النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
فشمّها الفحل ، ولما شمّها قدمها، فتقدم معه الحصان عليه فرعون، فلما رأى
جند فرعون أنّ فرعون قد دخل دخلوا معه ، وجبرئيل أمامه ، فهم يتبعون
فرعون، وميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم يقول : الحقوا بصاحبكم ،
حتى إذا فصل جبرئيل من البحر ليس أمامه أحدٌ ، ووقف ميكائيل على
الناحية(١) الأخرى ليس خلفه أحد، طبَّق عليهم البحر، ونادى فرعون حين
رأى من سلطان اللّه وقدرته ما رأى ، وعرف ذلَّه وخذلته نفسه ، نادى : أن
لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين.
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا أبو داود البصرىّ ، عن حماد بن سلمة ،
عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس، قال : جاء جبرئيل
إلى النبى عليه السلام فقال : يا محمد ، لقد رأيتنى وأنا أدسّ من حمل البحر
فى فم (٢) فرعون مخافة أن تدركه الرحمة! يقول الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَبْتَ
قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نَتَجِيكَ بِبَدَنِكَ)، أى سواءٌ لم يذهب
منك شيء، ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) (٣) أى عبرة وبينة. فكان يقال:
لو لم يخرجه الله ببدنه حتى عرفوه لشكَّ فيه بعضُ الناس .
ولما جاوز ببنى إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، ٤٨٩/١
قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَ إلَّهَا كَمَاَ لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمُ قَوْمٌ
تَجْهُلُونَ * إنَّ هُؤْلاَء مُتَبٌَّ مَاهُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْتُلُونَ * قَالَ
أَغَيْرَ اللهِ أَبْفِيكُمُ إلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمُ عَلَى الْعَالَمِينَ}(٤). ووعد الله موسى حين
. أهلك فرعون وقومه ونجاه وقومَه ثلاثين ليلة .
رجع الحديث إلى حديث السدىّ . ثم إن جبر ئيل أتى موسى يذهب به إلى
(١) ١: ((ناحيته الأخرى))، ح، س: ((ناحية أخرى)).
(٢) !: ((فى فرعون)).
(٣) سورة يونس ٩٢،٩١.
(٤) سورة الأعراف : ١٣٨ - ١٤٠.

٤٢٢
اللّه عزّ وجلّ، فأقبل على فرس فرآه السامرىّ فأنكره، ويقال: إنه فرس الحياة،
فقال حين رآه : إنّ لهذا لشأنًا ، فأخذ من تربة الحافِر حافر الفرس ،
فانطلق موسى واستخلف هارون على بنى إسرائيل ، وواعدهم ثلاثين ليلة ،
وأتمها اللّه بعشر ، فقال لهم هارون: يا بنى إسرائيل، إنّ الغنيمة لا تحلّ
لكم، وإن حُلِىَّ القِبْط إنما هو غنيمة ، فاجمعوها جميعًا فاحفِروا لها
حفرة فادفنوها فيها ، فإن جاء موسى فأحلّها أخذتموها ، وإلاّ كان
شيئًا لم تأكلوه، فجمعوا ذلك الحلىّ فى تلك الحفرة، وجاء السامرىّ بتلك
القبضة فقذفها، فأخرج اللّه من الحلىّ عجلا جسداً له خُوار،
وعدَّت بنو إسرائيل موعدَ موسى، فعدُّوا الليلة يومًا واليوم يومًا ، فلما
كان العشر (١) خرج لهم العجلُ فلما رأوه قال لهم السامرىّ: ﴿هُذَا
إِلَّهُكمُ وإِلْهُ مُوسَى فَذَسِىَ﴾(٢). يقول: ترك موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه
فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشى، فقال لهم هارون: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيل
إنّا فُتِقْتُمْ بِهِ) يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ
فَاتَّبِعُونِى وَ أَطِيعُوا أَمْرِى)(٣)، فأقام هارون ومن معه من بنى إسرائيل لا يقاتلونهم،
وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه ، فلما كلّمه قال له: ﴿ومَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ
يَا مُوسى * قَالَ مُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٌّ لِتَرْضَى ﴾ قَالَ
فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِىُّ﴾(٤). فلما أخبره خبرهم قال
موسى: يا رب هذا السامرىّ أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيتَ الروحَ منْ
نفخها فيه ؟ قال الربّ : أنا . قال : رَبّ أنْتَ إذاً أضللتهم .
٤٩٠/١
ثم إن موسى لما كلمه ربُّه أحبّ أن ينظر إليه، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِفِى
أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِى وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ
(١) كذا فى ا، ن: وفى ط: ((العشرين)).
(٢) سورة طه ٨٨ .
(٣) سورة طه ٩٠.
( ٤) سورة طه ٨٣ - ٨٥ .

٤٢٣
فَسَوْفَ تَرَانِى﴾(١)، فحَفّحول الجبل الملائكة، وحُفّ حول الملائكةبنار،وحُفَّ
حول النار بملائكة ، وحول الملائكة بنار ، ثم تجلّى ربه للجبل .
فحدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، قال : حدثنى السدىّ ، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس ، أنه قال :
تجلّى منه مثل طرَف الخنصر، فجعل الجبلَ دكًا وخرّ موسى صعقاً ، فلم
يزل صَعِقا ما شاء اللّه؛ ثم انه أفاق فقال: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاَ أوَّلُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾(٢)، يعنى أول المؤمنين من بنى إسرائيل، فقال: ﴿يَا مُوسَى إِنِّى
اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَالاَنِي وَبِكَلاَمِى فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ
الثَّاكِرِينَ، وَكَتَبْنَاً لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مَوْعِظَةً وَكَفْصِيلاً
لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ من الحلال والحرام ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾، يعنى بجدّ واجتهاد
﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنهَا﴾(٢) أى بأحسن ما يجدون فيها. فكان موسى
بعد ذلك لا يستطيع أحد أن ينظر فى وجهه (٣)، وكان يُلْبِس وجهه بحريرة ،
فأخذ الألواحَ ثم رجعَ إلى قومِهِ ﴿ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ يقول: حزينًا ﴿قَالَ يَا قَوْمٍ
أَلَّ يَعِدْكُ رَبُّكُ وَعْدًا حَسَناً﴾ - إلى - ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْناَ مَوْعِدَكَ
بِمَلْكِنَاَ﴾ يقولون: بطاقتنا، ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾
يقول: من حُلىّ القبط ﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِئُ﴾ (٤)، ذلك حين قال
لهم هارون : احفروا لهذا الحلى حُفرة ، واطْرحوه فيها ، فطرحوه فقذف
السامرى تربته، فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، ﴿ قَلَ يَا بْنَ
◌ُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِحْمَتِ وَلاَ بِرَأْسِ إِنِى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بِ
إِسْرَائِيلَ وَمَّ تَرْقَبْ قَوْلِى)(٥). فترك موسى هارون، ومال إلى السامرىّ، فقال:
٤٩١/١
(٢) سورة الأعراف ١٤٣ - ١٤٥.
(١) سورة الأعراف ١٤٣.
(٣) ١: ((إلى وجهه).
( ٤) سورة طه ٨٦ ، ٨٧ .
(٥) سورة طه ٩٤

٤٢٤
﴿فَ خَطْبُكَ يَاسَامِرِئٍ﴾(١)، قال السامرىّ: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمَّ يَبْصُرُوا بِهِ﴾
إلى: ﴿فِ الْمِّ نَسْفاً﴾(١). ثم أخذه فذبحه، ثم حرفَهُ بالمبرد ثم ذراه فى
البحر ، فلم يبق بحر يجرى إلا وقع فيه شىءٌ منه ، ثم قال لهم موسى :
٤٩٢/١ اشربوا منه فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب ، فذلك حين
يقول: ﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾(٢). فلما سُقِط فى أيدى بنى
إسرائيل حين جاء موسى ﴿وَرَأَوْا أَنْهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لمَ يَرْحَمْنَا رَبُّغَ
وَ يَغْفِرْ لَنَاَ لَفَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(٣). فأبى الله أن يقبل توبة بنى إسرائيل
إلا بالحال التى كرهوا أن يقاتِلُوهُمْ حين عبدوا العجل ، فقال لهم موسى :
﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُّ ظَدْتُمْ أَنْفُسُكُمُ بِتَّخَاذِ كُمُ الْمِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِيِكَمُ
فَأَفْتُلُوا أَنْفُسَكمْ﴾(٤)، فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف،
فكان من قُتِل من الفريقين شهيداً ، حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا ،
حتى قتل بينهم سبعون ألفًا، حتى دعا موسى وهارون: رَبّنا هلكتْ بنو إسرائيل!
ربَّنا البقية البقية! فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قُتِل
كان شهيداً ، ومن بقى كان مُكفّراً عنه، فذلك قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمُ إنّهُ
هُوَ الثَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(٤).
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق،
عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، قال : كان السامرىّ
رجلاً من أهل باجَرْما(٥) ، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان حبُّ عبادة
(١) سورة طه ٩٥ - ٩٧
(٢) سورة البقرة ٩٣ .
(٣) سورة الأعراف ١٤٩
( ٤) سورة البقرة ٥٤
(٥) باجرماً، بفتح الجيم وسكون الراء وميم وألف مقصورة: قرية ، قرب الرقة من أعمال
الجزيرة . ياقوت .

٤٢٥
٤٩٣/١
البقر فى نفسه ، وكان قد أظهر الإسلام فى بنى إسرائيل ، فلما فصل هارون
فى بنى إسرائيل، وفصل موسى معهم(١) إلى ربه تبارك وتعالى قال لهم هارون :
إنكم قد تحملتُم (٢) أوزاراً من زينة القوم آل فرعون، وأمتعة وحليًا، فتَطهَّروا
منها فإنها نجس ، وأوقد لهم ناراً ، وقال : اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها ،
قالوا : نعم ، فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الحلىّ وتلك الأمتعة فيقذفون
به فيها، حتى إذا انكسرت الحلىّ فيها، رأى (٣) السامرى أثر فرس جَبْر ئيل،
فأخذ ترابًا من أثر حافره ، ثم أقبل إلى الحفرة فقال لهارون: يا نبيّ اللّه، ألقى
ما فى يدى ؟ قال : نعم ، ولا يظن هارون إلاّ أنه كبعض ما جاء به غيره من
تلك الأمتعة والحلىّ ، فقذفه فيها ، وقال : كن عجلا جسداً له خوار ، فكان
للبلاء والفتنة ، فقال : هذا إلهُكم وإله موسى ، فعكفوا عليه وأحبوه حبًّاً لم
يحبوا مثله شيئًا قط، فقال اللّه عزّ وجلّ: ﴿ فَذّسِىَ﴾(٤)، أى ترك ما كان عليه
من الإِسلام،- يعنى السامرىّ- ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلََّ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ
لَهُمْ ضَرَّا وَلاَ نَفْماً﴾(٤).
قال : وكان اسمُ السامرىّ موسى بن ظفر(٥) ، وقع فى أرض مصر ،
فدخل فى بنى إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنََّا فَتِذَمْ
بهِ﴾ - إلى قوله - ﴿حَّ يَرْجِعَ إلَيْئاَ مُوسَى﴾(٦). فأقام هارون فيمن
معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام مَنْ يعبد العجل على عبادة العجل ،
وتخوّف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: ﴿فَرَّقْتَ
بَيْنَ بَنِ إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِىِ﴾(٧)، وكان له هائبًا مطيعاً، ومضى
موسى ببنى إسرائيل إلى الطور ، وكان اللّه عزّ وجلّ وعدَ بنى إسرائيل حين
أنجاهم وأهلك عدوّهم جانب الطور الأيمن، وكان موسی حین سار ببنى إسرائيل
(١) كذا فى ا، ح، ن؛ وفى ط: ((عنهم)).
(٣) فى الأصول: ((ورأى)).
(٥) ح: ((الظفر)).
(٧) طه : ٩٤
(٢) س: ((حملم)
(٤) سورة طه ٨٨، ٨٩ .
(٦) سورة طه ٩٠ ، ٩١.

٠ ٤٢٦.
٤٩٤/١ من البحر قد احتاجوا إلى الماء، فاستسقى موسى لقومه ، فأمر أن يضرب بعصاه
الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبْط عين يشربون منها قدعرفوها،
فلما كلّم الله موسى طمع فى رؤيته ، فسأل ربه أن ينظر إليه ، فقال له :
إِنَّكَ ﴿لَنْ تَرَانِىِ وَ لَكِنِ انْظُرْ إلى الْجَلِ) إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)(١).
ثم قال اللّه لموسى: ﴿ إِنِّى اسْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَآَنِى وَبِكَلَامِ
فَخُذْ مَا آتَْتُكَ) إلى قوله: ﴿سَأْرِيَكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}(١). وقال له:
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى) إلى قوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ
غَضْبَانَ أَسِفَاً﴾(٢)، ومعه عهد الله فى ألواحه .
ولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ألقى الألواح
من يده، وكانتفيما يذكرون من زبرجد أخضر، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته
ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَ أَيْتَهُمْ ضَلُوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ) إلى قوله: ﴿وَلَ تَرْقُبْ
قَوْلِيٍ﴾(٢). فقال: ﴿يَا بْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْتَفُونِ وَكَادُوا يَقْتُلُوَنِى فَلاَ
تُشْمِتْ بِىَ الْأُعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾(٤)، فارعوی موسی
وقال: ﴿رَبِّاغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلِنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(٤).
وأقبل على قومه فقال: ﴿يَا قَوْمِ أَلمَ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمُ وَعْدَاً حَسَنَا) إلى قوله:
﴿عَجْلاً جَدَاً لَهُ خُوَارٌ﴾(٥). وأقبل على السامرىّ فقال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاَ سَامِرِىُّ » قالَ
بَصُرْتُ بِمَا لَمَّ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَسِحَ كُلِّ شَىْءْ عِلْماً﴾(٦). ثم
(١) سورة الأعراف ١٤٣-١٤٥
(٢) سورة طه ٨٣ - ٨٦ .
(٣) سورة طه ٩٢ - ٩٤
( ٤) سورة الأعراف ١٥٠، ١٥١
(٥) سورة طه ٨٦ - ٨٨
(٦) سورة طه ٩٥ - ٩٨

٤٢٧
أخذ الألواح، يقول الله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ. وَفِى نُسْخَتِهِاَ هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ
هُمْ ◌ِرَبِهِمْ يَرْهَمُونَ)(١).
٤٩٥/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن صدقة
ابن يسار، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس، قال : كان اللّه تعالى قد
كتب لموسى فيها موعظة وتفصيلا لكلّ شىء وهدى ورحمة ، فلما ألقاها رَفع
اللّه ستةَ أسباعها وأبقى سبعًا، يقول اللّه عزّ وجل": ﴿وَفِى نُسْخَتِهاَ هُدَّى وَرَحْمَةٌ
لِلّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ)، ثم أمر موسى بالعجل فأحرِقٍ، حتى رجع رماداً،
ثم أمر به فقذف فى البحر .
قال ابن إسحاق : فسمعت بعض أهل العلم يقول : إنما كان أحرقه (٢)
ثمّ سَحَلَه ثم ذرّاه فى البحر. والله أعلم.
٠
ثم اختار موسى منهم سبعين رجلا: الخيِّرِ فالخيّر، وقال: انطلقوا إلى
اللّه فتوبوا إليه مما صنعتم وسألوه التوبة على من تركتم وراء كم من قومكم، صوموا
وتطهّرُوا وطهّروا ثيابكم ، فخرج بهم إلى طورسيناء لميقات وقّته له ربه ، وكان
لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون-فيما ذكر لى- حين صنعوا ما أمرهم
به ، وخرجوا معه للقاء ربه: اطلب لنا نسمع كلام ربنا ، فقال : أفعل، فلما
دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشّى الجبل كلّه ، ودنا موسی
فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا ، و کان موسی إذا کلمه وقع على جبهته نور
ساطع لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه ، فضُرِب دونه بالحجاب ،
ودنا القوم حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا سجوداً ، فسمعوه وهو يكلّم موسى
يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل ، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى ٤٩٦/١
الغمام(٣)، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةَ﴾(٤)،
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) (٥)، وهى الصاعقة، فالفلتت أرواحهم فماتوا جميعا ،
(١) سورة الأعراف: ١٥٤
(٣) ن: ((الحجاب)).
(٥ ) سورة الأعراف ٧٨
(٢) كذا فى ا، ح، وفى ط: ((إحراقه سحله)).
( ٤) سورة البقرة ٥٥ ..

٤٢٨
وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ
أَهْلَكْتُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّىَ)(١) قد سفهوا، أفتهلِك (٢) مَنْ ورائى من بنى
إسرائيل بمافعل السفهاء منا ! إنّ هذا هلاك لهم . اخترت منهم سبعين رجلاً
الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معى رجل واحد ، فما الذى يصدقونى
به ! فلم يزل موسى يناشد ربَّه، ويسأله ويطلب إليه حتى ردًّ إليهم أرواحهم،
وطلب إليه التوبة لبنى إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا ، إلاّ أن يقتلوا
أنفسهم . وقال : فبلغنى أنّهم قالوا لموسى : نصبر لأمر الله ، فأمر موسى
مَنْ لم يكن عبد العجل أن يقتل مَنْ عبده ، فجلسوا بالأفنية ، وأصلت
عليهم القوم السيوف ، فجعلوا يقتلونهم ، وبكى موسى وبهش (٣) إليه الصبيان
والنساء يطلبون العفو عنهم ، فتاب عليهم وعفا عنهم ، وأمر موسى أن يرفع
عنهم السيف .
وأما السدىّ فإنه ذكر فى خبره الذى ذكرت إسناده قبلُ أن مصيرَ موسى
٤٩٧/١ إلى ربه بالسبعين الذين اختارهم من قومه بعد ما تاب الله على عبدة العجل من
قومه، وذلك أنه ذكر بعد القصة التى قد ذكرتها عنه بعد قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾(٤). قال: ثم إن الله أمر موسى أن يأتيه فى ناس من بنى إسرائيل يعتذرون
إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موعداً ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على
عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: ﴿لَنْ نُثْمِنَ لَكَ حَتَّى
فَرَى اللّهَ جَهْرَةً﴾(٤)، فإنك قد كلَّمته فأرِناه، فأخذتهم الصاعقة فماتوا ،
فقام موسى يبكى ويدعو اللّه ويقول: رب ماذا أقول لبنى إسرائيل
إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم ! ربِّ لوشئتَ أهلكتَهم من قبل وإياى ،
أهلكنا بما فعل السفهاء منا! فأوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين
مِمن اتّخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: ﴿إِنْهِىَ إلَّا فِتْنَتُكَ نُضِلُّ
بِهاَ مَنْ تَشَاءُ وَتَهَذِى مَنْ تَشَاءٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هُدْنا إلَيْكَ)(٥) ، يقول:
(١٠) سورة الأعراف ١٥٥
(٢) ط: ((فيهلك))؛ وما أثبته عن ا.
(٣) بهش الصبيان إليه : أقبلوا.
( ٤) سورة البقرة ٥٤ ، ٥٥
(٥) سورة الأعراف ١٥٥، ١٥٦
٠

٤٢٩
تبنا إليك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ
جَهْرَةَ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ﴾(١)، والصاعقة نار. ثم إن اللّه أحياهم، فقاموا
وعاشوا (٢) رجلا رجلا، ينظر بعضُهم إلى بعض: كيف يحيَوْن ؟ فقالوا:
يا موسى، أنتَ تدعو الله فلا تسأله شيئًا إلا أعطاك، فادعُه يجعلنا أنبياء ،
فدعا الله فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: (ثُمَّ بَعَتْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾، (١) ١٩٨/١
ولكنّه قدّم حرفًا وأخّر حرفًا .
ثم أمرهم بالسير إلى أريحا(٣)، وهى أرض بيت المقدس، فساروا حتى
إذا كانوا قريبًا منها (٤) بعث موسى اثنى عشر نقيباً من جميع أسباط بنى
إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبّارين، فلقيتهم رجل من الجبارين
يقال له عاج ، فأخذ الاثنى عشر فجعلهم فى حُجْزته وعلى رأسه حملة حطب،
فانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون (٥) أنهم يريدون
أن يقاتلونا ، فطرحهم بين يديها ، فقال : ألا أطحنُهم برجلى ! فقالت امرأته:
لا ، بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ، ففعل ذلك ، فلما خرج
القومُ قال بعضهم لبعض : يا قوم ، إنكم إن أخبرتُم بنى إسرائيل بخبر القوم
ارتدوا عن نبى الله ، ولکن ا کتموهم وأخبروا نیَّ الله ، فیکونان هما یریان
رأيهما ، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه ، ثم رجعوا فانطلق
عشرة فنكثوا العهد ، فجعل الرجل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأوا من أمر عاج،
وكتم رجلان منهم ، فأتوا موسى وهارون فأخبروهما الخبر ، فذلك حين يقول
الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بِ إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَاَ مِنْهُمْ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً﴾(٦).
فقال لهم موسى: ﴿يَاَ قَوْمِ إِذْ كُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَمَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاء
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾(٧)، يملك الرجل منكم نفسه وأهله ومَاله. ﴿ياَ قَوْمِ ادْخُلُوا
الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾، يقول: التى أمركم الله بها ٤٩٩/١
(١) سورة البقرة ٥٥ ، ٥٦
(٣) أريحا، بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة.
(٥) ح، س: ((زعموا)).
(٧) سورة المائدة ٢٠
(٢) كذا فى ا، وفى أصول ط: ((فعاش))
(٤) كذا فى ا، ح، وفى ط: ((منهم)).
(٦) سورة المائدة ١٢
٠

٤٣٠
﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا﴾ مما سمعوا من
العشرة : ﴿إِنَّ فِيهاَ قَوْمًاً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَاَ خَّى يَخْرُجُوا مِنْهاَ فَإنْ
يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا دَاخِلُونَ، قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ
أَنْعَّ اللهُ عَلَيْهِمَاَ ﴾، وهما اللذان كما ، وهما يوشع بن نون فتى موسى
وكالوب بن يوفَّّة - وقيل : كلاب بن يوفّنة ختن موسى - فقالا(١):
يا قوم (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. ﴿قَالُوا يَاَ مُوسَى إِنَّا لَنْ تَدْخُلَهَاَ أَبَدًا
مَا دَامُوا فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هُهُنَا قَاعِدُونَ ). فغضب
موسى، فدعا عليهم ، فقال: ﴿رَبِّ إِنِى لاَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ
بَيْنَا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وكانت عجَلة من موسى عجِلها ، فقال الله:
﴿فَإِنَهاَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَقِيهُونَ فِى الْأَرْضِ﴾(٢). فلما ضُرب عليهم
التيه ، ندم موسى وأتاه قومه الذينكانوا معه يطيعونه ، فقالوا له : ما صنعت
بنا يا موسى ؟ فلما ندم أوحى الله عزّ وجلّ إليه: ألا تأسَ ، أى لا تحزن
على القوم الذين سميتهم فاسقين . فلم يحزن ، فقالوا : يا موسى ،
فكيف لنا بماء ها هنا ؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى، فكان
يَسقط على الشجر الترنجبين (٤) والسَّلْوى- وهو طير يشبه السُّمانى- فكان
یأتی أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمینًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه،
فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب ؟ فأمر موسى فضرب (٥) بعصاه الحجر فانفجرت
منه اثنتا عشرة عينًا ، يشرب كل سِبْط من عين. فقالوا : هذا الطعام
والشراب ، فأين الظلّ ؟ فظلل اللّه عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظلّ ، فأين
٥٠٠/١
(١) ط: ((فقال))! وما أثبته من ا.
(٢) سورة المائدة ٢١، ٢٦
(٣) سورة المائدة ٢٢ - ٢٦
(٤) الترنجبين: طل يقع من السماء؛ وهو ندى شبيه بالعسل جامد متحبب، تأويله عسل
الندى ، وأكثر ما يقع بخراسان على شجر الحاج . المعتمد فى الأدوية المفردة ٣٥
(٥) س: ((أن يضرب)).

٤٣١
اللباس ؟ فكانت ثيابهم تطول معهم (١) كما تطول الصبيان ، ولا يتخرق لهم
ثوب ، فذلك قوله : ﴿وظَلَّلَنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾(٢).
وقوله: ﴿وَإِذٍ اسْتَدْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِمَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ
أَثْنَا عَشْرَةَ عَيْنَا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾(٣) ، فأجمعوا ذلك، فقالوا:
﴿يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامِ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَائِمًا تُفْسِتُ
الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِئَّاُهَا وَفَوْمِهَا﴾ - وهى الحنطة - ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾.
قال: ﴿أَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِلَّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً) من
الأمصار، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾(٣). فلما خرجوا من التيه رفع المنّ
والسلوى ، وأكلوا البقول ، والتقى موسى وعاج فنزا موسى فى السماء عشرة
أذرع ، وكانت عصاه عشرة أذرع ، وكان طوله عشرة أذرع ، فأصاب (٤)
کعب عاج فقتله .
٥٠١/١
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مُؤْمِّل ، قال : حدثنا سفيان ، عن
أبى إسحاق، عن نوف، قال : كان طول (٥) عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول
موسى عشرة أذرع ، وعصاه عشرة أذرع ، ثم وثب فى السماء عشرة أذرع ،
فضرب عوجاً فأصاب كعبه فسقط ميتًا ، فكان جِسْراً للناس يمرّون عليه .
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن عطية ، قال : أخبرنا قیس، عن
أبى إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، قال : کانت عصا موسى
عشرة أذرع ، ووثبتُه عشرة أذرع ، وطوله عشرة أذرع ، فأصاب كعب
عوج فقتله، فكان جسراً لأهل النيل . وقيل إن عوج عاش ثلاثة آلاف سنة .
(١) ن: ((عليهم)).
(٢) سورة الأعراف ١٦٠.
(٣) سورة البقرة ٦٠، ٦١.
(٤) كذا فى ا، وفى ط: ((وأصاب)).
(٥) فى ط: ((سرير))؛ والصواب ما أثبته عن أ.

ذكر وفاة موسى وهارون ابنى عمران عليهما السلام
حدثنا موسى بن هارون الهمدانىّ ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
٥٠٢/١ حدثنا أسباط، عن السُّدىّ فى خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانىّ عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من
أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم: ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى،
أنى مُتَوفِّ هارون ، فأت به جبل كذا وكذا . فانطلق موسى وهارون نحو
ذلك الجبل ، فإذا هما بشجرة لم يُرّ مثلها، وإذا هما ببيت مبنىّ ، وإذا هما
فيه بسرير عليه فرش ، وإذا فيه ريحٌ طيبة ، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل
والبيت وما فيه أعجبه، فقال : يا موسى إنى لأحبّ أن أنام على هذا السرير ،
قال له موسى : فم عليه ، قال: إنى أخاف أن يأتى ربُّ هذا البيت فيغضب
علىّ ، قال له موسى : لا ترهب أنا أكفيك ربُّ هذا البيت فتم، قال :
يا موسى بل نم معى ، فإن جاء رب البيت غضب علىّ وعليك جميعاً ، فلما
ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال : يا موسى خدعتّنى، فلما قُبض
رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورُفع السرير إلى السماء ، فلما رجع موسى
إلی ہی إسرائیل، ولیس معه هارون قالوا: فإن موسى قتلَ هارون وحسده لحبّ
بنى إسرائيل له، وكان هارون أكفّ عنهم وأليَن لهم من موسى ، وكان فی موسی
بعضُ الغلظِ(١) عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم ! كان أخى، أفتروْنی (٢)
أقتله ! فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى
نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه . ثم إن موسى بينما هو يمشى ويوشع
فتاه إذا أقبلت ريح سوداء ، فلما نظر إليها يوشع ظنّ أنها الساعة والتزم موسى ،
وقال : تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيّ اللّه، فاستلّ موسى من تحت القميص
وترك القميص فى يد يوشع ، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل ،
وقالوا: قتلت نى اللّه! قال: لا والله ما قتلتُه، ولكنه استُلَّ منى، فلم يصدّ قوه
وأرادوا قتله . قال: فإذا لم تصدقونى فأخِّرونى ثلاثة أيام، فدعا الله فأتى كلّ
٥٠٣/١
(١) ا، ن: ((الغلظة)).
(٢) ط: ((أفترونى)).
٤٣٢

٤٣٣
رجل ممن كان يحرسه فى المنام ، فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى ، وأنّاً قد رفعناه
إلينا ، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبّارين مع موسى إلا
مات ، ولم يشهد الفتح .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كان
صفىُّ اللّه قد كره الموت وأعظمه، فلمّا كرهه أراد الله تعالى أن يحبِّب إليه الموت
ويكرّه إليه الحياة، فحوّلت(١) النبوّة إلى يوشع بن نون ، فكان يغدُو عليه
وپروح، فيقول له موسى : يا نبيّ اللّه، ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع بن
نون: يا نِىّ اللّه، ألمْ أصْحبْك كذا وكذا سنة، فهل كنتُ أسألُك عن شىء
مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذى تبتدئ به وتذكره ؟ فلا يذكر له
شيئًا ، فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحبّ الموت .
٥
قال ابن حميد : قال سلمة : قال ابن إسحاق: وكان صفىّ اللّه - فيما
ذكر لى وهب بن منبه - إنما يستظلّ فى عريش(٢) ويأكل ويشرب فى نقیر
من حَجَر؛ إذا أراد أن يشرب بعد أن أكل كرع كما تكرع الدابة فى ذلك
النقیر ، تواضعًا لله حین أكرمه الله بما أکرمه به من كلامه .
قال وهب : فذ کر لی أنه كان من أمر وفاته أن صفىّ اللّه خرج يومًا من
عريشه ذلك لبعض حاجته (٣) لا يعلم به أحدٌ من خلق الله، فمرّ برهط من الملائكة
يحفرون قبراً(٤) فعرفهم وأقبل إليهم ، حتى وقف عليهم ، فإذا هم يحفرون قبراً
لم ير شيئًا قطّ أحسنَ منه، ولم يرمثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة ،
فقال لهم : يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا : نحفره لعبد كريم
على ربّه، قال: إنّ هذا العبد من اللّه لَبمنزل! ما رأيت كاليوم مضجعًاً (٥)
ولا مدخلا ! وذلك حين حضر من أمر الله ما حضر من قبضه ، فقالت له
الملائكة: يا صفىّ اللّه، أتحبّ أن يكون لك ؟ قال: وددت (٦). قالوا :
فانزل فاضطجع فيه ، وتوجه إلى ربك، ثم تنفس أسهلَ تنفس تنفستَه قط" .
(١) !، ح: ((فتحوّلت)).
(٢) ح: ((ظل عريش)).
(٣) كذا فى جميع الأصول؛ وفى ط: ((حاجاته)) تصرف من مصححه .
(٤) ح: ((حفرا)).
(٥) ن: ((مضطجعاً)).
(٦) ح: ((وددته)).
(٢٨)

٤٣٤
فنزل فاضطجع فيه ، وتوجَّه إلى ربه ، ثم تنفس فقبض اللّه تعالى روحه ، ثم
٠٠٥/١ سَوّت عليه الملائكة، وكان صفىّ اللّه زاهداً فى الدنيا راغبًا فما عند اللّه.
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا مصعب بن المقدام ، عن حماد بن
سلمة ، عن عمار بن أبى عمار، مولى بنى هاشم، عن أبى هريرة ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ملك الموت كان يأتى الناس عيانًا حتى أتى
موسى فلطمه ففقأ عينه ، قال : فرَجع فقال : يا ربّ ، إن عبدك موسى
فقأ عينى ، ولولا كرامته عليك لشققت عليه ، فقال : انت عبدی موسى ،
فقل له : فليضعْ كفه على متن ثور، فله بكل شعرة وارت يدُّه سنة؛ وخيِّره
بين ذلك وبين أن يموت الآن ، قال: فأتاه فخيره، فقال له موسى: فما بعد
ذلك ؟ قال : الموت ، قال: فالآن إذاً، قال : فشمّه شمة قبض روحه .
قال : فجاء بعد ذلك إلى الناس خُفية (١)).
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن أبى سنان الشيبانىّ ، عن
أبى إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قال : مات موسى وهارون جميعًا فى
التیه ، مات هارون قبل موسى ، وكانا خرجا جميعًا فى التيه إلى بعض الكهوف،
فمات هارون ، فدفنه موسى ، وانصرف موسى إلى بنى إسرائيل، فقالوا : ما فعل
هارون ؟ قال : مات ، قالوا : كذبتَ ولكنك قتلته لحبّنا إياه ، وكان محبَّباً
فى بنى إسرائيل ، فتضرّع موسى إلى ربِّه ، وشكا ما لقىّ من بنى إسرائيل ،
فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى موضع قبره، فإنى باعثه حتى يخبرهم أنه مات
موتًا ولم تقتله . قال : فانطلق بهم إلى قبر هارون ، فنادى : يا هارون ،
فخرج من قبره ينفض رأسه ، فقال : أنا قتلتك ؟ قال : لا والله ، ولكنى
متَّ، قال: فَعُدْ إلى مضجعك ، وانصرفوا .
٥٠٦/١
فكان جميع مدة عمر موسى عليه السلام كلها مائة وعشرين سنة ،
عشرون من ذلك فى ملك أفريدون : ومائة منها فى ملك مِنُو شهر ، وكان
ابتداء أمره من لدن بعثه اللّه نبيًا إلى أن قبضه إليه فى ملك مِنُوشِهْر .
(١) ط: ((خفياً))، وما أثبته عن ا.
:

ذكر يوشع بن نون عليه السلام
ثم ابتعث اللّه عزّ وجلّ بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون بن إفرايم
ابن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيًّا، وأمره بالمسير إلى أريحا
الحرب مَنْ فيها من الجبارين . فاختلف السلفُ من أهل العلم فى ذلك ، وعلى
يد مَنْ كان ذلك(١) ؟ ومتى سار يوشع إليها ؟ فى حياة موسى بن عمران
كان مسيره إليها أم بعد وفاته ؟
فقال بعضهم : لم يسِرْ يوشع إلى أريحا ، ولا أمر بالمسير إليها إلاّ بعد
موت موسى ، وبعد هلاك جميع من كان أبى المسيرّ إليها مع موسى بن عمران ،
حين أمرهم الله تعالى بقتال مَنْ فيها من الجبارين ، وقالوا : مات موسى وهارون
جميعًا فی التیه قبل خروجهما منه .
· ذکر من قال ذلك :
حدثنى عبد الكريم بن الهيثم ، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار، قال : حدثنا
سفيان، قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى:
لما دعا موسى - يعنى بدعائه قوله: ﴿رَبِّ إِنِّى لَا أَمْلِكُ إلَّا نَفْسِى وَأُخِى فافْرُقْ
بَيْتَنَا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ. قَالَ فَإِنّهَا حَرّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَنِيهُونَ
فى الْأَرْض)(٢). قال: فدخلوا التيه، فكل٣(٣) من دخل التيه ممن جاوز العشرين
سنة مات فى التيه ، قال : فمات موسى فى التيه ، ومات هارون قبله. قال: ٥٠٧/١
فلبثوا فى تيههم أربعين سنة ، وناهضَ يوشعُ بمن بقى معه مدينة الجبّارين فافتتح
يوشع المدينة (٤).
(٥) هذا العنوان لم يذكر إلا فى ا.
(١) ن: ((على يد من فتح ذلك)). ح: ((على يد من كان فتح ذلك)).
(٢) سورة المائدة ٢٥، ٢٦
(٣) س: ((فكان)).
(٤) الخبر فى التفسير ١٠ : ١٩٣
٤٣٥

٤٣٦ / :
حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، قال : حدثنا سعيد عن
قتادة. قال: قال اللّه تعالى: ﴿إِنّهَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْ بَعِينَ سَنَةً ... ) الآية،
حرّمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون على ذلك أربعين سنة .
وذكر لنا أنَّ موسى مات فى الأربعين سنة ، ولم يدخل بيتَ المقدس
منهم إلا أبناؤهم ، والرجلان اللذان قالا ما قالا .
حدثی موسی بن هارون الهمدانىّ ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدىّ فى الخبر الذى ذكرت إسناده فيما مضى: لم يبق أحدٌ
من أبىَ أن يدخلَ مدينة الجبَّارين مع موسى الا مات، ولم يشهد الفتح.
ثم إن الله عزّ وجلّلما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيًّا فأخبرهم أنه
نپی وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين ، فبايعوه(١) وصدقوه ، فهزم الجبارين،
واقتحموا عليهم ، فقتلوهم (٢)، فكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على
عنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها(٣).
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، عن هلال ، عن
قتادة فى قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرِّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، قال : أبداً .
حدثنى المثنّى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن هارون النحوىّ ، عن
الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة فى قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْ بَعِينَ سَنَةً
يَقِيُهُونَ فِ الْأَرْضِ﴾، قال: التحريم النَّيْه.
٠
#
وقال آخرون : إنما فتح أريحا موسى ؛ ولكن يوشع كان على مقدمة
٥٠٨/١
موسی حین سار إليهم .
• ذكر من قال ذلك :
(١) ح: ((فتابعوه)).
(٢) ح، س: ((يقتلونهم))، والتفسير: ((يقتلونهم)).
(٣) الخبر فى التفسير ١٠، ١٩٢، ١٩٣
•

٤٣٧
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما
نشأت النواشى من ذراريتهم - يعنى مِنْ ذرارىّ الذينَ أبوا قتال الجبارين مع
موسى - وهلك آباؤهم ، وانقضت الأربعون سنة التى تُيّهوا فيها؛ سار بهم
موسى ومعه يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنّة ، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة
عمران أخت موسى وهارون ، فكان لهم صهراً ، فلما انتهوا إلى أرض كنعان ،
وبها بلعم بن باعور العروف(١)، وكان رجلا قد آتاه الله علماً، وكان
فيما أوتى من العلم اسم الله الأعظم - فيما يذكرون - الذى إذا دعِىَ الله به أجاب،
وإذا سُئل به أعطى .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
سالم أبى النّضْر، أنه حدّث أنّ موسى لما نزل أرض بنى كَنْعان من أرض
الشام ، وکان بلعم ببالعة ۔۔ قرية من قرى البلقاء فلما نزل موسی ببنى إسرائيل
ذلك المنزل ، أتى قومُ بلعم إلى بلعم ، فقالوا له : يا بلعم ، هذا موسى بن عمران
فى بنى إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ، ويقتلنا ويُحلّها بنى إسرائيل،
ويسْكنها، وإنّا قومك وليس لنا منزلٌ، وأنت رجل مُجابُ الدعوة، فاخرج
فادعُ الله عليهم، فقال : ويلكم! نبى الله معه الملائكة والمؤمنون ! کیف أذهب
أدعو عليهم ، وأنا أعلم من الله ما أعلم ! قالوا : ما لنا من منزل ، فلم يزالوا
به برقّقونه(٢)، ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن فركب حمارةٍ(٣) له متوجها
إلى الجبل الذى يطلعه على عسكر بنى إسرائيل ، وهو جبل حُسْبان ، فما سار
عليها غير قليل ، حتى ربضت(٤) به ، فنزل عنها فضربها حتى أذلقها فقامت
فركبها ، فلم تسِرْ به كثيراً حتى رَبضت به ، ففعل بها مثل ذلك ، فقامت
فركبها، فلم تسرْ به كثيراً حتى ربضت به، فضربها حتى إذا أذلقها أذن الله
لها فكلمتْه حُجّةَ عليه ، فقالت: ويحك يا بلعم! أين تذهب! ألا ترى
الملائكة أمامى تردّنى عن وجهى هذا! أتذهب إلى نبىّ اللّه والمؤمنين تدعو
٠٠٩/١
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((المعروف)»، وفى ن: ((العزوف)).
(٢) ط: ((يرفقوله))، وما أثبته من ا، ح .
(٣) ا، ح: ((حمارا)).
(٤) الربوض الدابة ، كالركوب للإبل .

٤٣٨
٥١٠/١.
عليهم ! فلم ينزع عنها يضربها ، فخلّى اللّه سبيلها حين فعل بها ذلك ،
فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حُسْبان(١) ، على عسكر موسى وبنى
إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشىء إلاّ صرف اللّه لسانه إلى
قومه ، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بنى إسرائيل، فقال له قومه:
أتدرى با بلعم ما تصنع ؟ إنما تدعو لهم ، وتدعو علينا ، قال : فهذا ما لا أملك،
هذا شىء قد غلب اللّه عليه ، واندلع لسانُه فوقع على صدره، فقال لهم: قد
ذهبت الآن منى الدنيا والآخرة ، فلم يبق إلا المكر والحيلة ، فسأمكر لكم
وأحتال ، جَمِّلوا النساء وأعطوهنّ السّلع، ثم أرسلوهنّ إلى العسكر يبعنها
فيه ، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها؛ فإنه إن زنى رجل واحد
منهم كُفيتموهم ، ففعلوا ، فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين
اسمها كسبى (٢) ابنة صور- رأس أمته وبنى أبيه من كان منهم فى مدين،
هو کان کبیرھے- برجل من عظماء بنی إسرائیل، وهو زمری بن شلوم ، رأس
سَبْط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فقام إليها فأخذ بيدها حين
أعجبه جمالُها ، ثم أقبل حتى وقف بها على موسى ، فقال: إنى أظنك ستقول:
هذه حرام عليك! قال: أجلْ هى حرام عليك لا تقرَبْها ، قال: فوالله
لا نُطيعك فى هذا ، ثم دخل بها قبّته فوقع عليها ، فأرسل الله الطاعون فى
بنى إسرائيل . وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمْر موسى ، وكان
رجلا قد أعطِىّ بسطة فى الخلق ، وقوة فى البطش ، وكان غائبًا حين صنع
زمرى بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يحوس فى بنى إسرائيل ، فأخبر الخبر ،
فأخذ حربته - وكانت من حديد كلّها - ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان
فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما (٣) إلى السماء، والحربة قد أخذهابذراعه،
واعتمد بمرفقه على خاصرته ، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بِكْر العيزار - فجعل
يقول: اللهمّ هكذا نفعل بمَنْ يعصيك! ورُفع الطاعون فحُسِب مَنْ يهلك
من بنى إسرائيل فى الطاعون - فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله
٥١١/١
(١)، ن: ((على الجبل جبل حسبان)).
(٢) كذا فى ا، س، ن، وفى ط: ((كسى))، ح: ((كسي))
(٣) كذا فى ا، ح، ن، وفى ط: ((رافعاً)).

٤٣٩
فنحاص - فوجدوا قدهلك منهم سبعون ألفًا، والمقلّل لهم يقول: عشرون
ألفًا ، فى ساعة من النهار ، فمن هنالك تُعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص بن
العيزار بن هارون من كلِّ ذبيحة ذبحوها القِّة والذراع واللَّحْى، لاعتماده بالحربة
على خاصرته ، وأخذه إياها بذراعه ، وإسناده إياها إلى لحيته ، والبكر من كل
أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العیزار ، ففى بلعم بن باعور، أنزل الله تعالى
على محمد صلى الله عليه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىِ آَتَيْفَهُ آيَاتِاَ فَأَ نْسَلَحَ مِنْهَ) .-
يعنى بلعم بن باعور، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون)(١) يعنى بنى
إسرائيل ؛ أنى قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم يتفكرون
فيعرفون أنه لم يأت (٢) بهذا الخبر عمّا مضى فيهم إلا نبى يأتيه خبر من السماء.
ثم إن موسى قدّم يوشع بن نون إلى أريحا فى بنى إسرائيل فدخلها بهم ،
وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها ، وأصاب من أصاب منهم ، وبقيتْ منهم
بقية فى اليوم الذى أصابهم فيه ، وجنح عليهم الليل ، وخَشىَ إن لبسهم (٣)
الليل أن يُعجزوه، فاستوقف الشمس، ودعا الله أن يحبسها، ففعل عزّ وجلّ"
حتى استأصلهم ؛ ثم دخلها موسى ببنى إسرائيل ، فأقام فيها ما شاء الله أن
يقيم ، ثمّ قبضه الله إليه ، لا يعلم بقبره أحد من الخلائق .
٥١٢/١
فأما السّدىّ فى الخبر الذى ذكرت عنه إسناده فيما مضى؛ فإنه ذكر فى
خبرة ذلك أن الذى قاتل (٤) الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون ،
وقص من أمره وأمرهم ما أنا ذاكره ، وهو أنه ذكر فيه أن الله بعث يوشع
نبيا بعد أن انقضت الأربعون سنة ، فدعا بنى إسرائيل فأخبرهم أنه نبيّ ،
وأنّ اللّه قد أمره أن يقاتل الجبارين ، فبايعوه (٥) وصد قوه ، وانطلق رجل من
بنى إسرائيل يقال له : بلعم - وكان عالمًا، يعلم الاسم الأعظم(٦) المكتوم - فكفر
(١) سورة الأعراف ١٧٥، ١٧٦
(٢) ن: ((يأتهم)).
(٣) ن: ((لبسه)»
(٤) ن: ((قتل)»
(٥) ن: ((فتابعوه)).
(٦) ن ((: اسم الله الأعظم)).

٤٤٠
وأتى الجبارين ، فقال : لا ترهبوا بنى إسرائيل ؛ فإنى إذا خرجتم تقاتلونهم أدعُو
عليهم دعوة فيهلِكون؛ فكان عندهم فيما شاء من الدنيا ، غير أنه كان لا يستطيع
أن يأتى النساء من عظمهنّ، فكان ينكح أتاناً له، وهو الذى يقول اللهعزّ وجلّ:
﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىِ آتَيْنَهُ آيَاتِنَ﴾ أى فبصر ﴿ فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَنْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أُخْلدَ إلى الأرْضِ وَاتَّبْع هوّاهُ
فَمَثَلُهُ كَتَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْيِلْ عَلْيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ ◌َيْهَتْ﴾،
فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب، فخرج يوشع يقاتل الجبارين فى الناس، وخرج
بلعم مع الجبارين على أتانه ، وهو يريد أن يلعن بنى إسرائيل، فكلّما أراد
أن يدعُوَ على بنى إسرائيل جاء على الجبارين ، فقال الجبارون : إنك إنما تدعو
علينا، فيقول(١): إنما أردت بنى إسرائيل، فلما بلغ بابَ المدينة أخذَ ملَك
بذنَب الأتان فأمسكها، وجعل يحرّكها فلا تتحرك، فلما أكثر ضرْبها تكلّمت،
فقالت: أنت تنكحنى بالليل وتركبنى بالنهار ! ويلى منك! ولو أنَّى أطقت
الخروجَ لخرجت بك؛ ولكن هذا الملك يحبسنى، فقاتلهم يوشع يوم الجمعة
قتالا شديداً حتى أمسوا(٢) وغربت الشمس، ودخل السبت . فدعا الله فقال
للشمس: إنك فى طاعة الله وأنا فى طاعة الله، اللهم" اردد علىّ الشمس، فردت
عليه الشمس، فزيد له فى النهار يومئذ ساعة، فهزم الجبارين واقتحموا عليهم
يقتلونهم، فكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل (٣) يضربونها
لا يقطعونها . وجمعوا غنائمهم، وأمرهم يوشع أن يقرِّبوا الغنيمة فقرَّبوها، فلم
تزل النار(٤) تأكلها، فقال يوشع: يا بنى إسرائيل إن الله عزَّ وجلَّ عندكم طِلْبة،
هلمّوا فبايعونى، فبايعوه فلصقت(٥) يد رجل منهم بيده، فقال: هلمّ ما عندك!
فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت والجوهر، كان قد علّه ، فجعله
فى القربان ، وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان .
٠١٣/١
...
(١) عن ا، ح، س: ((فتقول)).
(٢) ح: ((حتى إذا أمسوا)).
(٣) ا، ن: ((رجل)) .
(٤) ط: ((تنزل))، والصواب ما أثبته من ا.
(٥) ن: ((فالتصقت)).