النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
ووعدهم المعروف إن هم صدقوه . وقال زرح: إنّى مرسلكم لأمانتكم،
وشحكم على دينكم ، وحسن رأيكم فى قومكم ، لتطالعوا لى أرضًا من أرضى ،
وتبحثوا لى عن شأنها ، وتُعلمونى عِلْم أهلها وملكها وجنودها وعددها وعدد
میاهها، وفجاجها وطرقها، ومداخلها ومخارجها، وسهولتها وصعوبتها ؛ حتى كأنى
شاهد ذلك وعالمه ، وحاضر ذلك وخابره . وخذوا معكم من الخزائن من الياقوت
والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوه ، ويشترون منكم إذا نظروا إليه .
فأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها، فجهّزهم لبَرّهم وبحرهم ، ووصف لهم
القوم الذين أتوهم (١) الطرق، ودلّوهم على مقاصدها ، فساروا كالتجار ؛ حتى
نزلوا ساحل البحر ، ثم ركبوا منه حتى أرسوا على ساحل إيلِيَاء، ثم ساروا
حتى دخلوها ، فخلّفوا(٢) أثقالهم فيها ، وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم ، ودعوا
الناس إلى أن يشتروا منهم ؛ فلم يفرُغوا لبضاعتهم ، وكسدت تجارتُهم ،
فجعلوا يُعطون بالشىء القليل الشيءَ الكثير ؛ لكيلا يخرجوهم من قريتهم ،
حتى يعلموا أخبارهم، ويحقُّوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم . ١ /٦٢٥
وكان أسا الملك قد تقدّم إلى نساء بنى إسرائيل ألاّ يُقْدَر على امرأة
لا زوج لها بهيئة امرأة لها زوج إلاّ قتلها أو نفاها من بلاده إلى جزائر البحار؛
فإنّ إبليس لم يدخل على أهل الدِّين فى دينهم بمكيدةهى أشدّ من النساء؛
فكانت المرأة التى لا زوج لها لا تخرج إلاّ منتقبة فى رِثّة الثياب لئلا" تعرف؛
فلما بذل هؤلاء الأمناء بضاعتهم ما ثمنُه مائة درهم بدرهم، جعل نساء بنى إسرائيل
يشترِين خُفْة بالليل سرًّا، لا يعلم بهنّ أحد من أهل دينهن"(٣)؛ حتى أنفقوا
بضاعتهم واشتروْا بها حاجتَهم ، واستوعبوا خَبَر مدينتهم وحصونهم ، وعددَ
مياههم ، وكانوا قد كتموا رءوس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت
هديّة للملك، وجعل الأمناء يسألون منْ رأوا من أهل القرية عن خبر الملك
(١) ن: ((أتوا)).
(٢) كذا فى ح، وفى ط: ((فخلوا)).
(٣) ح: ((مدينتهم)).

٥٢٢
وشأنه إذ لم يشتر منهم شيئًا ، وقالوا : ما شأن الملك لا يشترى منا شيئًا! إن
كان غنيًا فإنّ عندنا (١) من طرائف(٢) البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله
فى خزائنه، وإن كان محتاجاً فما يمنعه أن يشهدنا فنعطيه ما شاء بغير ثمن !
٦٢٦/١
قال لهم مَنْ حضرهم من أهل القرية: إنّله من الغنى (٣) والخزائن وفنون المتاع
ما لم يُقْدَر على مثله؛ إنه استفرغ الخزائن التى كان موسى سار بها من مصر،
والحلى الذی کان بنو إسرائيل أخذوا ، وما جمع یوشع بن نون خليفةُ موسى ،
وما جمع سليمانُ رأس الحكماء والملوك، من الغنى الكثير والآنية التى لا يقدر
على مثلها .
قال الأمناء : فما قتاله ؟ وبأىّ شىء عظمته؟ وما جنوده ؟ أرأيتم لو أن (٤)
ملكًا انحرف(٥) عليه ففتق ملكه ما كان إذاً قتالُه إياه ؟ وما عدَّتُه وعدد
جنوده ؟ أم بأىّ الخيل والفرسان غلبته ؟ أم (٦) من أجل كثرة جمعه وخزائنه
وقعت فى قلوب الرجال هيبته !
فأجابهم القوم وقالوا : إن أسا الملك قليلة" عدّه، ضعيفة قوته، غيرَ أنّ
له صديقًا لو دعاه واستعان به على أن يزيل الجبال أزالها ؛ فإذا كان معه
صديقه فليس شىء من الخلق يطيقه .
قال لهم الأمناء : ومَنْ صديق أسَا ؟ وكم عدد جنوده ؟ وكيف مواجهته
وقتاُه ؟ وكم عدد عساكره ومرا کبه ؟ وأين قراره ومسكنه ؟
فأجابهم القوم : أمّا مسكنُه ففوق السموات العلا، مستوٍ على عرشه ،
لا يحصى عدد جنوده، وكلّ شىء من الخلق له عبد، لو أمر البحر لطمّ على
البرّ، ولو أمر الأنهار لغارت فى عنصرها ، لا يُرى ولا يعرف قراره ، وهو
صدیق أسا وناصره(٧) .
(١) ن: ((فعندنا)).
(٢) ط: ((ظرائف)).
(٣) كذا فى ن، ر، وفى ط: ((الغناء)).
(٤) ح: ((كان)).
.(٥) ن: ((انخرق)).
(٦) كذا فى س، وفى ط: ((أومن)).
(٧) ح: ((وحافظه)).

٥٢٣
فجعل الأمناء يكتبون كلّ شيء أخبروا به من أمر أسًا وقضية أمره ،
فدخل بعض هؤلاء الأمناء عليه فقالوا : يأيها الملك ، إن معنا هدية نريد أن ٦٢٧/١
نهديها لك من طرائف بلادنا ، أو تشترى منا فنُرخصه عليك(١).
قال لهم: اثتونى بذلك حتى أنظر إليه، فلما أتوه به قال لهم : هل يبقى هذا
لأهله ويبقون(٢)له؟ قالوا: بل يفنى هذا ويفنى(٣) أهله. قال لهم أسَا(٤):
لا حاجة لى فيه(٥)، إنما طلبتى ما تبقى بهجتُه لأهله، لا تزول ولايزولون عنه.
فخرجوا من عنده ، وردّ عليهم هديّتهم ، فساروا من بيت المقدس
متوجهين إلى زرح الهندىّ ملكهم . فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم وأنبئوه(٦)
بما انتهى إليهم من أمر ملكهم، وأخبر وه بصديق أسا . فلما سمع زرح كلامهم
استحلفهم بعزّته ، وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلُّون ألاّ يكتموه
من خبر ما رأوا فى بنى إسرائيل شيئًا . فصدّقوه .
فلما فرغوا من خبرهم وخبر 'أسا ملگھم وصديقه، قال لهم زرح: إن بنی
إسرائيل لما علموا أنكم جواسيس، وأنكم قد اطلعتم على عوراتهم ذكروا لكم
صديق أسًا وهم كاذبون؛ أرادوا بذلك ترهيبكم . إن صديق أسا لا يطيق أن
يأتى بأكثر من جندى ، ولا بأكمل من عدتى، ولا بأقسى قلوبًا ولا أجرأ
على القتال من قومٍى ؛ إن لقينى بألف لقيته بأكثر من ذلك .
ثم معمد زرح عند ذلك فكتب إلى كلّ من فى طاعته أن يجهّزوا(٧) من
كل مخلاف(٨) جنداً بعدتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مع ٦٢٨/١
(١) ن، س: ((فنرخص)).
(٢) ح: ((أو يبقون))
(٣) ط ((ويفنون)).
(٤) ن: ((قال أسا)».
(٥) س، ن: ((به)).
(٦) ن، س: ((وأتوه)).
(٧) ح، س: ((أن جهزوا)).
(٨) الخلاف، قال ياقوت فى مقدمة كتابه عند ذكره الألفاظ التى يتكرر ذكرها فى هذا
الكتاب: ((فالخلاف أكثر ما يقع فى كلام أهل اليمن ؛ وقد يقع فى كلام غيرهم على جهة التبع لهم
والانتقال لهم ؛ وهو واحد مخاليف اليمن؛ وهى كورها ... وقال خالد بن جنبة: ((فى كل بلد
غلاف )) .

٥٢٤
مَنْ سواهم من الأمم ممن جرت عليه لزرح طاعة ؛ كتب :
من زرح الجبار الهندىّ ملك الأرضين، إلى مَنْ بلغته كتبى : أما بعد
فإن لى أرضًا قد دنا حصادُها وأينع ثمرُها؛ وأردت أن تبعثوا إلىّ بعمّال
أغنّمهم ما حصدوا منها، وهم قوم قَصَوْا عنى، وغلبوا على أطراف من أرضى
وقهروا مَنْ تحت أيديهم من رقيقى، وقد منحتهم مَنْ نهض إليهم معى ، فإن
قصّرتْ بكم قوّة فعندى قوّتكم ، فإنه لا تتعطل خزائنى .
فاجتمعوا إليه من كلّ ناحية، وأمد وه بالخيل والفرسان والرّجالة(١) والعدّة؛
فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلاح والجهاز من خزائنه ، ثم أمر بإحصاء
عددهم وتعبيتهم ، فبلغ عددُهم ألف ألف ومائة ألف سوى أهل بلادهم .
وأمر بمائة مركب، فقرن(٢) له البغال، كلّ أربعة أبغُل جميعًا عليها سرير
وقبَّة، وفى كلّ قبَّة منها جارية، ومع كلّ مركب عشرة من الخدم ، وخمسة
أفيال من فيَلته ، فبلغ فى كلّ عسكر من عساكره مائة ألف ، وجعل خاصّته
الذين يركبون معه مائة(٣) من رءوسهم، وجعل فى كلّ عسكر عُرَفاء(٤)،
وخطبهم وحرّضهم على القتال، فلما نظر إليهم وسار فيهم تعزّز وتعظََّ شأنُه
فى قلوب مَنْ حضره ، ثم قال زرح: أين صديق أسَا ؟ هل يستطيع أن
يعصمه منّى؟ أو مَنْ يطيق غلبتى؟ فلو أن أسا وصديقه ينظران إلىّ وإلى
٦٢٩/١ جندى ما اجتراً على قتالى؛ لأن عندى بكل" واحد من جنده ألفاً من جنودى ،
لَيَدخُلن" أسَا أرضى أسيراً، ولاقدمن" بقومه سُبِيًّاً فى جنودى.
فجعل زرح ينتقص (٥) أسَا ويقول فيه مالا ينبغى ، فبلغ أسَا صنيعُ زرح
وجمعُه عليه ، فدعا ربّه فقال: اللهم أنت الذى بقوّتك خلقت(٦) السموات
والأرض ومَنْ فيهنّ حتى صار جميعُ ذلك فى قبضتك، أنتَ ذو الأناة
(١) كذا فى ن، وفى ط: ((الرجال)).
(٢) ح: ((ففرق)).
(٣) ن: ((مائة ألف)).
(٤) العريف: رئيس القوم ؛ سمى لأنه عرف بذلك ؛ وهو دون الرئيس.
(٥) ن: ((يتنقص)).
(٦) ن: ((جعلت)).

٥٢٥
الرفيقة (١) والغضب الشديد، أسألك ألا تذكرنا بخطايانا(٢) فيما بيننا وبينك،
ولا تعمدنا ولا تجزينا على معصيتك ؛ ولكن تذكرنا برحمتك التى جعلتها
للخلائق ، فانظر إلى ضَعْفنا وقوة عدونا ، وانظر إلى قلّتنا وكثرة عدونا ، وانظر
إلى ما نحن فيه من الضيق والغمّ، وانظر إلى ما فيه عدوّنا من الفرح والراحة ،
فغرّق زرحًا وجنوده فى اليمّ بالقدرة التى غرّقتَ بها فرعون وجنوده ، وأنجيت
موسى وقومه . وأسألك أن تُحِلّ على زرح وقومه عذابك بغتة !
فأرِىَ أسَا فى المنام - والله أعلم - أنى قد سمعت كلامَك، ووصل إلىّ
جُؤَارُك ، وأنى على عرشى، وأنى إن غرّقت زرحا الهندى وقوَمَه ، لم يعلم
بنو إسرائيل ولا مَنْ كان بحضرتهم كيف صنعت بهم ، ولكن سأظهِرُ
فى زرح وقومه لك ولمن اتبعك قدرة من قدرتى ، حتى أكفيك مؤنتهم ، وأهب
لك غنیمتهم ، وأضع فى أيديكم عساكرهم ؛ حتى يعلم أعدائك أن صديق
أسا لا يطاق وليُّه، ولا يهزَم جنده(٣)، ولا يخيب مُطيعُه، فأنا أتمهل له حتى
يفرغ من حاجته ، ثم أسوقه إليك عبداً، وعساكره لك ولقومك خَوَلاً .
٦٣٠/١
فسار زرح ومن معه حتى حلّوا على ساحل ترشيش، فلم يكن إلا محلّة يوم
حتى دفنوا أنهارها، ومَحوا مروجتها ؛ حتى كان الطير ينقصف عليهم ، والوحش
لا تستطيع الهرب منهم ، فساروا حتى كانوا على مرحلتين من إيلياء ، ففرّق
زرح عساكره منها إلى إيلياء، وامتلأت منهم تلك الأرضُ : جبالها وسهولها ،
وامتلأت قلوبُ أهل الشام منهم رُعبًا ، وعاينوا هلكتهم .
فسمع بهم أسا الملك ؛ فبعث إليهم طليعة من قومه ، وأمرهم أن يخبروه
بعددهم وهيئتهم . فسار القوم الذين بعثهم أسَا حتى نظروا إليهم من رأسٍ
تلّ ، ثم رجعوا إلى أسا فأخبروه أنه لم تر عُيُونُ بنى آدم ، ولا سمعت آذانهم
مثلَهم ومثلَ أفيالهم وخيولهم وفرسانهم ؛ وما ظنًّا أنّ فى الناس مثلهم كثرة
وغدة، فُلَّت من إحصائهم عقولُنا، وفُلَّت من قتالهم حيلتنا، وانقطع فيما بيننا
وبینهم رجاؤنا .
(٢) ح: ((تذكر خطايانا)).
(١) ن: ((الرفيعة)).
(٣) ح: ((ووليه لا يهزم جنده)).

٥٢٦
٦٣١/١
فسمع بذلك أهلُ القرية فشقُّوا ثيابهم ، وذرُّوا التراب على رءوسهم ،
وعَجّوا بالعويل فى أزقّتهم وأسواقهم ، وجعل بعضُهم يودّع بعضًا . ثم ساروا
حتى أتوا الملكَ فقالوا : نحن خارجون بأجمعنا إلى هؤلاء القوم فدافعون إليهم
أيدينا ، لعلهم أن يرحمونا فيقرّونا فى بلادنا . قال لهم أسا الملك : معاذ الله
أن تُلقىَ بأيدينا(١) فى أيدى الكفرة، وأن نُخلِّىَ بيت اللّه وكتابه للفجرة !
قالوا: فاحتَّلْ لنا حيلة، واطلب إلى صديقك وربك الذى كنت تعدُّنا(٢)
بنصره(٣)، وتدعونا إلى الإيمان به، فإن هو كشف عنّا هذا البلاء؛ وإلاّ
وضعنا أيدينا فى أيدى عدونا لعلنا نتخلّص بذلك من القتل .
قال لهم أسا: إنّربى لا يطاق إلا بالتضرُّع والتبتل والاستكانة. قالوا: فابرز له لعلّه
أن يجيبك فيرحم ضعفنا، فإن الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا. فدخل أساالمصَلَّى،
ووضع تاجه من رأسه ، وخلّى ثيابه، وليس المُسوح وافترش الرماد ، ثم مدّ يده
يدعو ربه بقلب حزين ، وتضرّع كثير، ودموع سجال، وهو يقول : اللهم
ربّ السموات السبع ورب العرش العظيم، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
ويعقوب والأسباط ؛ أنت المستخفى من خلقك حيث شئت ، لا يدرك قرارك ،
ولا يطاق كنْهُ عظمتك ، أنت اليقظان الذى لا تنام ، والجديد الذى لا تبليك
الليالى والأيام ؛ أسألك بالمسألة التى سألك بها إبراهيم خليلك فأطفأتَ بها عنه
النار ، وألحقته بها بالأبرار ، وبالدعاء الذى دعاك به نجيُّك موسى فأنجيت
بنى إسرائيل من الظلمة، وأعتقتَهم به من العبودية، وسيّهم فى البرّ(٤) والبحر،
٦٣٢/١ وغَرّقت فرعون ومن اتبعه. وبالتضرُّع الذى تضرَّع لك(٥) عبدُك داود
فرفعتَه ، ووهبتَ له من بعد الضعف القوة ، ونصرته على جالوت الجبّار،
وهزمتَه ، وبالمسألة التى سألك بها سليمان نبيّك فمنحته الحكمة ، ووهبت له
الرفعة، ومَّكته على كلّ دابتة. أنت محيي الموتى، ومُفى الدنيا، وتَبْقَى
(١) س: ((أيدينا)).
(٢) ح: ((وعدتنا)).
(٣) س: ((نصره)).
(٤) كذا فى ح، وفى ط: ((فى البحر إلى البر)).
(٥) ح: ((إليك)).

٥٢٧
وحدك خالداً لا تفنى ، وجديداً لا تبلى. أسألك يا إلهى أن ترحمنى بإجابة
دعوتى؛ فإنى أعَرجُ مسكين من أضعف عبادك، وأقلّهم حيلة ، وقد حلَّ
بنا كرب عظيم؛ وحَزْبٌ(١) شديد، لا يطيق كشفَه غيرُك، ولا حول ولا قوة
لنا إلاّ بك ، فارحم ضعفنا بما شئت ؛ فإنك ترحم من تشاء بما تشاء .
وجعل علماء بنى إسرائيل يدعون الله خارجًا وهم يقولون: اللهم" أجب
اليوم عبدك؛ فإنه قد اعتصم بك وحدك، ولا تخلّ بينه وبين عدوّك ، واذكر
حبَّه إياك، وفراقَه أمَّه وجميع الخلائق إلا من أطاعك .
فألقى الله على أسا النوم وهو فى مصلاه ساجداً، ثم أتاه من اللّه آت - والله
أعلم - فقال: يا أسا، إن الحبيب لا يُسلِم حبيبه، وإن الله عزّ وجلّ يقول:
إنى قد ألقيت عليك محبّتى ، ووجَب لك نصرى، فأنا الذى أكفيك عدوّك،
فإنه لا يهون مَنْ توكّل على"، ولا يضعف مَنْ تقوَّى بى. كنت تذكرنى فى
الرخاء، وأسلمك عند الشدائد، وكنتَ تدعونى آمنًا ، وأنا أسلمك خائفًا ؛
إن الله القوى يقول : أنا أقسم أن ◌ْ لو كايدتك(٢) السمواتوالأرض بمن فیھن"
لجعلت لك مِنْ جميع ذلك مخرجًا، فأنا الذى أبعث طرفًا (٣) من زبانيتى
يقتلون أعدائى ، فإنى معك ، ولن يخلُص إليك ولا إلى من معك أحد .
٦٣٣/١
فخرج أسا من مصلاه وهو يحمّد اللّه، مسفراً وجهُه ، فأخبرهم بما قيل
له ، فأمّا المؤمنون فصدّقوه، وأمّا المنافقون فكذبوه، وقال بعضهم لبعض:
إنّ أسا دخل أعرج وخرج أعرج، ولو كان صادقًا أن الله قد أجابه إذاً
الأصلح (٤) رجْلَه، ولكن يغرّنا ويمنّينا، حتى تقع الحرب فينا فيهلِكنا !
٠ ٠
٠
فبينا الملِك يخبرهم عن صنع اللّه(٥) بهم(٦) إذ قدم رسل من زرح فدخلوا
إيلياء ومعهم كتب من زرح إلى أسَا ، فيها شَمٌ له ولقومه، وتكذيب بالله،
(١) الحزب، بالفتح: اشتداد الأمر. وفى ح: ((وحزن)).
(٢) كذا فى ن، وفى ط ن: ((كابدتك)).
(٤) ن: ((أصلح)).
(٣) ح: ((طوقاً)).
(٥) س: ((عن صنيع)).
(٦) ن: (لهم)).

٥٢٨
وكتَب فيها : أن ادعُ صديقك الذى أضللت به قومَك فليبارزنى بجنوده ،
وليظهرْ لى مع ما أنّى أعلم أنه لن يطيقنى (١) هو ولا غيره ؛ لأنى أنا زرح
الهندىّ الملك .
فلما قرأ أسا الكتب التى قدم بها عليه هَمَلت عيناه بالبكاء، ثمدخلمصلاً،،
ونشر تلك الكتب بين يدى(٢) اللّه، ثم قال: اللهمّ ليس لى شىء من الأشياء
أحبّ إلىّ مِنْ لقائك ؛ غير أنى أتخوّف أن يُطفأ هذا النور الذى أظهرتَهُ
فى أيامى هذه ، وقد حضرتْ هذه الصحائف وعلمتُ ما فيها ، ولو كنت المراد
٦٣٤/١ بها كان ذلك يسيراً؛ غير أن عبدك زرحاً يكايدك ويتناولك؛ فَخَر(٣) بغير
فخر ، وتكلّم بغير صدق ، وأنت حاضر ذلك وشاهده .
فأوحى الله إلى أسَا - والله أعلم - أنه لا تبديلَ لكلماتى، ولا خُلْفَ
لموعدى، ولا تحويل لأمرى، فاخرج من مصلاك ، ثم مُرْ خيلك أن تجتمع،
ثم اخرج بهم وبمن اتّبعك حتى تقفوا على نَشَر من الأرض .
فخرج أسا فأخبرهم بما قيل له، فخرج اثنا عشر رجلاً من رؤسائهم ، مع
كلّ رجل منهم رهط من قومه؛ فلما أن خرجوا، ودعوا أهاليَهم بألاّ يرجعوا (٤)
إلى الدنيا . فوقفوا لزرح على رابية من الأرض ، فأبصروا منها زرحا وقومه ،
فلما أبصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم ، وقال : إنما نَهضت من
بلادى ، وأنفقت أموالى لمثل هؤلاء ! ودعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نَعَتوا
عنده أسا وقومه ، فقال : كذبتمونى وزعمتم أن قومكم كثير عددهم ! فأمر
بهم وبالأمناء(٥) الذين كان بعثهم(٦) ليخبروه خبرهم، فقُتلوا جميعًا،
وأسا فى ذلك كثير تضرّعه(٧)، معتصم بربه، فقال زرح : ما أدرى ما أفعل
(١) س: ((لم يطقنى)).
(٢) كذا فى ح، وفى ط: ((قدام الله)).
(٣) كذا فى الأصول؛ وفى ط: ((وفخر))؛ من تصرف مصححه.
(٤) كذا فى ن؛ وفى ط: ((ألا يرجعون)).
(٥) كذا فى ن، وفى ط: ((والأمناء)).
(٦) كذا فى س، وفى ط: ((بعث)).
(٧) كذا فى ح، وفى ط: ((التضرع)).

٥٢٩
هؤلاء القوم؟ وما (١) أدرى ما قدْرُ قِلّتهم فى كثرتنا؟ إنى لأستقلّهم عن المحاربة؛
وأرى ألاّ أقاتلَهم (٢).
فأرسل زرح إلى أسا فقال له : أين صديقُك الذى كنت تعدُّنا به ،
وتزعم أنه يخلّصك مما يحلّ بكم من سطواتى! أفتضعون أیدیکم فى يدى فأمضى
فیکم حکمی ، أو تلتمسون قتالی !
فأجابه أسا فقال: يا شقىّ، إنك لست تعلم ما تقول، ولستَ تدرى! ٦٣٥/١
أتريد أن تغالب ربّك بضعفك، أم تريد أن تكاثره بقلتك ؟ هو أعزّ شىء
وأعظمه ، وأغلَبُ شىء وأقهره ، وعبادُه أذلُّ وأضعف عنده من أن ينظروا
إليه معاينة. هو (٣) معى فى موقفى هذا، ولن يغتَب أحدٌ كان الله معه .
فاجتهد يا شقىّ بجهدك حتى تعلم ماذا يحلُّ بك.
فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم ، أمر زرح الرماة من قومه أن
يرموهم بنُشَّبهم. فبعث الله ملائكة من كلّ" سماء - والله أعلم - عونًا(٤)
لأسا وقوَمِه ، ومادة له ، فوقفهم أسا فى مواقفهم ، فلما رموا نشَّابهم ، حال
المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض ؛ كأنها سحابة طلعت فنحّتها
الملائكة عن أسا وقومه ، ثم رمت بها الملائكة قومَ زرح، فأصابت كلّ رجل
منهم نُشّابته التى رمى بها، فقتِلِ رماتهم بها كلها وأسا وقومه فى كلّ ذلك بحمدون
الله كثيراً، ويعجُّون إليه بالتسبيح، وتراءت الملائكة لهم - والله أعلم - فلما
رآهم الشقىّ زرح وقع الرعب فى قلبه، وسُقِط فى يده ، وقال: إن أسا لعظيم
کیده ، ماضٍ سحره ، و کذلك بنو إسرائيل، حیث کانوا لا يغلب سحر هم
ساحر ، ولا يُطيق مکرّهم عالم ؛ وإنما تعلموه من مصر، وبه ساروا فى البحر ،
ثم نادى الهندىّ فى قومه: أن سُلُّوا سيوفكم ، ثم احملوا عليهم حملة واحدة .
فدُقّوهم .
فسلُّوا سيوفَهم ثم حملوا على الملائكة فقتلتهم الملائكة ، فلم يبق منهم غير
زرح ونسائه ورقيقه .
(١) س: ((ولا)). (٢) س: ((أنى لا أقاتلهم))، ح: ((ولا أرى أن أقاتلهم)).
(٤) ن: ((أعواناً)).
(٣) كذا فى ح، س، وفى ط: ((وهو)).
(٣٤)

٦٣٦/١
٥٣٠
فلما رأى ذلك زرح ولى مدبراً فارًّا هو ومن معه ، وهو يقول : إن أسا
ظهر علانية، وأهلكنى صديقُهُ سرًّا، وإنى كنتُ أنظر إلى أسا ومَنْ معه واقفين
لا يقاتلون والحرب واقعة فى قومى .
فلما رأى أسا أن زرحًا قد ولّى مدبراً قال: اللهمّ إن زرحا قد ولى مدبراً،
وإنك إنْ لم تَحُلْ بينى وبينه استنفر علينا قومه ثانية . فأوحى الله إلى
أسا: إنك لم تقتل مَنْ قتل منهم ولكنى قتلتُهم، فقِفْ مكانك ، فإنى لو
خدّيت بينك وبينهم أهلكوكم جميعًا ؛ إنما يتقلّب زرح فى قبضتى ، ولن
بنصره أحد منی ، وأنا لزرح بالمكان الذى لا يستطيع صدوداً عنه ولا تحويلا؛
وإنى قد وهبت لك ولقومك عساكرَه وما فيها من فضة ومتاع ودابة ، فهذا أجرك
إذ اعتصمت بى ، ولا ألتمس منك أجراً على نُصرتك !
فسار زرح حتى أتى البحر يريد بذلك الحرب ، ومعه مائة ألف ، فهيئوا
سفنهم ثم ركبوا فيها ، فلما ساروا فى البحر بعث اللّه الرياح من أطراف
الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كلّ ناحية أمواجُه، وضربت
السفن بعضُها بعضًا حتى تكسّرت ؛ فغرق زرح ومن كان معه ، واضطربت
بهم الأمواج حتى فزع لذلك أهلُ القرى حولهم ، ورجفت الأرض، فبعث أسا
مَنْ يعلمه علم ذلك، فأوحى الله إليه - والله أعلم - أن اهبط أنت وقومك أهل
قراكم، فخذوا ما غنَّمكم الله بقوة، وكونوا فيه من الشاكرين ؛ فإنى قد سوغت
٦٣٧/١ كلّ من أخذ من هذه العساكر شيئًا ما أخذه . فهبطوا يحمدون الله
ويقدّسونه، فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر . والله أعلم .
*
*
*
ثم ملك بعده يهوشافاظ (١) بن أسا إلى أن هلك خمسًا وعشرين سنة .
(١) يهوشاظ: ((بياء مفتوحة مثناة تحتانية وهاء مضمومة وواو ساكنة وشين معجمة بعدها
ألف. ثم طاء بين الذال والظاء المعجمتين))، كذا ضبطه ابن خلدون فى ١ : ١٤٩. وفى ابن الأثير
١: ١٤٣: (( سافاط)).
:

٥٣١
ثم ملكت عتليا وتسمى غزليا (١) ابنة عمرم أم أخزيا (٢) ، وكانت قتلت
أولاد ملوك بنى إسرائيل"، فلم يبق منهم إلا يواش (٣) بن أخزيا، فإنه سُتر
عنها، ثم قتلها يواش وأصحابه ، وكان ملكُها سبع سنين .
ثم ملك يواش بن أخزيا إلى أن قتله أصحابه، وهو الذى قتل جدّته ،
فكان ملكُه أربعين سنة .
ثم ملك أموصيا(٤) بن يواش إلى أن قتله أصحابه تسعًا وعشرين سنة ،
ثم ملك عوزيا(٥) بن أموصيا - وقد يقال لعوزيا: غوزيا - إلى أن توفى،
اثنتين وخمسين سنة .
ثم ملك يوتام(٦) بن عوزيا إلى أن توفى ، ست عشرة سنة .
ثم ملك أحاز بن يوتام إلى أن توفى ، ست عشرة سنة .
ثم ملك حزقيا بن أحاز (٧) إلى أن توفى. وقيل إنه صاحب شعبا الذى
أعلمه شعيا انقضاء عمره ، فتضرع إلى ربه فزاده وأمهله ، وأمر شعيا بإعلامه
ذلك .
وأما محمد بن إسحاق فإنه قال : صاحب شعيا الذى هذه القصة قصته
اسمه صديقة .
(١) ح: ((غزلتا)). ن: ((غزليا))، وفى ابن الأثير: ((عزليا)).
(٢) وفى ابن خلدون: ((أحزيا هو، بهمزة مفتوحة وحاء مهملة مضمومةً وزاى معجمة
ساكنة ؛ ثم ياء مثناة تحتية ؛ بفتحة تجلب ألفاً، ثم هاء مضمومة تجلب واواً )).
(٣) ابن خلدون: ((يؤاش)).
(٤) فى ابن خلدون: ((أمصيا، بفتح الهمزة والميم وسكون الصاد المشمة بالزاى، بعدها ياء
مثناة تحتانية بفتحة تجلب ألفاً ، ثم هاء مضمومة تجلب واواً)).
(٥) فى ابن خلدون: عز يا هو، (بعين مهملة مضمومة وزاى معجمة مكسورة مشددة وياء
مثناة تحتانية تجلب ألفاً وهاء تجلب واواً)).
(٦) فى ابن خلدون: ((يؤاب)).
(٧) أحاز، ((بهمزة مفتوحة ممالة وحاء مهملة تجلب ألفاً وزاى معجمة)) كذا ضبطه ابن خلدون.
٠ ٠

٦٣٨/١
ذ کر صاحب
قصة شعيا من ملوك بنى إسرائيل ، وسنحاريب
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا سلّمة بن الفضل، قال : حدثی ابن
إسحاق ، قال : كان فيما أنزل الله على موسى فى خبره عن بنى إسرائيل
واحداتهم وما هم (١) فاعلون بعده، قال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِ إِسْرَائِيلَ فِى
الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) - إلى -
﴿وَجَعْلْنَا جَهَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)(٢)، فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث
والذنوب، وكان اللّه فى ذلك متجاوزاً عنهم، متعطّفًا عليهم ، محسنًا إليهم،
وكان مما أنزل الله بهم فى ذنوبهم ما كان قدّم إليهم فى الخبر عنهم على لسان موسى.
فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع؛ أن ملكًا منهم كان يدعى صديقة(٣)،
وكان الله إذا ملّك الملك عليهم، بعث نبيًّا يسدّده ويرشده، فيكون فيما بينه
وبين الله، يحدّث إليه فى أمرهم. لا يُنزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتّباع
التوراة والأحكام التى فيها ، وينهونهم عن المعصية ، ويدعونهم إلى ما تركوا
من الطاعة .
فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعيا بن أمصيا ، وذلك قبل مبعث
عيسى وزكرياء ويحيى وشعيا الذى بشّر بعيسى ومحمد ، فملك ذلك الملك
بنى إسرائيل وبيت المقدس زمانًا، فلما انقضى ملكُه، وعظُمت فيهم
٦٣٩/١ الأحداث، وشعيا معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل معه ستمائة ألف
راية ، فأقبل سائراً حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض ، فى ساقه قُرْحة ،
فجاءه النى شعیا ، فقال له : يا ملك بنى إسرائيل ، إن سنحاريب ملك بابل،
قد نزل بك هو وجنوده فى ستمائة ألف راية ، وقد ها بهم الناس وفرقوا منهم .
فكبُر ذلك على الملك ، فقال : يا نبيّ اللّه، هل أتاك وحىٌّ من اللّه فيما حدث
فتخبرنا به كيف يفعل اللّه بنا وبسنحاريب وجنوده ؟ فقال له النبيّ عليه السلام:
(١) التفسير: ((ما هم)).
(٢) سورة الإسراء ٤ - ٨
(٣) ابن الأثير: ((صدقيا)).
٥٣٢

٥٣٣
لم يأتنى وحى حَدَّث إلىّ فى شأنك .
فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النّبىّ: أن ائت ملك بنى إسرائيل
فأمره أن يوصىَ بوصيّته ، ويستخلف على ملكه مَنْ يشاء من أهل بيته. فأتى
النبىّ شعيا ملك بنى إسرائيل صديقة، فقال له: إن ربَّك قد أوحى إلىّ أن آمرك
توصى وصيّتْك، وتستخلف مَنْ شئت على (١) الملك من أهل بيتك؛ فإنك ميت.
فلما قال ذلك شعيا لصديقة : أقبل (٢) على القِبْلة، فصلّى وسبّح،
ودعا وبكى، وقال وهو يبكى ويتضرّع إلى الله بقلب مخلص ، وتوكّل وصبر،
وظنّ صادق: اللهم ربَّ الأرباب، وإلهَ الآلهة، القُدُّوس(٣)المتقدّس،يا رحمن
يا رحيم ، المترحّم، الرءوف الذى لا تأخذه سنة ولا نوم . اذكرنى بعملی وفعلى
وحسن قضائى على بنى إسرائيل ، وذلك كلُّه كان منك ، فأنت أعلم به من ٦٤٠/١
نفسى وسرّى وعلانيستى لك . وإن الرحمن استجاب له وكان عبداً صالحًا .
فأوحى الله إلى شعيا، فأمره (٤) أن يخبر صديقة الملك أن ربّه قد استجاب له وقبل
منه ورحمه ، وقد رأى بكاءه ، وقد أخّر أجله خمس عشرة سنة ، وأنجاه
مِنْ عدوّه سنحاريب ملك بابل وجنوده . فلما قال له ذلك ، ذهب عنه
الوجع ، وانقطع عنه الشرّ والحزن، وخرّ ساجداً؛ وقال: يا إلهى وإله آبائى؛
لك سجدت وسبَّحت، وكرّمت وعظمت. أنت الذى تُعطى الملك مَنْ
تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعزّ مَنْ تشاء، وتذِلّ مَنْ تشاء ، عالم الغيب
والشهادة؛ أنت الأوّلُ والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة
المضطرين ، أنت الذى أجبتَ دعونى ، ورحمت تضرُّعى .
فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا : أن قل للملك صديقة ، فيأمر عبداً
من عبيده ، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح وقد برئ . ففعل
ذلك فشفى . وقال الملك لشعيا النبىّ: سلْ ربك أن يجعل لنا علما بما هو
صانع بعدونا هذا . فقال اللّه لشعيا النبىّ: قل له إنى قد كفيتُك عدوَّك ،
وأنجيتُك منهم ، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من
كتابه .
(١) التفسير: ((على ملكك)).
(٣) التفسير: ((قدوس المتقدسين)).
.(٢) ن: ((استقبل القبلة)).
(٤) ساقطة من التفسير.

٥٣٤
فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة : يا ملك بنى إسرائيل،
إنّ الله قد كفاك عدوّك فاخرج، فإنّ سنحاريب ومَنْ معه قد هلكوا . فلما
خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد فى الموتى ، فبعث الملك فى طلبه ،
٢٤١/١ فأدركه الطلب فى مغارة وخمسة من كتّابه أحدهم بختنصر، فجعلوهم فى
الجوامع ، ثم أتوا بهم ملِكَ بنى إسرائيل، فلما رآهم خرّ ساجداً من حين
طلعت الشمس حتى كانت العصر ، ثم قال لسنحاريب : كيف ترى فعل
ربِّنا بكم ؟ ألم يقتلكم بحوله وقوّته ونحن وأنتم غافلون ! فقال سنحاريب له :
قد أتانى خبرُ ربّكم (١) ونصره إياكم، ورحمتُه التى رحمكم بها قبل أن أخرج
من بلادى ، فلم أطع مرشداً ولم يُلقِى فى الشقوة إلا قلّة عقلى؛ ولو سمعت
أو عقلت ما غزوتكم، ولكنّ الشقوة غلبت علىّ وعلَى مَنْ معى. فقال
ملك بنى إسرائيل : الحمد لله ربّ العزّة الذى كفاناكم بما شاء، إن ربّنا لم يبقك
ومَنْ معك للكرامة لك عليه؛ ولكنه إنما أبقاك ومَنْ معك إلى ما هو شرّ(٢)
لك ولمن معك، لتزدادوا(٣) شقوة فى الدنيا، وعذابًا فى الآخرة، ولتُخبروا
مَنْ وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا، ولتنِذروا مَنْ بعدكم ، ولولا ذلك ما
أبقاكم. ولَدمُك ودمُ مَنْ معك أهونُ على الله من دم قُراد لو قتلته(٤) !.
ثم إن ملك بنى إسرائيل أمر أميرَ حرسه فقذف فى رقابهم الجوامع، وطاف
بهم سبعين يومًا حولَ بيت المقدس ، وكان يرزقهم كلّ يوم خبزتَيْن من شعير،
لكلّ رجل منهم ، فقال سنحاريب لملك بنى إسرائيل: القتلُ خير مما تفعل
بنا ، فافعل ما أمرت. فأمر بهم الملك إلى سجن القتل ، فأوحى الله إلى شعيا
٦٤٢/١ النبىّ: أن قل لملك بنى إسرائيل يرسل سنحاريب ومَنْ معه لينذروا مَنْ
وراءهم ، وليكرِمْهم وليحملْهم حتى يبلغوا بلادهم . فبلغ النبيّ شعبا الملك
ذلك ، ففعل، فخرج سنحاريب ومَنْ معه حتى قدموا بابل ؛ فلما قدموا
جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده. فقال له كُهّانه وسحرته : يا ملك
(٢) ح: والتفسير ((لما هو شر)).
(١) ح: (خبره)).
(٣) ت: ((ولتزدادوا)).
(٤) ح: ((قتله).

٥٣٥
بابل، قد كنا نقصّ عايك خبر ربّهم وخبر نبيِّهم ووحى الله إلى نبيِّهم، فلم
تطعنا ؛ وهى أمّة لا يستطيعها أحد من (١) ربهم، فكان أمر سنحاريب مما خوّفوا
به ، ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة ، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين
ثم مات(٢).
٠ ٠
وقد زعم بعضُ أهلِ الكتاب أن هذا الملك من بنى إسرائيل الذى سار إليه
سنحاريب كان أعرجَ ، وكان عَرَجُه من عِرْق النَّسا، وأن سنحاريب إنما
طمع فى مملكته لزمانته وضعفه ، وأنه قد كان سار إليه قبل سنحاريب ملك
من ملوك بابل ؛ يقال له ليفر (٣)، وكان بختنصّرابن عمه كاتبه ، وأن
اللّه أرسل عليه ريحًا أهلكت جيشه، وأفلتَ هو وكاتبه، وأن هذا البابليَّ قتله
ابن له ، وأن بختنصّر غضب لصاحبه ، فقتل ابنه الذى قتل أباه ، وأنّ
سنحاريب سار بعد ذلك إليه ، وكان مسكنه بِنِينَوى مع ملك أذر بيجان
يومئذ ؛ وكان يُدعى سلمان الأعسر ، وأن سنحاريب وسلمان اختلفا، فتحاربا
حتى تفانى جنداهما، وصارما كان معهما غنيمة لبنى إسرائيل .
وقال بعضهم : بل الذى غزا حزقيا صاحبَ شعيا سنحاريبُ ملك الموصل؛ ٦٤٣/١
وزعم أنه لما أحاط ببيت المقدس بجنوده بعث اللّه ملكًا، فقتلَ من أصحابه فى
ليلة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل . وكان ملكه إلى أن تُوُفىّ
تسعاً وعشرين سنة .
ثم ملك بعده - فيما قيل - أمرَهم مِنَشًّا (٤) بن حزقيا إلى أن توفى ، خمسا
وحمسين سنة .
ثم ملك بعده أمون(٥) بن مِنَشًا إلى أن قتله أصحابُه، اثنتى عشرة سنة.
(١) التفسير : مع ربهم .
(٢) الخبر فى التفسير ١٥: ١٨، ١٩ (بولاق).
(٣) ن: ((اليفر)) .
(٤) ضبطه ابن خلدون: ((بميم مكسورة وذون مفتوحة وشين معجمة مشددة وألف)) ..
(٥) ضبطه ابن خلدون: ((بهمزة قريبة من العين والميم مضمومة تجلب واواً ثم ذون)).
3

٥٣٦
ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر،
إحدى وثلاثين سنة .
ثم باهواحاز بن يُوشِيا(١)، وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه
إلى مصر ، وملّك فرعون الأجدع بُوياقيم (٢) بن باهواحاز على ما كان عليه
أبوه ، ووظّف عليه خراجًا يؤديه إليه، فكان يوياقيم يجبى ذلك فيما زعموا -
من بنى إسرائيل، ويحمله - فيما زعموا- اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك أمرهم من بعده يوياحين(٣) بن يوياقيم، فغزاه بختنصّر ، فأسره
وأشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه . وملّك مكانهَ مَّنيا (٤) عمه
وسماه صديقيا(٥) فخالفه، فغزاه فظفر به، فأوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح
٦٤٤/١ ولده بين يديه، وسَمَل عينيه وخرَّب المدينة والهيكل، وسبتى بنى إسرائيل،
وحملهم إلى بابل، فکثوا بها إلى أن رد هم إلى بيت المقدس کیرش بن جاماسب
ابن أسب، من أجل القرابة التى كانت بينه وبينهم؛ وذلك أن أمّه أشتر ابنة
جاويل - وقيل: حاويل - الإسرائيلىّ، فكان جميع ما ملك صديقيا مع الثلاثة
الأشهر التى ملك فيها يوياحينفيما قيل - إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر.
ثم صار ملك بيت المقدس والشام لأشتاسب بن لهراسب، وعامله على ذلك
كلّه بختنصر .
٠ ٠
وذكر محمد بن إسحاق ، فيما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة
عنه: أن صديقة ملك بنى إسرائيل الذى قد ذكرنا خبرَه، لمّا قبضه اللّهَ مرج
(١) ضبطه ابن خلدون: ((بياء مثناة تحتية مضمومة تجلب واواً بعدها شين مكسورة
ثم ياء مثناة تحتية بفتحة تجلب ألفاً)).
(٢) ت: ((يوذاقيم))، وفى س: ((يوثاقيم)). وفى ابن خلدون: ألياقيم، وضبطه ((بهمزة
مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة تحتانية يجلب فتحها ألفاً وقاف مكسورة تجلب ياء ثم ميم)).
(٣) ت، س، ن: ((يوثاحين)).
(٤) ضبطه ابن خلدون: ((بميم مفتوحة وتاء مثناة فوقانية مفتوحة مشددة، ونون ساكنة،
وياء مثناة تحتانية تجلب ألفاً)).
(٥) ابن خلدون: ((صدقيا)).
بـ

٥٣٧
أمرُ بنى إسرائيل ، وتنافسوا الملك، حتى قتل بعضهم بعضًا عليه ، ونبيُهم
شعيا معهم، لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك قال اللّه فيما بلغنا.
لشعيا : قم فى قومك أوح على لسانك ؛ فلما قام أنطق الله لسانه بالوحى ،
فوعظهم وذ کرهموخوًّفهم الغیر، بعد أن عدّد علیھم نعم الله عليهم، وتعرُّضهم
للغيَرَ .
قال : فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدَوْا عليه ـفيما بلغنى -ليقتلوه ،
فهرب منهم ، فلقيته شجرة ، فانفلقت له ، فدخل فيها وأدركه الشيطان ،
فأخذ بهُدْبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار فى وسطها ، فنشروها حتى ٠ ٦٤٥/١
قطعوها وقطعوه فى وسطها .
#
وقد حد ◌ّثنی بقصة شعیا وقومه من بنى إسرائيل وقتلهم إياه، محمد بن سهل
البخارىّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال: حدّثنى عبد الصمد بن
معقل، عن وهب بن منبه .

ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر
بنى إسرائيل وتخريبه بيت المقدس
ثم ملك بعد كيخسرو من الفرس لهراسب بن كيوجى بن كيمنوش بن
كيفاشين، باختيار كيخسرو إياه، فلما عقد التاج على رأسه قال : نحن
مؤثِرون البِرّ على غيره. واتّخذ سريراً من ذهب مكلّلاً بأنواع الجواهر للجلوس
عليه، وأمر فبنيت له بأرض خراسان مدينةَ بلْخ(١)، وسماها الحسناء، ودوَّن
الدواوين ، وقوّى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود ، وعمر الأرض واجتبى الخراج
الأرزاق الجنود ، ووجه بختنصّر، وكان اسمه بالفارسية- فيما قيل- بخترشه.
فحدثت عن هشام بن محمد قال: مَلك لهراسب - وهو ابن أخى قبوس-
فبنى مدينةَ بلْخ ، فاشتدت شَوْكة الترك فى زمانه ، وكان منزله ببلْخ
٦٤٦/١ يقاتل الترك. قال: وكان بختنصّر فى زمانه، وكان أصبهبذ ما بين الأهواز
إلى أرض الروم من غربىّ دجلة، فشخص حتى أتى دمشق ، فصالحه أهلها
ووجّه قائداً له، فأتى بيت المقدس فصالح(٢) ملك بنى إسرائيل ، وهو رجل
من ولد داود ، وأخذ منه رهائن وانصرف . فلما بلغ طبريّة وثبت بنو إسرائيل
على ملكهم فقتلوه، وقالوا: راهنت أهل بابل وخذلتنا ! واستعدوا للقتال، فکتب قائد
بختنصر إليه بما كان، فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعهحتى يوافيه، وأن يضرب
أعناق الرهائن الذين معه ، فسار بختنصّر حتى أتى بيت المقدس ، فأخذ
المدينة عَنْوة ، فقتل المقاتِلة ، وسبى الذرّيَّة .
قال : وبلغنا أنه وجد فى سجن بنى إسرائيل إرميا النبيّ، وكان اللّه تعالى
بعثه نبيًّاً-فيما بلغنا إلى بنى إسرائيل. يحذّرهم ما حلّ بهم من بختنصّر،
(١) بلخ، قال ياقوت: ((من أجل مدن خراسان وأذكرها وأكثرها خيراً وأوسعها غلة؛
قيل أول من بناها لهراسف الملك لما خرب صاحبه بختنصر بيت المقدس، وقيل بل الإسكندر بناها)).
(٢) س: ((فصالحه)).
٥٣٨

٥٣٩
ويُعْلِمِهم أن اللّه مسلّط عليهم مَنْ يقتل مقاتلتهم، ويَسْبى ذراريّهم، إن لم
يتوبوا وينزعوا عن سيّئ أعمالهم . فقال له بختنصر: ما خطبُك ؟ فأخبره أن
الله بعثه إلى قومه ليحذّ رهم الذى حلّ بهم، فكذبوه وحبسوه. فقال بختنصّر:
بئس القوم قومٌ عصوْا رسولَ ربّهم! وخلّى سبيله، وأحسنَ إليه . فاجتمع
إليه مَنْ بقى من ضعفاء بنى إسرائيل ، فقالوا : إنا قد أسأنا وظلمنا ، ونحن
نتوب إلى الله مما صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا. فدعا ربه فأوحى إليه أنهم
غيرُ فاعلين ، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة ، فأخبر هم بما أمرهم
اللّه به ، فقالوا: كيف نقيم ببلدة قد خُرّبت وغضب اللّه على أهلها! فأبوا
أن يقيموا، فكتب بختنصّر إلى ملك مصر: إنّ عبيداً لى هربوا منى إليك ،
فسرِّحهم (١) إلىّ، وإلا غزوتُك وأوطأت بلادَك الخيل . فكتب إليه ملك
مصر : ما هم بعبيدك؛ ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار ؛ فغزاه بختنصّر فقتله ،
وسبى أهل مصر ، ثم سار(٢) فى أرض المغرب ، حتى بلغ أقصى تلك الناحية،
ثم انطلق بسبىٍ كثير من أهل فلسطين والأردن" ، فيهم دانيال وغيره من
الأنبياء .
٦٤٧/١
قال : وفى ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل ، ونزل بعضهم أرض الحجاز
بيثرب ووادى القرى ، وغيرها .
قال : ثم أوحى الله إلى إرميافيما بلغنا: إنّ عامر بيت المقدس فاخرج
إليها ، فانزْلها . فخرج إليها حتى قدمها وهى خراب، فقال فى نفسه : سبحان
الله! أمرنى الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرنى أنه عامرُها، فمتى يعمر (٣).
هذه ، ومتى يحييها اللّه بعد موتها ! ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلّة فيها
طعام ، فمكث فى نومه سبعين سنة ، حتى هلك بختنصّر والملك الذى فوقه ،
(١) ح: ((فوجههم)).
(٢) ط: ((صار))، وما أثبته من ن.
(٣) ح: ((يعمرها))، ت: ((يعمر هذا)).

٥٤٠
وهو لهراسب الملك الأعظم وكان ملْك لهراسب مائة وعشرين سنة. ومَلّك
بعده بشتاسب ابنه ، فبلغه عن بلاد الشأم أنها خراب، وأن السباع قد كثرت
فى أرض فلسطين ، فلم يبق بها من الإنس أحد، فنادى فى أرض بابل فى بنى
إسرائيل: إنّ من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع. وملّك عليهم رجلاً من
٦٤٨/١ آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبنىَ مسجدها، فرجعوا فعمرها، .
وفتح الله لإرميا عينيه ، فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى ، ومكث فى نومه
ذلك ، حتى تمّت له مائة سنة ، ثم بعثه اللّه وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة،
وقد عهد المدينة خرابًا يباباً ، فلما نظر إليها قال: أعلمُ أنّ الله على كلّ شيء
قدير .
قال: وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس ورُدّ إليهم أمرُهم، وكثروا بها حتى
غلبت عليهم الروم فى زمان ملوك الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة .
٠
قال هشام : وفى زمان بشتاسب ظهر زَرَادُشت، الذى تزعم المجوس أنه
نبيُّهم، وكان زَرَادُشتفيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب- من أهل
فلسطين ، خادمًا لبعض تلامذة إرميا النبىّ خاصًا به(١)، أثيراً عنده ، فخانه
فكذب عليه، فدعا الله عليه، فبرص فلحق ببلاد أذربيجان ، فشرع بها دين
المجوسية ، ثم خرج منها متوجهًا نحو بشتاسب، وهو ببلْخ، فلما قدم عليه
وشرح له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه، وقتل فى ذلك مِنْ رعيّته
مقتلة عظيمة، ودانوا به ، فكان ملك بشتاسب مائة سنة واثنتى عشرة سنة (٢).
وأما غيره من أهل الأخبار والعلم بأمور الأوائل فإنه ذكر أن كى لهراسب
(١) ابن خلدون فيما نقل عن الطبرى ١: ٢٣٩: ((خالصة عنده)).
(٢) قال ابن خلدون: ((وعند علماء الفرس أن زرادشت من نسل منوشهر الملك، وأن نبياً
من بنى إسرائيل بعث إلى كشتاسف ؛ وهو ببلخ ، فكان زرادشت وجاماسب العالم - وهو من نسل
منوشهر أيضاً - يكتبان بالفارسية ما يقول ذلك النبى بالعبرانية ؛ وكان جاماسب يعرف اللسان العربى
ويترجمه لزرادشت . وإن ذلك كان لثلاثين سنة من دولة كيهراسف. وقال علماء الفرس إن زرادشت
جاء بكتاب ادعاه وحيا، كتب فى اثنى عشر ألف مجلد نقشاً بالذهب ؛ وأن كشتاسف وضع ذلك فى
هيكل بإصطخر ؛ ووكل به الهرابذة؛ ومنع من تعليمه العامة» . ونقل عن المسعودى أن ذلك الكتاب
يسمى نسياه )) .