النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٤٣٧/١
الأساورة ، فدعاهم وأدخل الرؤساء من الناس ، ودعا موْبذ موبذان ،
فأقعد على كرسيّ مقابل سريره ، ثم قام على سريره ، وقام أشراف أهل بيت
المملكة وأشراف الأساورة على أرجلهم، فقال: اجلسوا فإنى إنّما قمت لأسمعكم
كلامى . فجلسوا فقال : أيها الناس ، إنما الخلق للخالق ، والشكر للمنعم ،
والتسليم للقادر ، ولا بدّ مما هو كائن ، وإنه لا أضعف من مخلوق طالبًا كان
أو مطلوبًا ، ولا أقوى من خالق ، ولا أقدر ممن طلبته فى يده ، ولا أعجز
ممن هو فى يد طالبه ، وإن التفكّر نور، والغفلة ظلمة ، والجهالة ضلالة ، وقد
ورد الأول ولا بد للآخر من اللحاق(١) بالأول ، وقد مضت قبلنا أصول نحن
فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله ! وإن اللّه عزّ وجلّ" أعطانا هذا الملك
فله الحمد ، ونسأله إلهام الرشد والصدق واليقين ، وإن للملك على أهل مملكته
حقًّا، ولأهل مملكته عليه حقًّا، فحقُّ الملك على أهل المملكة أن يُطيعوه
ويناصحوه ويقاتلوا عدوّه، وحقهم على الملك أن يعطيهم أرزاقهم فى أوقاتها،
إذ لا معتمد لهم على غيرها ، وإنها تجارتهم . وحق الرعية على الملك أن ينظر
لهم ، ويرفُق بهم ، ولا يحملهم على ما لا يطيقون، وإن أصابتهم مصيبة تنقص
من ثمارهم من آفة من السماء أو الأرض أن يُسقط عنهم خراج ما نقص، وإن
اجتاحتهم مصيبة أن يُعوِّضهم ما يقوّيهم على عماراتهم ، ثم يأخذ منهم بعد
ذلك على قدر ما لا يجحف بهم (٣) فى سنة أوسنتين، وأمْر الجند للملك بمنزله
جناحِى الطائر ، فهم أجنحة الملك متى قُصّ من الجناح ريشة كان ذلك
نقصانًا منه؛ فكذلك الملك إنما هو بجناحه وريشه . ألا وإن الملك ينبغى أن
يكون فيه ثلاث خصال : أولها أن يكون صدوقًا لا يكذب ، وأن يكون سخيًا
لا يبخل ، وأن يملك نفسه عند الغضب؛ فإنه مسلّط ويده مبسوطة ، والخراج
يأتيه ، فينبغى ألا يستأثر عن جنده ورعيته بما هم أهل له ، وأن يكثر العفو ؛
فإنه لا ملكَ أبقى من ملك فيه العفو، ولا أهلَك مَنْ ملك فيه العقوبة . ألاَ
٤٣٨/١
(١) !: ((اللحوق)).
(٢) ن: ((بقاء)).
(٣) ط: ((به)) وما أثبته عن ا، وابن الأثير.

٣٨٢
وإنّ المرء إن يخطئ فى العفو فيعفو، خير من أن يخطئ فى العقوبة. فينبغى
للملك أن يتثبّت فى الأمر الذى فيه قتل النفس وبوارها . وإذا رفع إليه من
عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغى له أن يحابيه ، وليجمع بينه
وبين المتظلُّم؛ فإن صّح عليه للمظلوم حقٌّ خرج إليه منه، وإن عجز عنه أدى
عنه الملكُ وردّه إلى موضعه ، وأخذه بإصلاح ما أفسد ؛ فهذا لكم علينا .
ألا ومَنْ سفك دما بغير حق، أو قطع يداً بغير حقّ، فإنى لا أعفو عن ذلك
إلا أن يعفُوَ (١) عنه صاحبُه فخذوا هذا عنى. وإن الترك قدطمعت فيكم فاكفونا،
فإنما تكفون أنفسكم ، وقد أمرت لكم بالسلاح والعدة وأنا شريككم فى الرأى ،
وإنما لى من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم. ألا وإن الملك ملك إذا أطيع، فإذا
خولف فذلك مملوك ليس بملك . ومهما بلغنا من الخلاف فإنا لانقبله من المُبُلِغ
له حتى نتيقَّنه، فإذا صحت معرفة ذلك وإلاّ أنزلناه منزلة المخالف. ألا وإن
أكمل الأداة عند المصيبات الأخذ بالصبر والراحة إلى اليقين ؛ فمن قُتِل فى
مجاهدة العدوّ رجوتُ له الفوز برضوان الله. وأفضل الأمور التسليم لأمر الله
والراحة إلى اليقين والرضا بقضائه ، وأيْن المَهْرب مما هو كائن! وإنما يتقلَّب
فى كفّ الطالب، وإنما هذه الدنيا سَفَر لأهلها لا يحدّون عَقْد الرحال إلا فى
غيرها؛ وإنما بُلغتهم فيها بالعوارىّ، فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم لمن
القضاءُ له! ومن أحقُّ بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهربًا إلا إليه، ولا معَّولاً
إلا عليه ! فثقوا بالغلّبة إذا كانت نياتكم أن النصر من الله ، وكونوا على ثقة
من دَرَك الطلبة إذا صحت نياتكم. واعلموا أن هذا الملك لا يقوم إلا بالاستقامة
وحسن الطاعة وقمع العدوّ وسدّ الثغور والعدل للرعية وإنصاف المظلوم ،
فشفاؤكم عندكم، والدواءُ الذى لا داءَ فيه الاستقامة، والأمر بالخير والنهى
عن الشرّ، ولا قوّةَ إلا بالله. انظروا للرعية فإنها مطعمكم ومشربكم، ومتى
عدلتم فيها رغبوا فى العمارة، فزاد ذلك فى خراجكم ، وتبين فى زيادة أرزاقكم ،
وإذا حِفتم على الرعية زهدوا فى العمارة ، وعطّلوا أكثر الأرض فنقص ذلك
٤٣٩/١
٤٤٠/١
(١) ط: ((حتى يعفو))، وما أثبته من ا.

١٠
٣٨٣
من خراجكم ، وتبيَّن فى نقص أرزاقكم ، فتعاهدوا الرعية بالإنصاف؛ وما كان
من الأنهار والبثوق مما نفقة ذلك من السلطان فأسرعوا فيه قبل أن يكثر، وما كان
من ذلك على الرعيَّة فعجزوا عنه فأقرضوهم من بيت مال الخراج ، فإذا حان (١)
أوقات خراجھم ، فخذوا من خراج غلاًےهم على قدرما لا يجحف ذلك بهم ،
رُبْع فى كلّ سنة أو ثلث أو نصف، لكيلا يشقّ(٢) ذلك عليهم. هذا
قولى وأمرى يا موبذ موبذان ، الزم هذا القول ، وخذ(٣) فى هذا الذى سمعت
فى يومك ؛ أسمعتم أيها الناس ! فقالوا: نعم ، قد قلت فأحسنت ، ونحن فاعلون
إن شاء اللّه : ثم أمر بالطعام فوضع فأكلوا وشربوا، ثم خرجوا وهم له شاكرون .
وكان مُلكه مائة وعشرين سنة .
٠
وقد زعم هشام بن الكلبى فما حدّثت عنه أن الرائش بن قيس بن صيفى
ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان كان من ملوك اليمن بعد يعرب بن
قحطان بن عابر بن شالخ وإخوته، وأن الرائش كان ملكه باليمن أيام [ملك](٤)
منو شهر، وأنه إنما سمى الرائش - واسمه الحارث بن أبى شدد(٥) -
الغنيمة غنمها من قوم غزاهم فأدخلها اليمن ، فسُمى لذلك الرائش ، وأنه غزا ١ /٤٤١
الهند فقتل بها وسبتى وغنم الأموال ، ورجع إلى اليمن ثم سار منها ، فخرج على
جبلَىْ طئ ثم على الأنبار ، ثم على الموصل ، وأنه وجَّه منها خيله وعليها رجل
من أصحابه ، يقال له : شمر بن العطاف ، فدخل على الترك أرض أذْ رَبيجَان
وهى فى أيديهم يومئذ، فقتل المقاتلة وسبى الذرّية، وزَبَر ما كان من مسيره فى حَجَرَيْن،
فهما معروفان ببلاد أذربيجان . قال: وفى ذلك يقول امرؤ القيس (٦):
أَلَمْ يُخْبِرْكَ أَنَّ الدَّهْرَ غُولٌ(٧) خَتُورُ الْعَهْدِ يَلْتَقِمُ الرِّجَالًا
(١) : ((جاءت)).
(٢) ط: ((يتبين)) وما أثبته من ا.
(٣) ا: ((وجد)).
(٤) من ا.
(٥) كذا فى ا، ح، وفى ط: ((سدد)).
(٦) ديوانه ٣٠٩
(٧) ا، والديوان: ((ألم يحزنك)).

٣٨٤
وَقَدْ مَلَكَ السُّهُولَةَ وَالْجِبَالَا
أَزّالَ عَنِ الْمَصَانِعِ ذَا رِيَاشٍ
وَالزَّرَّادِ قَدْ نَصَبَ الْحِبَالًا
وَأَنْشَبَ فِى الْمَخَالِبِ ذَا مَنَارٍ (١)
قال : وذو منار الذى ذكره الشاعر هو ذو منار بن رائش، الملك بعد أبيه ،
واسمه أبْرهَة بن الرائش ، قال : وإنما سمّى ذا منار لأنه غزا بلاد المغرب فوغل
فيها برًّا وبحراً ، وخاف على جيشه الضلال عند قفوله ، فبنى المنار ليهتدوا بها .
قال: ويزعم أهلُ اليمن أنه كان وجه ابنه العبد بن أبرهة فى غزوته(٢) هذه
إلى ناحية من أقاصى بلاد المغرب، فغنم وأصاب مالاً وقدم عليه بَنسْنَاس (٣)
لهم خِلَق وحشيَّة منكرة ، فذعر الناس منهم ، فسموه ذا الأذعار .
٤٤٢/١
قال : فأبرهة أحدُ ملوكهم الذين توغلوا فى الأرض ؛
٠ ٠٠
وإنما ذكرتُ منْ ذكرت من ملوك اليمن فى هذا الموضع لما ذكرت من
قول من زعم أن الرائش كان ملكاً باليمن أيام منوشهر ، وأن ملوك اليمن
كانوا عمالا لملوك فارس (٤) بها ، ومن قبلهم كانت ولايتهم(٥) بها.
(١) الديوان: ((ذاخليل)).
(٢) ح وابن الأثير: ((غزواته)).
(٣) فى القاموس: ((النسناس: جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة))، وفى ا
(٤) ح: ((الفرس)).
وابن الأثير: ((بسبى)) ..
(٥) ((ولاياتهم)).

١
ذ کر نسب موسى بن عمران وأخباره وما کان فى عهده وعهد
منوشهر بن منشخورنر الملك من الأحداث
قد ذكرنا أولاد يعقوب إسرائيل اللّه وعددهم وموالدهم(١). فحدثنا ابن
حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ،
قال : ثم إن لاوى بن يعقوب نكح نابتة ابنة مارى بن يشخر ، فولدت له
عَرشون بن لاوى ومرزى (٢) بن لاوى [ ومردى بن لاوى](٣) وقاهث
ابن لاوى. فنكح قاهث بن لاوى فاهى(٤) ابنة مسين (٥) بن بتويل بن إلياس.
فولدت له يصهر بن قاهث، فتزوج يصهر شميث ابنة بتاديت بن بركيا (٦)
ابن يقسان(٧) بن إبراهيم. فولدت له عمران بن يصهر ، وقارون بن يصهر ،
فنكح عمران يحيب ابنة شمويل بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم . فولدت
له هارون بن عمران وموسى بن عمران .
٤٤٣/١
وقال غير ابن إسحاق : كان عمرُ يعقوب بن إسحاق مائة وسبعاً وأربعين
سنة ، وولد لا وی له ، وقد مضی من عمره تسع وثمانون سنة ، وولد للاوی قاهٹ
بعد أن مضى من عمر لاوى ست وأربعون سنة ، ثم ولد لقاهت يصهر ، ثم ولد
ليصهر عمرم - وهو عمران - وكان عمر يصهر مائة وسبعاً وأربعين سنة ، وولد
له عمران بعد أن مضى من عمره ستون سنة ، ثم ولد لعمران موسى ، وكانت أمه
يوخابد (٨) - وقيل: كان اسمها باختة (٩) - وامرأته صفورا ابنة يترون(١٠)، وهو
:
(١) ح: ((ومواليدهم)).
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((مررى)).
(٤) !: ((قاهى))، ن: ((ما هى)).
(٣) من ا.
(٥) كذا فى ح، وفى ١: ((متنين))، وفى ن: ((متدير)).
(٦) ا، ن: ((بركنا)).
(٧) !: ((يغشان)).
(٨) !: ((يوخايذ))، ن: ((بوخايد).
(١٠) أ: ((تبزون)).
(٩) كذا فى ا .
٣٨٥
(٢٥)

٣٨٦
شعيب النبيّ صلى الله عليه وسلم. وولد موسى جرشون(١) وإيليعازر(٢)، وخرج
٤٤٤/١ إلى مدين خائفًا وله إحدى وأربعون سنة ، وكان يدعو إلى دين إبراهيم ،
وتراءى (٣) اللّه بطور سيناء ، وله ثمانون سنة .
وكان فرعون مصر فى أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف
الثانى ، وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد ، فرعون
يوسف الأول . فلما نودى موسى أُعلم أن قابوس بن مصعب قد مات ، وقام
أخوه الوليد بن مصعب مكانه ، وكان أعتى (٤) من قابوس وأكفر(٥) وأفجر(٦)،
وأمر بأن يأتيَه هو وأخوه هارون بالرسالة .
قال : ويقال إن الوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه و کان عمر عمران
مائة سنة وسبعاً وثلاثين سنة ، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون
سنة (٧)، ثم صار موسى إلى فرعون رسولا مع هارون ، وکان من مولد موسى إلى
أن خرج ببنى (٨) إسرائيل عن مصر ثمانون سنة، ثم صار إلى التيه بعد أن عبر
البحر ، فكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة ، فكان
ما بين مولد موسى إلى وفاته فى التيه مائة وعشرين سنة .
وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ،
عن ابن إسحاق ، قال : قبض اللّه يوسف ، وهلّك الملك الذى كان معه
الريان بن الوليد ، وتوارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر ، فنشر اللّه بها
بنى إسرائيل، وقبر يوسف حين قبض - كما ذكر لى - فى صندوق من مرمر فى
٤٤٥/١ ناحية من النيل فى جوف الماء ، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدى الفراعنة وهم
على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم
(١) !، ن: ((جوشون))، ح: ((حوشون)).
(٢) ا: ((إيلعان))، ن: ((إبليغان)).
(٣) ح: ((ورأى النار)).
(٤) ا: (( أغنى)).
(٥) ا، ن: ((أكبر))، ح: ((أكرم)).
(٦) كذا فى ا، وفى ط: ((وأفخر)).
(٧) ح: ((مائة وسبع سنين)).
(٨) ١: ((بنو)).

٣٨٧
من الإسلام ، متمسّكين؛ به حتى كان فرعون موسى الذى بعثه الله إليه ، ولم
يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولا ولا أطول عمراً فى ملكه منه .
وكان اسمه - فيما ذكروا لى- الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد
غلظة ، ولا أقسى قلبًا ، ولا أسوأ ملكة لبنى إسرائيل منه ، يعذّبهم فيجعلهم
خدَمًا وخولا، وصنّفهم فى أعماله ، فصنف يبنون ، وصنف يحرثون ، وصنف
يزرعون له ، فهم فى أعماله ، ومَنْ لم يكن منهم فى صنعة له من عمله فعليه
الجزية، فسامهم كما قال الله: ﴿ سُوءَ العذابِ﴾، وفيهم مع ذلك بقايا من أمر
دينهم لا يريدون فراقَه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها آسية ابنة مزاحم، من.
خيار النساء المعدودات ، فعمِّر فيهم وهم تحت يديه عمراً طويلا يسومهم سوء
العذاب ، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشُدّ أعطى الرسالة .
قال : وذكر لى أنه لما تقارب زمان موسی أتی منجمو فرعون وحُزاته إليه،
فقالوا: تعلَّم أنا نجد فى علمنا أن مولوداً من بنى إسرائيل فد أظلَّك زمانه الذى
يُولد فيه ، يسلبك ملكك ، ويغلبك على سلطانك ، ويخرجك من أرضك ،
ويبدِّل دينك . فلما قالوا له ذلك أمر بقتل كلٍّ مولود يولد من بنى إسرائيل
من الغلمان وأمر بالنساء يُستحبْيَين، فجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال
لهن: لا يسقطنَّ على أيديكنّ غلام من بنى إسرائيل إلا قتلتموه، فكنّ يفعلن
ذلك ، وكان يذبح مَنْ فوق ذلك من الغلمان ، ويأمر بالحبالى فيعذًّبن حتى
يطرحن ما فى بطونهنّ .
٤٤٦/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
عبد الله بن أبى نجيح ، عن مجاهد، قال: لقد ذكر لى أنه كان يأمر
بالقصب فيُشَقّ حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصفّ بعضه إلى بعض، ثم يأتى
بالحبالى من بنى إسرائيل فيوقفهنّ(١) عليه فيحزّ أقدامهنّ، حتى إن المرأة منهن
لتمصح (٢) بولدها فيقع بين رجليها، فتظلّ تطؤُه تَتَّقِى به حزّ القصب عن رجليها،
لما بلغ من جهدها ، حتى أسرف فى ذلك ، وكاد يُفنيهم ، فقيل له : أفنيتَ
(١) !: ((فيوقفن).
(٢) تمصع بولدها ، أى تلقيه .
٠٫٠

٣٨٨
الناس، وقطعتَ النَّسْل، وإنهم خَولك وُمَّالك. فأمر أن يقتَل الغلمان عامًا
ويستحيوا عاماً ، فولد هارون فى السنة التى يُسْتّحيا فيها الغلمان ، وولد موسى
فى السنة التى فيها يُقتلون، فكان هارون أكبر منه بسنة)
٤٤٧/١
وأما السدىّ فإنه قال ما حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا أسباط ،
عن السدىّ فى خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح ، عن ابن عباس -
وعن مرة الهمدانىّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم [ أنه ](١) كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا فى منامه أن ناراً
أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القِبْط وتركت
بنى إسرائيل، وأخر ت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة ، فسألهم
عن رؤياه فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذى جاء بنو إسرائيل منه - يعنون
بيت المقدس - رجل يكون على وجهه (٢) هلاكُ مصر. فأمر ببنى إسرائيل
ألاّ يولد لهم غلام إلا ذبحوه ، ولا يولد لهم جارية إلا تركت . وقال للقبط :
انظروا مملوكيكم (٣) الذين يعملون خارجًا فأدخلوهم واجعلوا بنى إسرائيل يلون
تلك الأعمال القذرة . فجعل بنى إسرائيل فى أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم ،
فذلك حين يقول الله: ﴿ إِنَّ فِرْ عَوْنَ عَلَاَ فِى الْأَرْضِ﴾ يقول : تجبّر فى
الأرض، ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً) - يعنى بنى إسرائيل حين جعلهم فى الأعمال
القذرة - ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِقَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ)،(٤) فجعل لا يولد لبنى إسرائيل
مولود إلا ذبح، فلا يكبر الصغير ، وقذف اللّه فى مشيخة بنى إسرائيل الموتَ،
فأسرع فيهم ، فدخل رءوس القبط على فرْعون فكلَّموه، فقالوا: إن هؤلاء
القوم قد وقع فيهم الموت ، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا نذبح أبناءهم فلا
يبلغ الصغار، ويفنى الكبار، فلو أنك تبقى من أولادهم ! فأمر أن يذبحوا سنة
ويتركوا سنة ؛ فلما كان فى السنة التى لا يذبحون فيها ولد هارون فترك ، فلما
كان فى السنة التى يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى (٥) فلما أرادت وضعه
٤٤٨/١
(١) من ا
(٢) ن: ((يديه)). (٣) كذا فى اح، وفى ط: ((ماليككم)).
(٥) ا: ((حملت بموسى أمه)).
( ٤) سورة القصص ٤

٣٨٩
حزنت من شأنه ، فأوحى الله إليها: ﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِهِ فِى
الْيَمِّ) وهو النيل، ﴿وَلَّا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ
المُرْسَلِينَ)(١) . فلما وضعته أرضعته، ثم دعت له نجاراً فجعل له تابوتًا ،
وجعل مفتاح التابوت من داخل ، وجعلته فيه وألقته فى اليم، ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ
قُصِّيهِ) تعنى قُصِّى أثره ﴿فَبَصُرَت بِهِ عَنْ جُنُبِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(٢)،
أنها أخته . فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة، ويخفضه أخرى ، حتى أدخله بين .
أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواری آسية امرأة فرعون يغتسلن ، فوجدن
التابوت فأدخلنه إلى آسية ، وظنْن (٣) أنّ فيه مالا، فلما نظرت إليه آسية وقعت
عليه رحمتُها وأحبته . فلما أخبرَت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية
تكلِّمه حتى تركه لها ، قال: إنى أخاف أن يكون هذا من بنى إسرائيل ، وأن
يكون هذا الذى على يديه (٤) هلا كنا، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَّهُ آلُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا﴾(٥). فأرادوا له المرضعات، فلم يأخذْ من أحد
من النساء ، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون فى الرضاع ، فأبى أن
بأخذ، فذلك قول الله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ) أُخته
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾(٦)،
فأخذوها ، وقالوا: إنكِ قد عرفتِ هذا الغلام فدلينا على أهله. فقالت (٧) : ٤٤٩/١
ما أعرفه ، ولكنى إنما قلت: هم للملك ناصحون .
ولما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت أن تقول : هو ابنى ! فعصمها
(١) سورة القصص ٧
(٢) سورة القصص ١١
(٣) ط: ((وظنوا))؛ وما أثبته عن ا.
(٤) !: ((يده )).
(٥ ) سورة القصص ٨
(٦) سورة القصص ١٢
(٧) !: ((قالت)).

٣٩٠
اللّه، فذلك قول الله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا
لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(١)، وإنما ◌ُسمّى موسى لأنهم وجدوه فى ماء
وشجر، والماء بالقبطية ((مو)) والشجر ((شا)). فذلك قول الله عزّ وجل":
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَن)(٢). فاتخذه فرعون ولداً
فدعىَ ابن فرعون . فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيًا ، فبينما هى ترقّصه
وتلعب به إذ ناولته فرعون ، وقالت : خذه مرة عين لى ولك ، قال فرعون :
هو قرة عين لك ولا لى(٣). قال عبد الله بن عباس: لو أنه قال: وهولى قرة عین
إذاً لآمن به ؛ ولكنه أبى ، فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتّفها ، فقال
فرعون: علىّ بالذباحين، هذا هو! قالت آسية: ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنَفْعَفَا
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾(٤)، إنما هو صبى لا يعقل؛ وإنما صنع هذا من صباه ،
وقد علمت أنه ليس فى أهل مصر امرأة أحلى منى؛ أنا أضع له حليًّا من
الياقوت ، وأضع له جمراً(٥)، فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه ، وإن أخذ
٤٥٠/١ الجمر فإنما هو صبىّ، فأخرجت له ياقوتها فوضعت له طستا من جمر، فجاء
جبرئيل فطرح فى يده جمرة فطرحها موسى فى فيه فأحرق لسانه ، فهو الذى
يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِى * يَفْقَهُوا قَوْلِىِ﴾(٦). فزالت عن
موسى من أجل ذلك . وكبر (٧) موسى فكان يركب مراكب فرعون ،
ويلبس [ مثل](٨) مايلبس ، وكان إنما يدعى موسى بن فرعون . ثم إن فرعون
ر کب مركبا ولیس عنده موسى ، فلما جاء موسی قیل له : إن فرعون قد ر کب،
فركب فى أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها مَنْف ، فدخلها نصف النهار ،
(١) سورة القصص ١٠
(٢) سورة القصص ١٣
(٣) فى الأصول: ((ولى لا)).
(٤) سورة القصص ٩
(٥) ن: ((جمر نار)).
(٦) سورة طه ٢٧، ٢٨
(٧) ط: ((فكبر))، وما أثبته من !.
(٨) من ا
٠

٣٩١
وقد تغلَّقت أسواقُها ، وليس فى طرقها أحد، وهو قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿وَدَخَلَ
الْمَدينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَاَ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هِذَامِنْ شِيعَتِهِ﴾
يقول: هذا من بنى إسرائيل، ﴿وَهُذَا مِنْ عَدُوِّهِ) يقول: من القبط ﴿فَاسْتَفَاقَهُ
الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ على الَّذِىِ مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قال لهُذَا
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ* قال رَبِّ إِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ
لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* قال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ
ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِى الْمَدِينَةِ خَائِفَا يَتَرَقَّبُ) خائفًا أن يؤخذ، ﴿فَإِذَا
الَّذِىِ اسْتَنْصَرَهُ بِالْأُمْسِ يَسْتَصْرِ خه﴾ يقول: يستغيثه ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنْكَ لَغَوِىٌ
مُبِينٌ﴾(١). ثم أقبل [موسى](٢) لينصره، فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش
بالرجل الذی یقاتل الإسرائیلی، قال الإسرائیلی-وفر قمنموسی أنیبطشبهمن أجل أنه
أغلظ الكلام - يا موسى ﴿ أَثُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِىِ كَمَا فَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ
تُريدُ إِلّ أنْ تَكُونَ جَدَّاراً فى الْأَرْضِ وَمَاتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ). (١)
فتركه وذهب القبطىّ ، فأفشى عليه أن موسى هو الذى قتل الرجل ، فطلبه فرعون
وقال : خذوه فإنه صاحبنا ، وقال للذين يطلبونه: اطلبوه فى بُنَيَّات (٢) الطريق،
فإن موسى غلام لا يهتدى إلى الطريق، وأخذ موسى فى بُنيَّات الطريق
وجاءه الرجل وأخبره ﴿ إِنَّ المَلَّأَّ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنَّ لَكَ
مِنَ النَّاصِحِينَ. فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نْجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ)(١). فلما أخذ موسى فى بُنيَّات الطريق جاءه ملك على فرس بيده
عنزةٌ، فلما رآه موسى سجد له من الفرق، فقال : لا تسجد لى ، ولكن اتبعنى،
فاتبعه فهداه نحو مدين ، وقال موسى وهو متوجه نحو مدين :
﴿عَسَى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾(١)، فانطلق به الملك حتى انتهى
به إلی مدین .
٤٥١/١
(١) سورة القصص ١٥ - ٢٢
(٢) من ا
(٣) بنيات الطريق: هى الطرق الصغار الى تتفرع من الجادة.

٣٩٢
حدثنى العباس بن الوليد ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال :
حدثنا أصبغ بن زيد الجُهْىّ ، قال : حدثنا القاسم ، قال : حدثنى سعيد
ابن جبير ، قال: [ سألت عبد اللّه بن عباس عن قول الله لموسى: ﴿وَفَتَفَّاكَ
فُتُوناً )(١)، فسألته عن الفتون ما هى ؟ فقال لى: استأنف النهار يا بن جبير ،
فإن لها حديثًا طويلا ، قال: فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه
ما وعدنى ](٢). قال: فقال ابن عباس: تذاكرفرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم
٤٥٢/١
من أن يجعلَ فى ذريته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم : إن بنى إسرائيل
لينتظرون ذلك ما يشكّون (٣) ، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما
هلك قالوا: ليس هكذا كان الله (٤) وعد إبراهيم ، قال فرعون : فكيف ترون ؟
قال : فائتمروا بينهم ، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشِّفَّار ،
يطوفون فى بنى إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ، فلما رأوا أن الكبار
من بنى إسرائيل يموتون بآجالهم ، وأن الصغار (٥) يُذبحون قالوا: توشكون أن
تفنُوا بنى إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التى كانوا يكفونكم ،
فاقتلوا عاماً كلّ مولود ذكر، فيقلّ أبناؤهم، ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً ،
فيشبّ الصغار مكان مَنْ يموت من الكبار ؛ فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون
منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يقدّوا بمن تقتلون . فأجمعوا أمرهم على ذلك
فحملت أم موسى بهارون فى العام الذى لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة
حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع فى قلبها الهمّ والحزن - وذلك
من الفتُون يا بن جبير ـــ مما دخل عليه فى بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها:
﴿أَلاَ تَخَا فِى وَلاَ تَخْزَنِى إِنَّا رَادُوهُ إليكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وأمرَها إذا
ولدته أن تجعله فى تابوت ، ثم تلقيه فى اليمّ . فلما ولدتْه فعلت ما أسرت به ،
٤٥٣/١ حتى إذا توارَى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت فى نفسها: ما صنعت بابنى؟
لو ذبح عندى فواريته وكفنته كان أحبَّ إلىّ من أن ألقيه بيدى إلى حيتان
(٢) تكملة من التفسير وتاريخ ابن كثير ..
(٤) ن: ((كان وعد الله)).
(١) سورة طه ٤٠
(٣) ن، والتفسير: ((وما يشكون)).
(٥) ن وابن كثير: ((والصغار)).

٣٩٣
البحر ودوابته. فانطلق به الماء حتى أوفى (١) به عند فُرْضة (٢) مُسْتقى جوارى
آل فرعون، فرأينه فأحذنه ، فهممن أن يفتحنَ التابوت، فقال بعضهن
لبعض : إن فى هذا مالاً ؛ وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا
فيه، فحملنه كهيئته لم(٣) يحرّكن منه شيئًا حتى دفعنه إليها ، فلما فتحته
رأت فيه (٤) الغلام، فألقى عليه منها محبّة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس،
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغَا﴾ من ذكركلّ شىء، إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا (٥) إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوهوذلك
من الفُتُون يا بن جبير ــ فقالت : للذباحين : انصرفوا ، فإن هذا الواحد
لا يزيد فى بنى إسرائيل، فآتى فرعون فأستوهبه إياه ، فإن وهبه لى كنتم قد
أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ
◌ِ وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾، قال فرعون : يكون لك ، فأما أنا فلا حاجة لی فیه ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذى يُحْلَف به، لو أقرّ فرعون أن
يكون له قرة عين كما أقرت به لهداه الله به، كما هدى به امرأته ، ولكن الله
حرمه ذلك )) .
فأرسلت إلى مَنْ حولها من كلّ أنثى لها لبن لتختار له ظهراً، فجعل (٦) ٤٥٤/١
كلّما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها (٧) ، حتى أشفقت امرأةُ فرعون
أن يمتنع من اللبن فيموتَ ، فحرنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق .
(١) كذا فى ا، والتفسير وتاريخ ابن كثير، وفى ك: ((وافى))، وفى ط: ((وأرفأ)).
(٢) الفرضة من النهر : ثلمة يستقى منها .
(٣) ، ((ولم))، وابن كثير: ((لم يخرجن)).
(٤) ح، ك: ((وجه)).
(٥) ن، وابن كثير: ((جاءوا)).
(٦) ح: ((فكان)).
(٧) ح: ((ثدييها))، وابن كثير: ((على ثديها)).

٣٩٤
مجمع الناس ترجو أن تُصيب له ظهراً يأخذ منها ، فلم يقبل من أحد ، وأصبحت
أمُّ موسى فقالت لأخته: قصّيه واطلبيه هل تسمعين له ذكراً ! أحىّ ابنى أم
قد أكلتْه دوابّ البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذى كان اللّه وعدها ، فبصُرت به
أخته عن جنُب وهم لا يشعرون ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظنورات :
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بِيتٍ يَكْفُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون﴾. فأخذوها
فقالوا: وما يدريكِ مانصحهم له! هل تعرفينه؟ حتى شكّوا فى ذلك - وذلك من
الفتون يا بن جبير - فقالت: نصحُهم له، وشفقتُهم عليه، ورغبتُهم (١) فى ظئورة
الملك ، ورجاءُ منفعته. فتركوها ، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر ، فجاءت
فلما وضعته فى حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه ، فانطلق البشراء إلى امرأة
فرعون يبشرونها أنْ قد وجدنا لابنك ظهراً ، فأرسلت إليها فأتيت بها وبه ، فلما
رأت ما يصنع بها قالت : امكثى عندى تُرضعين ابنى هذا فإنى لم أحبّ حبِّه
٤٥٥/١ شيئًا قطّ. قال: فقالت : لا أستطيع أن أدع بيتى وولدى فيضيع، فإن طابتْ
نفسُك أن تعطينيه(٢) فأذهب به إلى بيتى ، فيكون معى لا آلوه خيراً فعلت،
وإلا فإنى غيرُ تاركة بيتى وولّدى . وذكرت أم موسى ما كان اللّه وعدها ،
فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله عزّ وجلّ منجز وعده ، فرجعت
بابنها إلى بيتها مِنْ يومها، فأنبته اللّه نباتًا حسنًا، وحفظه لما قضى فيه ، فلم تزل
بنو إسرائيل وهم مجتمعون فى ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسُّخر التى كانت
فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريد أن ترينى موسى(٣)،
فوعدتها يوماً تريها إياه فيه ، فقالت لحواضنها وظئورها (٤) وقهارمتها: لا يبقينّ
أحد منكم إلا استقبل ابنى بهدية وكرامة ، ليرى ذلك ، وأنا باعثة أمينة (٥)
تحصى ما يصنع كلّ إنسان منكم . فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله
(١) كذا فى ح، ك، وتاريخ ابن كثير، وفى ط: ((رغبتهم)).
(٢) كذا فى اوابن كثير والتفسير، وفى ط: ((تعطينى)).
(٣) ك: ((ولدى)) .
(٤) ك: ((وظهورتها)).
(٥) ابن كثير: ((وأذا باعثة أميناً يحصى)).

٣٩٥
من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون ، فلما دخل عليها
يحتلّته (١) وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وقالت:
انطلقن به إلى فرعون فليبجِّله وليكرمه(٢). فلما دخلن به على فرعون وضعنه فى
حجره ، فتناول موسى لحية فرعون حتى مدَّها، فقال: عدو من أعداء الله ! ألا
ترى ما وعد الله إبراهيمّ أنه سيصرعك ويعلوك! فأرسل إلى الذبّاحين ليذبحوه
- وذلك من الفتون يا بن جبير - بعد كلِّ بلاء أبتلى به وأريد به. فجاءت امرأة ٤٥٦/١
فرعون تسعى إلى فرعون فقالت: ما بدا لك فى هذا الصبى الذى وهبتَه لى؟ قال :
ألا ترينه يزعم أنه سيصرَعنى ويعلُونى!فقالت : اجعل بينى وبينك أمراً يعرف (٣)
فيه الحق ؛ ائت بحمرتين ولؤلؤتين فقرّبهن إليه ، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب
الجمرتين علمت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحداً
لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرّب ذلك إليه فتناول الجمرتين
فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده ، فقالت المرأة : ألا ترى ! فصرفه الله عنه
بعد ما كان قد همّ به، وكان اللّه بالغًا فيه أمره، فلما بلغ أشدّه وكان (٤)
من الرجال لم يكن أحدٌ(٥) من آل فرعون يخلص إلى أحد من بنى إسرائيل
بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كلّ امتناع ، فبينما هو يمشى ذات يوم فى ناحية
المدينة إذا هو برجلين يقتتلان؛ أحدهما من بنى إسرائيل والآخر من آل فرعون،
فاستغاثه الإسرائيلىّ على الفرعونىّ، فغضب موسى واشتدّ غضبُه لأنه تناوله وهو
يعلم منزلة موسى من بنى إسرائيل وحفظه لهم ، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من
قبل الرضاعة غير أم موسى؛ إلا أن يكون الله عزّ وجلّ أطلع موسى من ذلك ٤٥٧/١
على ما لم يطلع عليه غيره ، فوكز موسى الفرعونىّ فقتله ، وليس يراهما إلا الله
عرّ وجلّ والإسرائيلىّ، فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلَ الشَّيْطَانِ
(١) التفسير وابن كثير: ((نحلته)).
(٢) كذا فى ١، وفى ط. ((فليكرمه))، وفى التفسير وابن كثير: ((فلينحله)).
(٣) ن: ((تعرف)) ..
(٤) كذا فى ا، والتفسير وتاريخ ابن كثير، وفى ط: ((فكان)).
(٥) ط: ((لم يمكن أحداً))، وما أثبته عن ا والتفسير وتاريخ ابن كثير.
٦

٣٩٦
إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مبينٌ﴾(١)، ثم قال: ﴿رَبِّ إِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِى فَغَفَرَ لَهُ
إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ﴾(١). فأصبح فى المدينة خائفًا يترقّب الأخبار،
فأتى فرعون فقيل له : إن بنى إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون فخذْ لنا
بحقنا ، ولا ترخِّص لهم فى ذلك ، فقال : ابغونى قاتله ، ومن يشهد عليه ؛ لأنه
لا يستقيمُ أن نقضىَ بغير بينة ولا ثبَت (٢). فطلبوا له ذلك، فبينما هم يطوفون
لا يجدون بينة، إذ مرّ موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلىّ يقاتل فرعونيًا،
فاستغاثه الإسرائيلىّ على الفِرْ عونىّ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان
منه بالأمس ، وكره الذى رأى ، فغضب موسى فمدَّ يده وهو يريد أن يبطش
بالفرعونىّ، فقال للإسرائيلىّ لما فعل بالأمس واليوم: (إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ﴾(٣).
فنظر الإسرائيلىّ إلى موسى بعد ما قال [ماقال] (٤)، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس
الذى قتل فيه الفرعونىّ، فخاف أن يكون بعد ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبين﴾،
أن يكون إياه أراد - ولم يكن أراده، وإنما أراد الفر عونى - فخاف الإسرائيلى
فحاجز الفرعونىّ، وقال: يا موسى ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلِ كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ﴾!
٤٥٨/١ وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله ، فتتاركا، فانطلق
الفرعونىّ إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلىّ من الخبر، حين يقول: ﴿أَتُرِيدُ
أَن تَقْتُلنی کما قتلْتَ نَفْسًا بالأُمْس) ! فأرسل فرعون الذّباحین ، وسلكموسى
الطريق الأعظم وطلبوه وهم لا يخافون أن يفهم ، وكان رجلٌ من شيعة موسی
من أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر؛ (٥)
وذلك من الفتون يا بن جبير(٦) .
ثم رجع الحديث إلى حديث السدىّ. قال: ﴿فَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ
(١) سورة القصص ١٥، ١٦
(٢) الثبت هنا : الحجة .
(٣) سورة القصص ١٨، ١٩
(٤) تكملة من ا والتفسير وابن كثير.
(٥) ن: ((بالخبر)).
(٦) الخبر فى التفسير ١٦ : ١٢٥، ونقله ابن كثير
فى التاريخ ١: ٣٠٠ - ٣٠٢، بسنده عن أبى عبد الرحمن النسائى.

٣٩٧
عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾(١) يقول: كثرةً من الناس يسقون .
وقد حدثنا أبو عمار المروزىّ ، قال: حدثنا الفضل بن موسى ، عن الأعمش،
عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير ، قال : خرج موسى من مصر إلى
مدين، وبينهما (٢) مسيرة ثمان ليالـ قال: وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة-
ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، فخرج حافيًا، فما وصل إليها حتى وقع
خف قدمه .
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثّام ، قال : حدثنا الأعمش ، عن
المنهال ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.
رجع الحديث إلى حديث السدىّ. ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُورِهِمُ أَمْرَ أَتَيْنِ
تَذْودَانِ ﴾ يقول: تحبسان غنمهما، فسألهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِى
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءِ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾(١)، فرحمهما موسى فأتى البثر
فاقتلع صخرة على البئر ، كان النَّفْرُ من أهل مدين يجتمعون عليها حتى
يرفعوها، فسقى لهما موسى دلواً فأرونا(٣) غنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما
تسقيان من فضول الحياض، ثم تولّ موسى إلى ظل شجرة من السَّمُر(٤) فقال:
﴿رَبِّ إِنِى لِمَا أَنْزَلْتَ إِلىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (١)، قال: قال ابن عباس:
لقد قال موسى ، ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خُضْرة أمعائه من شدة الجوع
ما يسأل الله إلا أكلة .
١ / ٤٥٩
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكَّام بن سلْ، عن عنبسة ، عن
أبى حَصِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى قوله عز وجل: ﴿وَلَمَّا
وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، قال: ورد الماء وإنه ليتراءى خضرة البقل فى بطنه من
(١) سورة القصص ٢٢ - ٢٤
(٢) ن: ((وبينه وبينها)).
(٣) ط: ((((فأرويتا))، وما أثبته عن ا، س.
(٤) س، ن: شجرة سمرة)).

٣٩٨
الهُزال فقال: ﴿رَبِّ إِنَّى لِمَا أَنْزَلْتَ إلىّ مِنْ خَيْرِ فَقِيرٌ) قال: شَبْعة .
رجع الحديث إلى حديث السدىّ. فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعًا،
سألهما فأخبرتاه خبر موسى ، فأرسل إحداهما فأتته ﴿ تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَاءٍ﴾
[وهى تستحيي منه](١)، ﴿قَالَتْ إنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَاسَقَيْتَ لَنَا ﴾
٦٠/١؛ فقام معها، وقال لها: امضى، فمشتْ(٢) بين يديه، فضربتْها الرياح فنظر
إلى عجيزتها ، فقال لها موسى : امشى خلْفى ودلينى على الطريق إن أخطأت،
فلما أتى الشيخ ﴿وَفَصَّ عَلِيهِ الفَصَصَ قَالَ لاَتَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَومِ الظَّالمينَ.
قَالَتْ إِحْدَأُهَا يَا أَبَتِ أُسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينَ﴾.
وهى الجارية التى دعته. قال الشيخ : هذه القوة قد رأيت حين اقتلع الصخرة ،
أرأيت أمانته ما يدريك ما هى ؟ قالت: إنى مشيت قدامه فلم يحبّ أن يخوننى
فى نفسى، وأمرنى أن أمشىَ خلفه، قال له الشيخ: ﴿إِنَى أُرِيدُ أنْ
أُنْكِحَكَ إحْدَى اِبْنَنِىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى) - إلى - ﴿أَيَّمَا
الأجَلَيْنِ قَضَيْتٍ﴾، إما ثمانيا وإما عشرا، ﴿وَاللهَ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيل﴾(٣).
قال ابن عباس : الجارية التى دعته هى التى تزوج بها . فأمر إحدى
ابنتيه أن تأتيَه بعصافأتته بعصا، وكانت تلك العصا [عصا] (٤) استودعها (٥) إياه ملك
فى صورة رجل، فدفعها إليه . فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها ، فلما
رآها الشيخ قال لها: لا، إيتيه بغيرها، فألقتها، فأخذت تُريد أن تأخذ غيرَها فلا
يقع فى يدها إلا هى، وجعل يرددها، فكل ذلك (٦) لا يخرج فى يدها غيرها(٧)،
فلما رأى ذلك عمد إليها فأخرجها معه ، فرعى بها . ثم إن الشيخ قدم وقال :
٤٦١/١ كانت وديعة. فخرج يتلقى موسى فلما لقيه قال: أعطنى العصا، فقال (٨) موسى:
(١) تكملة من ا.
(٢) ن: ((فضت)).
(٣) سورة القصص ٢٥ - ٢٨
( ٤) من ا
(٥) س: (( أودعها)).
(٦) ا: ((وكل)).
(٧) ن: ((إلا هى)).
(٨) كذا فى ا، وفى ط: ((قال)).

٣٩٩
هى عصاى، فأبى أن يعطيَه ، فاختصما بينهما ثم تراضيا أن يجعلا بينهما أول
رجُل يلقاهما ، فأتاهما ملك يمشى فقضى بينهما فقال : ضعاها فى الأرض
فمن حملها فهى له ، فعالجها الشيخ فلم يطقها ، وأخذها موسى بيده فرفعها ،
فتركها له الشيخ ، فرعى له عشر سنين .
قال عبد الله بن عباس: كان موسى أحقّ بالوفاء.
حدثنى أحمد بن محمد الطوسىّ، قال: حدّثنا الحمَيْدىّ عبد الله
ابن الزبير(١)، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنى إبراهيم بن يحيى بن أبى يعقوب ،
عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم قال: ((سألت جبرئيل : أىّ الأجلين قَضَى موسى ؟ قال : أتمهما
وأكملهما)).
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثی ابن إسحاق، عن
حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، قال: قال لى يهودىّ بالكوفة - وأنا
أتجهّز للحج - : إنى أراك رجلا يتبع العلم ، أخبرنى أىَّ الأجلين قضى
موسى ؟ قلت: لا أعلم وأنا الآن قادم على حَبْر العرب- يعنى ابن عباس -
فسأسأله عن ذلك ، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول ٤٦٢/١
اليهودىّ، فقال ابن عباس: قضَى أكثرَهما وأطيّبهما؛ إنّ النبىّ إذا وعد لم
يُخلف . قال سعيد : فقدمت العراق فلقيت اليهودىَّ فأخبرته، فقال : صدق،
وما أنزل الله على موسى هذا . والله العالم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد ،
عن القاسم بن أبى أيوب ، عن سعيد بن جبير ، قال : سألنى رجل من أهل
النصرانية : أىّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم - وأنا يومئذ لا أعلم -
فلقيت ابن عباس ، فذكرت له الذى سألنى عنه النصرانىّ ، فقال : أما كنت
تعلم أن ثمانيًا واجبة عليه ، لم يكن نبى لينقص منها شيئًا، وتعلم أن اللّه كان
قاضيًا عن موسى عدته التى وعده ، فإنه قضى عَشْر سنين .
(١) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدى؛ وفى الأصول: ((الحميدى بن عبد الله ... ))،
والصواب ما أثبته من تهذيب التهذيب ٥ : ٢١٥.

٤٠٠
حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج ، قال: أخبرنى وهب بن سليمان الذمارىّ، عن شعيب الجَبَائى
قال : اسم الجاريتين ليا وصفورة ، وامرأة موسى صفورة ابنة يترون ، كاهن
مدين ، والكاهن حَبْر .
حدثنى أبو السائب ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو
ابن مرّة ، عن أبىعبيدة، قال : كان الذى استأجر موسی یترون، ابن أخی
شعيب النبىّ .
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا العلاء بن عبد الجبار ، عن حماد بن
سلمة ، عن أبى جمرة ، عن ابن عباس، قال: الذى استأجر موسى اسمه بثرى
صاحب مدين .
حدثنى إسماعيل بن الهيثم أبو العالية ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، عن حماد
ابن سلمة، عن أبى جمْرة، عن ابن عباس، قال : اسم أبى امرأة موسى يثرى.
٤٦٣/١
رجع الحديث إلى حديث السدى. ﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأهْلِ﴾
فضلّ الطريق. قال عبد اللّه بن عباس : كان فى الشتاء ، ورفعت له نار ،
فلما ظنّ أنها نار- وكانت من نور الله - ﴿قَالَ لِأُهْلِهِ امْكُثُوا إِنّى آَ نَسْتُ
نَاراً لَعَلِّى آتِيَكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، فإن لم أجدْ خبراً أتيتُكم منها بشهاب قَبَس،
﴿َعَلَّكُمْ نَصْطَلُونَ﴾ قال: من البرد ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ مَن شَاطِئِ الوَادِى
الأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾(١) . ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِى الَّارِ
وَمَنْ حولها﴾(٢). فلما سمع موسى النداء فزع وقال : الحمد لله رب العالمين.
فنودِى: ﴿يَا مُوسَى إِّى أنَا الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(٣). ﴿وَمَا تِلْكَ بَيَمِينِكَ
يَا مُوسَى " قالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَأُ عَلَيْهَا وَأُهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى) ، يقول
(١) سورة القصص ٢٩
(٣) سورة القصص ٣٠
(٢) سورة النمل ٨