النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ ما تقول؟ فقال: إن لى تسعًا وتسعين نعجة ، ولأخى هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه ، فأكمّل بها نعاجى مائة ، قال : وهو كاره ! قال : وهو كاره ، قال: إذاً لاَ نَدعك وذاك، قال: ما أنت على ذلك بقادر ! قال : فإن ذهبت تَرُوم ذلك أو تريد ذلك، ضربنا منك هذا وهذا - وفسّر أسباط طرف الأنف والجبهة - فقال : يا داود ، أنت أحقّ أن يُضرب منك هذا وهذا ، حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأهريا (١) إلا امرأة واحدة . فلم تزل به تعرّضه للقتل حتى قُتِل ، وتزوّجت امرأته. قال : فنظر فلم يرَّ شيئًا ، قال : فعرَف ما قد وقع فيه، وما ابتُلِىَ به ، قال : فخرّ ساجداً فبكى ، قال : فمكث يبكى ساجداً أربعين يومًا لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بدّ منها ، ثم يقَع ساجداً يبكى ، ثم يدعو حتى نبت العُشب من دموع عينَيْه ، قال : فأوحى الله عزّ وجلّ إليه بعد أربعين يومًا : يا داود ، ارفعْ رأسَك فقد غفرتُ لك، فقال: يا ربّ ، كيف أعلم أنّك قد غفرتّ لى وأنتِ حَكّمٌ عدل لاَ تحيفُ فى القضاء؛ إذا جاء أهريا يومَ القيامة آخذاً رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه(٢) دماً فی قبل عرشك یقول : يارب، سلْ هذا فيمَ قتلنى! قال: فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوتُ أهريا فأستوهبك منه ، فيهبك لى فأثيبه بذلك الجنة . قال : ربّ الآن علمت أنّك قد غفرت لى، قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياءً من ربه حتى قبض(٣). ١ / ٥٦٦ حدثنى على بن سهل ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر ، قال : حدثنى عطاء الخراسانىّ ، قال : نقش داود خطيئته فى كفّه لكيلا ينساها ؛ فكان إذا رآها خفقتْ يدُه واضطربت ٥٦٧/١ وقد قيل: إن سببَ المحنة بما امتُحن به، أنّ نفسه حدثتْه أنه يُطيق قطْع يوم من الأيام بغير مُقارفة سوء ، فكان اليوم الذى عرض له فيه ما عرض، اليوم الذى ظنّ أنه يقطعه بغير اقتراف سوء . (١) ن: ((لأوريا)). (٢) تشخب أوداجه : تسيل دماً. (٣) الخبر فى التفسير ٢٣: ٩٢، ٩٤ (بولاق). (٣١) ٤٨٢ ذكر من قال ذلك : ٠ حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن مطر ، عن الحسن ، أن داود جَزَّأ الدهر أربعة أجزاء : يومًا لنسائه، ويومًا لعبادته ، ويومًاً لقضاء بنى إسرائيل ، ويومًا لبنى إسرائيل ؛ يذاكرهم ويذاكرونه ، ويُبكيهم ويُبْكونه . فلما كان يوم بنى إسرائيل، ذكروا فقالوا : هل يأتى على الإنسان يومٌ لا يصبب فيه ذنبًا! فأضمر داود فى نفسه أنه سيُطِيق ذلك ، فلما كان يوم عبادته غلق(١) أبوابه، وأمر ألاّ يُدخَل عليه أحد ، وأكبّ على التوراة ، فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب ، فيها من كلّ لون حسن، قد وقعتْ بين يديه ، فأهوى إليها ليأخذَها ، قال : فطارت فوقعت غيرَ بعيد ، من غير أن تُؤثِسَه من نفسها ، قال : فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل ، فأعجبه خَلْقُها وحسنها ، فلما رأت ظلَّه فى الأرض جللت نفسها بشعرها ، فزاده ذلك أيضاً إعجابًا بها ، وكان قد بعثَ زوجها على بعض جیوشه ، فکتب إلیه أن یسیر إلی مکان کذا وکذا ( مکان إذا سار إليه لم يرجع ) قال : ففعل فأصيب ، فخطبها فتزوجها - قال : وقال قتادة بلغنا أنها أمّ سليمان - قال: فبينما هو فى المحراب إذ تسوّر الملكان عليه ، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب ، ففزع منهم حين تسوّروا المحراب ، فقالوا: ﴿ لَا تَخَفَْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ حتى بلغ ﴿ وَلا تُشْطِطْ﴾ أى ولا تملْ ﴿وَأَهْدِنَا إِلى سَواء الصِّرَاطِ﴾ أى أعدله وخيره، ﴿إِنَّ هُذَ أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعونَ نَعْجَةً)- وكان لداود تسع وتسعون امرأةٌ ﴿وَلِىَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: وإنما كان للرجل امرأةٌ واحدة ﴿فَقَالَ أَ كْفِلِنِها وَعَزَّفِى فِى الْخِطاب﴾، أى ظلمِى وقهرنى. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَمْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ) - إلى ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾، فعلم أنما أضمِر له، أى عنى بذلك، ﴿فَخَرَّ رَاكِماً وَأُنَابِ﴾(٢). ٥٦٨/١ (١) اوالتفسير: ((أغلق)). (٢) سورة ص ٢٢ - ٢٤، والخبر فى التفسير ٢٣: ٩٤، ٩٥ (بولاق). ٤٨٣ حدثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت ليثًا يذكر عن مجاهد، قال: لما أصاب داودَ الخطيئة، خَرّ لله ساجداً أربعين يوماً ، حتى نبت من دموع عينیه من البقل ما غطى رأسه ، ثم نادى: يا ربّ فَرِحَ الجبين، وجَمدت العين! وداود لم يُرْجَع إليه فى خطيئته شىء. فنودى: أجائع فتطعم؟ أم مريض فتُشفى؟ أم مظلوم فُينتصّر لك ! قال : فنحِب نَحْبَةً هاج كلّ شيء كان نبت ، فعند ذلك غُفِر له . وكانت خطيئته مكتوبة بكفِّه يقرؤها، وكان يُؤتى بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثُلْثَه أو نصفَه، وکان یذ کر خطيئته فینتحب النّحْبة تكاد مفاصله یزول بعضها عن(١) بعض، ثم ما یتم شربه حتى يملأ الإناء مندموعه . وكان يقال: إندمعة داود تعدل دمعة الخلائق ، ودمعةً آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق . قال : وهو يجىء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفّه فيقول: ربّ ذنى ذنى قَدِّمْى! قال : فيقَدَّم فلا يأمن ، فيقول: رب أخرنى، قال: فيؤخّر فلا يأمن (٢). ٥٦٩/١ حدثنى يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنى ابن لهيعة ، عن أبى صخر، عن يزيد الرّقاشىّ، عن أنس بن مالك يقول(٣): سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن داودَ النبيّ عليه السلام حين نظر إلى المرأة(٤) فأهمّ، قَطَع(٥) على بنى إسرائيل بعثًا ، فأوصى صاحب البعث ، فقال : إذا حضر العدو فقرّبْ فلانًا بين يدى التابوت ، وكان التابوتُ فى ذلك الزمان يَسْتنصر به مَنْ قدم بين يدى التابوت لم يرجع حتى يقتّل أو ينهزم عنه الجيش، فقُتِل زوج المرأة، ونزل الملكان على داود يقُصّان عليه قصّته ، ففطن داودا فسجد ، فمكث أربعين (٦) ليلة ساجداً، حتى نبت الزّرْع من دموعه على رأسه، وأكلت الأرضُ من جبينه ، وهو يقول فى سجوده - (١) ح، س: ((من بعض)). (٢) الخبر فى التفسير ٢٣: ٩٦ (بولاق) (٣) ا: ((قال))، وفى التفسير: ((سمعه يقول)). (٤) ط: ((مرأة))؛ وما أثبته عن ا والتفسير. (٥) أى أفرد قوياً منهم، وبعثهم فى الغزو؛ ومنه الحديث: ((كان إذا أراد أن يقطع بعثاً (٦) ن: ((أربعين يوماً وليلة )). وانظر النهاية لابن الأثير ٣ : ٢٦٤ . ٤٨٤ فلم أحص(١) من الرقاشىّ إلا هؤلاء الكلمات: رَبُّ زلّ داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب ! ربِّ إن لم ترحم ضُعفَ داود ، وتغفر ذنبه جعلتَ ذنبه حديثًا فى الخُلوف من بعده . فجاءه جبرئيلُ من بعد أربعين ليلة فقال : يا داود، إنّ اللّه قد غفر لك الهمّ الذى هممتَ به، فقال داود: قد علمتُ أنّ الله قادر على أن يغفر لى الهمّ الذى هممتُ به، وقد عرفتُ أن اللّه عدْلٌ ٠٧٠/١ لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة؛ فقال : يا ربّ دمی الذیعند داود ! فقال جبرئيل : ما سألتُ ربّك عن ذلك ، ولئن شئتَ لأفعلنّ، قال : نعم، قال : فعرج جبرئيل وسجد داود ، فمكث ما شاء الله ثم نزل ، فقال: قد سألتُ اللّه يا داود عن الذى أرسلتنى فيه فقال: قل له: يا داود، إن اللّه يجمعكما يوم اليقامة فيقول : هب لى دمك الذى عند داود ، فيقول: هو لك يا ربّ ، فيقول : فإن لك فى الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضًا(٢) ويزعم (٣) أهلُ الكتاب أن داود لم يزل قائمًا بالملك بعد طالوت إلى أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان ، فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها - فيما زعموا - واستخفّ به بنو إسرائيل، ووثب عليه ابن له يقال له إيشى، فدعا إلى نفسه فاجتمع إليه أهلُ الزَّبغ من بنى إسرائيل ، قالوا: فلما تاب اللّه على داود ثابتْ إليه ثائبة من الناس ، فحارب ابنّه حتى هزمه ، ووجَّه فى طلبه قائداً من قواده، وتقَدّم إليه أن يتوقى حَتْفِهُ، ويتلطّف لأسره ، فطلبه القائد وهو منهزم، فاضطره إلى شجرة فركض فيها - وكان ذا جُمّة - فتعلّق ٥٧١/١ بعض أغصان الشجرة بشعره فحبسه، ولحقه القائد فقتله مخالفًا لأمر داود ، فحزن داود عليه حزنًا شديداً ، وتنكر للقائد ، وأصاب بنى إسرائيل فى زمانه طاعون جارف ، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف ذلك البلاء عنهم ، فاستجيب لهم ، فاتخذوا ذلك الموضع مسجداً، وكان ذلك فيما قيل- لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه. وتوفى قبل أن يستتم بناءه، فأوصى (١) ا، ن؛ ((أحفظ)). (٢) الخبر فى التفسير ٢٣: ٩٦ (بولاق). (٣) !: ((وزعم)). ٤٨٥ إلى سليمان باستمامه ، وقتْل القائد الذى قتل أخاه، فلما دفنه سليمانُ نفذ لأمره فى القائد وقتله ، واستثمّ بناء المسجد . ٠٠٠ وقيل فى بناء داود ذلك المسجد ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر ، قال : حدثنى إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن منبِّه يقول: إن داودَ أراد أن يعلّم عدد بنى إسرائيل كم هم ؟ فبعث لذلك عُرَفاء ونقباء ، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددُهم، فعتب اللّه عليه ذلك ، وقال : قد علمت أنى وعدتُ إبراهيم أن أبارك فيه وفى ذريته حتى أجعلَهم كعدد نجوم السماء ، وأجعلَهم لا يحصى عددُهم، فأردتَ أن تعلّم عدد ما قلت : إنه لا يحصَى عددُهم ، فاختاروا بين أن أبتليكم بالجوع ثلاث سنين ، أو أسلّط عليكم العدوّ ثلاثة أشهر، أو الموت ثلاثة أيام ! فاستشار داودُ فى ذلك بنى إسرائيل فقالوا : ما لنا بالجوع ثلاث سنين صّبْر ، ولا بالعدوّ ثلاثة أشهر، فليس لهم بقيّة، فإن كان لا بدَّ فالموت بيده لا بيد غيره . فذكر وهب بن منبّه أنه مات منهم فى ساعة من نهار ألوف كبيرة ، لا يدرَى ما عددهم، فلما رأى ذلك داود، شَقَّ عليه ما بلغه من كثرة الموت، فتبتَّل إلى اللّه ودعاه فقال: يا ربّ، أنا آكلُ الحماض(١) وبنو إسرائيل يَضْرَسون! أنا طلبتُ ذلك فأمرتُ به بنى إسرائيل ، فما كان من شىء فى (٢) واعفُ عن بنى إسرائيل. فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت ، فرأى داود الملائكة سالِّين سيوفَهم يغمدونها ، يرتقون فى سلَّم من ذهب من الصخرة إلى السماء ، فقال داود : هذا مكان ينبغى أن يُبنى فيه مسجد ، فأراد داود أن يأخذ فى بنائه، فأوحى الله إليه أنّ هذا بيت مقدّس، وأنك قد صبغتَ يديك فى الدماء ، فلست ببانيه، ولكن ابنٌ لك أملَّكه بعدك أسميه(٣) سليمان، أسلمه من الدماء . ٥٧٢/١ فلما ملك سلمان بناءه وشرّفه، و کان عمر داود ۔۔ فما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - مائة سنة. وأما بعض أهل الكتب، فإنه زعم أن عمرَه كان سبعًا وسبعين سنة ، وأن مُدّة ملكه كانت أربعين سنة . (١) الحماض: ما فى جوف الأترجة. (٣) !: ((اسمه)). (٢) ن: ((فى)» :. ذ کر خبر سليمان بن داود عليهما السلام ثم ملك سليمان بن داود بعد أبيه داود أمرَ بنى إسرائيل، وسخّر اللّه له الجنّ والإنس والطير والريح، وآتاه مع ذلك النبوة، وسأل ربَّه أن يُؤتيه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، فاستجاب [اللّهُ](١) له فأعطاه ذلك . كان فما حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، ٥٧٣/١ عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّه: إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير ، وقام له الإنس والجن ، حتى يجلس على سريره(٢) ، و کان - فيما يزعمون - أبيض جسيماً وضيئًا، كثير الشعر يلبس من الثياب البياض ، وكان أبوه فى أيام ملكه بعد أن بلغ سليمان مبلغ الرجال يشاوره - فيما ذكر- فى أموره. وكان من شأنه وشأن أبيه داود الحكم فى الغنم التى نفشت فى حرث القوم ، الذين قصّ اللّه فى كتابه خبرهم وخبرهما فقال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ . فَفَهُمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَا﴾(٢) . فحدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم ، قالا : حدثنا المحاربىّ ، عن أشعث ، عن أبى إسحاق ، عن مرّة ، عن ابن مسعود فى قوله : ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَمُ الْقَوْمِ﴾، قال : كَرْم قد أنبتت عناقيده فأفسدته ، قال: فقضى داودُ بالغنم لصاحب الكرْم ، فقال سليمان : غير هذا يا نبيّ اللّه؟ قال: وما ذاك ؟ قال : تدفع الكَرْم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرْم فيصيب منها، حتى إذا كان الكرْم كما كان ، دفعت الكرْم إلى (٣) سورة الأنبياء ٧٨، ٧٩ (١) تكملة من ا. (٢) ن: ((جلس مجلسه)). ٤٨٦ ٤٨٧ ١ / ٥٧٤ صاحبه ، ودفعتِ الغنم إلى صاحبها . فذلك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. وكان رجلاً غَزّاء لا يكاد يقعُد عن الغزو ، وكان لا يسمع بملِك فى ناحية من الأرض إلا أتاه حتی یُذله . وكان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق -فيما يزعمون- إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب ، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها ، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب ، فاحتملْته حتى إذا استقلّت به أمر الرُّخاء فمرَّ به شهراً فى روْحته ، وشهراً فى غدوته إلى حيث أراد. يقول الله عزّ وجل: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُجَاءٍ حَيْثُ أَصَابَ﴾(٢)، أى حيث أراد، وقال الله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.(٣) قال : وذكر لى أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فيه : کتاب کتبه بعض أصحاب(٤) سليمان، إما من الجن، وإما من الإنس: ((نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنيًّا وجدناه، غدوْنا من إصطخر فقدْنَاهُ(٥)، ونحن رائحون منه إن شاء الله، فبائتون (٦) بالشام (٧) )) . قال: وكان فيما بلغنى لتمرّ بعسكره الريح، والرُّخاء(٨) تهوى به إلى ما أراد، ١/ ٥٧٥ وإنها لَتمرُّ بالمزرعة فما تحرِّكُها . وقد حدثنا القاسم بن الحسنِ ، قال : حدثنى الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال : بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش ، وخمسة وعشرون للطير ، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلثمائة صريحة ، وسبعمائة سرّية، فأمر الريح العاصف (١) الخبر فى التفسير ١٧: ٣٨ (بولاق) (٢) سورة ص ٣٦ (٤) اوالتفسير: ((صحابة)). (٣) سورة سبأ ١٢ (٥) !: ((فقتلناه)). (٦) ا، ن: ((فآتون)). (٧) الخبر فى التفسير ٢٢: ٤٨ (بولاق) . (٨) الرغاء : الربح اللينة . ٤٨٨ فرفعته(١) وأمر الرخاء فسيرته ، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: أنى قد زدتُ فى ملكك ، أنّه لا يتكلم أحدٌ من الخلائق إلا جاءت به الربح وأخبرتك . حدثنى أبو السائب ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جُبِّير ، عن ابن عباس ، قال : كان سلمان ابن داود يوضع له ستمائة كرسىّ، ثم يجىء أشرافُ الإنس فيجلسون مما يليه، ثم ٥٧٦/١ يجىء أشراف الجنّ فيجلسون مما يلى الإنس، قال: ثم يدْعو الطير فتظلّهم، ثم يدعُو الريح فتحملهم ، قال : فتسير فى الغداة الواحدة مسيرة شهر . (١) كذا فى ا؛ وفى ط: ((فترفعه)). ذكر ما انتهى إلينا من مغازى سليمان عليه السلام فمن ذلك غزوته التى راسل فيها بلقيس - وهى فيما يقول أهل الأنساب - يلمقة(١) ابنة اليشرح - ويقول بعضهم: ابنة أيلى شرح، ويقول بعضهم: ابنة ذى شرح - بن ذى جَدَن بن أيلى شرح بن الحارث بن قيس بن صيفىّ بن سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان . ثم صارت إليه سِلْمًا بغير حرب ولا قتال . و کان سببمراسلته إياها-فیما ذ کر-أنه فقد الهدهد يوماً فى مسیر کان يسيره، واحتاج إلى الماء فلم يتعلم مَنْ حضره بُعْدَه، وقيل له علْم ذلك عند الهدهد، فسأل عن الهدهد فلم يجده. وقال بعضهم: بل إنماسأل سليمانُ عن الهدهد لإخلاله بالنّوبة. فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس، ما حدثنى العباس ابن الوليد الآملىّ، قال : حدثنا على بن عاصم ، قال : حدثنا عطاء بن السائب، قال : حدثى مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفراً قَعَد على سريره، ووضعت الكراسى يمينًا وشمالاً ، فيأذن للإنس ، ثم يأذن للجنّ عليه بعد الإنس ، فيكونون خلْف الإنس ، ثم يأذن للشياطين بعد الجنّ فيكونون خلْف الجن" ، ثم يرسل إلى الطير فتظلّهم من فوقهم ، ثم يرسل إلى الريح فتحملهم وهو على سريره ، والناس على الكراسى فتسير بهم ، غدوُّها شهر ورواحُها شهر، رخاء حيث أصاب، ليس بالعاصف ولا الليّن ، وسطا بين ذلك . فبينما سليمان يسير - وكان سليمان اختار من كلّ طير طيراً؛ فجعله رأس تلك الطير ، فإذا أراد أن يسائل شيئًا من تلك الطير عن شىء سأل رأسها فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازةً فسأل عن بُعْد الماء ها هنا، فقال الإنس : لا ندرى، فسأل الجنّ فقالوا : لا ندرى ، فسأل الشياطينَ، فقالوا : لا ندرى، فغضب سليمان فقال : لا أبرحُ حتى أعلم كم بُعْد مسافة الماء ها هنا ! قال : فقالت له الشياطين: يا رسولَ اللّه لا تغضب ، فإن يك شيئاً يُعلم فالهدهد يعلمه، فقال(٢) سليمان: علىّ بالهدهد، فلم يوجدْ، فغضب ٥٧٧/١ (١) ح: ((بلعمه))، ١، س: ((بلقمة)). (٢) ط: ((قال)) ٤٨٩ ٤٩٠ سليمان فقال: ﴿مَالِىَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأُذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانِ مُبِينٍ)(١)، يقول : بعذر مبيّن [لِمَّ إِغاب عن مسيرى هذا؟ وكان عقابُه للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه فلا يستطيع أن يطير، ويكون من هوامّ الأرض إن أراد ذلك ، أو يذبحه ، فكان ذلك عذابُه . قال : ومرَّ الهدهد على قصر بلقيس، فرأى بستانًا لها خلْف قصرها، فمال ٥٧٨/١ إلى الخضرة فوقع عليها، فإذا هو بهدهد لها فى البستان ، فقال هدهد سليمان: أين أنت عن سليمان ؟ وما تصنع ها هنا؟ قال له هدهد بلقيس: ومَنْ سليمان؟ فقال: بعث الله رجلا يقال له سليمان رسولا، وسخّر له الريح والجنّ والإنس والطير . قال : فقال له هدهد بلقيس: أىّ شىء تقول! قال : أقول لك ما تسمع ، قال : إن هذا لعَجب، وأعجبُ من ذاك أنّ كثرة هؤلاء القوم جعلوا الشكر تملكهم امرأة، ﴿أُوْتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ لله أن يسجدوا للشمس من دون الله. قال: وذكر الهدهد سلمان فنهض عنه، . فلما انتهى إلى العسكر تلقَّتْه الطير وقالوا : توعّدك رسول اللّه، فأخبروه بما قال . قال : وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه فلا يطير أبداً، فيصير من هوامّ الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً. قال: فقال الهدهد : أوّ ما استثنى رسول الله ؟ قالوا : بل قال : أو ليأتينّى بعذر مبين ، قال : فلما أتى سليمانَ ، قال: ما غَيّبك عن مسيرى؟ قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبٍَ بِنَبٍَ يَقِينٍ) حتى بلغ ﴿فَأَ نْظُرِ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾(١). قال : فاعتلّ له بشىء، وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد ، فقال له سليمان: قد اعتلت، (سَتَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الكَاذِبِينَ. إِذْهَبْ بِكِتَابِ هذَا فَأَلْقِهْ إلَیْهمْ﴾(٢)، قال : فوافقها وهى فى قصرها، فألقى إليها ١ / ٥٧٩ (١) سورة النمل ٢٫٠، ٢١ (٢) سورة النمل ٢٣ - ٢٨ ٤٩١ الكتاب فسقط فى حِجْرها أنه كتاب كريم، وأشفقتْ منه، فأخذته وألقت عليه ثيابها ، وأمرت بسريرها فأخرج ، فخرجت فقعدت عليه ، ونادت فى قومها؛ فقالت لهم: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأَّ إِى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إنَّهُ مِنْ سُلْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَىَّ وَأَتُونِى مُسْلِمِينَ)(١) ولم أكن لأقطع أمراً حتى تشهدون، ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُوْ قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأُمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَ تَأْمُرِينَ) - إلى - ﴿وَإِنَى مُرْسِلَةٌ إَلَيْهِمْ بِهَدِيَةٍ﴾(٢)، فإن قبلها فهذا ملك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه وأقوى، وإن لم يقبلْها فهذا شىء من الله . فلما جاء سليمان الهدية قال لهم سليمان: ﴿أَتُعدُّونَنَ بِمَالٍ فَمَا آتَانِىَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ - إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾(٣)، يقول: وهم غير محمودين. قال: بعثتْ إليه بخرزة غير مثقوبة، فقالت : اثقب هذه ، قال : فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذاك، ثم سأل الجنّ فلم يكن عندهم علم ذاك، قال: فسأل الشياطين ، فقالوا: ترسل إلى الأرضة، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة فى فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين، فلما رجع إليها رسولها (٤) خرجت فزعة فى أول النهار من قومها وتبعها قومها . قال ابن عباس: وكان معها ٥٨٠/١ ألفَ قِيْل . قال ابن عباس : أهل اليمن يسمّون القائد قَيْلًا ، مع كل قَيْل عشرة آلاف. قال العباس: قال علىّ: عشرة آلاف ألف. قال العباس : قال علىّ: فأخبرنا حصين بن عبد الرحمن ، قال : حدثنى عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: فأقبلت بلقيس إلى سليمان ومعها ثلثمائة قَيْل واثنا عشر قَيْلا، مع كل قيْل عشرة آلاف . قال عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس: وكان سليمان رجلاً مَهيبًا لا يُبتدّأ بشىء حتی یکون هو الذى يُسأل عنه ، فخرج يومئذ فجلس على سريره ، (١) سورة النمل ٢٩ - ٣١ (٣) سورة النمل ٣٦، ٣٧ (٢) سورة النمل ٣٣ - ٣٥. (٤) ط: ((رسلها))، وما أثبته عن !. ٤٩٢ فرأىَ رهجًا قريبًا منه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : بلقيس يارسول الله، قال : وقد نزلت منّا بهذا المكان ! قال مجاهد : فوصف لنا ذلك ابن عباس فحَزَرْته ما بين الكوفة والحيرة قَدْ رفرسخ، قال : فأقبل على جنوده فقال: ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) الذى أنت فيه إلى الحين الذى تقوم إلى غدائك. قال : قال سليمان : مَنْ يأتينى به قبل ذلك ؟ ﴿ قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، فنظر إليه سليمان، فلما قطع كلامه ردّ سليمان بصره على العرش، فرأى سريرها قد خرج ونبع من تحت كرسيه، ﴿ فَلَمَّا رَاهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هُذَا مِنْ فَضْلِ رَبِى لِيَبْلُوَّنِى أَأَشْكُرُ﴾ إذ أنانى به قبل أن يرتدَ إلىّ طرفى ﴿أَمْ أَ كْفُرُ) إذ جعل مَنْ تحت يدِى أقدَرَ على المجىء به مِنَّى. قال: فوضعوا لها عرشها، قال: فلما جاءت قعدتْ إلى سليمان، قيل لها : ﴿ أَهَكَذَا عَرْتُكِ﴾؟ فنظرت إليه فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُو﴾(١)! ثم قالت: لقد تركتُه فی حصونی، وتركت الجنود محيطة به، فکیف جىء بهذا يا سليمان ! إنى أريد أن أسألك عن شىء فأخبرنيه ، قال: سَلَى، قالت: أخبرنى عن ماء رَوَاء ، لا من سماء ولا من أرض - قال: وكان إذا جاء سليمان شىء لا يعلمه بدأ فسأل الإنس عنه، فإن كان عند الإنس فيه علم وإلاّ سأل الجنّ، فإن لم يكن عند الجنّ علم به سأل الشياطين - قال: فقالت له الشياطين: ما أهونَ هذا يا رسول اللّه! مر الخيل فلتجْر ثم تملأ الآنية من عَرَقها، فقال لها سليمان: عَرَقُ الخيل، قالت: صدقت. قالت: أخبرْنى عن لون الربّ. قال : قال ابن عباس : فوثب سليمان عن سريره فخرّ ساجداً . قال العباس: قال علىّ: فأخبرنى عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: صعِقِ فغُشِىّ عليه ، فخر عن سريره . ٥٨١/١ ٥٨٢/١ ثم رجع ، إلى حديثه قال : فقامت عنه ، وتفرّقت عنه جنوده ، وجاءه (١) سورة النمل ٣٨ - ٤٢ . ٤٩٣ الرسول فقال: يا سلمان، يقول لك ربك: ما شأنُك ؟ قال: سألتّنى عن أمر يكابرونى- أو يكابدنىأن أعيدَه، قال: فإنَّ الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه ، وترسل إليها وإلى مَنْ حضرها من جنودها ، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه. قال : ففعل ، فلما دخلوا عليه جميعًا ، قال لها : عمَّ سألتنى ؟ قالت : سألتك عن ماء رَوَاء ، لا من سماء ولا من أرض ، قال : قلت لك : عرق الخيل ، قالت : صدقت ، قال : وعن أىّ شىء سألتنى ؟ قالت : ما سألتك عن شىء غير هذا . قال : قال لها سليمان ، فلأىّ شىء خررتُ عن سريرى ؟ قالت: قد كان ذاك لشىء لا أدرى ما هو- قال العباس: قال علىّ: نسيتْه ـ قال : فسأل جنودَها فقالوا مثل ما قالت ، قال : فسأل جنودَه من الإنس والجنّ والطير وكل شىء كان حضره من جنوده ، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله إلا عن ماء رَوَاء، قال - وقد كان قال له الرسول: يقول الله لك: عُدْ إلى مكانك فإنى قد كفيتُكهم - قال: وقال سليمان: للشياطين: ابنُوا لى صَرْحًا تدخل علىّ فيه بلقيس ، قال : فرجع الشياطين بعضُهم إلى بعض ، فقالوا : سليمان رسول الله قد سخّر الله له ما سخّر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها ٥٨٣/١ فتلد له(١) غلامًا، فلا نتفكّ من العبوديّة أبداً. قال: وكانت امرأة شَعْراء(٢) الساقين، فقالت الشياطين: ابنوا له بنيانًا ليرى ذلك منها ، فلا يتزوجها ، فبنوا له صرحًا من قوارير أخضر، وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء ، وجعلوا فى باطن الطوابيق كلَّ شيء يكون من الدواب فى البحر من السمك وغيره ، ثم أطبقوه ، ثم قالوا لسليمان : ادخل الصّرح، قال : فألقى لسليمان كرسىّ فى أقصى الصّرح ، فلما دخله ورأى ما رأى أتى الكرسىّ ، فقعد عليه، ثم قال: أدخلوا علىّ بلقيس، فقيل لها: ادخلى الصّرح، فلما ذهبت تدخله رأت صورةَ السمك وما يكون فى الماء من الدوابّ، فحسبته لُجّة (حسبته ماء) وكشفت عن ساقْها لتدخل ، وكان شعر ساقيها ملتويًا على ساقيها، فلما رآها سليمان، ناداها وصرف بصره عنها: إنه صَرْح ممرّد من (٢) ح: ((كثيرة شعر الساقين» (١) ح، س: ((فتلد منه)). ٤٩٤ قوارير، فألقت ثوبها فقالت: ﴿رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(١) قال: فدعا سليمان الإنس فقال: ما أقبح هذا ! ما يُذْهب هذا ؟ قالوا: يا رسول الله الموسى. قال: المواسى تقطع ساقى المرأة. قال : ثم دعا الجنّ فسألهم فقالوا: لا نَدْرِى، ثم دعا الشياطين فقال: ما يُذهب هذا ؟ قالوا مثل ذلك : الموسى، فقال : المواسى تقطع ساقَى المرأة . قال: فتلكّئوا عليه، ثم جعلوا له النُّورَة - قال ابن عباس: فإنه لأولُ يوم رُئِيت فيه النُّورة - فاستنكحها سليمان . ٥٨٤/١ حدثنا ابن حميد : قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم، عن وهب ابن منبّه ، قال : لما رجعتِ الرسل إلى بلقيس بما قال سليمان ، قالت : قد والله عرفتُ ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة ، وما نصنع بمكاثرتُه شيئًا، وبعثت إليه أنتى قادمة عليك بملوك قومى حتى أنظر ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك . ثم أمرت بسرير مُلْكها الذى كانت تجلس عليه - وكان من ذهب مفصّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ - فجُعل فى سبعة أبيات بعضها فى بعض، ثم أقفلت(٢) على الأبواب، وكانت(٣) إنما تخدمها النساء، معهاستمائة امرأة تخدُمها . ثم قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، ثم شخصت وسرير ملكى فلا يخلص إليه أحد ولا يرينَّه حتى آتيك إلى سليمان فى اثنى عشر ألف قَيْل معها من ملوك اليمن، تحت يد كل قَيْل منهم ألوف كثيرة، فجعل سلمان يبعث الجنّ فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة ، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجنّ والإنس ممن تحت يديه ، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْعَلَّا أَيُّكُمْ يَأْتِيِنِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ﴾ (1). قال: وأسلمتْ فحسُن إسلامها. قال: فزُعم أنّ سليمان قال لها حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختارى رجلاً من قومك أزوّجكه ، قالت: ومثلى يا نبيّ اللّه ينكح الرجال ، وقد كان لى فى قومى من الملك والسلطان ما كان لى ! قال: نعم، إنّه ٥٨٥/١ (١) سورة النمل ٤٤. (٢) ن: ((أغلقت)). (٣) ط: ((فكانت))، وما أثبته عن ا. (٤) سورة النمل ٣٨. ٤٩٥ لا يكون فى الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغى لك أن تُحرِّمى ما أحلَّ اللّه لك، فقالت: زوّجنى إن كان لا بد ذا تُبَّع(١) مَلك حَمْدان، فزوجه إياها، ثم ردَّها إلى اليمن، وسلّط زوجها ذاتُبع على اليمن ، ودعا زوبعة أمير جنّ اليمن فقال : اعمل لذى تبّع ما استعملك لقومه . قال : فصنع لذى تبّع الصنائع باليمن ، ثم لم يزل بها ملكًا يُعمل له فيها ما أراد؛ حتى مات سليمان ابن داود عليه السلام فلما حال الحول وتبينت الجنّ موتَ سليمان أقبل رجل منهم ، فسلك تهامة حتى اذا كان فى جوف اليمن صرخ بأعلى صوته : يا معشر الجِنّ إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم. قال: فعمدت الشياطين إلى حجرين عظيمين ، فكتبوا فيهما كتابًا بالمسند : نحن بنينا سَلْحين (٢)، سبعة وسبعين خريفاًدائِبين، وبنيناصِرْ وَاح ومراح وبَيْئُون برحاضة أيْدين(٣)، وهندة وهنيدة ، وسبعة أمجلة بقاعة ، وتلثوم برَيْدة ، ولولا صارخ بتهامة، لتركنا بالبون إمارة ٥٨٦/١ قال: وسَلْحِين [وصِرْواح] ومَرَاح وبَيْنُون وهندة وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن ، عملتها الشياطين لذى تُبّع، ثم رفعوا أيديهم ، ثم انطلقوا ، وانقضى ملك ذى تُبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود عليهما السلام. (١) ط: ((بتع))، وما أثبته عن اومعجم البلدان. (٢٠) قال ياقوت: سلحين: حصن عظيم بأرض اليمن كان للتبابعة ملوك اليمن ... قال: ((وزعموا أن الشياطين بنت لذى تبع ملك همدان حين زوج سليمان ببلقيس قصوراً وأبنية وكتبت فى حجر ، وجعلته فى بعض القصور التى بنتها)). (٣) اللسان ٦: ٢١٥: ((بغسالة أيديهم)) .. ذكر غزوته أبا زوجته جرادة وخبر الشيطان الذى أخذ خاتمه حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض العلماء ، قال : قال وهب بن منبه : سمع سليمان بمدينة فى جزيرة من جزائر ٥٨٧/١ البحر ، يقال لها صيدون ، بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيل ، لمكانه فى البحر ، وكان الله قد آتى سليمان فى ملكه سلطانًا لا يمتنع منه شىء فى برّ ولا بحر ، إنما يركب إليه إذا ركب على الربح ، فخرج إلى تلك المدينة تحميله الريح على ظهر الماء ، حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والإنس ، فقتل ملكتها واستفاء(١) ما فيها ، وأصاب فيما أصاب ابنةً لذلك الملك لم يُر مثلُها حسنًا وجمالاً ، فاصطفاها لنفسه ، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة ، وأحبّها حبًّا لم يحبّه شيئًا من نسائه، ووقعت نفسُه عليها ، فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنُها ، ولا يرقأ دمعها ، فقال لها ، لما رأى ما بها وهو يشقّ عليه [ من ذلك](٢) ما يرى: ويحك، ما هذا الحزن الذى لا يذهب، والدمعُ الذى لا يرقأ! قالت: إن أبى أذكُره وأذكر ملكته وما كان فيه وما أصابه ، فيحزنى ذلك، قال: فقد أبدلك الله [به](٢) ملكًاً هو أعظم من ملكه ، وسلطانًا هو أعظم من سلطانه ، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كلِّه، قالت: إنّ ذلك لكذلك(٣)؛ ولكنىّ إذا ذكرتُه أصابنى ما [قد](٢) تری من الحزن ، فلو أنّك أمرت الشياطين ، فصوّروا صورة أبی فی دارى التى أنا فيها ، أراها بكرة وعشيًا لرجوتُ أن يُذهب ذلك حزنى، وأن يسلَّ عنى بعض ما أجدٍ فى نفسى ، فأمر سليمان الشياطين ، فقالَ : مثِّلوا لها صورة أبيها فى ٥٨٨/١ دارها حتى ما تنكر (٤) منه شيئًا، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها فى نفسه(٥)، (١) كذا فى ط، وفى ا، س: ((استبى)). (٢٠) من ا. (٣) ط: ((كذلك))، وما أثبته من ا. (٤) ط: ((لا تنكر)) وما أثبته من ا. (٥) ن: ((فى هيئته)). ٤٩٦ ٤٩٧ إلا أنه لاروح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه لها فأزّرته وقمصتْه وَمّمته ورد ته بمثل ثيابه التى كان يلبس ، مثل ما كان يكون فيه من هيئة، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدُو عليه فى ولائدها حتى تسجد له ويسجدْنَ له ، كما كانت تصنع به فى ملكه ، وتروح كلَّ عشية بمثل ذلك ، لا يعلم سلمانُ بشىء من ذلك أربعين صباحاً، وبلغ ذلك آصف بن برخيا - وكان صديقًا ، وكان لا يُرَدّ عن أبواب سليمان أىّ ساعة أراد دخولَ شىء من بيوته دخل ، حاضراً كان سليمان أو غائبًا - فأتاه فقال: يا نبيّ اللّه، كبرت سنى، ودقّ عظمى، ونفد عمرى، وقد حان منى ذهاب (١)! وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه مَنْ مضى من أنبياء الله ، وأثنى عليهم بعلمى فيهم ، وأعلم الناسَ بعضَ ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم ، فقال : افعل ، فجمع له سليمان الناس ، فقام فيهم خطيباً ، فذكر مَنْ مضى من أنبياء الله ، فأثنى على كلّ فيّ بما فيه ، وذكرها فضّله الله به ، حتى انتهى إلى سليمان وذكره ، فقال : ما كان أحلمَك فى صغرك ، وأورعتك فى صغرك، وأفضلك فى صغرك ، وأحكم أمرك فى صغرك، وأبعدك من كلّ ما يُكْرَه فى صغرك ! ثم انصرف فوجد سلمان فى نفسه حتىملأه غضبًا ، فلما دخل سليمان دارَه أرسل إليه، فقال: يا آصف، ذكرت مَنْ مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيراً فى كلُّ زمانهم ، وعلى كلِّ حال من أمرهم ، فلما ذكرتنى جعلت تُغنى علىّ بخيرٍ فى صغرى، وسكتّ عما سوى ذلك من أمرى فى كِبَرَى ، فما الذى(٢) أحدثتُ فى آخر أمرى؟ قال: إن غيرَ اللّه ليُعبَد فى دارك منذ أربعين صباحاً فى هوى امرأة ، فقال: فى دارى ! فقال : فى دارك ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون! لقد عرفتُ أنك ما قلتَ إلاّ عن شىء بلغك . ثم رجع سليمان إلى داره فكسّر ذلك الصنم ، وعاقب تلك المرأة وولائدها ، ثم أمر بثياب الطهرة فأتى بها ، وهى ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا ٥٨٩/١ (١) كذا فى ا، س، ن، وفى ط: ((الذهاب)). (٢) ح: ((فماذا ترى أحدثت))، ا: ((فاذا الذى أحدثت)). (٣٢) ٤٩٨ الأبكار ، ولا يغسلها إلا الأبكار ، ولا تمسّها امرأة قد رأت الدم ، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده ، فأمر برماد ففرش له ، ثم أقبل تائبًا إلى اللّه حتى جلس على ذلك الرماد، فتمعّك فيه بثيابه تذللاً لله جلّ وعزّ وتضرّعا إليه ، يبكى ويدعو ويستغفر مما كان فى داره، ويقول فيما يقول - فيما ذكرلى والله أعلم : رَبِّ ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك ، وأن يُقِرّوا فى دورهم وأهاليهم عبادةَ غيرك! فلم يزل" كذلك يومه حتى أمسى، يبكى إلى الله ويتضرّع إليه ويستغفره ، ثم رجع إلى داره - وكانت أمّ ولد له يقال لها : ٥٩٠/١ الأمينة، كان إذا دخل مذهبه، أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطّهر(١)، وكان لا يمسّ خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكُهُ فى خاتمه ، فوضعه يوماً من تلك الأيام عندها كما كان يضعه . ثم دخل مذهبه ، وأتاها الشيطانُ صاحب البحر - وكان اسمه صخراً - فى صورة سليمان لاتنكر منه شيئًا ، فقال : خاتَمى يا أمينة ! فناولته إياه ، فجعله فى بده ، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجنّ والإنس ، وخرج سليمان فأتى الأمينة ، وقد غُرت حالته وهيئته عند كلِّ من رآه ، فقال : يا أمينة ، خاتمى! فقالت: ومن أنت ؟ قال : أنا سليمان بن داود ، فقالت : كذبتَ ، لست بسليمان بن داود ، وقد جاء سليمان فأخذ خاتمه ، وهو ذاك جالس على سريره فى ملكه . فعرف سليمانُ أن خطيئته قد أدر كته ، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بنى إسرائيل ، فيقول : أنا سليمان بن داود ، فيحثُون عليه الترابَ ويسبُّونه، ويقولون : انظروا إلى هذا المجنون ، أىّ شىء يقول ! يزعم أنه سليمان بن داود . فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر ، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق(٢) ، فيُعطونه كلّ يوم سمكتين ، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى ، فأكلَّها ، فمكث بذلك أربعين صباحاً ، عِدّة ما عُبد ذلك الوثن فى داره ، (٢) س: ((يطهر)). (٢) !: ((فى السوق)). ٤٩٩ ٥٩١/١ فأنكر آصف [ بن برخيا](١) وعظماء بنى إسرائيل حُكْ عدوّ اللّه الشيطان فی تلك الأربعین صباحًا ، فقال آصف : يا معشر بنى إسرائيل ، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت ! قالوا : نعم ، قال: أمهلونى حتى أدخل على نسائه فاسألهنّ : هل أنكرنَ منه فى خاصة أمره ما أنكرنا فى عامة أمر الناس وعلانيته ؟ فدخل على نسائه فقال : ويحكنّ ! هل أنكرتنّ من أمرابن داود ما أنكرنا ؟ فقلن: أشدُّه ما يدع امرأة منّا فى دمها، ولا يغتسل من جنابة، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون! إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج إلى بنى إسرائيل ، فقال ما فى الخاصّة أعظم مما فى العامّة ، فلما مضى أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجلسه ، ثم مرّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه ، فبلعته(٢) سمكة ، وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدرَ يومه ذلك ، حتى إذا كان العشىّ أعطاه سمكتيه ، فأعطى السمكة التى أخذت الخاتم ، ثم خرج سليمان بسمكتيه فيبيع التى ليس فى بطنها الخاتم بالأرغفة ، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه(٣) فى جوفها، فأخذه فجعله فى يده ووقع ساجداً لله، وعكَفَ عليه الطير والحن "(٤)، وأقبل عليه الناس وعرف أن الذى دخل عليه لما كان أحدث فى داره ، فرجع إلى ملكه ، وأظهر التوبةَ من ذنبه ، وأمر الشياطين فقال: ائتونى به ، فطلبتْه له الشياطين حتى أخذوه ، فأتى به ، فجاب(٥) له صخرة، فأدخله فيها، ثم سدّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص ، ثم أمر به فقذف فى البحر . حدثنا محمد بن الحسين ، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا ٥٩٢/١ أسباط، عن السدىّ فى قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾(٦)، قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوماً(٧)، قال: (١) تكملة من اح . (٣) !: ((الخاتم)). (٥) جاب صخرة ، أى خرقها . (٦) سورة ص ٣٤. (٧) ن: ((صباحاً)). (٢) !: ((فتلقته)). (٤) ١: ((إليه)». ٥٠٠ كان لسليمان مائة امرأة ، وكانت امرأة منهنّ يقال لها جرادة ، وهى آثر نسائه عنده ، وآمنهنّ عنده ، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ، ولا يأتمن عليه أحداً من الناس غيْرَها، فجاءته يوماً من الأيام فقالت [له](١): إن أخى بينه وبين فلان خصومة ، وأنا أحبّ أن تقضى له إذا جاءك ، فقال : نعم، ولم يفعل ، فابتُلى فأعطاها خاتمه ، ودخل المحرج فخرج الشيطان فى صورته ، فقال : هاتى الخاتم ، فأعطته ، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان ، وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيه خاتمه ، فقالت : ألم تأخذه قبل ؟ قال : لا، وخرج من مكانه تائهًا ، قال : ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا . قال : فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بنى إسرائيل وعلماؤهم، وجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا : إنا قد أنكرنا هذا ، فإن كان سلیمان، فقد ذهب عقله ، وأنكرنا أحكامه ! قال : فبكى النساء عند ذلك ، قال : فأقبلوا يمشون حتى أتوْه ، فأحدقوا به ثم نشروا فقرءوا التوراة ، قال : فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ، ثم طار حتى ذهب إلى البحر ، فوقع الخاتم منه فى البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر ، قال : وأقبل سليمان فى حاله ٥٩٣/١ التى كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادى البحر وهو جائع، وقد : اشتدّ جوعه ، فاستطعمه من صيدهم ، وقال : إنى أنا سليمان ، فقام إليه بعضُهم فضربه بعصًا فشجّه ، قال : فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر ، فلام الصيادون صاحبَهم الذى ضربه وقالوا : بئس ما صنعت حيث ضربته ! قال : إنه زعم أنه سليمان ، قال : فأعطوه سمكتين مما قد ضُرُب عندهم ، فلم يشغله ما كان به من الضرب، حتى قام على شطّ البحر ، فشقّ بطونهما(٢)، وجعل(٣) يغسلهما، فوجد خاتمه فى بطن إحداهما، فأخذه فلبسه ، فردّ اللّه عليه بهاءه ومُلْكَه، وجاءت الطير حتى حامتْ عليه ، فعرف القوُم أنه سليمان ، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا ، فقال : ما أحمدكم على (١) من ا. (٢) ح، س: ((بطونها)). ابن الأثير: ((بطنيهما)). (٣) ط: ((فجعل))، وما أثبته من ا