النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
قال يوسف: ﴿ اذْهَبُوا بقِصِى هذا فألقُوه على وَجْه أبى يأت بصيراً وأَتُونِى
بأَهْلِكُمْ أجمعين) (١). قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم إلى
يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب ، وأنا أُذهب اليوم بالقميص فأخبره
بأنه حی ،فأقرّ عینه کما أحزنته ؛ فهو كان البشير .
فلما أن جاء البشيرُ يعقوبَ بقميص يوسف ألقاه على وجهه ، فعاد بصيراً
بعد الحمى، فقال لأولاده: (ألم أَقُلْ لَكُمْ إِنِّى أعلمُ من اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون)(٢).
وذلك أنه كان قد علم ـ من صدق تأويل رؤيا يوسف التى رآها أنّ الأحد عشر
كوكبًا والشمس والقمر ساجدون - ما لم يكونوا يعلمون . فقالوا ليعقوب :
(يا أَبانا اسْتَغْفِرْ لَنَ ذُنُوبَنَاَ إنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾(٢). فقال لهم يعقوب: (سوف
أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾(٢). قيل: إنه أخر الدعاء لهم إلى السَّحَرَ. وقيل إنه أخّر ذلك
إلى ليلة الجمعة .
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذىّ، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن
الدمشقىّ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء
وعكرمة مولى ابن عباسٍ ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((قال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِى)، يقول: حتى تأتىَ ليلة
الجمعة)).
فلما دخل يعقوب وولده وأهاليهم على يوسف آوى إليه أبويه ، وكان ٤١٠/١
دخولهم علیه قبل دخولهم مصر- فیما قيل- لأن يوسف تلقاهم . حدثنا ابن وكيع ،
قال : حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدىّ ، قال : حملوا إليه أهليهم
وعيالهم ، فلما بلغوا مصر كلّم يوسف الملك الذى فوقه فخرج هو والملك
يتلقونهم، فلما بلغوا مصر قال: (ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ الله آمِنِينٍ)(٢).
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه .
(١) سورة يوسف ٩٣
(٢) سورة يوسف ٩٦ - ٩٩

٣٦٢
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا عبد العزيز ، قال : حدثنا جعفر بن
سليمان، عن فرقد السبّخىّ، قال: لما ألقِىَ القميص على وجهه ارتدَّ بصيراً ،
وقال: انتونى بأهلكم أجمعين ، فحمل يعقوب وإخوة يوسف، فلما دنا يعقوب
أُخبرَ يوسف أنه قد دنا منه ، فخرج يتلقاه . قال: وركب معه أهلُ مصر-
وكانوا يعظِّمونه - فلما دنا أحدهما من صاحبه ــ وكان يعقوب بمشى وهو يتوكأ
على رجل من ولده ، يقال له يهوذا -- قال : فنظر يعقوب إلى الخيل والناس ،
فقال(١): يا يهوذا ، هذا فرعون مصر ، فقال: لا ، هذا ابنك يوسف،
قال : فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب (٢) يوسف يبدؤه بالسلام ،
فمنع ذلك، وكان يعقوب أحقَّ بذلك منه وأفضل. فقال : السلام عليك يا مذهب
الأحزان ، فلما أن دخلوا مصر رفع أبويه على السرير وأجلسهما عليه .
وقد اختلف فى اللذين رفعهما يوسف على العرش ، وأجلسهما عليه، فقال
بعضهم : كان أحدهما أبوه يعقوب، والآخر أمه راحيل. وقال آخرونَ : بلْ
١١/١؛ كان الآخر خالته ليا وكانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك. وخرّ له
يعقوب وأمه وولد يعقوب سجَّداً .
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾(٣) قال : كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض ،
وقال يوسف لأبيه: ﴿ يا أبت هذا تأويلُ رُؤْيَىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَ رَبِى حَقًّا)،(٣)
يعنى بذلك: هذا السجود منكم ، يدل على تأويل رؤياى التى رأيتها من قبل،
صنع إخوتى بى ما صنعوا ، وتلك الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِى حَقًّا﴾. يقول : قد حقق الرؤيا بمجىء تأويلها.
...
وقيل كان بين أن أرى يوسف رؤياه هذه ومحىء تأويلها أربعون سنة .
ذكر بعض من قال ذلك :
#
(١) ط: ((قال)) وما أثبته من ا.
(٣) سورة يوسف ١٠٠ .
(٢) !: ((فذهب)).

٣٦٣
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا معتمر ، عن أبيه ، قال :
حدثنا أبو عثمان ، عن سلمان الفارسىّ ، قال : كان بين رؤيا يوسف إلى أن
رأى تأويلها أربعون سنة .
وقال بعضهم : كان بين ذلك ثمانون سنة .
* ذكر بعض من قال ذلك :
حدثنا عمرو بن على ، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفىّ، قال : حدثنا
هشام ، عن الحسن ، قال : كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون
سنة ، لم يفارق الحزنُ قلبه ودموعه تجری علی خدّیه ، وما على الأرض يومئذ
أحبُّ إلى اللّه عزّ وجلّ من يعقوب .
٤١٢/١
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا داود بن مِهْران ، قال : حدثنا
عبد الواحد بن زياد ، عن يونس ، عن الحسن، قال: ألْقِىَ يوسف فى الجبّ
وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة ، وعاش
بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة ، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة .
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا عبد العزيز ، قال : حدثنا مبارك بن
فَضَالة، عن الحسن ، قال: أَلْقِىَ يوسف فى الجبّ، وهو ابن سبع عشرة
سنة ، فغاب عن أبيه ثمانين سنة ، ثم عاش بعد ما جمع اللّه شمله ، ورأى
تأويل رؤياه ثلاثا وعشرين سنة ، فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة .
وقال بعض أهل الكتاب : دخل يوسف مصر وله سبع عشرة سنة ، فأقام
فى منزل العزيز ثلاث عشرة سنة ، فلما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون
ملك مصر ، واسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن
عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وأنّ هذا الملك آمن ، ثم مات ، ثم ملك
بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس(١) بن قاران بن عمرو
ابن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح . وكان كافراً ، فدعاه یوسف إلى الإيمان
باللّه فلم يستجب إليه ، وأن يوسف أوصى إلى أخيه يهوذا ، ومات وقد أتت
له مائة وعشرون سنة، وأنّ فيراق يعقوب إياه كان اثنتين وعشرين سنة، وأن
(١) ا، ن: ((البيلواس))
٤١٣/١

٣٦٤
مقام يعقوب معه بمصر كان بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة ، وأن يعقوب لما
حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف - وكان دخول يعقوب مصر فى سبعين إنساناً
من أهله . وتقدم إلى يوسف عند وفاته أن يحمّل جسده حتى يدفنه يجنب
أبيه إسحاق ، ففعل يوسف ذلك به ومضى به حتى دفنه بالشأم ، ثم انصرف
إلى مصر، وأوصى يوسف أن يحمّل جسده حتى يدفَن إلى جنب آبائه ،
فحمل موسی تابوت جسده عند خروجه من مصر معه .
وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
"ذكر لى - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانى عشرة سنة.
قال : وأهلُ الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأنّ يعقوب
بقىَ مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه . قال:
وقبر يوسف- كما ذكرلى فى - صندوق من مرمر فى ناحية من النيل فى جوف الماء .
وقال بعضهم : عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثا وعشرين سنة ، ومات
وهو ابن مائة وعشرين سنة. قال : وفى التوراة أنه عاش مائة سنة وعشر سنين .
وولد ليوسف أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف ، فولد لإفراييم نون ،
فولد لنون بن إفرايم يوشع بن نون وهو فتى موسى ، وولد لمنشا موسى بن منشا .
٤١٤/١
وقيل: إن موسى بن منشا نبّئ(١) قبل موسى بن عمران.
ويزعم أهل التوراة أنه الذى طلب الخضر .
(١) ط: ((نى))، وما أثبته من ا.
>

قصة الخضر وخبره وخبر موسی وفتاه
يوشع عليهم السلام
قال أبو جعفر : كان الخضير ممن كان فى أيام أفريدون الملك بن
أثفيان فى قول عامّة أهل الكتاب الأوّل، وقبل (١) موسى بن عمران صلى الله عليه
وسلم. وقيل إنه كان على مقدمة ذى القَرْنين الأكبر، الذى كان أيام إبراهيم
خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم، وهو الذى قضى له ببئر السبع . وهى بئر كان
إبراهيم احتفرها لماشيته فى صحراء الأردن - وإنّ قومًا من أهل الأردن" ادّعوا
الأرض التى كان احتفر بها إبراهيم بتره ، فحاكمهم إبراهيم إلى ذى القرنين الذى
ذكر أن الخضير كان على مقدمته أيام سَيْره فى البلاد، وإنه بلغ مع ذى
القرنين نهر الحياة ، فشرب من مائه وهو لا يعلم ، ولا يعلم به ذو القرنين ومن
معه ، فخلِّد ، فهو حىّ عندهم إلى الآن.
وزعم بعضهم أنه من ولد من كان آمن بإبراهيم خليل الرحمن ، واتبعه ٤١٥/١
على دينه ، وهاجر معه من أرض بابل حين هاجر إبراهيم منها . وقال : اسمه
بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ، قال :
وكان أبوه ملكاً عظيماً .
وقال آخرون: ذو القرنين الذى كان على عهد إبراهيم صلى الله عليه وسلم
هو أفريدون بن أثفيان ، قال : وعلى مقدمته كان الخضر .
وقال عبد الله بن شَوْذب فيه، ما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبدالحكم
المصرىّ قال : حدثنا محمد بن المتوكل ، قال : حدثنا ضَمْرة بن ربيعة ، عن
عبد الله بن شوذب، قال : الخضر من ولد فارس، وإلیاس من بنى إسرائيل،
يلتقيان فى كلّ عام بالموسم .
وقال ابن إسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، قال :
حدثنى ابن إسحاق ، قال : بلغنى أنه استخلف اللّه عزّ وجلّ فى بنى إسرائيل
(١) كذا فى اوابن الأثير، وهو الصواب، وفى ط: ((وقيل)).
٣٦٥

٣٦٦
رجلا منهم ، يقال له ناشية بن أموص، فبعث الله عزَّ وجلَّ لهم الخضر نبيًّا.
قال : واسم الخضر - فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بنى إسرائيل- أورميا بن
٤١٦/١ خلقيا، وكان من سِبْط هارون بن عمران . وبين هذا الملك الذى ذكره ابن
إسحاق وبین أفریدون أكثر من ألف عام .
وقول الذى قال : إن الخضر كان فى أيام أفريدون وذى القرنين الأكبر
وقبل (١) موسى بن عمران أشبه بالحق إلا أن يكون الأمر كما قاله مَنْ قال إنه
كان على مقدمة ذى القرنين صاحب إبراهيم ، فشرب ماء الحياة ، فلم يبعث
فى أيام إبراهيم صلى الله عليه وسلم نبيًا، وبعث أيام ناشية بن أموص ؛ وذلك
أنّ ناشية بن أموص الذى ذكر ابن إسحاق أنه كان ملكاً على بنى إسرائيل ،
کان فى عهد بشتاسب بن هراسب ، وبین بشتاسب وبین أفریدون من الدهور (٢)
والأزمان ما لا يجهله ذو علم بأيام الناس وأخبارهم ، وسأذكر مبلغَ ذلك إذا
انتهينا إلى خبر بشتاسب إن شاء اللّه تعالى .
وإنما قلنا: قول من قال : كان الخضر قبل موسى بن عمران صلى الله عليه
وسلم أشبهُ بالحق من القول الذى قاله ابن إسحاق وحكاه عن وهب بن منبّه ،
للخبر الذى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيّ بن كعب، أنّ صاحب
موسى بن عمران - وهو العالم الذى أمره الله تبارك تعالى بطلبه إذ ظن أنه لا أحد
فى الأرض أعلم منه- هو الخضر، ورسول الله صلى الله عليه كان أعلمّ خلق
٤١٧/١ الله بالكائن من الأمور الماضية، والكائن منها الذى لم يكن بعد.
والذیروی أبيّ بن کعب فىذلك عنهصلى الله عليهوسلم ما حدثنا أبو كريب،
قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن
دينار ، عن سعيد ، قال (٣): قلت لابن عباس: إن نوفاً يزعم أن الخضر ليس
(١) ط: ((قبل)) من غير واو، وما أثبتة من ا.
(٢) ح: ((الدهر)).
(٣) رواه البخارى فى كتاب التفسير بسنده عن سعيد بن جبير ؛ مع اختلاف فى ألفاظ
الحديث .

٣٦٧
بصاحب موسى ، فقال : كذبَ عدو اللّه ، حدثنا أبيّ بن كعب عن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: إن موسى قام فى بنى إسرائيل خطيباً فقيل: أىّ
الناس أعلم ؟ فقال : أنا ، فعتب اللّه عليه حين لم يردّ العلم إليه، فقال : بل
عبدٌ لى (١) عند مجمع البحرين ، فقال: يا ربّ، كيف به ؟ قال (٢): تأخذ
حوتًا فتجعله فى مكتل فحيث تفقده فهو هناك . قال : فأخذ حوتًا فجعله
فى مكتل، ثم قال لفتاه : إذا فقدتَ هذا الحوت فأخبرنى . فانطلقا يمشيان على
ساحل البحر حتى أتيا صخرة ، فرقَد موسى فاضطرب الحوت فى المكتل ،
فخرج فوقع فى البحر ، فأمسك اللّه عنه جَرْية الماء فصار مثل الطاق ، فصار
للحوت سرّباً ، وكان لهما عجبًا . ثم انطلقا، فلما كان حين الغداء قال موسى
لفتاه: ﴿ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هُذَا نَصَباً﴾(٣) قال: ولم يجد
موسى النصَب(٤) حتى جاوز حيث أمرَه اللّه (٥)، قال: فقال: ﴿أُرَأَيْتَ
إذْ أَوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيَهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ
أَذْ كُرَهُ وَأَنَّخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ البَحْرِ عَجَباً﴾(٣) قال: فقال: ﴿ ذَلَكَ مَّا كُنَّا نَبْغِ ١٨/١
فَأُ رْتَدًا عَلَى آثَارِ هِمَا قَصَصَاً)(٣). قال: يقصّان آثارهما(٦). قال: فأتيا
الصخرة، فإذا رجل نائم مسجى بثوبه، فسلّم عليه موسى فقال: وأنَّى بأرضنا السلام!
قال : أنا موسى ، قال : موسى بنى إسرائيل ؟ قال : نعم ، قال : يا موسى ،
إنى على علم من علم الله، علّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله
علّمكه اللّه لا أعلمه، قال: فإنى أتبعك على أن تعلمنى ممَّا عُلمْتَ رُشْداً.
﴿قَالَ فَإِنِ أَتَبَعْتَنِ فَلاَ تَسْأَلِ عَنْ شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾(٢).
فانطلقا يمشيان على الساحل ، فإذا بملاح فى سفينة ، فعرف الخضر ، فحمله
(١) البخارى: ((فأوحى الله إليه إن لى عبداً)).
(٢) ط: ((فقال))؛ وما أثبته عن اوالبخارى.
(٣) سورة الكهف ٦٢ - ٦٤ .
(٤) ح: ((التعب)).
(٥) لفظ البخارى: ((المكان الذى أمر الله به)).
(٦) ن: ((أثرهمها))، ولفظ البخارى: ((رجعاً يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة)).
(٧) سورة الكهف ٧٠ .

٣٦٨
بغير نَوْل، فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر - أو فنقد (١)- فى الماء، فقال
الخضر موسى: ما ينقص علمى وعلمك من علم اللّه إلا مقدار مانقر - أو نقد -
هذا العصفور من البحر .
قال أبو جعفر: أنا أشكُّ، وهو فى كتابى هذا ((نقر)). قال: فبينما هم
فى السفينة لم يُفجأ موسى إلا وهو يتِدٍ وتداً أو ينزع تخْتًا منها، فقال له موسى :
حمَلَنا بغير نَوْل وتخرقها لشُغْقَ أهْلِهَا (٢)! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْراً. قَالَ أَلَمَّ
أقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً( قَالَ لاَ تُوَّاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ) (٣) - قال:
٤١٩/١ فكانت الأولى من موسى نسيانًا - قال: ثم خرجا فانطلقا يمشيان، فأبصرا
غلامًا يلعب مع الغلمان ، فأخذ برأسه فقتله ، فقال له موسى: (أُقَتَلْتَ
نَفْاَ زَاكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نَكْراً. قَالَ أَمَ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْ ءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ
مِنْ لَدُنِى عُذْراً﴾(٤).
فانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قرية استطعما أهلها ، فلم يجدا أحداً يطعمهم
ولا يسقيهم ، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه بيده - قال : مسحه
بيده فقال له موسى: لم يُضيفونا ولم ينزلونا، ﴿لَوْشِئْتَ لَا تَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) (٥).
﴿قَالَ هذا فِرَاقُ بْنِ وَبَيْنِكَ﴾(٥) قال: فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم: (( لوددت أنه كان صبر حتى يقصّ علينا قصصهم(٦) )).
حدثنى العباس بن الوليد ، قال : أخبرنى أبى قال : حدثنا الأوزاعى ،
(١) ط: ((نقد، وما أثبته عن ا، ونقر ونقد بمعنى واحد.
(٢) لفظ البخارى: ((فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها
لتغرق أهلها )) .
(٣) سورة الكهف ٧١ - ٧٣ .
(٤) سورة الكهف ٧٤ - ٧٦، و((زاكية)) قراءة الجمهور، وقراءة الكوفيين وابن عامر:
((زكية)»، بتشديد الياء، وهى التى فى المصحف. وقال البخارى: ((كان ابن عباس قرأها: زكية وزاكية)).
(٥) سورة الكهف ٧٧ ، ٧٨
(٦) لفظ البخارى: وددت أن موسى كان صبر حتى يقص اللّه علينا من خبرهما)).

٣٦٩
قال : حدثنى الزهرىّ، عن عبيد الله بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود ، عن ابن
عباس: أنه(١) تماری هو واخرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ فی صاحب موسی ،
فقال ابن عباس : هو الخضر ، فمرَّ بهما أبىّ بن كعب ، فدعاه ابن عباس
فقال : إنى تماريت أنا وصاحبى هذا فى صاحب موسى عليه السلام الذى سأل
السبيلَ إلى لقائه، فهل سمعتَ رسول اللّه يذكر شأنه ؟ قال: نعم إنى سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بينا موسى عليه السلام فى ملاٍ من بنى
إسرائيل، إذا جاءه رجل فقال: تعلم مكان أحد أعلم منك؟ قال موسى: ٤٢٠/١
لا ، فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا الخَضِير، فسأل موسى السبيل إلى لقائه،
فجعل الله الحوت آية ، وقال له : إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ،
فكان موسى يتبع أثر الحوت ، [ فى البحر، فقال فتى موسى لموسى: (أرأيتَ
إِذْ أَوَيَنَا إلى الصَّخْرَةِ فإنى نسيتُ الحوتَ)](٢)، قال موسى: ﴿ذلك ما كُنَّا
نَبْغِ فارتدًا على آثارها قصَصَاً﴾، فوجدا الخضر (٣)، فكان من شأنهما ما قصّ
اللّه فى كتابه )).
حدثی محمد بن مرزوق قال ، حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا
عبد الله بن عمر النمیری ، عن يونس بن يزيد ، قال : سمعت الزهرىّ يحدث
قال : أخبرنى عبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس:
أنه تمارى هو والخرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ فی صاحب موسى ، فذكر نحو
حدیث العباس عن أبيه .
حدثنا محمد بن سعد ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى عمى ، قال :
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس ؛ قوله: ﴿ وَإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ
(١) نقله ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٩٦
(٢) تكملة من ا وتفسير ابن كثير.
(٣) !: ((فوجدا عبدنا الخضر)).
( ٢٤)

٣٧٠
٤٢١/١
لاَ أُبْرَحُ حَتَى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ... ﴾(١) الآية، قال: ما(٢) ظهر موسى
وقومه على مصر نزل قومه مصر ، فلما استقرّت بهم الدار ، أنزل الله عزّ وجلّ
عليه: أن ذكِّرهم بأيام اللّه. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير
والنعمة ، وذكَّرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون ، وذكّرهم هلاك عدوهم ،
وما استخلفهم [الله](٣) فى الأرض، فقال: وكلم الله موسى نبيكم تكليماً،
واصطفانى لنفسه، وأنزل علىّ محبة منه، وآتاكم الله من كلّ ما سألتموه،
فنبيكم أفضلُ أهل الأرض وأنتم تقرءون التوراة . فلم يترك نعمةً أنعمها اللّه
عليهم إلا ذكرها وعرَّفها إياهم ، فقال له رجل من بنى إسرائيل : هو كذلك
يا نبيّ اللّه، وقد عرفْنا الذى تقول، فهل على الأرض أحدٌ أعلم منك يا نبيّ
الله؟ قال: لا، فبعث الله عزّ وجلّ جبرئيل عليه السلام إلى موسى عليه
السلام فقال : إن الله تعالى يقول: وما يدريك أين أضع علمى؟ بلى إن على شط
البحر رجلا أعلم منك - قال ابن عباس : هو الخضر - فسأل موسى
ربه أن يريّه إياه، فأوحى الله إليه أن انت البحر ، فإنك تجد على شط
البحر حوتاً فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شطّ البحر ، فإذا نسيت الحوت
وهلك منك ، فَمّ تجد العبد الصالح الذى تطلب .
فلما طال سفر موسى نبى اللّه صلى الله عليه ونصب فيه ، سأل فتاه عن
الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: (أرأيت إذْ أوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نسيتُ
الحوتَ وَمَا أُنْسَانِهِ إلَّا الشيطانُ أنْ أذكُرَهُ﴾ لك. قال الفتى: لقد
رأيت الحوت حين اتخذ سبيله فى البحر سربا. فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتى
الصخرة فو جد الحوت، فجعل الحوت يضرب فى البحر ويتبعهموسى ، وجعل موسى
يقدّم عصاه يفرج بها عنه الماء ، يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا.
من الماء (٤) إلا ييس حتى يكون صخرة، فجعل نبى الله صلى الله عليه يعجب
من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقى الخضر بها، فسلّم
١/ ٤٢٢
(١) سورة الكهف ٦٠ .
(٢) نقله ابن كثير فى التفسير ٣ : ٩٥ .
(٣) من تفسير ابن كثير.
(٤) ط: ((البحر))، وما أثبته من ا.

٣٧١
عليه ، فقال الخضر: وعليك السلام ، وأنى يكون هذا السلام بهذه الأرض !
ومن أنت ؟ قال : أنا موسى، فقال له: الخضر صاحب ◌ُ(١) بنى إسرائيل؟
قال : نعم ، فرحَّب به وقال : ما جاء بك ؟ قال : جئت على أن تعلِّمنى مما
علمت رشداً، قال: ﴿إنك لن تستطيعَ مَعِىَ صَبْاً﴾(٢)، يقول : لا تطيق
ذلك، قال موسى: (سَتَجِدُفِى إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِى لَكَ أَمْراً﴾(٣).
قال : فانطلق به ، وقال له : لا تسألنى عن شىء أصنعُه حتى أبين لك شأنه،
فذلك قوله: ﴿حَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾(٣). فركبا فى السَّفينة يريدان
أن يتعديا إلى البرّ، فقام الخضر، فخرق السفينة فقال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا
لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إذْراً﴾(٣) ... ثم ذكر بقية القصّة
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القُمّىّ ، عن هارون بن عنترة
عن أبيه ، عن ابن عباس قال : سأل موسى عليه السلام ربه عزّ وجلّ فقال:
أى ربّ ؛ أيُّ عبادك أحبُّ إليك ؟ قال : الذى يذكرنى ولا ينسانى، قال:
فأىّ عبادك أقضى ؟ قال : الذى يقضى بالحق ولا يتبع الهوى ، قال أىّ ربَّ،
أىُّ عبادك أعلم ؟ قال : الذى يبتغى علم الناس إلى علمه ، عسى أن يُصيب
كامة تهديه إلى هدى، أو تردّه عن ردَّى، قال : ربّ فهل فى الأرض أحد
- قال أبو جعفر أظنه قال : أعلم منى ؟ قال : نعم ، قال: ربّ ، فمن
هو ؟ قال : الخضر ، قال : وأين أطلبه ؟ قال: على الساحل (٤)، عند
الصخرة التى ينفلت عندها الحوت ، قال : فخرج موسى يطلبه حتى كان
ما ذكره اللّه عزّ وجلّ وانتهى موسى إليه عند الصخرة ، فسلّ كلّ واحد منهما
على صاحبه ، فقال له موسى: إنى أريد أن تستصحبنى(٥)، قال: لن تطيق
٤٢٣/١
(١) ا، ن: ((أصاحب بنى إسرائيل؟)).
(٢) سورة الكهف ٦٧
(٣) سورة الكهف ٦٩ - ٧١
(٤) ح: ((بالساحل))
(٥) ن: ((أصحبك)).

٣٧٢
صحبّى ، قال : بلى ، قال : فإن صحبتنى ﴿فَلاَ تَسْألْنِى عَنْ شَىءٍ حَتَّى
أَحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً · فانْطَلَقَا حَتَّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَفَهَاَ قَالَ
أُخَرَقْتَهَا لِتُغْرِفَ أَهْلَهَا لَقَدْ ◌ِثْتَ شَيْئًا إِراً. قَالَ ألِمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
مَعِىَ صَبْاَء ◌َالَ لاَ تُؤَاخِذْ نِى بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْحِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْراً.
فَأَنْطَلَفَاَ حَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامَاً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقتلتَ نَفْسَا زَاكِيَةً ◌ِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ
جِئْتَ شَيْئًا نُكْراً﴾، إلى قوله: ﴿لَأَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً﴾(١) .
قال : فكان قول موسى فى الجدار لنفسه ولطلب شىء من الدنيا ، وكان
قوله فى السفينة وفى الغلام اللّه عزّ وجلّ. (قال هذا فِرَاقُ بَيِنِى وَبَيْنِكَ سَأُ نِبْتُكَ
بِتَأْوِيلِ مَا لَمَّ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾(١)، فأخبره بما قال الله:
﴿أما السفينة فكانتْ لِمَسَاكِين ... ) الآية، ﴿وَأَمَّا الْفُلَامُ ... ﴾(١) الآية،
﴿ وَأَمَّا الْجِدَار ... )(١) الآية. قال: فسار به فى البحر حتى انتهى
٤٢٤/١ به إلى مجمع البحرين(٢)، وليس فى الأرض مكان أكثر (٣) ماءً منه، قال:
وبعث ربك الخُطّاف ، فجعل يستقى منه بمنقاره ، فقال لموسى : کم ترى
هذا الخُطّف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقلَّ ما رزأ! قال : يا موسى فإنّ
علمى وعلمك فى علم الله كقدر ما استفى هذا الخُطّاف من هذا الماء . وكان
موسى عليه السلام قد حدّث نفسه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلم به؛ فمن ثَمّ
أمر أن يأتى الخضر .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق،
عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة ، عن سعيد بن جبير ، قال :
جلست عند ابن عباس وعنده نفرٌ من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس
إن نَوْفا ابن امرأة كعب، ذكر (٤) عن كعب أن موسى النبى عليه
(١) سورة الكهف ٧٠ - ٨٠
(٢) !: ((البحور))
(٣) ح (أكبر))
(٤) !: ((يزعم))

٣٧٣
السلام الذى طلب العالم إنما هو موسى بن منشا . قال سعيد : فقال ابن عباس:
أنوْفٌ يقول هذا ؟ قال سعيد : فقلت له : نعم ، أنا سمعت نوْفا يقول ذلك ،
قال : أنت سمعته يا سعيد ؟ قال : قلت: نعم ، قال : كذب نوف . ثم
قال ابن عباس : حدثنى أبىّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
موسى نبيّ إسرائيل سأل ربه تبارك وتعالى فقال : أىّ رب ، إن كان فى عبادك
أحدٌ هو أعلم منى فادللنى عليه ، فقال له : نعم فى عبادى مَنْ هو أعلم منك،
ثم نعبت له مكانه ، وأذن له فى لقائه ، فخرج موسى عليه السلام ومعه فتاه ،
ومعه حوتملیح قد قيل له : إذا حپی هذا الحوت فی مکان فصاحبك هنالك،
وقد أدركتَ حاجتك .
٤٢٥/١
فخرج موسی ومعه فتاه ، ومعه ذلك الحوت يحملانه ، فسار حتى جهده
السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى (١) ذلك الماء وذلك الماء، ماء الحياة، مَنْ شرب منه
خُلِّد، ولا يقاربه شىء ميت إلا أدركته الحياة (٢) وحبى. فلما نزلا منزلاومس"
الحوتُ الماءَ حى، فاتخذ سبيله فى البحرسربًا، فانطلق فلما جاوزا بمنقلة (٣)
قال موسى لفتاه: ( آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَفِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبَا). قال الفتى
وذكر: ﴿أرأيتَ إذ أوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنَى نَسِيتُ الحوتَ وَمَا أَنْسَانِه
إِلَّا الشَّيْطَانُ أنْ أُذِكُرُّهُ وَاتَّخَذَ سِبِيلَه فِى الْبَحْرِ عَجَباً﴾. قال ابن عباس:
وظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا إليه ، فإذا رجل متلفِّف (٤) فى كساء له،
فسلم عليه موسى، فرد عليه السلام ، ثم قال له : ومَنْ أنت ؟ قال : أنا موسى
ابن عمران ، قال : صاحب بنى إسرائيل ؟ قال : نعم أنا ذلك، قال: وما جاء
بك إلى هذه الأرض؛ أنْ لك فى قومك لشُغْل! قال له موسى: جئتك لتعلّمنى
مما عُلّمتَ رشداً، قال : إنك لن تستطيع معى صبراً ، وكان رجلا يعمل على
الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى، قال: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمَّ يُحِطْ بِهِ
(١) ن: ((إلى)).
(٢) ا، ح: ((ميت إلا حيى)).
(٣) المنقلة هنا : المرحلة .
(٤) كذا فى ا، ح، وفى ط: ((ملتف)).

٣٧٤
٤٢٦/١
خُبْراً)، أى إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تُحِطْ من علم الغيب بما أعلم.
﴿قَالْ سَتَجِدُ فِى إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِى لك أمراً) وإن رأيتُما يخالفنى.
قال: ﴿فَإِنِ النَّبَعْتَنِ فلا تسألنى عَنْ شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لكَ مِنْهُ ذِكْراً)،
أى فلا تسألنى عن شىء وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكراً ، أى خبراً .
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرّضان الناس ، يلتمسان مَنْ يحملهما
حتى مرّت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما شىء من السفن أحسنُ ولا
أجمل ولا أوثق منها ، فسألا أهلها أن يحملوهما ، فحملوهما ، فلما اطمأنّا
فيها ، وحَّجت بهما مع أهلها ، أخرج منقاراً له ومطرقة ، ثم عمد إلى ناحية
منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ، ثم أخذ لوحًا فطبّقه عليها، ثم جلس
عليها يرفعها ، قال له موسى: فأىّ أمر أفظعُ من هذا! (١) (أَخَرَقْتَهَلِتُغْرِقَ
أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْراً﴾! حملونا وآوونا إلى سفينتهم، وليس فى البحر سفينة
مثلها ، فلم خرقتها ! قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا، قال
لا تؤاخِذْنى بِمَا نَسِيتُ﴾، أى بما تركت من عهدك ﴿ وَلَا تُرْحِقْىِ مِنْ أَمْرِى
عُسْرًا﴾. ثم خرجا. من السفينة ، فانطلقا حتى أتيا أهلَ قرية ، فإذا غلمان
يلعبون، فيهم غلامٌ ليس فى الغلمان غلام أظرفُ ولا أترفُ ولا أوضأ منه ،
فأخذ بيده ، وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله . قال : فرأى موسى
٤٢٧/١ أمراً فظيعًا لا صبرَ عليه، صبيّ صغير قتله(٢) بغير جناية ولا ذنب
له! فقال: ﴿ أقتلتَ نَفْسًا زَاكِيةً بغيرِ نَفْسِ﴾، أى صغيرة بغير نفس ،
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا. قال ألم أقل لك إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً.
قال إن سألتُك عن شىء بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِى عُذْراً) ، أى
قد أعذرت فى شأنى. ( فانطَلَقَا حَتّى إذا أتيَا أهلَ قرية اسْتَطْعَمَا أهْلَهَا فأبَوْا أن
يُضْيَّفوهما فَوَ جَدا فيها جداراً يريدُ أن ينقضَّ فأقامَه ) ، فهدمه ثم قعد يبنيه ،
(١) ا: ((ورأى أمراً فظع به))
(٢) ط: ((أخذ صبيا صغيراً بغير جناية)) وما أثبته من ا.

٣٧٥
فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر ، فقال: ﴿أو
شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عليه أجْرًا﴾ أى قد استطعمناهم فلم يُطعمونا، واستضفناهم
فلم يُضيفونا ، ثم قعدتَ تعمل فى غير صنيعة(١)، ولو شئت لأعطيت عليه أجراً
[فى عمله] (٢) ﴿ قَالَ هَذاِفِراقُ بِ وَبَيْنِكَ سَأْنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ
صَبْاَ . أَمَّ السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أن أَعِيَهَا
وَكَانَ وَرَاءَهِمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِيَةٍ - وفى قراءة أبيّ بن كعب :
كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ - غَصْبَا﴾، وإنما عِبتها لأردّه عنها، فسلمتْ منه حين
رأى العيبَ الذى صنعتُ بها. ﴿وَأُمَّا الْغلامُ فَكَانَ أبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ
يُرْهِقَهُمَا ◌ُفْيَاناً وَكُفْرَاء فَأَرَدْنَا أنْ يُبْدِلَهُمَا رَ بُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةَ وَأَقْرَبَ
رُحْمَاء وَأَمَّ الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يِيمَيْنِ فِى الْمَدِينةِ وَكَانَ تحْنَهُ كَنزٌ
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ - إلى - ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا عِلمًا (٣).
٤٢٨/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلّمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق،
عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة؛ قال : قيل لابن عباس: لم نسمع
لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه ! فقال ابن عباس فيما يذكر من
حديث الفتى ، قال : شرب الفتى من ماء الخلد فخلِّدٌ ، فأخذه العالم فطابق به
سفينة ، ثم أرسله فى البحر ، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة ، وذلك أنه لم يكن
له أن یشرب منه فشرب .
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن شعبة ، عن قتادة ، قوله :
﴿فَلَمَّا بَلَغَا يَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، ذُكر لنا أن نىّ الله موسى لما قطع
البحر وأنجاه الله من آل فرعون ، جمع بنى إسرائيل فخطبهم فقال :
(١) كذا فى ا والتفسير، وفى ط: ((ضيعة)) .
(٣) الخبر فى التفسير ١٥: ١٨٠ - ١٨٣ (بولاق).
(٢) من أ والتفسير .

٣٧٦
أنتم خيرُ أهل الأرض وأعلمُهم قد أهلك اللّه عدوكم ، وأقطعكم البحر وأنزل
عليكم التوراة ، قال : فقيل له: إن ها هنا رجلا هو أعلم منك(١) قال : فانطلق
هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه ، فتزودا مملوحة فى مكتل لهما ، وقيل لهما: إذا
نسيتما ما معكما لقيتما رجلا عالمًا يقال له الخضر ، فلما أتيا ذلك المكان ، رد الله
إلى الحوت روحه فسرّب له من الجُدَ"(٢) حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فجعل
٤٢٩/١ لا يسلك فيه طريقًا إلا صارماء جامداً، قال: ومضى موسى وفتاه، يقول الله
عزّ وجلّ: ﴿فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لَقَدْ لَقِينا من سفرنا هذا نَصَباً)- إلى
قوله -: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)، فلقيا رجلا عالمًا يقال له الخضر،
فذُكرلنا أن نىّ اللّه قال: إنما سمى الخضر خضرا لأنه قعد على فروة بيضاء
فاهتزّت به خضراء .
فهذه الأخبار التى ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف
من أهل العلم تنبئْ عن أن الخِضرّ كان قبل موسى وفى أيامه ، ويدلّ على خطإ
قول من قال : إنه أورمیا بن خلقیا ، لأن أورمیا کان فى أيام بختنصِّر،
وبين عهدى موسى وبختنصّر من المدة ما لا يشكل قدرها على أهل العلم بأيام
الناس وأخبارهم ؛ وإنما قدمنا ذكره وذكر خبره لأنه كان فى عهد أفريدون
فما قیل ؛ وإن کان قد أدرك على هذه الأخبار التی ذ کرت من أمره وأمر موسى
وفتاه أيام منُوشهر وملكه ، وذلك أن موسى [إنما ](٣) نُبٌِّ فى عهد منوشهر،
وكان ملك منوشهر بعد ما ملك جده أفريدون ، فكلّ ما ذكرنا من أخبار
مَنْ ذكرنا أخباره من عهد إبراهيم إلى الخبر عن الخضر عليهما السلام، فإن ذلك
كله - فيما ذكر- كان فى ملك بِيُوَراسب وأفريدون، وقد ذكرنا فيما مضى قبل أخبار
أعمارهما ومبلغهما ومدة كل واحد منهما (٤).
ونرجع الان إلى الخبر عن :
(١) ط: ((منكم))؛ وما أثبته من !.
(٢) الجد، بضم الجيم: شاطىء البحر، وفى ح: ((الحد).
(٤) ١: ((مبلغ أعمارهما ومدة ملك كل واحد منهما)).
(٣) من !..

٤٣٠/١
منوشهر وأسبابه والحوادث الكائنة فى زمانه
ثم ملك بعد أفريدُون بن أثفيان بركاو(١) مِنُوشِهْر، وهو من ولد إِيرَج بن
أفريدُون .
وقد زعم بعضهم أن فارس سميت فارس بمنوشهر هذا ، وهو منوشهر
كيازيه (٢) - فيما يقول نسابة الفرس- بن منشخورفر (٣) بن منشخوا ربع (٤)
ابن ويرك بن سروشنك(٥) بن أبوك بن بتك (٦) بن فرزشك(٧) بن زشك(٨) ٤٣١/١
ابن فركوزك (٩) بن كوزك (١٠) بن إيرج بن أفریدون بن أثفیان بر کاو .
وقد ينطق بهذه الأسماء بخلاف هذه الألفاظ .
وقد يزعم بعض المجوس أن أفريدون وطئ ابنةً لابنه إِيرَج ، يقال لها
كوشك ، فولدت له جارية يقال لها فركوشك (١١)، ثم وطئ فركوشك هذه فولدت
له جارية يقال لها زوشك (١٢)، ثم وطئ زوشك هذه، فولدت له جارية يقال
لها فرزوشك (١٣)، ثم وطئ فرزوشك هذه فولدت له جارية يقال لها بيتك (١٤)،
(١) ح وابن الأثير: ((بن كاو))
(٢) كذا فى ن، وفى ا، ح: ((كان به))، وفى ط من غير نقط.
(٣) أ: ((متشجور)) ن: ((مشجورين).
(٤) !: ((منشجوارمع))
(٥) ن: ((شروشتك)).
(٦) ن: ((تبك)).
(٧) !: ((فرشك))، ح: ((ورشك)).
(٨) !: ((رشتك))، ن: ((رشك)).
(٩) ا، فركوذك ((ن: ((فركوذل)).
(١٠) ن: ((كوذل)»
(١١) ا: ((خركوشك)).
(١٢) !: ((روشتك)).
(١٣) !: ((فرونشك)).
(١٤) !: ((تبتك)).
٣٧٧

٣٧٨
٤٣٢/١ ثم وطئ بيتك هذه فولدت له جارية يقال لها إيرك (١)، ثم وطئ إيرك فولدت له
إيزك ، ثم وطئ إيزك فولدت له ويرك، ثم وطئ ويرك فولدت له منشخر فاغ (٢).
ويقول بعضهم : منشخوا ربع (٣) وجارية يقال لها: منشجرك(٤)، وأن منشخر فاغ
وطئ منشجرك فولدت له منشخرنر، وجارية يقال لها منشراروك، وأن منشخرفر
وطئ منشراروك فولدت له منو شهر .
فيقول بعضهم کان مولده بد نْباوند .
ويقول بعض : كان مولده بالرّىّ ، وإن منشخرنر ومنشراروك لما ولد
لهما منوشهر أسرَّا أمرَه خوفًا من طوج وسَلْم عليه ، وإن مِنوشهر لما كبر
صار إلى جده أفريدون ، فلما دخل عليه توسّم فيه الخير ، وجعل له ما كان
٤٣٣/١ جعل لجده إيرج من المملكة، وتوّجّه بتاجه.
وقد زعم بعض أهل الأخبار أن منوشهر هذا هو منوشهر بن منشخرنر
ابن أفريقيس بن إسحاق بن إبراهيم ؛ وأنه انتقل إليه الملك بعد أفريدون وبعد
أن مضى ألف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وعشرون سنة ، من عهد جيومرت،
واستشهد لحقيقة ذلك بأبيات لجرير بن عطية، وهو قوله (٥) .
حَمَائِلَ موتٍ لَّا بِينَ السَّوَّرا(٦)
وأبْناه إسْحَاقَ الَّيوثُ إذا ارْتَدَوْا
وَكِسْرَى وَخَذُّوا الْهُرْءُزَانَ وَقَيْصَرًا(٧)
إذا انتَبُوا عَدُّوا الصَّبَهْبَذَ مِنْهُمُ
وكانوا بِإِصْطَخْرَ المُلُوكَ وَتُشْتَرَا(٨)
وكان كتابٌ فِيهِمُ وَنُبُوَّةٌ
(١) كذا فى ن، وفى ط ، ا مهمل .
(٢) ا: ((منشجرفاغ)).
(٣) !: ((منشجواربع)).
(٤) كذا فى ا، وفى ط مهمل .
(٥) من قصيدة يمدح بها هلال بن أحوز المازنى ويفخر بأبناء إسماعيل وإسحاق ، ويهجو
الفرزدق وبنى طهية، فى ديوانه ٢٤٢. والنقائض ٩٩٥
(٦) السنور : الدروع .
(٧) الصبهبذ : قائد العسكر، بالفارسية.
(٨) قال فى شرح النقائض: ((إى كان الملوك ينزلون إصطخر وتستر)).

٣٧٩
فَيَجْمَعُنَا وَالْغُرَّ أَبْنَاءِ فارس أَبٌ لَا نُبَالِ بَعْدَهُ مَنْ تَأْخَّرًا
رَضِينَا بِمَا أَعْطَى الْإِلَهُ وَقَدَّرَا
أَبُونَا خَلِيلُ اُللهِ، وَأَلُهُ رَبُّمَا
وأما الفرس فإنها تنكر هذا النسب ، ولا تعرف لها مُلْكًا إلا فى أولاد
أفريدون، ولا تقرّ بالملك لغيرهم، وترى أن داخلا إن كان دخل عليهم فى ذلك
من غيرهم فى قديم الأيام [ قبل الإسلام ](١)، فإنه دخل فيه بغير حق (٢).
وحدّثت عن هشام بن محمد ، قال : ملك طوج وسلم الأرضَ بينهما
بعد قتلهما أخاهما إيرج ثلثمائة سنة ، ثم ملك منوُشهر بن إيرج بن أفريدُون
مائة وعشرين سنة، ثم إنه وثب به ابنلابنطوج التر کی [علی رأس ثمانين سنة](١)
فنفاه عن بلاد العراق ثنى عشرة سنة ، ثم أديل منه منوشهر ، فنفاه عن بلاده،
وعاد إلى ملكه ، وملك بعد ذلك ثمانيا وعشرين سنة .
٤٣٤/١
قال : وكان منُوشهْر يُوصف بالعدل والإحسان ، وهو أول من خندق
الخنادق ، وجمع آلة الحرب ، وأول مَنْ وضع الدهقنة فجعل لكل قرية
دهقانا، وجعل أهلها له خوَلاً وعبيداً، وألبسهم لباس المذلَّة، وأمرهم بطاعته.
قال : ويقال إن موسى النبى صلى الله عليه وسلم ظهر فى سنة ستين من ملكه .
وذكر غير (٣) هشام أن منوشهرلما ملك تُوِّج بتاج الملك وقال يوم ملك:
نحن مقوّون مقاتلينا ، ومُعِدّوهم للانتقام لأسلافنا ، ودفع العدو عن بلادنا .
وأنه سار نحو بلاد الترك طالبًا بدم جده إِيرَج بن أفريدون ، فقتل طوج بن
أفريدون وأخاه سَلْما، وأدرك تأره وانصرف، وأن فراسياب بن فشنج
ابن رستم بن ترك - الذى تنسب إليه الأتراك، بن شهراسب. ويقال : ابن ٤٣٥/١
(٢) قال ابن الأثير: ((قلت: والحق ما قاله الفرس فإن أسماء ملوكهم قبل
(١) من ا
الإسكندر معروفة، وبعد أيامه ملوك الطوائف؛ وإذا كان منوجهر أيام موسى، وكان ما بين موسى
وإسحاق خمسة آباء معروفون ولم يزالوا بمصر ؛ ففى أى زمان كثروا وانتشروا وملكوا بلاد الفرس!
ومن أين لجرير هذا العلم حتى يكون قوله حجة؛ لا سيما وقد جعل الجميع أبناء إسحاق!)). الكامل
١ : ٠٩٣
(٣) ط: ((عن))، وما أثبته عن أوابن الأثير.
٠

٣٨٠
إرشسب بن طوج بن أفريدون الملك . وقد يقال لفشك(١) فشنج بن زاشمين-
حارب منُوشهر ، بعد أن مضى لقتله طوجا وسَلْما ستون سنة ، وحاصره
بطبر ستان .
ثم إن منُوشِهْر وفراسياب اصطلحا على أن يجعلا حدّ ما بين مملكتيهما
منتهى رمْية سهم رجل من أصحاب منوشهر يدعى أرِشّبَاطير - وربما
خفف اسمه بعضهم فيقول : إيرش - فحيث ما وقع سهمه من موضع رميته
تلك مما يلى بلاد الترك فهو الحدّ بينهما لا يجاوز ذلك واحد منهما إلى الناحية
الأخرى . وإن أرشباطير نزع بسهم فى قوسه ، ثم أرسله- وكان قد أعطى
قوة وشدة - فبلغت رميته من طبر ستان إلى نهر بلْخ ووقع السهم هنالك(٢)،
فصار نهر بَلخْ حدَّ ما بين الترك وولد طوج وولد إيرَج وعمل الفرس ، فانقطع
بذلك من رمية أرشباطير حروب ما بين فراسياب ومنوشهر .
٤٣٦/١
وذكروا أن منُوشِهْر اشتَقّ من الصّراة ودجلة ونهر بلْخ أنهارًا عظاماً .
وقيل إنه هو الذى كرا الفُرات الأكبر ، وأمر الناس بحراثة الأرض وعمارتها ،
وزاد فى مهنة المقاتلة الرمى ، وجعل الرياسة فى ذلك لأرشباطير لرميتِه التى
رماها .
وقالوا : إن مِنُوشهْر لما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة تناولت الترك
من أطراف رعيته، فوبَّخ قومه وقال لهم: أيها الناس، إنكم لم تلدوا الناس كلَّهم،
وإنما الناس ناسٌ ما عقلوا من أنفسهم ودفعوا العدوّ عنهم ، وقد نالت الترك
من أطرافكم ، وليس ذلك إلا من ترككم جهاد عدوكم ، وقلة المبالاة ، وإن اللّه
تبارك وتعالى أعطاناهذا الملك ليبلونا أنشكرُ فيزيدنا ، أم نكفر فيعاقبنا ! ونحن
أهل بيت عزّ(٣) ومعدن الملك لله؛ فإذا كان غداً فاحضروا ، قالوا : نعم
واعتذروا ، فقال : انصرفوا، فلما كان من الغد أرسل إلى أهل المملكة وأشراف
(١) !: ((لفشنك بن برزبن تشمين)).
(٢) قال ابن الأثير: ((وهذا من أعجب ما يتداوله الفرس فى أكاذيبهم أن رمية سهم تبلغ
هذا كله )» .
(٣) ا: ((غير))، بضمتين.