النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ لما مات آدم عليه السلام قال شيث لجبرئيل صلى الله عليهما: صلَ على آدم، قال : تقدم أنت فصلّ على أبيك ، وكبّر عليه ثلاثين تكبيرة ، فأما خمس فهى الصلاة ، وأما خمس وعشرون فتفضيلا لآدم صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف فى موضع قبر آدم عليه السلام، فقال ابن إسحاقما قد مضى ذكره، وأما غيره فإنه قال: دفن بمكة فى غار أبى قُبيس، وهو غار يقال له غار الكتر (١). وروى عن ابن عباس فى ذلك ، ما حدثنى به الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا هشام قال : أخبرنا أبى ، عن أبى صالح ، ١٦٣/١ عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة دفن آدم عليه السلام ببيت المقدس . وكانت وفاته يوم الجمعة ، وقد مضى ذكرنا الرواية بذلك ، فكرهنا إعادته . وروى عن ابن عباس فى ذلك ما حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام بن محمد ، قال : أخبرنى أبى ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال : مات آدم عليه السلام على بَوْذ - قال أبو جعفر يعنى الجبل الذى أُهبط عليه - وذكر أن حواء عاشت بعده سنة ثم ماتت رحمهما الله، فدفنت مع زوجها فى الغار الذى ذكرت ، وأنهما لم يزالا مدفونين فى ذلك المكان ، حتى كان الطوفان، فاستخرجهما نوح، وجعلهما فى تابوت، ثم حملهما معه فى السفينة ، فلما غاضت الأرضُ الماء ردّهما إلى مكانهما الذى كانا فيه قبل الطوفان ، وكانت حواء قد غزلت - فيما ذكر- (١) ذكره ياقوت وقال: ((غار الكنز: موضع فى جبل أبى قبيس، دفن فيه آدم كتبه فيما زعموا)). معجم البلدان ٦ : ٢٦١ (١١) ١٦٢ ونسجت وعجنت وخبزت ، وعملت أعمال النساء كلها . ١ ونرجع الآن إلى قصة قابيل وخبره وأخبار ولده وأخبار شيث وخبر ولده - إذ كنا قد أتينا(١) من ذكر آدم وعدوه إبليس وذكر أخبارهما، وما صنع الله بإبليس إذ تجبر وتعظّم وطغى على ربه عزّ وجلّ فأشر وبطر نعمته التى أنعمها الله عليه، وتمادى فى جهله وغيّه، وسأل ربه النظرة، فأنظره (٢) إلى يوم الوقت المعلوم، وما صنع [اللّه](٣) بآدم صلوات الله عليه إذ خطىء (٤) ونسى عهد الله من تعجيل عقوبته له على خطيئته ، ثم تغمده إياه بفضله ورحمته ، إذ تاب ١٦٤/١ إليه من زلّته فتاب عليه وهداه، وأنقذه من الضلالة والردى - حتى نأتى على ذكر من سلك سبيلَ كلّ واحد منهما ؛ من تباع آدم عليه السلام على منهاجه(٥) وشيعة إبليس والمقتدين به فى ضلالته، إن شاء الله، وما كان من صنع الله تبارك وتعالى بكل فريق منهم فأما شيث عليه السلام فقد ذكرنا بعضَ أمره ، وأنه كان وصىّ أبيه آدم عليه السلام فى مُخَلَّفيه(٦) بعد مضيّه لسبيله ، وما أنزل اللّه عليه من الصحف . وقيل: إنه لم يزل مقما بمكة يحجّ ويعتمر إلى أن مات، وإنه كان جمع ما أنزل الله عزّ وجلّ عليه من الصحف إلى صحف أبيه آدم عليه السلام، وعمل بما فيها ، وأنه بنى الكعبة بالحجارة والطين . وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا : لم تزل القبّة التى جعل الله لآدم فى مكان البيت إلى أيام الطوفان ، وإنما رفعها اللّه عزّ وجلّ حين أرسل الطوفان . وقيل : إن شيئاً لما مرض أوصى ابنه أنوش ومات ، فدفن مع أبويه فى غار أبى قبيس ، وكان مولده لمضى مائتى سنة وخمس وثلاثين سنة ، من عمر آدم (١) ن: ((على ذكر آدم)). (٢) !، ك: (فأنظر)) بالبناء للمجهول (٣) تكملة من ا (٤) !: ((أخطأ))، وهما سواء. (٥) ١: ((مناهجه)). (٦) كذا فى ا، س، ن، ط: ((مختلفيه)) .. ٦ + ۔ ١٦٣ عليه السلام . وكانت وفاته وقد أتت له تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة . وولد لشيت أنُوش(١) ، بعد أن مضى من عمره ستمائة سنة وخمس سنين ؛ فيما يزعم أهل التوراة . وأما ابن إسحاق ، فإنه قال فما حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عنه : نكح شيث بن آدم أخته حزورة ابنة آدم، فولدت له يانش بن شيث ، ونعمة ابنة شيث ، وشيث يومئذ ابن مائة سنة وخمس سنين ، فعاش بعد ما وُلُد له يانش ثمانمائة سنة وسبع سنين . وقام أنُوش بعد مضىّ أبيه شيث لسبيله بسياسة(٢) الملك، وتدبير مَن ١٦٥/١ تحت یدیه من رعيته مقام أبیه شیٹ ، ولم يزل - فيما ذُكِر - على منهاج أبيه ؛ لا يوقف منه على تغيير ولا تبديل. وكان جميعُ عمر أنوش - فيما ذكر أهل التوراة - تسعمائة سنة وخمس سنين . حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنى هشام ، قال : أخبرنى أبى ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال : ولَد شيث أنُوش ونفراً كثيراً، وإليه أوصى شيث، ثمّ وُلد لأنوش بن شيث بن آدم ابنُه قَيْنَان(٣) من أخته نعمة ابنة شيث بعد مضىّ تسعين سنة من عمر أنوش، ومن عمر آدم ثلثمائة سنة وخمس وعشرين سنة . وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سَلمة، عن ابن إسحاق : نكح يانش بن شيث أخته نعمة ابنة شيث، فولدت له قَيْنان، ويانش يومئذ ابن تسعين سنة ، فعاش يانش بعد ما ولد له قَيْنَان ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة ، وولد له بنون وبنات ، فكان كلُّ ما عاش يانش تسعمائة سنة وخمس سنين . ثم نكح قَيْنان بن يانش - وهو ابن (١) أنوش كصبور، كذا ضبطه صاحب تاج العروس فى ٤: ٢٨٠، قال: ((ويقال: يانش كصاحب وآدم، ويقال إنوش، بكسر الهمزة بمعنى إنسان)). (٢) ر، س: ((لسياسة)). (٣) قينان، كذا ضبطه صاحب اللسان؛ بفتح القاف ومد النون الأولى، وفى سفر التكوين ٥: ١٢ ضبط بكسر القاف. ويقال أيضاً ((قينين)) بإسقاط الألف؛ كما نقله صاحب التاج. ١٦٤ سبعين سنة - دينة (١) ابنة براكيل بن محويل بن خَنُوح (٢) بن قين(٣) بن آدم، فولدت له مهلائيل (٤) بن قَيْنان، فعاش قينان بعد ما ولد له مهلائيل ثمانمائة ستة وأربعين سنة ، فكان كلّ ما عاش قيْنان تسعمائة سنة وعشر سنين . حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام ، قال: ١٦٦/١ أخبرنى أبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: ولّد أنوش قَيْنَان، ونفراً كثيراً ، وإليه الوصية ، فولد قينان مهلائيل ونفراً معه ، وإليه الوصية ، فولد مهلائيل يَرْد(٥) - وهو البارد - ونفراً معه، وإليه الوصية، فولد يَرْد أخْنُوخ وهو إدريس النبى صلى الله عليه وسلم ونفراً معه، فولد أُخْفُوخ مَتُوشَلخ(٦) ونفرًا معه وإليه الوصية، [ فولد مَتُوشَلخ لمَك (٧) ونفرا معه وإليه الوصية]. (٨) وأما التوراة فما ذكره أهل الكتاب أنه فيها أنّ مولد مهلائيل بعد أن مضت من عمر آدم ثلثمائة سنة وخمس وتسعون سنة ، ومن عمر قَيْنان سبعون سنة . ونكح مهلائيل بن قَيْنان - وهو ابن خمس وستين سنة، فيما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق - خالته سمعن ابنة براكيل ابن محويل بن خَنُوخ بن قَيْن بن آدم ، فولدت له يَرْد بن مهلائيل ، فعاش مهلائیل بعد ما ولد له يَرْد ثمانمائة سنة وثلاثين سنة ، فوُلد له بنون وبنات ، فكان كلّ ما عاش مهلائيل ثمانمائة سنة وخمساً وتسعين سنة، ثم مات . وأما فى التوراة فإنه ذ کر أن فيها أن یرْد وُلد لمهلائیل بعد ما مضى من عمر آدم أربعمائة سنة وستون سنة ، وأنه كان على منهاج أبيه قَيْنان ، غير أنّ الأحداث بدتْ فى زمانه . (١) فى ا((ذنبة))، وفى ن: ((دنبة)) بالدال. (٢) كذا فى الأصول، وفى القاموس: خنوخ بالفتح وأخنوخ بالهمز. (٣) فى القاموس: ((قاين ابن لآدم عليه السلام))، وقال فى التاج: ((إنه انقرض)). وفى سفر التكوين ٤: ١ ((قايين)). (٤) فى سفر التكوين ٥ : ١٥ (( مهللئيل)) (٥) كذا ورد فى الأصول، وحكى أبو الفدا فى ١: ٩ إعجام الذال أيضاً. (٦) كذا فى الأصول، وضبطه ابن الأثير فى ٣٦:١ بفتح الميم وبالتاء المعجمة باثنتين من فوق وبالشين المعجمة وبحاء مهملة، قال: وقيل خاء معجمة. (٨) تكملة من ا (٧) فى أبى الفدا: ((لامخ، ويقال: لامك ولمك أيضاً)) ذكر الأحداث التى كانت فى أيام بنى آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد "ذكر أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس ، فقال له: إن هابيل إنما قبل قُربانُه وأكلته النار ، لأنه كان يخدُم النار ويعبدها ، فانصبْ أنت أيضًا ناراً تكون لك ولعقبك . فبنى بيتَ نار ، فهو أوّلُ مَنْ نَصَب النار وعبدها. ١٦٧/١ حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : إن قينًا نكح أختَه أشوث بنت آدم، فولدت له رجلا وامرأة: خَنُوخ بن قين ، وعذب(١) بنت قين، فنكح خنوخ بن قين أخته عذب بنت قين ، فولدت له ثلاثة نفر وامرأة: عيرد بن خَنُوخ ومحويل بن خَنُوخ وأنوشيل (٢) بن خنوخ، وموليث بنت خنوخ ، فنكح أنُوشيل بن خنوخ موليث ابنة خنوخ ، فولدت لأنوشيل رجلاً اسمه لامك ، فنكح لامك امرأتين: اسم إحداهما عندى واسم الأخری صلی (٣) ، فولدت له عدى تولين بن لامك ، فكان أول من سكن القباب، واقتنى المال، وتوبيش (٤)، وكان أول من ضرب بالونَج (٥) والصَّنْج، وولدت رجلا اسمه توبلقين، فكان أول مَنْ عمل النحاس والحديد ، وكان أولادهم جبابرة وفراعنة ، وكانوا قد أعطُوا بسطة فى الخلق ؛ كان الرجل فيما يزعمون يكون ثلاثين ذراعًا . قال : ثم انقرض ولد قَين، ولم يتركوا عقبًا إلا قليلاً ، وذرية آدم كلهم جهلتْ (٦) أنسابهم وانقطع نسلهم ، إلاما كان من شيث بن آدم ، فمنه كان النسل ، وأنسابُ الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم ، فهو أبو البشر، إلا ما كان من أبيه وإخوته ممن لم يترك عقبًا. ١٦٨/١: (١) كذا فى ا، س، ن، وابن الأثير ١: ٣٢، وفى ط: ((عدن)). (٢) كذا فى ا، ك، وابن الأثير، وفى ط: ((أبوشيل)). (٣) سفر التكوين: ((عادة)) و((صلة))، بتشديد اللام. (٤) فى ابن الأثير: ((توبلين)). (٥) الونج: المعزف ؛ وهو المزهر أو العود. (٦) فى الأصول: ((فجهلت))، وما أثبته عن ابن الأثير. ١٦٥ ١٦٦ قال: ويقول أهل التوراة: بل نكح قین أشوٹ ، فولدت له خنوخ، فولد لخنوخ عِيرد(١) ، فولد عيرد محويل، فولد محويل أنوشيل ، فولد أنوشيل ، لامك، فنكح لامك عدّى وصلّى، فولدتا له مَنْ سميتُ. والله أعلم . فلم يذكر ابن إسحاق من أمر قابيل وعقبه إلا ما حكيتُ . وأما غيره من أهل العلم بالتوراة فإنه ذكر أن الذى اتخذ الملاهىَ من ولد قابين رجل يقال له توبال (٢)، اتخذ فى زمان مهلائيل بن قَيْنان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان والطنابير والمعازف ، فانهمك ولد قايين فى اللهو ، وتناهى خبرُهم إلى مَنْ بالجبل من نسل شيث، فهمّ منهم مائة رجل بالنزول إليهم ، وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم، وبلغ ذلك يارد ، فوعظهم ونهاهم ؛ فأبوا إلا تماديًا ، ونزلوا إلى ولد قايين ، فأعجبوا بما رأوْا منهم ، فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم وبين ذلك لدعوة سبقتْ من آبائهم ، فلما أبطئوا بمواضعهم ، ظنّ من كان فى نفسه زيغ من كان بالجبل أنهم أقاموا اعتباطًا، فتساللوا(٣) ينزلون عن الجبل ، ورأوا اللهو فأعجبهم ، ووافقوا نساء من ولد قايين متسرّعات إليهم ، وصرْن معهم ، وانهمكوا فى الطغيان ، وفشت الفاحشة وشرب الخمر . قال أبو جعفر : وهذا القول غير بعيد من الحق ؛ وذلك أنه قول قد رُوى عن جماعة من سلف علماء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم نحو منه ، وإن ١٦٩/١ لم يكونوا بينوا زمانَ مَنْ حدث ذلك فى ملكه، سوى ذكرهم أن ذلك كان فيما بين آدم ونوح صلى الله عليهما وسلم . ذكر من رُوى ذلك عنه : حدثنا أحمد بن زُهَير ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا داود - يعنى ابن أبى الفرات - قال : حدثنا علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، (١) فى سفر التكوين: ((((عيراد)). (٢) كذا فى ا، وفى ط من غير نقط، وفى ابن الأثير: ((ثوبال)). (٣) كذا فى ا، وفى ابن الأثير: ((فتسللوا))، وفى ط: ((فتسايلوا)). ط ١٦٧ عن ابن عباس، أنه تلا هذه الآية: ﴿وَلاَ تَبَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأولَى﴾. (١) قال : كانت فيما بين نُوح وإدريس ، وكانت ألف سنة ، وإن بطنيْن من ولد آدم ، كان أحدُهما يسكن السهل ، والآخر يسكن الجبل ، وكان رجال الجبل صباحًا وفى النساء دمامة (٢)، وكان نساء السهل صباحًا وفى الرجال دمامة ، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل فى صورة غلام فآجر نفسه منه، وكان يخدمه، واتخذ إبليس لعنه الله شيئًا مثل الذى يزمُر فيه الرِّعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك مَنْ حولهم، فانتابوهم (٣) يسمعون إليه ، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه فى السنة ، فتتبرّج النساء للرجال، قال: وينزل الرجال لهنّ . وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم وهم فى عيدهم ذلك ، فرأى النساء وصَباحتهنّ ، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك ، فتحولوا إليهن، فنزلوا عليهنّ(٤)، فظهرت الفاحشة فيهنّ، فهو قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِّةِ الْأُولَى﴾.(٥) ١٧٠/١ حدثنا ابنوكيع، قال : حدثنا ابن أبى غَنِيّة، عن أبيه ، عن الحكم: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِّةِ الْأُولَى﴾، قال: كان بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، وكان(٦) نساؤهم أقبحَ ما يكون من النساء، ورجالهُم حسان، فكانت المرأة ترید الرجل على نفسها ، فأنزلت هذه الآية: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. (٧) حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام ، قال : أخبرنى أبى ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال : لم يمُتْ آدم حتى بلغ ولدُهُ وولدُ ولده أربعين ألفًا ببَوْذ . (١) سورة الأحزاب ٣٣ (٢) كذا فى ! والتفسير، وفى باقى الأصول: ((ذمامة)). (٣) ك: ((فأتوهم)). (٤) كذا فى ط، وفى ١، ك والتفسير: ((معهن)). (٥) الخبر فى التفسير ٢٢: ٤ (بولاق) (٦) !، والتفسير: ((فكان)). (٧) الخبر فى التفسير ٢٢: ٤ (بولاق). ١٦٨ ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد، فأوصى ألاّ يناكح بنُوشيث بنى قابيل، فجعل بنو شيث آدم فى مغارة، وجعلوا عليه حافظًا (١)، لا يقربه أحد من بنى قابيل(٢)، وكان الذين يأتونه ويستغفر لهم من بنى شيث(٣)، فقال مائة من بنى شيث صباح : لونظرنا إلى ما فعل بنو عمّنا ! يعنون بنى قابيل. فهبطت المائة إلى نساء صباح من بنى قابيل ، فاحتبس النساء الرجال ، ثم مكثوا ما شاء الله. ثم قال مائة آخرون: لو نظرنا ما فعل إخوتنا ! فهبطوا من الجبل إليهم، فاحتبسهم النساء. ثم هبط بنو شيث كلّهم، فجاءت المعصية، وتناكحوا واختلطوا (٤)، وكثر بنو قابيل حتى ملئوا (٥) الأرض ، وهم الذين غرقوا أيام نوح . وأما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا فى مهلائيل بن قيْنان ، وأنه هو أوشهنْج الذى ملك الأقاليم السبعة، وبيّنت قَوّل مَنْ خالفهم فى ذلك من نسائى العرب . فإن كان الأمر فيه كالذى قاله نسابو الفرس ، فإنى حُدَّثت عن هشام ١٧١/١ ابن محمد بن السائب، أنه هو أول مَنْ قطع الشجر، وبنى البناء ، وأول من استخرج المعادن وفطَّن الناس لها، وأمر أهل زمانه باتخاذ المساجد، وبنى مدينتين كانتا أوّلَ ما بُنى على ظهر الأرض من المدائن ، وهما مدينة بابل التى بسواد الكوفة ، ومدينة السوس . وكان (٦) ملكه أربعين سنة . وأما غيره فإنه قال : هو أوّلُ من استنبط الحديد فى ملكه ، فاتخذ منه الأدوات للصناعات ، وقدر المياه فى مواضع المناقع ، وحضّ الناس على الحراثة والزراعة والحصاد واعتمال الأعمال، وأمر بقتل السباع الضارية، واتخاذ الملابس (١) ك: ((حائطا)). (٢) ط: (( من بنى آدم))، وما ذكرته من أ، وكذلك فيما يأتى. (٣) ا: ((بنو شيث)). (٤) ط: ((فاختلطوا)). (٥) ط: ((ملكوا)). (٦) ط: ((فكان)). L ١٦٩ من جلودها والمفارش ، وبذبح البقر والغنم والوحش والأكل من لحومها ، وأن مُلْكَه كان أربعين سنة ، وأنه بنى مدينة الرَّىّ. قالوا: وهى أوّل مدينة بنيت بعد مدينة جيومَرْت التى كان يسكنها بدُ نْبَاوَند من طبرستان . وقالت الفرس : إن أوشْهَنْج هذا وُلِد ملكًا، وكان فاضلاً محموداً فى سيرته وسياسة رعيّته ، وذكروا أنه أوّل من وضع الأحكام والحدود ، وكان ملقَّبًا بذلك، يُدعى فيشداد ومعناه بالفارسية أوّلُ مَنْ حكم بالعدل ، وذلك أن ((فاش)) معناه أوّل، وأن (( داذ)) عدل وقضاء ، وذكروا أنه نزل الهند ، وتنقّل فى البلاد ، فلما استقام أمرُه واستوثق له الملك عقد على رأسه تاجًا ، وخطب خطبة، فقال فى خطبته : إنه ورِث الملك عن جده جيُومَرَت ، وإنه عذاب ونقمة على مَرَدة الإنس والشياطين . وذكروا أنه قهر إبليس وجنوده ، ومنعهم الاختلاط بالناس ، وكتب عليهم كتابًا فى طِرْس أبيض أخذ عليهم فيه المواثيق ألاّ يعرضوا لأحد من الإنس ، وتوعدهم على ذلك ، وقتل مردتهم وجماعة من الغيلان ، فهربوا من خوفه إلى المفاوز والجبال والأودية، وأنه ملك ١٧٢/١ الأقاليم كلها، وأنه كان بين موت جيومرت إلى مولد أوشهنْج وملْكه مائتا سنة وثلاث وعشرون سنة . وذكروا أن إبليس وجنوده فرحوا بموت أوشهنج ، وذلك أنهم دخلوا بموته مساكن بنى آدم ، ونزلوا إليهم من الجبال والأودية . ونرجع الآن إلی ذ کر یرد - وبعضهم يقول هو یارد - فولد يرد لمهلائيل من خالته سمعن ابنة برا کیل بن محویل بن خنوخ بنقین، بعد ما مضى من عمر آدم أربعمائة وستون سنة ، فكان وصىّ أبيه وخليفته فيما كان والد مهلائيل أوصى إلى مهلائيل ، واستخلفه عليه بعد وفاته ، وكانت ولادة أمه إياه بعد ما مضى من عمر أبيه مهلائيل - فيما ذكروا - خمس وستون سنة، فقام من بعد مَهْلَك أبيه من وصية أجداده وآبائه بما كانوا يقومون به أيام حياتهم . ثم نكح يَرْد - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة ، عن ابن ١٧٠ إسحاق، وهو ابن مائة سنة واثنتين وستين سنة - بركنا ابنة الدرمسيل (١) بن محويل بن خَنُوخ بن قين بن آدم. فولدت له أَخْنُوخ بن يرد - وأخنوخ إدريس النبىّ، وكان أوّل بنى آدم أعطِىَ النبوّة - فيما زعم ابن إسحاق - وخط بالقلم، فعاش يَرد بعد ما وُلد له أُخْنوخ ثمانمائة سنة، وولد له بنون وبنات ، ١ - : فكان كلّ ما عاش يرد تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة ثم مات. وقال غيره من أهل التوراة: ولد ليرد أخْنُوخوهو إدريس- فنبأه الله عزَّ وجلّ ، وقد مضى من عمر آدم ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة ، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة . وهو أول من خطّ بعد آدم وجاهد فى سبيل الله، وقطع الثياب وخاطها، وأوّل من سبى من ولد قابيل ، فاسترقّ منهم ، وكان وصىّ والده يرْد فما كان آباؤه أوصوا به إليه ، وفيما أوصى به بعضهم بعضًا ، وذلك كلُّه من فعله فى حياة آدم . قال : وتوفى آدم عليه السلام بعد أن مضى من عمر أخْنُوخ ثلثمائة سنة وثمانىَ سنين، تَتمّةُ تسعمائة وثلاثين سنة التى ذكرنا أنها عمر آدم . قال: ودعا أخْنوخ قومَه ووعظَهم، وأمرهم بطاعة الله عزّ وجلَّ ومعصية الشيطان، وألا يُلابسوا ولَد قابيل ، فلم يقبلوا منه ، وكانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل إلى ولد قايين . قال : وفى التوراة : إن الله تبارك وتعالى رفع إدریس بعد ثلثمائة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره ، وبعد خمسائة سنة وسبع وعشرين سنة مضت من عمرٍ أبيه ، فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة وخمسًا وثلاثين سنة تمام تسعمائة واثنتين وستين سنة ، وكان عمرُ يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة، وولد أخْنُوخ وقد مضت من عمر بارد مائة واثنتان وستون سنة . حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام ، قال : أخبرنى أبى، عن أبى صالح ، عن ابن عباس، قال : فى زمان يَرْد ◌ُملت ١٧٤/١ الأصنام، ورَجع مَنْ رجع عن الإسلام. وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنى عمى ، قال : (١) س: ((الدرسيل ١٧١ حدثنى الماضى بن محمد ، عن أبى سليمان ، عن القاسم بن محمد ، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبى ذر الغفارىّ، قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذرّ، أربعة - يعنى من الرسل - سريانيّون: آدم، وشيث ، ونوح، وأخْنُوخ، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وأنزل اللّه تعالى على أخنوخ ثلاثين صحيفة )) . وقد زعم بعضهم أن الله بعث(١) إدريس إلى جميع أهل الأرض فى زمانه ، وجمَع له عِلْ الماضين، وأن اللّه عزّ وجلّ زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة ، قال: فذلك قول الله عزّ وجلَّ: ﴿إِنَّ هُذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأَوَلَى « صُحُفٍ إِبْرَاهِيمَ (٢) وَمُوسَى﴾ (٢) وقال : يعنى بالصحف الأولى [الصحفَ](٣) التى أنزلت على ابن آدم هبة اللّه وإدريس عليهما السلام . وقال بعضهم : ملك بیوراسب فى عهد إدريس ، وقد كان وقع إليه كلام من كلام آدم صلوات الله عليه ، فاتّخذه فى ذلك الزمان سحراً ، وكان بيوراسب يعمل به ، وكان إذا أراد شيئًا من جميع مملكته أو أعجبته دابة أو امرأة نفخ بقصبة(٤) كانت له من ذهب، وكان يجىءُ إليه كلّ شيء يريده ، فمن ثَمَّ تَنفخ اليهود [فى الشبّورات](٥). وأما الفرس فإنهم قالوا : ملك بعد موت أوشهنج طهمورث بن ويونجهان ابن خُبانداذ بن خُيا يذار(٦) بن أوشهنج. وقد اختلف فى نسب طهمورث إلى أوشهنج، فنسبه بعضهم النسبة التى ذكرت . وقال بعض نسَّبة الفرس: هو طهُورث بن أيونكهان بن أنكهد ابن أسكهد بن أوشهنج . ١٧٥/١ (١) : ((ابتعث)). (٢) سورة الأعلى ١٨ - ١٩ (٣) من ا (٤) ك: ((بعصية ». (٥) تكملة من غرر أخبار ملوك الفرس ص ٢٤ فيما نقله عن الطبرى. (٦) كذا أورد الاسم مضبوطاً معجماً فى ا، وفى ط مهمل من الضبط . ١٧٢ وقال هشام بن محمَّد الكلبىّ- فما حُدثتُ عنه: ذكر أهلُ العلم أن أول ملوك بابل طهمورث ، قال : وبلغنا - والله أعلم - أن الله أعطاه من القوَّة ما خضع له إبليس وشياطينه ، وأنه كان مُطيعًا لله، وكان ملكه أربعين سنة . وأما الفرس فإنها تزعم أن طهمورث ملك الأقاليم كلّها ، وعقد على رأسه تاجًا ، وقال يوم ملك: نحن دافعون بعون الله عن خليقته المَرَدة الفسدة. (١) ١/٦٧١. وكان محموداً فى ملكه ، حَدبًا على رعيته، وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها ، وتنقل فى البلدان، وأنه وثب بإبليس حتى ركبه ، فطاف عليه فى أدانى الأرض وأقاصيها، وأفزعه ومردةَ أصحابه حتى تطايروا وتفرقوا ، وأنه أول من اتخذ الصوف والشعر للباس (٢) والفُرُش، وأول من اتخذ زينة الملوك من الخيل والبغال والحمير ، وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشى وحراستها من السباع والجوارح للصيد، وكتَبَ بالفارسية، ، وأن بيوراسب ظهر فى أول سنة من ملكه، ودعا إلى ملّة الصابئين ثم رجعنا إلى ذكر أخْنوخ ، وهو إدريس عليه السلام. ثم نكح - فيما حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : أخنوخ بن يَرْد هدّانة (٣) - ويقال: أدّانة (٤) - ابنة باويل (٥) ابن محويل بن خَنُوخ بن قتين بن آدم ، وهو ابن خمس وستين سنة ، فولدت له مَتُوشلَخ بن أخْنوخ ، فعاش بعد ما ولد له مَتُوشَلَخ ثلثمائة سنة ، وولد له بنون وبنات ؛ فكان كل ما عاش أخنوخ ثلثمائة سنة وخمسًا وستين سنة ثم مات . وأما غيره من أهل التوراة فإنه قال فيما ذكر عن (٦) التوراة، وُلد لأخْنُوخ ١٧٧/١ بعد ستمائة سنة وسبع وثمانين سنة خلّتْ من عمر آدم مَتُوشَلَخ، فاستخلفه (١) : (( والفسدة. ( ٢) ك، ن . * للناس (٣) كذا ضبطت فى (٤) ك : «إذابة . (٥) ر : «يا وبل .... : (تاوين » ، ٥: «واويل (٦) ط: ((ذكر أهل التوراة)) وما أثبته من ا ١٧٣ أخْفُوخ على أمر الله، وأوصاه وأهل بيته قبل أن يُرفع، وأعلمهم أن اللّه عزّ وجل سيعذّب ولد قايين ومَنْ خالطهم ومال إليهم، ونهاهم عن مخالطتهم، وذُكِرٍ أنه كان أول من ركب الخيل ، لأنه اقتفى رسمَ أبيه فى الجهاد ، وسلك فى أيامه فى العمل بطاعة الله طريق آبائه. وكان عمر أخْنُوخ إلى أن رفع ثلثمائة سنة وخمسًا وستين سنة. وولد له متُوشَلَخ بعد ما مضى من عمره خمس وستون سنة . ثم نكح ـ فيما حدثنى ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق .. متُوشلخ بن أخنوخ عربا ابنة عزرائيل(١) بن أنوشيل بن خَنوخ بن قين بن آدم، وهو ابن مائة سنة وسبع وثلاثين سنة . فولدت له لمك بن متوشلخ، فعاش بعد ما ولد له لمك سبعمائة سنة، فولد له بنون وبنات، وكان كلّ ما عاش مُتُوشلخ تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة. ثم مات ونكح لمك بن متُوشلخ بن أخنوخ بتنوس ابنة براكيل بن محويل (٢) بن خنوخ بن قّين بن آدم عليه السلام، وهو ابن مائة سنة وسبع وثمانين سنة . فولدت له نوحًا النبى صلى الله عليه وسلم، فعاش لمك بعد ما ولد له نوح خمسمائة سنة وخمسًا وتسعین سنة، [ وولد له بنون وبنات] (٣)، فكان كلّ ما عاش سبعمائة سنة وثمانين سنة، ثم مات. ونكح نوح ابن لمك عمذرة (٤) ابنة براكيل بن محويل بن خنُوخ بن قين بن آدم ، وهو ١٧٨/١ ابن خمسمائة سنة ، فولدت له بنيه : سام، وحام، ويافث؛ بنى نوح . وقال أهل التوراة: ولد لمتُوشلَخ بعد ثمانمائة سنة وأربع وسبعين سنة من عمر آدم لمك ، فأقام على ما كان عليه آباؤه : من طاعة الله وحفظ عهوده قالوا : فلما حضرت مَتُوشلَخ الوفاة استخلف لمك على أمره ، وأوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به . قالوا : وكان لمك يعظ قومه ، وينهاهم عن النزول إلى ولد قايين فلا يتَّعَظون، حتى نزل جميع مَنْ كان فى الجبل إلى ولد قايين (١) اوابن الأثير: ((عزازيل)). (٢) محويل، ضبطه ابن الأثير ١: ٣١: ((بحاء مهملة وياء معجمة باثنين من تحت)). (٣) تكملة من ! (٤) ١: ((عمزورة))، ر: ((عزورة))، ك: ((عمريزة)»، ابن الأثير ١: ٣٦ .« عزرة )): ١٧٤ وقيل : إنه كان لمتُوشَلَخ ابن آخر غير لَمَك ، يقال له صائ - وقيل : إن الصابئين به ◌ُسمّوا صابئين - وكان عمر مَتُوشَلَخ تسعمائة وستين سنة ، وكان مولد لمَك بعد أن مضى من عمر مَتُوشَلخ مائة وسبع وثمانون سنة . ثم ولد لَمَك نوحًا بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة، وذلك لألف سنة وست وخمسين سنة مضت من يوم أهبط الله عزَّ وجلَّ آدم إلى مولد نوح عليه السلام ، فلما أدرك نوح قال له لمَك : قد علمت أنه لم يبق فى هذا الموضع غيرنا ، فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة ؛ فكان نوح يدعو إلى ربّه، ويعظ قوَمَه فيستخفُون به، فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليه أنه قد أمهلهم؛ (١) فأنظِهم ليراجعوا ويتوبوا مدة ، فانقضت المدة قبل أن يتوبوا ويُنيبوا . ٠ ٠ وقال آخرون غير من ذكرت قوله : كان نوح فى عهد بِيوَراسب ، وكان قومه يعبدون الأصنام ، فدعاهم إلى الله جلَّ وعزَّ تسعمائة وستة وخمسين سنة ؛ كلَّما مضى قرنٌ تبعهم قرن، على ملّةٍ واحدة من الكفر، حتى أنزل الله عليهم العذاب فأفناهم . ١٧٩/١ حدثنا الحارث ، قال: حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنى هشام، قال : أخبرنى أبى، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال: وَلَد مَتُوشلَخ لمك ونفرًا معه ، وإليه الوصية، فولد لمك نوحاً، وكان للمّك يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة ، ولم يكن أحد فى ذلك الزمان ينهى عن منكر ، فبعث الله إليهم نوحًا ؛ وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ، ثم دعاهم فى نبوته مائة وعشرين سنة ، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعتها وركبها وهو ابن ستمائة سنة ، وغرق من غرق ، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة سنة وخمسين سنة . وأما علماء الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد طهمورث جم الشيذ - والشيذ معناه عندهم الشعاع ، لقّبوه بذلك فيما زعموا لجماله - وهو جم بن وِيَونجهان، وهو أخو طمهورَث. وقيل إنه ملَك الأقاليم السبعة كلَّها، وسُخِّر له ما فيها من (١) ط: ((أمهلتهم))، وما أثبته من !. . ١٧٥ الجنّ والإنس، وعُقد على رأسه التاج . وقال حين قعد فى ملكه : إن الله تبارك وتعالى قد أكمل بهاءنا وأحسن تأييدنا ، وسنُوسع رعيتنا خيراً . وإنه ابتدع صنعة السيوف والسلاح، ودلَّ على صنعة الإبريْسم والقَزّ وغيره مما يُغْزَّل، وأمر بنسج الثياب وصّبْغها ، ونحت السروج والأكُف وتذليل الدواب بها وذكر بعضُهم أنه توارى بعد ما مضى من ملكه ستمائة سنة وست عشرة سنة وستَّة أشهر ، فخلت البلادُ منه سنة ، وأنه أمر لمُضِىّ سنة من ملكه إلى سنة خمس منه بصنعة السيوف والدروع والبيض وسائر صنوف الأسلحة وآلة الصناع من الحديد . ومن سنة خمسين من مُلْكه إلى سنة مائة بغزل الإبريسم والقَزّ والقطن والكتّان وكل ما يُستطاع غزلُه وحياكة ذلك وصَبْغته ألوانًا وتقطيعه أنواعًا وليسه . ومن سنة مائة إلى سنة خمسين ومائة صنَّف الناس أربع طبقات: طبقة مقاتلة ، وطبقة فقهاء ، وطبقة كتَّابًا وصناعًا وحرّاثين ، واتخذ طبقة منهم خَدَمًا ، وأمرَ كلّ طبقة من تلك الطبقات بلزوم العمل الذى ألزمها إياه . ومن سنة مائة وخمسين إلى سنة خمسين ومائتين حاربَ الشياطين والحِنَّ وأثخنهم وأذلهم وسُخُّروا له وانقادوا لأمره . ومن سنة خمسين ومائتين إلى سنة ست عشرة وثلثمائة وَكَّلَ الشياطين بقطع الحجارة والصخور من الجبال، وعملٍ الرخام والحصّ والكَلْس، والبناء بذلك، وبالطين البنيان والحمامات ، وصنعة النُّورة، والنّقْل من البحار والجبال والمعادن والفلوات كلّ ما ينتفع به الناس ، والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الجواهر ، وأنواع الطيب والأدوية فنفذوا فى كلّ ذلك لأمره. ثم أمر فصُنِعت له عَجَلة من زجاج ، فصفّد فيها الشیاطین ور کبها، وأقبل عليها فى الهواء من بلده،من د نْباوند إلى بابل فی یوم واحد، وذلك يوم هرمزأز فروردين ماه (١) ، فاتخذ الناس للأعجوبة التى رأوا من إجرائه ما أجرى على تلك الحال نوروز ؛ وأمرهم باتخاذ ذلك اليوم وخمسة أيام بعده عيداً ، والتنعم والتلذد فيها، وكتب إلى الناس اليوم السادس، وهو. خُرْ داذروز يخبرهم أنه قد سار فيهم بسيرة ارتضاها الله ، فكان من جزائه ١٨٠/١ (١) هرمز اسم اليوم الأول من السنة الشمسية، وكلمة (أز)) بمعنى ((من))، وفروردين ماه: اسم الشهر الأول منها . ١٧٦ إياه عليها أن جنَّبهم الحرَّ والبردَ والأسقام والهرم والحسد ، فمكث الناس ثلثمائة ١٨١/١ سنة بعد الثلثمائة والست عشرة سنة التى خلت من مُلْكِهِ، لا يصيبهم شىء مما ذكر أن اللّهَ جَلّ وعزّ جنّبهم إياه . ثم إن جمًا بَطَر بعد ذلك نعمة الله عنده، وجمع الإنس والجن، فأخبرهم أنه وليّهم ومالكهم والدافع بقوته عنهم الأسقام والهرم والموت، وجحد إحسان الله عزّ وجلّ إليه، وتمادى فى غيّه فلم يُحِرْ(١) أحد ممن حضره له جواباً، وفقد مكانه بهاءه وعزّه، وتخلّت عنه الملائكة الذين كان اللّه أمرهم بسياسة أمره ، فأحس بذلك بیوراسب الذی یسمی الضحاك فابتدرإلى جم لينتهسه(٢) فهرب منه، ثم ظفر به بيوراسب بعد ذلك، فامتلخ أمعاءه واسترطها (٣)، ونشره بمنشار. وقال بعض علماء الفرس: إن جمًا لم يزل محمودَ السيرة إلى أن بقِىَ من ملكه مائة سنة فخلّط حينئذ ، وادّعى الربوبية، فلما فعل ذلك اضطرب عليه أمره ، ووثب علیه أخوه اسفتور (٤) وطلبه ليقتله، فتواری عنه، وكان فى تواريه ملكًا ينتقل من موضع إلى موضع ، ثم خرج عليه بيوراسب فغلبه على ملكه، ونشره بالمنشار . وزعم بعضُهم أن مُلْك جم كان سبعمائة سنة وست عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرين يومًاً (٥). وقد ذكرت عن وهب بن منبه، عن ملك من ملوك الماضين قصة شبيهة بقصّة جم شاذ الملك، ولولا أنّ تاريخه خلاف تاريخ جم لقلت إنها قصة جم . (١) ن: ((فلم يجد)). (٢) كذا فى ! وابن الأثير، وفى ط: ((لينبه)) (٣) استرطها، من السرط؛ وهو ((البلع)). (٤) اوابن الأثير ١: ٣٧: ((اسفنور)). (٥) قال ابن الأثير بعد أن نقل هذا الخبر: ((قلت : وهذا الفصل من حديث جم قد أتينا به تاما بعد أن كنا عازمين على تركه؛ لما فيه من الأشياء التى تمجها الأسماع ، وتأباها العقول والطباع : فإنها من خرافات الفرس مع أشياء أخر قد تقدمت قبلها ؛ وإنما ذكرناها ليعلم جهل الفرس ؛ فإنهم كثيراً ما يشنعون على العرب بجهلهم ، وما بلغوا هذا ؛ ولأنا لو تركنا هذا الفصل كلا من شىء نذكره من أخبارهم)). ٦ L ١٧٧ ١٨٢/١ وذلك ما حدثنى محمد بن سهل بن عسكر ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه ، أنه قال : إن رجلا ملك وهو فتّ شاب (١)، فقال: إنى لأجدُ للمُلْك لذة وطعمًا ، فلا أدرى: أكذلك كلّ الناس أم أنا وجدتُه من بينهم ؟ فقيل له : بل المُلْك كذلك ، فقال : ما الذى يقيمه لى ؟ فقيل له : يقيمه لك أن تطيعَ اللّه فلا تعصيه . فدعا ناسًا من خيار مَنْ كان فى ملكه فقال لهم : كونوا بحضرتى فى مجلسى ؛ فما رأيتم أنه طاعة للّه عزّ وجلّ فأمُرونى أن أعمل به ، وما رأيتم أنه معصيةٌ للّ فازجرونى عنه أنزجر ؛ ففعل ذلك هو وهم ، واستقام له ملكه بذلك أربعمائة سنة مطيعًا لله عزّ وجلّ. ثم إن إبليس انتبه لذلك فقال: تركت رجلا يعبد اللّه ملكًا أربعمائة سنة! فجاء فدخل عليه فتمثّل له برجل ، ففزع منه الملك، فقال : من أنت ؟ قال إبليس : لا تُرَعْ؛ ولكن أخْبرنى مَنْ أنت؟ قال الملك : أنا رجل من بنى آدم ، فقال له إبليس: لو كنت من بنى آدم لقد متَّ كما يموت بنو آدم ؛ ألم ترَّمْ قدمات من الناس وذهب من القرون ! لو كنتَ منهم لقد متَّ كما ماتوا؛ ولكنَّك إله ، فادعُ الناس إلى عبادتك . فدخل ذلك فى قلبه ، ثم صعد المنبر ، فخطب الناس فقال : أيها الناس، إنى قد كنت أخفيت عنكم أمراً بَانَ لى إظهاره؛ لَكَمْ تعلمون أنى ملكتكم منذ أربعمائة سنة ، ولو كنتُ من بنى آدم لقد متُّ كما ماتوا ؛ ولكنى إلهٌ فاعبدونى. فأرعش مكانه، وأوحى الله إلى بعض مَنْ كان معه فقال : أخبره أنى قد استقمت له ما استقام لى ، فإذا تحول عن طاعتى إلى معصيتى فلم يستقم لى، فبعزّلى حلفتُ لأسلِّطنّ عليه بخت ناصر؛ فليضربنَّ عنقه ، وليأخذن ما فى خزائنه . وكان فى ذلك الزمان لا يسخط الله على أحد إلا سلّط عليه بخت ناصر؛ فلم يتحول الملك عن قوله، حتى سلَّط اللّه عليه بخت ناصر، فضرب عنقه ، وأوقر من خزائنه سبعين سفينة ذهباً . ١٨٣/١ قال أبو جعفر : ولكن بين بخت ناصر وجم دهر طويل ؛ إلا أن يكون الضّحاك کان يُدعى فى ذلك الزمان بخت ناصر. (١) ر: ((وهو ذو شباب))، ن: ((وهو شاب)). (١٢) ١٧٨ وأما هشام بنالکلی فإنی حُد ◌ّثت عنه أنه قال: ملك بعد طهمورٹ جم، وكان أصبَحَ أهل زمانه وجهًا، وأعظمهم جسمًا، قال: فذكروا أنه غبَرَ (١) ستمائة سنة وتسع عشرة سنة مطيعًا لله مستعليًا أمره مستوثقة له البلاد . ثم إنه طغى وبغى ؛ فسلّط اللّه عليه الضَّحاك، فسار إليه فى مائتى ألف، فهرب جم منه مائة سنة ؛ ثم إن الضحاك ظفر به فنشره بمنشار . قال : فكان جميع ملك جم، منذ ملك إلى أن قتل سبعمائة وتسع عشرة سنة . ٠ ٠ ٠ وقد روى عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون ؛ كلُّهم على ملة الحقّ، وأن الكفر بالله إنما حدث فى القرن الذين بعث إليهم نوح عليه السلام، وقالوا: إن أول نبيّ أرسله اللّه إلى قوم بالإنذار والدعاء إلى توحيده نوح عليه السلام . * ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس، قال : كان بين نوح وآدم عليهما ١٨٤/١ السلام عشرة قرون، كلُّهم على شريعة من الحق؛ فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هى فى قراءة عبد الله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَأُخْتَلَقُوا﴾ (٢) حدثنا الحسن بنيحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة: قوله عزّ وجلّ: ﴿كَانَالنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال : كانوا على الهُدى جميعًا فاختلفوا، فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين ، فكان أول نبيّ بعث نوح عليه السلام(٣). (١) ط: ((عمر))، وما أثبته من ا. (٢) سورة البقرة ٢١٣، والخبر فى التفسير ٤: ٢٧٥ (٣) الخبر فى التفسير ٤ : ٢٧٥ ذكر الأحداث التى كانت فى عهد نوح عليه السلام قد ذكرنا اختلاف المختلفين فى ديانة القوم الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام ، وأن منهم من يقول : كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه اللّه ، من ركوب الفواحش وشرب الخمور والاشتغال بالملاهى عن طاعة الله عزّ وجلّ ، وأنّ منهم من يقول: كانوا أهل طاعة بيوراسب، وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين ؛ وتبعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام ، وسأذ کر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد . فأما كتاب اللّه فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهلَ أوثان، وذلك أن اللّه عَزّ وجلَ يقول مخبراً عن نوح: ﴿قَالَ نُوحِ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلَّا خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا. وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدَّا وَلاَ سُوَاعاً، وَلاَ يَقُوتَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا* وَقَدْ أَضَلُوا كَثِيرًا)(١). فبعث الله إليهم نوحاً مخوِّفهم بأسه، ومحذَّرهم سطوته، وداعيًا لهم إلى التوبة والمراجعة إلى الحقّ، والعمل بما أمر الله به رسله وأنزله فى صحف آدم وشيت وأخْنُوخ . ونوح يوم ابتعثه اللّه نبيًّا إليهم . فيما ذكر- ابن خمسين سنة . ١٨٥/١ وقيل أيضًا ما حدثنا به نصر بن على الجهضمىّ ، قال : حدثنا نوح بن قيس ، قال : حدثنا عَوْن بن أبى شدّاد، قال: إن الله تبارك وتعالى أرسل نوحاً. إلى قومه وهو ابنُ خمسين وثلثمائة سنة ، فليِث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلثمائة سنة . حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا هشام ، قال : أخبرنى أبى ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال : بعث اللّه نوحاً إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ، ثم دعاهم فى نبوّته مائة وعشرين سنة ، (١) سورة نوح ٢١ - ٢٤ ١٧٩ ١٨٠ وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة ، ثم مكث بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة . قال أبو جعفر: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا كما قال الله عزّ وجلّ يدعوهم إلى الله سرًّاً وجهراً، يمضى قرنٌ بعد قرن، فلا يستجيبون له ، حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم، فلما أراد الله عزّ وجلّ إهلاكهم دعا عليهم نوح عليه السلام فقال: ﴿رَبُّ إِنَّهُمْ عَصَوْنى واتَّبَعُوا مَنْ لمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً)، فأمره الله تعالى ذكره أن يغرس شجرة فغرسها، فعظمت وذهبت كلّ مذهب، ثم أمره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنة، فيتخذ منها سفينة، كما قال اللّه له: ﴿وَاصْنَعَ الْفُلْكَ بِأَعْيُفِنَا وَ وَحْيِنَا﴾(١)، فقطعها وجعل يعملها .. وحدثنا صالح بن مسمار المروزىّ والمثنى بن إبراهيم ، قالا : حدثنا ابن ١٨٦/١ أبى مريم، قال: حدثنا موسى بن يعقوب ، قال : حدثنى فائد مولى عبيد اللّه ابن على بن أبى رافع، أنّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة، أخبره أنّ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لو رحم الله أحداً من قوم نوح لرحم أم الصبى))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان نوح مكث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ، يدعوهم إلى اللّه عزّ وجلّ، حتى كان آخر زمانه غَرَس شجرة فعظمت وذهبت كلّ مذهب ثم قطعها ، ثم جعل يعمل سفينة فيمرّون فيسألونه فيقول : أعملها سفينة ، فيسخرون منه ، ويقولون : تعمل سفينة فى البرّ فكيف تجرى ! فيقول : سوف تعلمون . فلما فرغ منها وفار التنور وكثُر الماء فى السكك خشيَتْ أمّ الصبىّ عليه - وكانت تحبّه حبًّاً شديداً - فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثَه ، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثى الجبل ، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعتْه بيدها ، حتى ذهب به الماء، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أمّ الصبىّ)). حدثنى ابن أبى منصور ، قال: حدثنا علىّ بن الهيثم ، عن المسيّب بن (١) سورة هود ٣٧