النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
إبراهيم عليه السلام بعشرة أشياء هن فى الإنسان (١) سنّة: المضمضة، والاستنشاق،
وقص الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، والختان،
وحلق العانة، وغسل الدّبر والفرج .
وقال آخرون نحو قول هؤلاء ، غير أنهم قالوا : ستٌّ من العشر فى جَسد
الإنسان ، وأربع منهن فى المشاعر .
* ذكر من قال ذلك :
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا محمد بن حرب ،
قال : حدثنا ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن حَنّش، عن ابن عباس فى
قوله عزّ وجلّ: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأْتَمَّهُنَّ﴾، قال: ست
فى الإنسان وأربع فى المشاعر، فالتى فى الإنسان: حلْق العانة، والختان، ونتف
الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغُسل يوم الجمعة. وأربع فى المشاعر:
الطواف، والسعى بين الصفاء والمروة، وربى الجمار، والإفاضة.
وقال آخرون: [بل](٢) ذلك قوله: ﴿إِنِى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَاً)، ومناسك الحج.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُريْب، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال: سمعت إسماعيل
ابن أبى خالد، عن أبى صالح: قوله: ﴿ وَإِذِ ابْتَى إبراهيمَ ربُّهُ بكلمات فَأْتَمَّهُنَّ﴾،
منهنّ إنى جاعلك للناس إمامًاً وآيات النسك (٣)
٣١٣/١
حدثنى أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس قال: سمعت إسماعيل بن
أبى خالد، عن أبى صالح، مولى أم هانئ فى قوله: ﴿ وَإذِ ابْتَلَى إبرَاهِيمَ رَبَّهُ
بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: منهن ﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَا﴾، ومنهن آيات النسك
(١) ط: ((الإسلام)) وما أثبته من ا والتفسير.
(٢) من ا، ن والتفسير ٣ : ١٠.
(٣) ر: ((ومناسك الحج)».

٢٨٢
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾(١).
حدثنى محمد بن عمرو، قال : أخبرنا أبو عاصم ، قال : حدثنى عيسى
ابن أبى نَجيح، عن مجاهد فى قوله: ﴿وإذِ ابْتَى إبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأْتَمَّهُنَّ﴾(٢)
قال : قال الله لإبراهيم: إنى مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلنى للناس إمامًا،
قال: نعم، ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينِ)، قال:
تجعل البيت مثابة للناس ، قال: نعم ، قال: وتجعل هذا البلد أمْنا، قال:
نعم، [ قال](٣): وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمَّةً مسلمة لك، قال:
نعم، [ قال ](٣): وترينامناسكنا وتتوب علينا، قال: نعم، [قال](٣): وترزق
أهله من الثمرات من آمن [ منهم] (٣)؟ قال: نعم (٤).
حدثنى القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن
ابن جُريج ، عن مجاهد بنحوه . قال ابن جريج : فاجتمع على هذا القول
مجاهد وعكْرمة .
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد: ﴿ وَإِذا بتلى إِبراهِيمَ رَبُّهَ بَكَلِمَاتٍ فَأْتَمَّهُنَّ) ، قال : ابتلى بالآيات
التى بعدها: ﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قال وَمِنْ ذُرِّيَّى قَالَ لَا ينالُ عَهْدِى
الظَّالِمِينِ﴾(٢).
حدثنى المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبْل،
٣١٤/١ عن ابن أبى نَجيح، قال : أخبرنى به عكرمة ، قال : فعرضته على مجاهد
فلم ينكره .
حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط، عن السُّدىّ: الكلمات التى ابتلى بهنّ إبراهيم: ﴿رَبََّا تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ
(١) سورة البقرة ١٢٧ .
. (٣) من التفسير.
(٢) سورة البقرة ١٢٤ .
( ٤) الخبر فى التفسير ٣: ١١
:

٠ ٢٨٣
أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَِّا وَاجْلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً
لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكُنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنَا وَابْعَثْ
فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾(١).
حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد اللّه بن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع، فى قوله: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بَكلمات﴾(٢) قال:
الكلمات: ﴿ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَاً﴾(٢)، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً
لِلنَّاسِ وأمنا﴾، وقوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مُصَلَّى﴾(٢) وقوله: ﴿وَعِهِدْنَا إِلَى
إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ (٢).) الآية، وقوله: ﴿وإذْ يرفعُ إِبْرَاهِيمُ القواعدَ مِن البيت .. ﴾(٢)
الآية . قال فذلك كلُّه من الكلمات التى ابتلى بهنّ إبراهيم .
حدثنى محمد بن سعد ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى عمى ، قال :
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْقَلَى إبراهيمَ
ربُُّ بَكلمات فَأَتَمَّهُنَّ)، قال: منهن ﴿ إنى جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً﴾(٢)، ومنهنَّ:
﴿ وإذ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ومنهنّ الآيات فى شأن المنسك
والمقام الذى جعل لإبراهيم ، والرزق الذى رزق ساكن البيت ، ومحمد صلى الله
عليه وسلم بعث فى ذريتهما .
*
وقال آخرون : بل ذلك مناسك الحجّ خاصَّة .
٣١٥/١
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا سَلْ بن قتيبة ، قال : حدثنا عمر بن
نبهان، عن قتادة، عن ابن عباس فى قوله: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيمَ ربُّهُ بكلماتٍ﴾
قال : مناسك الحج .
(١) سورة البقرة ١٢٧ - ١٢٩
(٢) سورة البقرة ١٢٤، ١٢٥، ١٢٧ .

٢٨٤
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن
قتادة، قال: كان ابن عباس يقول فى قوله: ﴿وإذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ بِكَلِمَاتٍ)
قال : هى المناسك .
حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه
قال : بلَغنا عن ابن عباس أنه قال : إنَّ الكلمات التى ابتلى بهنّ إبراهيمُ
هى المناسك .
حدثنى أحمد بن إسحاق الأهوازىّ ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيرىّ ،
قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن التميمىّ ، عن ابن عباس
قوله: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبراهيمَ رَبُّهُ بكلِماتٍ فَأتمهنَّ﴾، قال: مناسك الحجّ .
حدثنى ابن المثنى، قال: حدثنى الحِمَّانى، قال : حدثنا شريك ، عن
أبى إسحاق ، عن التميمىّ ، عن ابن عباس مثله .
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ،
٢١٦/١ عن قتادة، قال: قال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك.
وقال آخرون : بل ابتلاه بأمور ، منهنَّ الخِنان .
ذكر من قال ذلك :
*
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا سلْ بن قتيبة ، عن يونس بن أبى
إسحاق، عن الشعْىّ: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبراهيمَ رَبُّهُ بِكَلَمَاتٍ﴾، قال: منهن
الختان .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا یحی بن واضح، قال: حدثنا يونس
ابن أبى إسحاق، قال : سمعتُ الشعبىّ يقول ... فذكر مثله .
حدثنى أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا
يونس بن أبى إسحاق ، قال : سمعتُ الشعبى - وسأله أبو إسحاق عن قوله

٢٨٥
عَزّ وَجّل: ﴿وإذِ ابْتَلَى إِبْرِهِيمَ رَبَّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهن
الختان يا أبا إسحاق .
#
وقال آخرون: ذلك الخلالُ الستّ : الكوكب ، والقمر ، والشمس ،
والنار ، والهجرة ، والختان ، التى ابتلى بهنّ أجمع فصبرَ عليهن".
ذكر من قال ذلك :
حدثنى يعقوب بن إبراهيم؛ قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أبى رَجَاء، قال:
قلتُ للحسن: ﴿وإذِ ابْلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب
فرضى عنه، وابتلاه بالقمر فرضى عنه، وابتلاه بالشمس فرضى عنه ، وابتلاه
بالنار فرضى عنه ، وابتلاه بالهجرة ، وابتلاه بالختان .
حدّثنا بشر، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع ، قال : حدثنا سَعيد ،
عن قتادة ، قال : كان الحسنُ يقول : إن الله ابتلاه بأمرٍ فصبر عليه ؛
ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر ، فأحسن فى ذلك ، وعرَفَ أن رَّبِه دائم
لا يزول ، فوجَّه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من
المشركين ؛ وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجراً
إلى اللّه تعالى ؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك ، وابتلاه بذبح
ابنه وبالختان (١)، فصَبر على ذلك.
٣١٧/١
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا
مَعْمَرَ ، عَمّن سمع الحسن يقول فى قوله: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبراهيمَ رَبُهُ بِكَلِمَات﴾،
قال : ابتلاه [ بذبح ولده، وبالنارو](٢) بالكوكب، وبالشمس، وبالقمر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سَلْ بن قُتَيْبَةَ ، قال : حدثنا أبو هلال
عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيمَ ربُّه بكلمات)، قال : ابتلاهبالكوكب، وبالشمس
وبالقمر، فوجده صابراً .
(١) ط: ((والختان))، وما أثبته من ا، والتفسير ٣: ١٤
(٢) تكملة من التفسير ٣ : ١٤

٢٨٦
حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار، قال : حدثنى غسّان بن الربيع ،
قال : حدثنا عبد الرحمن - وهو ابن ثَوْبَان - عن عبد الله بن الفضل ، عن
عبد الرحمن الأعرج، عن أبى هريْرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقَدُوم)).
٠
*
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الكلمات التى ابتلى بهنّ إبراهيم
خبران :
أحدهما: ما حدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا الحسن بن عطية ، قال :
٣١٨/١ حدثنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم ، عن أبى أمامة، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وإبراهيمَ الَّذِى وَفَى) قال: ((أتدرون
ما وفِى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((وفَّى عملَ يومه أربعَ ركعات
فى النهار )) .
والآخر منهما ما حدّثنا به أبو كريب، قال : حدثنا رشْدين بن سعد ،
قال : حدثنا زبان بن فائد ، عن سَهْل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، قال :
كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله
﴿الَّذِى وَفَّى﴾؟ لأنه كان يقول كُلَّما أصبح وكلّما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ
تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون . .. ﴾(١) حتى ختم الآية)) (٢) ..
فلما عرف اللّه تعالى من إبراهيم الصبرَ على كلٌّ ما ابتلاه به، والقيام بكل
ما ألزمه من فرائضه، وإيثاره طاعته على كلِّ شيء سواها، اتخذه خليلا ،
وجعلَه لمن بعده من خلقه إمامًا ، واصطفاه إلى خلقه رسولا ، وجعل فى ذرُّيته
النبوةَ والكتاب والرسالة، وخَصَّهم بالكتب المنزلة ، والحِكم البالغة ، وجعل
منهم الأعلام والقادة والرؤساء والسادة، كلَّما مضى منهم نجيبٌ خلفه سيد
رفيع ، وأبقى لهم ذكراً فى الآخرين ، فالأمم كلها تتولاه وتُثْنى عليه ، وتقول
بفضله إكرامًا من الله له بذلك فى الدنيا، وما ادَّخر له فى الآخرة من الكرامة
(١) سورة الروم ١٧
(٢) الخبران فى التفسير ٣: ١٥، ١٦.

٢٨٧
أجلُ وأعظمُ من أن يحيط به وصف واصف .
[ أمر نمرود بن كوش بن كنعان]
ونرجع الآن إلى الخبر عن عدوّ اللّه وعدو إبراهيم الذى كذّب بما جاء به ٣١٩/١
من عند الله ، وردًّ عليه النصيحة التى نَصحها له جهلا منه، واغتراراً بحلم اللّه
تعالى عنه، نمرود بن کوش بن کنعان بنحام بننوح،وما آل إليه أمره فى عاجل
دنياه حين تمرَّد على ربه، مع إملاء اللّه إياه، وتركه تعجيل العذاب له على كفره
به، ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلى توحيد الله والبراءة من الآلهة والأوثان،
وأنّ نمرودَ لما تطاول عُتُوُّه وتمرّده على ربِّه مع إملاء(١) اللّه تعالى له. فيما ذكر-
أربعمائة عام ، لا تزيده حججُّ اللّه التى يحتجَّ بها عليه ، وعبرُه التى يُريها إياه
إلا نمادیا فی غیّه، عذبه الله - فیما ذ کر- فى عاجل دنياه قدر إملائه إياه من
المدة بأضعف خلقه ، وذلك بعوضة سلطها عليه [توغلت فى خياشيمه فمكث
أربعمائة سنة يعذب بها فى حياته الدنيا ](٢).
*
*
ذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله وما أحلّ اللّه به من نقمته:
*
حدثنى الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزَّق ، قال : أخبرنا
معمر، عن زيد بن أسلم، أنّ أولَ جبار كان فى الأرض نُمرود ، وكان الناس
يخرجون فيمتارون من عنده الطعام ، فخرج إبراهيم يمتارُ مع من يمتارُ، فإذا
مرّ به ناس قال: مَنْ ربُّكم؟ قالوا: أنت ، حتى مرّ به إبراهيم ، قال :
من ربك؟ قال: ﴿رَبَِّ الَّذِ يُحْسِ وَيُمِتُ قَالَ أَنَا أُحسٍِ وأميت قَال إِبْراهِيمُ
٣٢٠/١
(١) !: ((إملاء اللّه إياه)).
(٢) تكملة من ا، ن .

٢٨٨
فَإنَّ اللهَ يَأْتِى بِالشّمْسِ مِنَ المشرق فأتِ بها من المغرِبِ فَبُهْت الذى كفر﴾.(١)
قال: فردَّه بغير طعام، قال: فرجع إبراهيمُ إلى أهله فمرَّ على كثيبٍ أعفر (٢)،
فقال : هلاّ آخذُ من هذا فآتىَبَه أهلى فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم !
فأخذ منه ، فأنىّ أهلَه . قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأتُه إلى متاعه
ففتحته فإذا هى بأجود طعام رآه أحدٌ ، فصنعت له منه، فقرّبته إليه- وكان
عهد أهله ليس عندهم طعام -فقال: منْ أين هذا ؟ قالت : من الطعام
الذى جئت به ، فعلم أن الله قد رزقه، فحمد الله .
ثم بعث الله إلى الجبار ملكًا: أن آمنْ بى وأتركك على ملكك، قال:
فهل ربّ غيرى ؟ فجاءه الثانية فقال له ذلك، فأبى عليه ، ثم أتاه الثالثة فأبى
عليه ، فقال له الملك : أجمع جموعك إلى ثلاثة أيام ، فجمع الجبّار جموعَه،
فأمر الله الملك ، ففتح عليهم بابًا من البعوض ، فطلعت الشمس فلم يروها
من كثرتها (٣)، فبعثها الله عليهم، فأكلت لحومَهم وشربت دماءهم ، فلم يبق
إلا العظام، والملك كما هو لم يُصبْه من ذلك شىء، فبعث اللّه عليه بعوضة"
فدخلتْ فى منخره ، فمكث أربعمائة سنة يُضرب رأسه بالمطارق ، وأرحم الناس
به مَنْ جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه. وكان جَّبارًا أربعمائة عام ، فعذبه
الله أربعمائة سنة كملكه وأماته اللّه، وهو الذى بنى صرْحًا إلى السماء،
فأتى الله بنيانه من القواعد، وهو الذى قال الله: ﴿فَأْتِى اللهُ بُنْيَاَهُمْ مِنَ
(٤)
القَوَاعِدِ﴾ (٤)
٣٢١/١
حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدّى فى خبر ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح ، عن
ابن عباس-وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى اللّه
(١) سورة البقرة ٢٥٨ .
(٢) الكثيب الأعفر : الرمل الأحمر.
(٣) ن: ((كثرته)).
(٤) سورة النحل ٢٦، والخبر فى التفسير ٥ : ٤٣٣ - ٠٤٣٤

٢٨٩
عليه وسلم، قال: أمر الذى حاجّ إبراهيم فى ربه بإبراهيم، فأخرج-يعنى من مدينته -
قال : فأخْرِج فلقى لوطًا على باب المدينة - وهو ابن أخيه - فدعاه فآمن به ،
وقال: ﴿إِنِّ مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّى)(١)، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ
أربعة أفرُخ من فراخ النسور ؛ فربَّاهن باللحم والخمر ، حتى إذا كبرن
وغلظن واستعلجن ، قربهنّ بتابوت، وقعد فى ذلك التابوت ، ثم رفع رجلاً من
لحم لهنّ ، فطرن به ؛ حتى إذا ذهبن فى السماء أشرف ينظر إلى الأرض ، فرأى
الجبال تدبُّ كدبيب النمل، ثم رفع لهنّ اللحم، ثم نظر فرأى الأرض
محيطًا بها بحر كأنها فَلْكة فى ماء ، ثم رفع طويلا فوقع فى ظلمة ؛ فلم ير
ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع فألقى اللحم فاتبعتْه منقضّات، فلما نظرت الجبال
إليهنَّ وقد أقبلن منقضَّاتٍ وسمعن حفيفهنّ فزعت الجبال ، وكادت أن تزول
من أمكنتها ولم يفعلن ، وذلك قوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ
مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال﴾(٢) ، وهى فى قراءة ابن مسعود:
﴿وإن گَادَ مَكْرُهُمْ﴾ فكان طيرانهنّ(٣) به من بيت المقدس، ووقوعهن فى
جبل الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئًا أخذ فى بناء الصرح ، فبنى حتى
إذا أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر - بزعمه - إلى إله إبراهيم، فأحدث ر ثم
يكن يُحدث، وأخذاللّه بنيانه من القواعد: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
وَأَتَاهُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤) ، يقول: من مأمنهم ، وأخذهم من
أساس الصرح، فتنقض" [بهم] (٥). ثم سقَطَ فتبلبلت ألسن الناس من يومئذ من
الفزع ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانًا ، فلذلك سميت بابل ، وإنما كان
لسان الناس قبل ذلك السُّريانية (٦).
٣٢٢/١
(١) سورة العنكبوت ٢٦
(٢) سورة إبراهيم ٤٦
(٣) ! والتفسير: ((طيرورتهن))؛ وهما بمعنى.
(٤) سورة النحل ٢٦
(٥) تكملة من ا والتفسير.
(٦) الخبر فى التفسير ١٤: ٦٦، ٦٧ (بولاق).

٢٩٠
حدثنا ابنُ وكيع ، قال : حدثنا أبو داود الحفَرِىّ ، عن يعقوب ، عن
حفص بن حميد - أو جعفر- عن سعيد بن جُبير: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ
مِنْهُ الجَبَالُ﴾، قال: نمرود صاحب النسور، أمر بتابوت فجُعل وجَعَل
معه رجلا . ثم أمر بالنسور فاحتملته، فلمَّا صعد قال لصاحبه : أىّ شىء
ترى ؟ قال : أرَى الماء والجزيرة - يعنى الدنيا - ثم صعد وقال لصاحبه: أىّ
شىء ترى ؟ قال : ما نزداد من السماء إلا بعداً ، قال : اهبط ، وقال غيره :
نُودى : أيها الطاغية ، أين تريدُ؟ فسمعت الجبال حفيفَ النسور ، وكانت
ترى أنه أمر من السماء فكادت تزول، فهو قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾(١).
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن أبى عدىّ ، عن شُعْبة ،
عن أبى إسحاق ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن دانيل ، أن عليًّا عليه السلام
٣٢٣/١ قال فى هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُ هُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، قال: أخذ ذلك
الذى حاجّ إبراهيم فى ربه نَسْريْن صغيرين ، فرَّباهما حتى استغلظا واستعلجا
فشبّاً، قال: فأوثق رجْلَ كلّ واحد منهما بوتر إلى تابوت ، وجوّعهما
وقعد هو ورجُل آخر فى التابوت، قال: ورفع فى التابوت عصًا على رأسه اللحم ،
فطارا ، وجعل يقول لصاحبه : انظر ماذا ترى ؟ قال : أرى كذا وكذا ،
حتى قال : أرى الدنيا كأنها ذباب ، فقال: صوّبْ، فصوّبها، فهبطا . قال:
فهو قوله عزَّ وجلَّ : ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قال أبو إسحاق:
ولذلك هى فى قراءة عبد الله: ﴿وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ﴾(٢) .
فهذا ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان .
...
وقد قال جماعة: إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا ملّك مشرق الأرض
ومغربها ، وهذا قول يدفعُه أهل العلم بسيَر الملوك وأخبار الماضين ، وذلك أنهم
(١) الخبر فى التفسير ١٣: ١٦١ (بولاق).
(٢) الخبر فى التفسير ١٣: ١٦٠ (بولاق).

٢٩١
لا يدفعون ولا ينكرون أن مولد إبراهيم كان فى عهد الضحاك بن أندرماسب
الذى قد ذكرنا بعضَ أخباره فيما مضى، وأن ملك شرق الأرض وغربها
يومئذ كان الضحاك . وقد قال بعض مَنْ أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف
زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر فى ذلك مع سماعه ما انتهى إليه
من الأخبار عمن رُوِى عنه أنه قال : ملك الأرض كافران ومؤمنان ، فأمّا
الكافران فنمرود وبختنصّر، وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين . وقولَ
القائلين من أهل الأخبار إن الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها فى ١ / ٣٢٤
عهد إبراهيم نمرود: هو (١) الضحاك. وليس الأمر فى ذلك عند أهل العلم بأخبار (٢)
الأوائل، والمعرفة بالأمور السوالف ، كالذى ظَنّ ، لأن نسب نمرود فى
النَّبَط معروف، ونسب الضحاك فى عَجَ الفرس مشهور، ولكنَّ ذوى
العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الأمم ذكروا أن الضّحاك
كان ضمّ إلى نمرود السَّواد وما اتصل به يمنة ويسرة، وجعله وولده مُمّاله على
ذلك، وكان هو يتنقَّل (٣) فى البلاد، وكان وطنه الذى هو وطنُه ووطن أجداده (٤)
دُنْباوند ، من جبال طبرستان ، وهنالك رمى به أفريدُون حین ظفر به وقهره
موثقًا بالحديد . وكذلك بختنصّر كان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض
الروم من غربى دجلة من قبل لهُراسب ، وذلك أنّ هُراسب كان مشتغلا بقتال
الترك، مقيماً بإزائهم ببلْخ ، وهو بناها - فيما قيل - لمَّا تطاول مكثُه هنالك
لحرب الترك، فظنّ مَنْ لم يكن عالمًا بأمور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمرَ
الناحية لمن ولوا له أنهم كانوا هم الملوك. ولم يدَّع أحدٌ من أهل العلم بأمور
الأوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس فيما نعلمه أن أحداً من النَّبط كان
ملكًا برأسه على شِبْرٍ من الأرض ، فكيف يملكُ شرق الأرض وغربها !
ولكنَّ العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة بأخبار الماضين ومن قد عانى
النظر فى كتب التأريخات، يزعمون أنَّ ولاية نمرود إقليمَ بابل من قبل الازدهارق
بيوراسب دامت أربعمائة سنة، ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود، يقال ٣٢٥/١
(١) ر: ((وهو)).
(٢) ط: ((بالأخبار))، وما أثبته عن ا، ر، ن.
(٣) كذا فى ا، وفى ط: ((ينتقل)).
(٤) ن: ((أولاده)).

٢٩٢
له نَبَطَ بن قعود مائة سنة ، ثم لداوص (١) بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة ،
ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مائة وعشرين سنة، ثم النمرود بن
بالش من بعد بالش سنة وأشهراً . فذلك سبعمائة سنة وسنة وأشهر ، وذلك
كله فى أيام الضحاك ، فلما ملك أفريدُون وقهر الازدهاق قتل نمرود بن بالش
وشرّد النَّبَطَ وطردهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، لما كان منهم من معاونتهم
بِيوَرَاسب على أموره ، وعمل نمرود وولده له .
وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكَّر لهم.
وتغيّر عما كان لهم عليه .
٠
[ ذكر لوط بن هاران وقومه ]
ونعود الآن إلى ذكر الخبر عن بقية الأحداث التى كانت فى أيام إبراهيم
صلى الله عليه وسلم .
وكان من الكائن أيام حياته من ذلك ما كان من أمر لوط بن هاران
ابن تارخ، ابن أخى إبراهيم عليهما السلام وأمر قومه من سَدُوم. وكان
من أمره فيما ذكر أنه شخص من أرض بابل مع عمّه إبراهيم خليل الرحمن ،
مؤمنًا به ، متبعًا له على دينه ، مهاجراً إلى الشام ، ومعهما سارة بنت ناحور .
وبعضهم يقول : هى سارة بنت هيبال (٢) بن ناحور. وشخص معهم - فيما
٣٢٦/١ قيل - تارخ أبو إبراهيم مخالفًا لإبراهيم فى دينه، مقيماً على كفره حتى صاروا
إلى حرّان، فمات تارخ وهو [ آزر] (٣) أبو إبراهيم بحرّان على كفره وشَخَص
إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام، ثم مضوا إلى مصر، فوجدوا بها فرعونًا من فراعنتها،
"ذكر أنه كان سنان بن علوان بن عبيد بن عويج (٤) بن عملاق بن لاوذ(٥)
ابن سام بن نوح . وقد قيل إن فرعون مصر يومئذ كان أخًا للضحاك ، كان
(١) ن: ((ولداوص)) ر (( ولداوس)).
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((هنال)).
(٣) تكملة من ا.
(٤) ر : ((عوج)).
(٥) ب: ((لاوى)).
طـ

٢٩٣
الضّحاك وجَّهه إليها عاملا عليها من قِبَله . وقد ذكرتُ بعض قصته مع إبراهيم
فيما مضى قبلُ ثم رجعوا عَوْداً على بدئهم إلى الشأم. وذكر أن إبراهيم نزل فلسطين،
وأنزل ابنَ أخيه لوطًا الأردن، وأن اللّه تعالى أرسل لوطًا إلى أهل سدوم، وكانوا
أهل كفرٍ باللّه وركوب فاحشة، كما أخبر الله عن قوم لوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَأْتُونَ الرِّجَالَ
وَتَقْطَعُون السَِّيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.(١)
*
وكان قطعهم السبيل - فيما ذكر - إتيانهم (٢) الفاحشة إلى مَنْ ورد بلدهم.
ذكر من قال ذلك :
٠
حدثنى يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال
ابن زيد فى قوله تعالى: ﴿ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، قال: السبيل طريقُ المسافر
إذا مرّ بهم ، وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العمل الخبيث .
وأما إتيانهم ما كانوا يأتونه من المنكر فى ناديهم ، فإن أهل العلم اختلفوا
فيه ، فقال بعضهم : كانوا يحذفون "مَنْ مرّ بهم.
٣٢٧/١
وقال بعضهم : كانوا يتضارَطُون فى مجالسهم .
وقال بعضهم : كان بعضهم ينكح بعضًا فيها .
• ذكر من قال كانوا يحذفون من مرّ بهم :
حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدثنا عمر
ابن أبى زائدة، قال: سمعتُ عُكْمة يقول فى قوله: ﴿وَتَأْتُون فى نَادِيَكُمُ الْمُنْكَر﴾،
قال : كانوا يؤذون أهلَ الطريق، يحذ فون مِنْ مرّ بهم(٣).
(١) سورة العنكبوت ٢٨، ٢٩.
(٢) ب: ((اتباعهم)).
(٣) الخبر فى التفسير ٢٠: ٩٣ (بولاق)

٢٩٤
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبى، عن عمر بن أبى زائدة (١)، قال: سمعت
عكرمة ، قال : الحذف .
حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدىّ فی خبر ذ کره عن أبى مالك وعن أبى صالح، عن ابن
عباس - وعن مُرة الهمدانىّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم: ﴿وَ تَأْتُونَ فِى نَادِيَكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال : كانوا كلّ من
مرّبهم حذفوه ، وهو المنكر .
* ذكر من قال : كانوا يتضارطون فى مجالسهم :
حدثنى عبد الرحمن بن الأسود الطّفاوىّ ، قال : حدثنا محمد بن ربيعة ،
قال: حدثنا رَوْح بن غُطَيف الثقفىّ، عن عمرو بن مُصعَب، عن عُرْوة
ابن الزبير، عن عائشة فى قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِى نَادِ يِكُمُ المِنْكَرَ﴾، قالت:
الضراط .
* ذكر من قال كان يأتى بعضهم بعضًا فى مجالسهم :
٣٢٨/١
حدثنا ابن وكيع وابنُ حميد ، قالا : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن
مجاهد فى قوله: ﴿ وَ تَأْتُونَ فِى نَادِيَكُمُ الْمُنْكر)، قال : كان بعضُهم يأتى بعضا
فى مجالسهم .
حدثنا سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدثنا ثابت بن محمد الليثى ، قال :
حدثنا فضَّيْل بن عياض ، عن منصور بن المعتمر ، عن مجاهد فى قوله :
﴿ وَ تَأْتُونَ فِنَادِيَكُمُ الْمنْكَرَ﴾، قال: كان يجامع بعضهم بعضًا فى المجالس.
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكّام ، عن عمرو، عن منصور ،
عن مجاهد مثله .
(١) ط: ((عمران بن زيد))، والصواب ما أثبته من ا.
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((الظفارى))، وانظر تهذيب التهذيب ٦: ١٤٠.

٢٩٥
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبى، عن سفيان ، عن منصور ، عن
مجاهد ، قال : كانوا يجامعون الرجال فى مجالسهم .
حدثنى محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى.
وحدثنى الحارث ، قال : حدثنا الحسن ، قال : حدثنا ورقاء ، جميعًا عن
ابن أبى نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَ تَأْتون فِى نَادِيَكُم المُنكر﴾، قال : المجالس،
والمنكر إتيانهم الرجال .
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :
﴿ وَ تَأْتُونَ فِى نَادِيَكُم المنكر)، قال : كانوا يأتون الفاحشة فى ناديهم.
حدثی یونس ، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد فى قوله:
﴿ وَ تَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنْكَر) قال: ناديهم المجالس، والمنكر عملهُمْ الخبيث
الذى كانوا يعملونه، كانوا يعترضون الراكب فيأخذونه فيركبونه، وقرأ: ﴿أُتَأْتُونَ ٣٢٩/١
الفاحِشَةَ وَأَنْ تُبْصِرُون﴾(١) وقرأ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾(٢).
وقد حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا إسماعيل بن عُليَّة ، عن ابن
أبى نَجيج، عن عمرو بن دينار: قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِنِ﴾،
ما نزا ذكرٌ على ذكر حتى كان قوم لوط .
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى قول من قال: عَنَّى
بالمنكر الذى كانوا يأتونه فى ناديهم فى هذا الموضع حذفُهم مَنْ مَرّ بهم
وسخريتهم منه ، للخبر الوارد بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى
حدثناه أبو كريب وابن وكيع ، قالا : حدّثنا أبو أسامة ، عن حاتم بن
أبى صغيرة، عن سماك بن حَرْب، عن أبى صالح مولى أمّ هانئ، عن أم هانئ
(١) سورة النمل ٥٤ .
(٢) سورة الأعراف ٨٠ .

٢٩٦
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: ﴿وتأتُونَ فى نَادِيَكُمُ المنكر)،
قال : كانوا يحذ فون أهلَ الطريق ويسخرون منهم ، وهو المنكر الذى كانوا
یأتونه(١)
حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبِىّ ، قال : حدثنا سليمان بن حيان ، قال :
أخبرنا أبو يونس القُشيرىّ، عن سماك بن حرب ، عن أبى صالح ، عن أمّ
٣٣٠/١ هانئ، قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿وتَأْتُونَ فِى
نَادِيَكُمُ الْمِنْكَرَ)، قال: كانوا يحذ فون أهلَ الطريق ويسخرون منهم))
حدثنا الربيع بن سليمان ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا
سعيد بن زيد ، قال : حدثنا حاتم بن أبى صغيرة ، قال : حدثنا سماك بن
حرب ، عن باذام أبى صالح ، مولى أم هانئ ، عن أم هانئ ، قالت :
سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ﴿ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيَكُم المُنْكَرَ﴾،
فقال : كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناءَ السبيل ويسخرون منهم ، فكان
لوط عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله ، وينهاهم بأمر الله إياه عن الأمور
التى كرهها اللّه تعالى لهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور فى
الأدبار ، وبتوعدهم ۔۔ على إصرارهم على ما کانوا علیهمقیمین من ذلك وتر کهم
التوبة منه - العذاب الأليم فلا يزجرهم عن ذلك وعيدُه ولا يزيدهم وعظُه
إلا تماديًا وعتوًّا واستعجالاً لعذاب الله، إنكاراً منهم وعيده، ويقولون له: ﴿اثْتِنَا
بِعَذَابِ اللهِ إنْ كُنْت مِنَ الصَّادِقِينِ﴾(٢)، حتى سأل لوط رّبّه عزّ وجلّ
النصرة عليهم لما تطاول عليه أمره وأمرهم وتماديهم فى غيهم ، فبعث الله عزّ
وجل" لما أراد خزيهم وهلاكهم ونصرة رسوله لوط عليهم جَبْرثِيل عليه السلام
ومَلَكَيْن آخرين معه .
وقد قيل : إن الملكين الآخرين كان أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل
(١) الخبر فى التفسير ٢٠: ٩٢ (بولاق)، وفيه: ((يأتون)).
(٢) سورة العنكبوت ٢٩ .

٢٩٧
٣٣١/١
فأقبلوا - فيما ذكر- مُشاةً فى صورة رجال شباب.
* ذكر بعض من قال ذلك :
حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السُّدی فی خبر ذكره ، عن أبىمالك وعن أبى صالح، عن ابن
عباس- وعن مرة الهمدانىّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي صلى
اللّه عليه وسلم: بعث الله الملائكة لتُهلك قوم لوط، فأقبلت (١) تمشى فى
صورة رجال شباب ؛ حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه، فكان من أمرهم وأمر
إبراهيم ما قد مضى ذكرنا إياه فى خبر إبراهيم وسارة . فلما ذهب عن إبراهيم
الروع جاءتْهُ البشرى، وأطلعته الرسل على ما جاءوا له، وأنّ اللّه
أرسلتهم لهلاك قوم لوط ناظرهم إبراهيم وحاجَّهم فى ذلك كما أخبر اللّه عنه [فقال]: (٣)
﴿فَلَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلْنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ). (٤)
وكان جداله إياهم فى ذلك - فيما بلغنا - ما حدثنا به ابن حميد ، قال :
حدثنا يعقوب القمىّ ، قال: حدثنا جعفر، عن سعيد ﴿ يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾
قال : لما جاءه جبرئيل ومن معه، قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ
الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينِ﴾(٥) . قال لهم إبراهيم: أَشَهْلِكون قريةً فيها
أربعمائة مؤمن ؟ قالوا : لا ، قال: أفتهلكون قريةً فيها ثلثمائة مؤمن ؟ قالوا :
لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها مائتا مؤمن ؟ قالوا : لا ، قال: أفتهلكون قرية
فيها مائة مؤمن ؟ قالوا : لا ، قال : أفتهلكون قريةً فيها أربعون مؤمنًاً ؟
قالوا : لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها أربعة عشر مؤمناً ؟ قالوا : لا ، وكان
إبراهيم يعدّهم أربعة عشر بامرأة لوط، فسكت عنهم ، واطمأنّت نفسُه .
٣٣٢/١
(١) فى جميع الأصول: ((أقبلت)).
(٢) ط: ((فأطلعته))، وما أثبته من ا.
(٣) من ا .
( ٤) سورة هود ٧٤
(٥) سورة العنكبوت ٣١

٢٩٨
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا الحِمّانىّ ، عن الأعمش ، عن المنهال،
عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : قال الملك لإبراهيم: إن كان
فيها خمسة يصَلُّون رُفع عنهم العذاب .
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر ،
عن قتادة: ﴿يُجَادِلُنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ قال: بلغنا أنه قال لهم يومئذ: أرأيتم
إن كان فيهم خمسون من المسلمين ؟ قالوا : إن (١) كان فيهم خمسون لن
نعذّبهم (٢)، قال: وأربعون ؟ قالوا: وأربعون، قال: وثلاثون ؟ قالوا: وثلاثون ،
حتى بلغ عشرة، قالوا : وإن كانوا عشرة؟ قال : ما من قوم لا يكون فيهم
عشرة فيهم خير ، فلما علم إبراهيمُ حالَ قوم لوط بخبر الرسل قال للرسل :
﴿إِنَّ فِيهَا لُوطَا﴾(٣) إشفاقًا منه عليه، فقالت الرسل: ﴿فَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾(٣).
ثم مضت رسلُ اللّه نحو أهل سدوم، قرية قوم لوط، فلما انتهوا إليها ذُكر
أنهم لَقُوا لوطا فى أرض له يعمل فيها ، وقيل إنهم لَقُوا عند نهرها ابنة لوط
تستفى الماء .
* ذكر من قال لقوا لوطا :
حدثنا بشربن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن
٣٣٢/١ قَتّادة، عن حُذيفة أنه لما جاءت الرسل لوطاً أتوه وهو فى أرض له
يعمل فيها ، وقد قيل لهم- والله أعلم: لا ◌ُهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط ،
قال : فأتوه فقالوا : إنا مُضيِّفوك (٤) الليلة . فانطلق بهم فلما مشى ساعة
التفت فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ والله ما أعلم على ظهر
(١) فى ط: ((وإن))، وما أثبته عن ا.
(٢) ب، ن: ((يعذبهم)).
(٣) سورة العنكبوت ٣٢
(٤) كذا فى ا، ب، وفى ر: ((نتضيفك))، وفى ط: ((متضيفوك)).

٢٩٩
الأرض (١) أناساً(٢) أخبثَ منهم. قال: فمضى معهم ثم قال الثانية
مثل ما قال ، فانطلق بهم ، فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته انطلقت
فأنذرهم .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا الحكم بن بشير ، قال : حدثنا عمرو
ابن قيس الملائىّ ، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: أتت الملائكةُ لوطًا
وهو فى مزرعة له ، وقال الله تعالى للملائكة: إن شهد لوط عليهم أربع
شهادات، فقد أذنت لكم فى هَلّكتهم(٣)، فقالوا: يا لوط، إنا نريد أن نضيفك
الليلة، قال: وما بلغكم (٤) أمرهم ؟ قالوا: وما أمرهم ؟ فقال : أشهد باللّه أنها
لشرُّ قرية فى الأرض عملا ، يقول ذلك أربع مرّات، فشهد عليهم لوط أربع
شهادات ، فدخلوا معه منزله .
* ذكر من قال إنما لقيت الرسل أول ما لقيت حين دنت
من سَدُوم ابنة لوط دون لوط (٥) :
حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السّدى فى خبر ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن
ابن عباس - وعن مرة الهمدانىّ عن ابن مسعود-وعن ناس من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم، قال: لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط،
فأتوْها نصف النهار ، فلما بلغوا نهر سدوم لقُوا ابنةَ لوط تستقى من الماء
لأهلها. وكانت له ابنتان: اسم الكبرى ريثا واسم الصغرى(٦) رعزيا (٧) - فقالوا
٣٣٤/١
(١) ر: ((وجه الأرض))، ب: ((ظهر هذه الأرض)).
(٢) ن: ((أحداً)).
(٣) كذا فى ا، ر، وفى ط: ((مهلكتهم))، ن: ((هلاكهم)).
(٤) ابن الأثير: ((أو ما بلغكم)).
(٥) ن: ((قبل)).
(٦) ب، ر: ((والصغرى)).
(٧) كذا فى ا، ب، وفى ن: ((رعرثا))، وفى ر: ((دعريا))، وفى ط من غير نقط.

٣٠٠
لها : يا جارية ، هل من منزل ؟ قالت: نعم ، فمكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم؛
فرِقَتْ(١) عليهم من قومها، فأتتْ أباها، فقالت : يا أبتاه، أرادك فتيان على
باب المدينة ، ما رأيت وجوه(٢) قوم هى أحسنُ منهم، لا يأخذهم قومُك
فيفضحوهم - وقد كان قومُهُ نهوْه أن يُضيِّف رجلا - فقالوا له: خَلِّ عنا
فلنصف الرجال ، فجاء بهم فلم يعلمْ أحد إلا أهلَ بيت لوط ، فخرجت
امرأتُه فأخبرت قومها فقالت : إنَّ فى بيت لوط رجالا ما رأيت مثلهم ومثل
وجوههم حسنًا قط ، فجاءه قومه يهرعون إليه .
قال أبو جعفر: فلما أتوْه قال لهم لوط: يا قوم اتقوا الله ﴿ ولا تخزونٍ فى
ضَيْفِى أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلُّرَشِدٌ)(٣)؛ هؤلاء بناتى هنَّ أطهرُ لكمما تريدون.
فقالوا له : أو لم ننهك أن تضيِّف الرجال ! لقد علمت ما لنا فى بناتك من
حق ، وإنك لتعلم ما نريد ! فلما لم يقبلوا منه شيئًا مما عرضه عليهم قال :
﴿لَوْ أَنَّ لى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾(٤). يقول عليه السلام:
٣٣٥/١ لو أنّ لى أنصاراً ينصرونى عليكم أو عشيرة تمنعنى منكم، لحُلْت بينكم وبين
ما جئتم تریدونه من أضیافی !
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا اسماعيل
ابن عبد الكريم ، قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبًا يقول :
قال لوط لهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةٌ أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيد)، فوجّد عليه
الرسل وقالوا: إنَّ ركنك لشديد. فلما يئس (٥) لوط من إجابتهم إياه إلى شىء مما
دعاهم إليه وضاق بهم ذَرْعًا، قالت الرسل له حينئذ: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ
يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرٍ بِأهْلِكِ بِقِطْعٍ مِنَالَّيلِ وَلَا يُلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا أَمْرَ أَتَكَ
(١) ابن الأثير ١: ٧٩: ((خافت)).
(٢) ابن الأثير: ((ما رأيت أصبح وجوها منهم)).
(٣) سورة هود ٧٨
(٤) سورة هود ٨٠
(٥) ر: ((أيس)).