من الجراد، ففزع منهم
٦٦٤/١ بنو إسرائيل فزعًا شديداً، وشقّ ذلك على ملك بنى إسرائيل فدعا إرميا فقال:
يا نِىّ اللّه، أين ما وعدك اللّه؟ فقال: إنى بربّى واثق. ثم إن الملك أقبل
إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصرربه الذى
وعده ، فقعد بين يديه ، فقال له إرميا : مَنْ أنت ؟ قال: أنا الذى كنت
أتيتك فى شأن أهلى مرتين، فقال له النبيّ: أو لم يَأنِ لهم أن يُفيقوا من الذى
هم فيه ! فقال الملِك : يا نبيّ اللّه، كُلُّ شيء كان يصيبنى منهم قبل اليوم
كنت أصبر عليه، وأعلم أنّ مآ لهم (٣) فى ذلك سُخْطَى، فلمّا أتيتُهم اليوم
رأيتُهم فى عملٍ لا يرضاه الله ولا يحبّه، قال له النبّى: على أىّ عمل رأيتهم ؟
قال : يا نبّى اللّه، رأيتُهم على عملٍ عظيم من سَخَط اللّه، فلو كانوا على مثل
ما كانوا عليه قبل اليوم ، لم يشتدّ غضبى عليهم ، وصبرت لهم ورجوتهم ،
ولكنى غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرهم، وإنى أسألك بالله الذى
هو بعثك بالحقّ إلا ما دعوتَ عليهم أن يُهلِكَهم الله. قال إرميا: يا ملك
السموات والأرض؛ إن كانوا على حقٍّ وصواب فأبقهم ، وإن كانوا على
سخطك وعمل لا ترضاه فأهلِكْهم .
فلمّا خرجت الكلمة منَ فِى إرميا أرسل (٤) اللّه عزّ وجلّ صاعقةً من السماء
فى بيت المقدس فالتهب مكان القربان ، وحُسِف بسبعة أبواب من أبوابها .
فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثيابه، ونبذ التراب على رأسه ، وقال: يا ملك
٦٦٥/١ السماء ويا أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذى وعدتنى! فُنودى: يا إرميا؛
إنه لم يصبْهم الذى أصابهم إلا بفُتياك التى أفتيت بها رسولنا. فاستيقن النبيّ أنها
(١) ح: ((وينجيكم من سخطه)).
(٢) ح: ((فى أكثر)). التفسير: ((كأمثال الجراد)).
(٣) ت: ((ما بهم))، ن: ((مالهم))، التفسير: ((مأربهم)).
(٤) التفسير: ((فما خرجت الكلمة من فى إرميا حتى أرسل ...

٥٥٣
فُتياه التى أفتى بها ثلاث مرات، وأنه رسولُ ربِّهِ .
وطار (١) إرميا حتى خالط الوحوش، ودخل بختنصّر وجنودُه بيت المقدس،
فوطئ الشأم ، وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم ، وخرّب بيت المقدس ؛ ثم أمر
جنودَه أن يملأ كلُّ رجل منهم تُرسه ترابًا ثم يقذفه فى بيت المقدس ، فقذفوا
فيه التراب حتى ملئوه . ثم انصرف راجعًا إلى أرض بابل ، واحتمل معه سبايا
بنى إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا مَنْ كان فى بيت المقدس كلّهم ، فاجتمع
عنده كلُّ صغير وكبيرمن بنى إسرائيل، فاختار منهم مائة ألف صبىّ، فلما
خرجت غنائم جنده ، وأراد أن يقسمها(٢) فيهم ، قالت له الملوك الذين كانوا
معه : أيها الملك ، لك غنائمنا كلّها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم
من بنى إسرائيل . ففعل فأصاب كلَّ رجل منهم أربعة غلمة - وكان من أولئك
الغلمان : دانيال ، وحنانيا ، وعزاريا ، وميشايل - وسبعة آلاف من أهل
بيت داود ، وأحد عشر ألفًا من سِبْط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين ،
وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب ، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون
ابن يعقوب ، ونفثالى بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى ابنى
يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ومن بقىَ من بنى إسرائيل. ٦٦٦/١
وجعلهم بختنصّر ثلاث فرق؛ فثلثا أقرّ بالشام ، وثلثاً سَبى، وثلثا قتل . وذهب
بآنية بيت المقدس حتى أقدَمها بابل ، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى
أقدمهم بابل ؛ وكانت هذه الوقعة الأولى التى أنزلها الله ببنى إسرائيل بإحداثهم
وظلمهم .
فلما ولى بختنصّر عنهم راجعًا إلى بابل بمن معه من سبايابنى إسرائيل أقبل
إرميا على حمار له معه عصير من عنب فى رَكْوة(٣) وسلّة تين ، حتى غشى
إيلياء فلما وقف عليها ورأى ما بها من الخراب دخله شكّ، فقال: أنَّى يحيى
هذه اللّه بعد موتها! فأماته الله مائة عام، وحماره وعصيره وسلّة تينه عنده حيث أماته
(١٠) التفسير: ((ثم إن إرميا)) ...
(٢) كذا فى التفسير وفى ط: ((يقسمهم)).
(٣) ت والتفسير: ((زكرة))، وهى زق صغير من أدم يجعل فيه الشراب.

٥٥٤
اللّه وأمات حماره معه، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد. ثم بعثه الله فقال له:
(كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِئْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام
فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ)- يقول لم يتغيّر (وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ
وَلِنَجْعَلَكَ آيَّةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نَنْشِرُهَا مُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَ﴾. (١)
فنظر إلى حماره يتّصل بعضٌ إلى بعض-وقد كانمات معه بالعروق والعصب،
ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى، ثم جرى فيه الروح، فقام ينهق . ثم
نظر إلى عصيره وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغيّر . فلما عاين من
٦٦٧/١ قدرة الله ما عاين، قال: ﴿أعلمُ أنَّ اللهَ على كُلِّ شىء قدِيرٌ (١)). ثم عمّر الله
إرميا بعد ذلك، فهو الذى يُرى بفلوات الأرض والبلدان(٢)
ثم إنّ بختنصر أقام فى سلطانه ما شاء الله أن يقيم ، ثم رأى رؤيا ، فبينما
هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئًا أصابه فأنساه الذى كان رأى ، فدعا
دانیال، وحنانیا وعزاریا، ومیشايل من ذرارى الأنبياء،فقال: أخبروتی عن رؤيا
رأيتُها ، ثم أصابنى شىء فأنسانيها ، وقد كانت أعجبتنى (٣) ما هى ؟ قالوا
له : أخبرنا بها نخبرك بتأويلها ، قال : ما أذكرها ، وإن لم تخبرونى بتأويلها
لأنزعنّ أكتافكم . فخرجوا من عنده، فدعوا الله واستغاثوا وتضرّعوا إليه ،
وسألوه أن يعلمهم إياها، فأعلمهم الذى سألهم عنه، فجاءوه فقالوا له : رأيت
تمثالا ؟ قال : صدقتم ، قالوا : قدماه وساقاه من فَخّار ، وركبتاه وفخذاه
من نحاس ، وبطنه من فضّة ، وصدره من ذهب ، ورأسه وعنقه من حديد .
قال : صدقتم. قالوا: فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك، فأرسل الله عليه صخرة
من السماء فدقَّته ، فهى التى أنستكها . قال : صدقتم ، فما تأويلها ؟ قالوا :
تأويلها أنك أريتَ مُلْك الملوك، فكان بعضُهم ألينَ مُلْكًا من بعض ،
وبعضهم كان أحسن مُلْكاً من بعض، وبعضهم كان أشدَّ مُلْكا من بعض،
(١) سورة البقرة: ٢٥٩
(٢) الخبر فى التفسير
١٥: ٢٩ - ٣١ (بولاق)، وانظره أيضاً فى .
٤٤٧ - ٤٥٤ (المعارف) .
(٣) ح: ((كان أعجبنى)»

٥٥٥
فكان أول الملْك الفخّار وهو أضعفه وألينه . ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل
منه وأشدّ ، ثم كانَ فوق النحاس الفضّة وهى أفضل من ذلك وأحسن ، ثم
كان فوق الفضة الذهب ، فهو أحسن من الفضة وأفضل ، ثم كان الحديد
مُلْكك ؛ فهو كان أشدّ الملوك وأعزّ مما كان قبله، وكانت الصخرة التى رأيت
أرسل الله عليه من السماء فدقّته ، نبيًا يبعثه الله من السماء فيدق" ذلك أجمع،
ويصير الأمر إليه .
٦٦٨/١
ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصّر : أرأيتَ هؤلاء الغلمان من بنى إسرائيل
الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت ! فإنّا والله لقد أنكرنا نساءنا منذ كانوا
معنا، لقد رأينا نساءنا عَلِقْنَ بهم، وصرفنَ وجوههنّ إليهم، فأخرجْهم
من بين أظهرنا أو اقتلْهم ، قال : شأنكم بهم ، فمن أحبّ منكم أن يقتل من
كان فى يده فليفعل ، فأخرجوهم. فلمّا قربوهم للقتل تضرّعوا إلى اللّه فقالوا :
يا ربّنا ، أصابنا البلاء بذنوب غيرنا ، فتحنّن الله عليهم برحمته، فوعدهم أن
يحييهم بعد قتلهم ، فقتلوا إلا من استبقى بختنصّر منهم ، وكان ممن استبقى
منهم: دانیال، وحنانیا، وعزاريا، وميشايل .
ثم إن الله تبارك وتعالى حين أراد هلاك بختنصّر، انبعث فقال لمن كان فى
يديه من بنى إسرائيل : أرأيتم هذا البيت الذى أخربت ، وهؤلاء الناس الذين
قتلت ، من هم ؟ وما هذا البيت ؟ قالوا : هذا بيت اللّه ومسجد من مساجده ،
وهؤلاء أهلُه كانوا من ذرارىّ الأنبياء، فظلموا وتعدّوا وعصوْا فسلّطتَ عليهم
بذنوبهم ، وكان رُّبهم ربّ السموات والأرض ، وربّ الخلق كلّهم يكرمهم ٦٦٩/١
ويمنعهم(١) ويعزّهم، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلّط عليهم غيرهم .
قال: فأخبر ونى ما الذى يطلع بى إلى السماء العليا، لعلَّى أطّلع إليها فأقتلَ
منْ فيها وأتخذها مُلْكًا، فإنَّى قد فرغت من الأرض ومَنْ فيها، قالوا له :
ما تقدر على ذلك وما يقدر على ذلك أحد من الخلائق ، قال : لتفعلُنّ
أو لأقتلنَّكم عن آخركم، فبكوا إلى اللّه وتضرّعوا إليه، فبعث الله بقدرتهليريه
(١) ن: ((ويمتعهم)).

٥٥٦
ضعفه وهو انه علیه بعوضةً فدخلت فى منخره ثم ساختفى دماغه حتى عضت
بأمّ دماغه ؛ فما كان يَقَرّ ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أمّ دماغه ؛ فلما
عرف الموت قال لخاصّته من أهله: إذامت فشقُّوا رأسى ، فانظروا ما هذا الذى
قتلى ؟ فلما مات شقّوا رأسه، فوجدوا البعوضة عاضّة بأمّ دماغه ليُرِىَ الله العباد
قدرته وسلطانه؛ ونجىّ اللّه مَنْ كان بقى فى يديه من بنى إسرائيل وترحّم عليهم
وردهم إلى الشأم وإلى إيلياء المسجد المقدّس، فبنوا فيه وربَلُوا (١) وكثروا؛ حتى
کانوا على أحسن ما كانوا عليه .
فيزعمون - والله أعلم - أنّ اللّه أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا فلحقوا بهم.
#
ثم إنهم لما دخلوا الشأم دخلوها وليس معهم عهد من اللّه؛ كانت التوراة قد
استُبِيتْ منهم فحرقت وهلكت، وكانعزير من السبايا الذين كانوا بيابل فرجع
٦٧٠/١ إلى الشأم يبكى عليها ليله ونهاره، قد خرج من الناس فتوحّد(٢) منهم ؛ وإنما
هو ببطون الأودية وبالفلوات يبكى ؛ فبينما هو كذلك فى حزنه على التوراة
وبكائه عليها ، إذ أقبل إليه رجل وهو جالس ، فقال : يا عُزَير ما يبكيك ؟
قال: أبكى على كتاب الله وعهده، كان بين أظهرنا فبلغتْ بنا خطايانا ،
وغضب ربنا علينا أن سلّط علينا عدوًّنا، فقتل(٣) رجالنا، وأخرب بلادنا،
وأحرق كتاب اللّه الذى بين أظهرنا، الذى لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره - أو كما
قال - فعلامَ أبكى إذا لم أبك على هذا! قال: أفتحبّ أن يُرَدَّ ذلك عليك ؟
قال : وهل إلى ذلك من سبيل ؟ قال: نعم ارجع فصُمْ وتطهّر وطهّر ثيابك ،
ثم موعدك هذا المكان غداً . فرجع عُزير فصام وتطهّر وطهّر ثيابه ، ثم عمد
إلى المكان الذى وُعِده، فجلس فيه، فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء - وكان
مَلَكا بعثه اللّه إليه - فسقاه من ذلك الإناء ، فمثلت التوراة فى صدره ،
فرجع إلى بنى إسرائيل ، فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها وسننها وفرائضها
(١) ربلوا : كثر عددهم.
(٢) ح: ((وانقطع)).
(٣) ت: ((حتى قتل)). ن: ((قتل)).

٥٥٧
وحدودها ، فأحبّوه حبًّا لم يحبوه شيئًا قط"، وقامت التوراة(١) بين أظهرهم ،
وصلّح بها أمرهم، وأقام بين أظهرهم عُزّير مؤديًا لحقّ اللّه، ثم قبضه الله على
ذلك ، ثم حدثت فيهم الأحداث حتى قالوا لعزير : هو ابن اللّه، وعاد الله
عليهم فبعث فيهم نبيًّا كما كان يصنع بهم، يسدّد أمرهم، ويعلّمهم ويأمرهم
بإقامة التوراة وما فيها .
#
#
وقال جماعة أخر عن وهب بن منبه فى أمر بختنصّر وبنى إسرائيل وغزوه ٦٧١/١
إياهم أقوالاً غير ذلك ، تركنا ذكرها كراهة إطالة الكتاب بذكرها .
(١) ح: ((وقام أمر التوراة)).
:

ذكر خبر غزو بختنصر للعرب
حُدَّثْت عن هشام بن محمد، قال: كان بدء نزول العرب أرضَ العراق
وثبوتهم فيها، واتخاذهم الحيرة والأنبار منزلا - فيما ذكر لنا والله أعلم- أنّ الله
عزَّ وجلَّ أوحى إلى برخيا بن أحنيا (١) بن زربابل بن شلتيل من ولد يهوذا - قال
هشام : قال الشرقىّ: وشلتيل أوَّل من اتخذ الطفشيل - أن انت بختنصّر
وأمره أن يغزُوَ العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب ، ويطأ بلادهم بالجنود ،
فيقتُل مقاتلتهم ويستبيح أموالهم ، وأعلِمْه كفرهم بى ، واتخاذهم الآلهة دونى،
وتكذيبهم أنبيائى ورسلی .
قال : فأقبل برخيا من نّجْران حتى قدم على بختنصّر ببابل - وهو
((نبوخذ نصر)) فعرّبته العرب - وأخبرَه بما أوحى الله إليه وقص" عليه ما أمره
به ؛ وذلك فى زمان مَعَدّ بن عدنان. قال: فوثب بختنصّر على مَنْ كان
فى بلاده من تجار العرب، وكانوا يقدُّمُون عليهم بالتجارات والبياعات ،
ويمتارون من عندهم الحبّ والتمر والثياب وغيرها .
٦٧٢/١
فجمع مَنْ ظفر به منهم، فبنى لهم حَيْراً(٢) على النَّجَف وحصَّنْه ، ثم
ضمَّهم فيه ووكَّل بهم حرسًا وحفّظة ، ثم نادى فى الناس بالغزو ، فتأهّبوا
لذلك وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب ، فخرجت إليه طوائف منهم
مسالمين مستأمنين ، فاستشار بختنصّر فيهم برخيا ، فقال: إن خروجَهم إليك
من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عمّا كانوا عليه ، فاقبلْ منهم ،
فأحسنْ إليهم .
قال: فأنزلهم بختنصَّر السواد (٣) على شاطىء الفرات، فابتنوْا موضع عسكرهم
بعد، فسمَّوْه الأنبار (٤). قال: وخلّى عن أهل الحَيْر(٥)، فاتَّخذوها منزلاً" حياة
(١) كذا فى ت، وفى س: ((أخيا))، وفى ابن الأثير ١: ١٥٣: ((أخنيا)).
(٣) السواد هنا : رستاق العراق.
(٢) الحير : شبه الحظيرة.
(٤) مدينة على الفرات؛ ذكرها ياقوت وقال: ((وقيل إنما سمى الأنبار لأن بختنصر لما
حارب العرب الذين لا خلاق لهم حبس الأسراء فيه)).
(٥) فى الأصول: ((الحيرة))، وصوابه من معجم البلدان ٣: ٣٧٨.
٥٥٨

٥٥٩
بختنصّر ، فلما مات انضموا إلى أهل الأنبار ، وبقى ذلك الخَيْر
خرابًا (١)
وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه ذكر أن معدّبن عدنان
لما ولد، ابتدأت بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم ، فكان آخر من قتلوا يحيى بن
زكرياء، وعدا أهلُ الرّس" (٢) على نبيهم فقتلوه، وعدا أهل حضور(٣) على نبيهم
فقتلوه ، فلما اجترءوا على أنبياء الله أذن اللّه فى فناء ذلك القرن الذين معّد بن
عدنان من أنبيائهم ، فبعث الله بختنصر على بنى إسرائيل، فلما فرغ من إخراب
المسجد الأقصى والمدائن وانتسف بنى إسرائيل نسفًا، فأوردهم أرض بابل أرِىّ
فيما يرى النائم أو أمر بعض الأنبياء أن يأمرهأن يدخل بلاد العرب فلا يستحبى
فيها إنسيًا(٤) ولا بهيمة، وأن ينتسف ذلك نسفًا، حتى لا يُبقى لهم أثراً. فنظم
بختنصّرما بين إيلة والأبُلَّة خيلا ورجلا، ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ٦٧٣/١
ذى روح أتوا عليه وقدروا عليه. وأن اللّه تعالى أوحى إلى إرميا وبرخيا أنّ اللّه
قد أنذر قومكما، فلم ينتهوا ، فعادوا بعد المُلْك عبيدا، وبعد نعيم العيش عالة
يسألون الناس، وقد تقدّمت إلى أهل عربة بمثل ذلك فأبوا إلا لحاجة، وقد سلّطت
بختنصر عليهم لأنتقم منهم ، فعليكما بمعدّ بن عدنان، الذى من ولده محمد
الذى أخرجه فى آخر الزمان ، أخِمُ به النبوّة ، وأرفع به من الضّعة
فخرجا تُطَوى لهما الأرض حتى سبقا بختنصر، فلقيا عدنان قد تلقّاهما،
فطوياه إلى معدّ ، ولمعدّ يومئذ اثنتا عشرة سنة ، فحمله برخيا على البراق ،
ورد ف خلفه ، فانتهيا إلى حَرّان من ساعتهما، وطُويت الأرض لإرميا فأصبح
بحرّان ، فالتقى عدنان وبختنصّر بذات عِرْق ، فهزم بختنصّر عدنان ، وسار
فى بلاد العرب، حتى قدم إلى حَصُور واتّبع عدنان ، فانتهى بختنصّر إليها ،
(١) الخبر فى معجم البلدان ٣: ٣٧٧ - ٣٨٠، عن هشام، وفيه: ((فابتنوا فى موضعه
وسموها الحيرة لأنه كان حيراً مبنياً ؛ وما زالوا كذلك مدة حياة بختنصر)) ..
(٢) الرس: بئر، ويروى أن قوماً كذبوا نبيهم ورسوه فى هذه البئر (ياقوت).
(٣) حضور ، بالفتح ثم الضم: بلدة باليمن، من أعمال زبيد ... ونقل ياقوت عن
السهيلى: ((لما قصد بختنصر بلاد العرب ودوخها وخرب المعمور استأصل الله أهل حضوراء)) وقال
(٤) ت ((إنسانا))
(( هكذا رواها بالألف الممدودة» .

٥٦٠
وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار من عربة إلى حَضُور ، فخندق
الفريقان، وضرب بختنصر كمينًا - وذلك أول كمين كان فيما زعم - ثم نادى
مناد من جوّ السماء : يالثارات الأنبياء! فأخذتهم السيوفُ مِنْ خلفهم ومن
بين أيديهم، فندموا على ذنوبهم، فنادوْا بالويل، ونُهِى عدنان عن بختنصّر
ونُهِى بختنصّر عن عدنان، وافترق مَن لم يشهد حَضُور، ومن أفلت قبل
٦٧٤/١ الهزيمة فرقتين: فرقة أخذت إلى ريسوب وعليهم عَك"، وفرقة قصدت لوبار
وفرقة حَضْر العرب، قال: وإياهم على اللّه بقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ
كَانَتْ ظَالِمَةً)، كافرة الأهل؛ فإن العذاب لما نزل بالقرى وأخاط بهم
فى آخر وقعة ذهبوا ليهربُوا فلم يطيقوا الهرب، ﴿فَلَّمَّا أَحَسُّوا بَأَسَنَا﴾ انتقامنا
منهم ﴿ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُون﴾ يهربون ، قد أخذتهم السيوف من بين أيديهم
ومن خلفهم. ﴿ لَا تَرْكُضُوا﴾ لا تَهرُبُوا ﴿وَارْ جِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُ فِيه)
إلى العيشة على النعم المكفورة ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ مصيركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُشْأَلُون﴾.
فلما عرفوا أنه واقع بهم أقروا بالذنوب، فقالوا: ﴿ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ. فَمَا
زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِين)، (١) موتى وقتلى بالسيف
فرجع بختنصّر إلى بابل بما جمع من سبايا عَربَةٍ(٢) فألقاهم بالأنبار،
فقيل أنبار العرب، وبذلك سميت الأنبار، وخالطهم بعد ذلك النَّبَط
فلما رجع بختنصّر مات عدنان وبقيت بلاد العرب خرابًا حياة بختنصّر ،
فلما مات بختنصّر خرج معد بن عدنان معه الأنبياء، أنبياء بنى إسرائيل صلوات
الله عليهم حتى أتى مكة فأقام أعلامها، فحجّ وحجّ الأنبياء معه، ثم خرج معدّحتى
أتى ريسوب فاستخرج أهلها ، وسأل عَمّن بقى من ولد الحارث بن مُضاضٍ
الجرهمىّ ، وهو الذى قاتل دوس العتق ، فأفى أكثرهم جرهم على يديه ، فقيل
له : بقى جوشم بن جلهمة، فتزوج معدّ ابنته معانة، فولدت له نزار بن معدّ .
مے
٦٧٥/١
(١) سورة الأنبياء ١١ - ١٥ .
(٢) عربة ؛ بالتحريك؛ هى فى الأصل اسم لبلاد العرب؛ انظر معجم البلدان.