النص المفهرس

صفحات 81-100

ذكر الأخبار الواردة بأن إبليس كان له ملك السماء
الدنيا والأرض وما بين ذلك
حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ،
قال : حدثی حجاج ،عن ابن جريج ، قال: قال ابن عباس : كان إبليس
من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان ، وكان له سلطان
سماء الدنيا ، وكان له سلطان الأرض .
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، عن صالح مولى التوعمة وشريك بن أبى نمر- أحدهما أو كلاهما ...
عن ابن عباس، قال : إن من الملائكة قبيلةً من الجنّ وكان إبليس منها ،
وكان يسوس ما بين السماء والأرض .
حدثنا موسى بن هارون الهمدانىّ ، قال : حدثنا عمرو بن حَمَّاد ،
قال : حدثنا أسباط ، عن السدىّ ، فى خبر ذكره عن أبى مالك ، وعن
أبى صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمدانىّ عن ابن مسعود، وعن ناس من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: جُعل إبليس على سماء الدنيا، وكان ٨٠/١
من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة، وكان
إبليس مع مُلْكه خازناً .
حدثنى عبدان المَرْوَزىّ ، حدثنى الحسين بن الفرج ، قال : سمعت
أبا معاذ الفضل بن خالد قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: سمعت الضحاك
ابن مزاحم يقول فى قوله عزّ وجلّ: ﴿فَسَجّدُوا إِلا إبْلِيس كانَ مِنَ الْجِنَّ﴾(١)،
قال : كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشرف (٢) الملائكة وأكرمهم
(١) سورة الكهف ٥٠
(٢) كذا فى ن وفى ط: (أشراف)).
٨١
(٦)

٨٢
٠٠
قبيلة ، وكان خازناً على الجنان ، وكان له سلطان سماء الدنيا ، وكان له سلطان
الأرض .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا المبارك بن مجاهد
أبو الأزهر ، عن شريك بن عبد اللّه بن أبى نمر ، عن صالح مولى التوعمة ،
عن ابن عباس ، قال : إن من الملائكة قبيلا يقال لهم الجن ، فكان إبليس
منهم ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى ، فسخه اللّه شيطاناً رجيما ..
٦

ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمة ربه واستكباره عليه
وادعائه الربوبية
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنى حجاج ، عن
ابن ◌ُجُرّيج: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾(١) قال: قال، ابنجريج:
من يقل من الملائكة إنى إله من دونه، فلم يقله إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه،
فنزلت هذه الآية فى إبليس .
٠
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ﴿ وَمَنْ لَّقُلْ مِنْهُمْ إِنِى إِلّهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَّمَ كَذلِكَ
تَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾، وإنما كانت (٢) هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ٨١/١
ـََّ كَذَلِكَ نَجْزِى
ما قال، لعنه اللّه وجعله رجبما، فقال: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَمَ
الظَّالِينَ﴾(١).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ﴿وَمَنْ يَّقُلْ مِنْهُمْ إِنَّى إِلهٌ مِنْ دُونِهٍ فَذَلِكَ تَجْزِ يِهِ جَهََّ﴾(١)،
قال : هی خاصة لإبليس .
(١) سورة الأنبياء ٢٩.
(٢) !: ((وكان)).
٨٣

القول فى الأحداث التى كانت فى أيام ملك إبليس
وسلطانه والسبب الذى به هلك وادعى الربوبية
فمن الأحداث التى كانت فى ملك عدو الله - إذا كان لله مطيعاً -
ما ذكر لنا عن ابن عباس فى الخبر الذى حدثناه أبو كُرّيب ، قال:
حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة، عن أبى رَوْق ، عن
الضحاك ، عن ابن عباس، قال : كان إبليس من حىّ من أحياء الملائكة
يقال لهم: الجن (١) خلقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه
الحارث ، قال : وكان خازناً من خزّان الجنة ، قال : وخلقت الملائكة كلهم
من نور غير هذا الحىّ ، قال: وخُلقت الجنّ الذين ذكروا فى القرآن من
مَارِج من نار، وهو لسانُ النار الذى يكون فى طرفها إذا ألهِبَتْ، قال: وخلق
الإنسان من طين ، فأوّل مَنْ سكن الأرض الجنّ فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء،
وقتل بعضهم بعضاً، قال: فبعث الله إليهم إبليس فى جند من الملائكة وهم (٢)
هذا الحى الذين يقال لهم الجن ، فقتّلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم
يجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغترّ فى نفسه، وقال: قد
صنعت شيئاً لم يصنعه أحد ، قال: فاطّلع اللّه على ذلك من قلبه ، ولم تطّلع
عليه الملائكة الذين كانوا معه .
٠
٨٢/١
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا
عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: إن الله خلق الملائكة
يوم الأربعاء ، وخلق الجنّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، قال :
فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم فى الأرض فتقتلهم ،
فكانت الدماءُ وكان الفساد فى الأرض .
(١) كذا فى ا، ط وابن الأثير، بالجيم المعجمة؛ والخبر فى التفسير ١ : ٤٥٥.
( المعارف ) وانظر حواشيه .
(٢) ط: ((فهم)).
٨٤
L

ذكر السبب الذى به هلك عدو اللّه وسولت له نفسه
من أجله الاستكبار على ربه عزّ وجلّ
اختلف السلف من الصحابة والتابعين فى ذلك ، وقد ذكرنا أحد الأقوال
التى رُويت فى ذلك عن ابن عباس، وذلك ما ذكر الضحاك عنه ، أنه لما قتّل
الجن الذين عصَوُا اللّه، وأفسدوا فى الأرض وشرَّدهم ، أعجبته نفسه ورأى
فى نفسه أن له بذلك من الفضيلة ما ليس لغيره .
#
#
والقول الثانى من الأقوال المرويّة فى ذلك عن ابن عباس، أنه كان ملك
سماء الدنيا وسائسها، وسائسما بينها وبين الأرض، وخازن الجنة، مع احتهاده فى
العبادة ، فأعجب بنفسه ، ورأى أن له بذلك الفضل ، فاستكبر على ربه
عزّ وجلّ .
ذكر الرواية عنه بذلك :
*
حدثنا موسى بن هارون الهمدانىّ ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ،
قال : حدثنا أسباط ، عن السدىّ، فى خبر ذكره عن أبى مالك وعن ٨٣/١
أبى صالح، عن ابن عباس- وعن مرة الهمدانىّ عن ابن مسعود - وعن ناس من
أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، قال: لما فرغ اللّه عزّ وجلّ من خلْق ما أحبّ
استوى على العرش، فجعل إبليسَ على مُلك سماء الدنيا وكان من قبيلة (١)
من الملائكة يقال لهم الجن ، وإنما سُمّوا الجن لأنهم خزّان الجنة ، وكان
إبليس مع مُلكه خازنً ، فوقع فى صدره كبْر، وقال : ما أعطانى اللّه هذا
إلا لمزيّة ؛ هكذا حدثنى موسى بن هارون .
(١) كذا فى ط وتاريخ ابن كثير ١: ٥٥، وفى ا: ((وكان قبيله)).
٨٥

٨٦
وحدثنى به أحمد بن أبى خَيْثَمة ، عن عمرو بن حماد، قال (١):
لمزيّة لى على الملائكة. فلما وقع ذلك الكِبْر فى نفسه اطَّع اللّه عزّ وجل
على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إِنِى جاعِلٌ فِ الأرْضِ خَلِيفةً﴾(٢) ..
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن
إسحاق، عن خَلاّد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال : كان
إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عَزّازيل ، وكان من سكان
الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً ، وأكثرهم علماً ، فذلك الذى
دعاه إلى الكِبْر، وكان من حى يسمّن جنًّا .
وحدثنا به ابن 'حميد مرة أخرى ، قال : حدثنا سلمة ، عن
ابن إسحاق ، عن خلاد بن عطاء ، عن طاوس - أو مجاهد أبى الحجاج -
عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال: كان ملكاً من الملائكة اسمه عزازيل،
وكان من سكان الأرض وعُمَّرها، وكان سكان الأرض فيهم يسمَّوْن الجنّ
من بين الملائكة .
حدثنا ابن المثنَّى، قال : حدثنا شيبان ، قال : حدثنا سَلام
ابن مسکین ،عن قتادة ، عن سعيد بنالمسيّب ، قال : کان إبليس رئیس
ملائكة سماء الدنيا .
٠ ٠
والقول الثالث من الأقوال المروية عنه أنه كان يقول : السبب فى ذلك
٨٤/١ أنه كان من بقايا خلق خلقهم الله عزّ وجل"، فأمرهم بأمر فأبوا طاعته(٣).
٠
• ذكر الرواية عنه بذلك :
(١) !: ((فقال)).
(٢) سورة البقرة ٣٠
(٣) ن: ((فأبطئوا عنه)).

٨٧
حدثنى محمّد بن سنان القزّاز، قال: حدثنا أبو عاصم ، عن شَبِيب ،
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : إن الله خلق خلقاً فقال: اسجدوا لآدم ،
فقالوا : لا نفعل ، قال: فبعث الله عليهم ناراً تُحرقهم، ثم خلق خلقاً آخر
فقال : إنى خالق بشراً من طين فاسجدوا لآدم، فأبوا ، فبعث الله عليهم ناراً
فأحرقتهم ، قال : ثم خلق هؤلاء فقال: ألاَ تسجدوا لآدم(١) ! قالوا : نعم،
قال : وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم .
٠
٠
٠
وقال آخرون : بل السبب فى ذلك أنه كان من بقايا الجنّ الذين كانوا
فى الأرض، فسفكوا فيها الدماء، وأفسدوا فيها، وعصوا ربهم؛ فقاتلتهم الملائكة .
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدثنا
أبو سعيد اليحمدىّ إسماعيل بن إبراهيم، قال : حدثنى سَوَّار بن الجَعْد
اليحمَدَىّ، عن شهر بن حَوْشب، قوله: ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ(٢))، قال:
كان إبليس من الجنّ الذين طردتهم الملائكة، فأسرّه بعضُ الملائكة فذهب
به إلى السماء .
حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنى أبو نصر أحمد بن محمد الخلاّل،
قال : حدثنى سُنّيد بن داود ، قال : حدثنا هُشَيْم ، قال : أخبرنا
عبد الرحمن بن يحيى ، عن موسى بن ثُمَيْر وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد ٨٥/١
ابن مسعود، قال : كانت الملائكة تقاتل الجن فسُبِسی إبليس، وكان صغيراً ،
وكان مع الملائكة يتعبد معهم ، فلما أُمروا أن يسجدوا لآدم سجدوا وأبى
إبليس، فلذلك قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿إِلَّا إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ﴾ (٢).
(١) ا: ((اسجدوا لآدم)).
(٢) سورة الكهف ٥٠

٨٨
قال أبو جعفر: وأوْلى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب أن يقال كما
قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿وإذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ أَسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ
كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَقَ عَنْ أَمْرِ رَبَّهِ﴾(١)؛ وجائز أن يكون فسوقُه عن أمرربه
كان من أجل أنه كان من الجنّ، وجائز (٢) أن يكون من أجْل إعجابه بنفسه
لشدة اجتهاده كان فى عبادة ربه ، وكثرة علمه ، وما كان أوتى من مُلك
السماء الدنيا والأرض وخَزْن الجنان٢) . وجائزأن يكون كان لغير ذلك من الأمُور،
ولا يُدرَك(٣) علم ذلك إلاّ بخبرٍ تقوم به الحجة، ولا خبرَ فى ذلك عندنا
كذلك ، والاختلاف فى أمره على ما حکینا ورويناه .
وقد قيل : إن سببَ هلاكه كان من أجل أنّ الأرضَ كان فيها قبل
آدم الجنّ؛ فبعث الله إبليسَ قاضياً يقضى بينهم، فلم يزل يقضى بينهم بالحق
ألف سنة حتى سمى حَكَماً ، وسماه الله به، وأوحى إليه اسمه، فعند ذلك دخله
الكبر، فتعظّم وتكبّر ، وألقى بين الذين كان الله بعثه إليهم حكمًا البأسَ والعداوة
والبغضاء، فاقتتلوا عند ذلك فى الأرض ألْفَىْ سنة فيما زعموا؛ حتى إن خيولهم تخوض
فى دمائهم، قالوا: وذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿أفعيينَا بِالْخَلْقَ الْأُوَّلِ بَلْ
هُمْ فِى ◌َبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾(٤)؛ وقول الملائكة: ﴿أَنَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٥)! فبعث اللّه تعالى عند ذلك ناراً فأحرقتهم. قالوا:
فلما رأى إبليس ما نزل بقومه من العذاب عرَج إلى السماء ، فأقام عند
الملائكة بعد الله فى السماء مجتهداً لم يعبده شىء من خلقه مثل عبادته، فلم
يزل مجتهداً فى العبادة حتى خلق الله آدم، فكان من أمره ومعصيته ربّه ما كان .
٨٦/١
(١) سورة الكهف ٥٠
(٢ - ٢) ساقط من ا.
(٣) ر: ((لا يدرى)).
( ٤) سورة ق ١٥
(٥) سورة البقرة ٣٠
L
٦
٠

القول فى خَلق آدم عليه السلام
وكان مما حدث فى أيام سلطانه وملكه خلق الله تعالی ذ کره أبانا آدم أبا
البشر؛ وذلك لما أراد جلّ جلاله أن يطلع ملائكته على ما قد علم من انطواء إبليس
على الكِبْر ولم يعلمه الملائكة، وأراد إظهار أمره لهم حين دنا أمره للبوار، وملكه
وسلطانه للزوال، فقال عزّ ذكره لما أراد ذلك للملائكة: ﴿إِنِى جَاعِلٌ فى الأرْض
خَلِيفَةً}، فأجابوه بأن قالوا [له] (١): ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفسِدُ فيها ويَسْفِكُ
الدِّمَاءَ﴾ (٢)! فروى عن ابن عباس أن الملائكة قالت ذلك كذلك للذين (٣) قد
كانوا عهدوا من أمر الجنّ الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك ، فقالوا لربهم
جلّ ثناؤه لما قال لهم: ﴿إِنى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَليفة﴾(٢) أتجعلُ فيها من
یکون فيها مثل الجن الذين كانوا فيها، فکانوا یسفگون فيها الدماء ويفسدون فيها
ويعصونك، ونحن نُسَبِّحُ بحَمْدك ونُقَدّس لك ، فقال الربّ تعالى ذكره
لهم: ﴿إِنّى أَعْلَمُ مَا لَاَ تَعْلَمُونَ﴾(٢)، يقول: أعلم ما لا تعلمون من انطواء
إبليس على التكبر ، وعزْمِه على خلافه أمرى ، وتسويل نفسه له الباطل (٤)
واغتراره ، وأنا مبدٍ ذلك لكم منه لترْوا ذلك منه عِياناً .
٨٧/١
وقيل أقوال كثيرة فى ذلك، قد حكينا منها جُمَلًا فى كتابنا المسمى :
(( جامع البيان عن تأويل آى القرآن(٥) ))، فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك
فى هذا الموضع .
فلما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم عليه السلام أمر بتربته أن تؤخذ من
الأرض ، كما حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا
د
(١) تكملة من ا
(٢) سورة البقرة ٣٠
(٣) كذا فى ا، وفى ط: ((الذى)).
(٤) ك: ((بالباطل)).
(٥) كذا فى ط، وفى ا، ر، ك: ((الفرقان)).
٨٩

٩٠
بشر بن عمارة، عن أبى رَوْق ، عن الضحّاك ، عن ابن عباس؛ قال: ثم أمر
- يعنى الربّ تبارك وتعالى - بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين
لازب - واللازب الَّذِج الطيِّب - من حَمَا مَسْئونٍ؛ مُنتن، قال :
وإنما كان حَمَاً مسنوناً بعد التراب ، قال : فخلق منه آدم بيده .
حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط ، عن السُّدىّ - فى خبر ذكره - عن أبى مالك وعن
أبى صالح، عن ابن عباس- وعن مرة الهَمْدَانىّ، عن ابن مسعود - وعن ناس
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال : قالت الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدَّمَاءِ وَنَحْنُ نُسِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ
إِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) يعنى من شأن إبليس ، فبعث الله جبرئيل عليه
السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأرض: إنى أعوذ بالله منك أن تنقص
منى شيئاً وتشينى، فرجع ولم يأخذ، وقال : يا ربّ إنها عادت بك فأعذتُها،
فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها . فرجع ، فقال كما قال جبرئيل ،
فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ، ولم أنفذ
٨٨/١ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلَط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من
تربة حمراء وبيضاء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فبَلَّ
التراب حتى عاد طيناً لازباً - واللازب هو الذى يلتزق بعضه ببعض- ثم تُرك
حتى تغير وأنتن، وذلك حين يقول: ﴿مِنْ حَمَأْ مَسْئُونِ﴾(١)، قال: مُنْتِنِ.
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القُمِّىّ ، عن جعفر بن أبى
المغيرة ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، قال: بعث ربّ العزة عزّ
وجلّ إبليس، فأخذ من أديم الأرض، من عذبها ومِلْحها(٢)، فخلق منهآدم،
(١) سورة الحجر ٢٦
(٢) ا: ((ومالحها)).

٩١
ومن ثَمَّ سُمَّىَ آدم ، لأنه خلق من أديم الأرض، ومن ثَمَّ قال إبليس :
﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَفْتَ طِيناً﴾(١)، أى هذه الطينة أنا جئتُ بها.
حدثنا ابن المثنَّى، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شُعْبة ، عن
أبى حَصِين ، عن سعيد بن جُبَبْر، قال: إنما ◌ُِّى آدم لأنه خُلق من أديم
الأرض .
حدثنى أحمد بن إسحاق الأهوازىّ ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال :
حدثنا مِسْعَر، عن أبى حَصِين ، عن سعيد بن جُبَيْر، قال: خُلِقِ
آدم من أديم الأرض فُسمّى آدمَ .
حدثنى أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا
عمرو بن ثابت ، عن أبيه، عن جدّه، عن علىّ رضى الله عنه، قال:
إن آدم خُلِقٍ من أديم الأرض، فيه الطيِّب والصالح والردىء، فكلّ ذلك
أنت راء فى ولده الصالحَ والردىء .
حدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيّة ، عن عَوْف۔۔ وحدثتا
محمد بن بَشّار وعمر بن شَبّة، قالا : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال :
حدثنا عوف . وحدثنا ابن بشّار، قال : حدثنا ابن أبى عدى ومحمد بن جعفر
وعبد الوهاب الثقفىّ، قالوا: حدثنا عوف . وحدثنى محمد بنعمارة الأسدىّ،
قال : حدثنا إسماعيل بن أبان، قال : حدثنا عَنْبسة، عن عوف الأعرابىّ -
عن قَسَامة بن زُهَير، عن أبى موسى الأشعرىّ، قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء
بنو آدم على قدر الأرض ؛ جاء منهم الأحمر ، والأسود ، والأبيض ، وبين
ذلك . والسهل، والحَزْن، والخبيث، والطيب، ثم بُلَّتْ طينته حتى صارت
طینا لازباً، ثم تُرِکت حتى صارت حما مسنوناً، ثم ترکت حتى صارت صلصالا
٨٩/١
(١) سورة الإسراء ٦١، والخبر فى التفسير ١٥: ٨٠ (بولاق).

٩٢
ل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلْنَا الإِنْسَانَ مِنْ مَلْصَالِ مِنْ حَمَأْ
كما قا
مَسْنُونٍ﴾(١).
وحدثنا ابن بَشّار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن
مهدىّ ، قالا: حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم البَطِين ، عن
سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس، قال: خُلِقِ آدم من ثلاثة: من صلصال ،
ومن حمل، ومن طين لازب . فأما اللازب فالجيّد، وأما الحمأ فالحمثة،
وأما الصلصال فالتراب المدقَّقَ، ويعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿منْ صَلَصَالٍ)؛ من
طين يابس له صلصلة ، والصلصلة : الصوت .
*
وذكر أن الله تعالى ذكره لما خَمَّرَ طينة آدم تركها أربعين ليلة ، وقيل
أربعين عاماً جسداً ملقى .
ذكر من قال ذلك :
#
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن عمارة ، عن أبى رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال :
أمر الله تبارك وتعالى بتربة آدم فرفعت، فخلق آدمَ من طين لازب من
حما مسنون . قال: وإنما كان حما مسنوناً بعد التّراب؛ قال: فخلق منه آدم
بيده ، قال : فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى ، فكان إبليس يأتيه فيضربه
برجله، فيصلصل فيصوّت، قال: فهو قول الله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالِ
كَالْفَخَّارِ ﴾(٢)؛ يقول: كالشىء المنفرج الذى ليس بمصمت ، قال: ثمّ
يدخل فى فيه ويخرج مندُبُره، ويدخل فى دُبُره ويخرج من فيه ، ثم يقول:
لست شيئاً للصلصلة، ولشىء مّا ◌ُخُلقتَ، ولئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنَّك،
ولْن سُلّطَتَ علىّ لأعصينك(٣).
٩٠/١
(١) سورة الحجر ٢٦
(٢) سورة الرحمن ١٤
(٣) الخبر فى التفسير ٢٧ : ٧٣ (بولاق).
L

٩٣
حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حَمّاد ؛ قال : حدثنا
أسباط ، عن السدّىّ- فى خبر ذكره- عن أبى مالك وعن أبى صالح، عن ابن
عباس - وعن مُرّة الهَمْدَانىّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال اللّه للملائكة: ﴿إِنَّى خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ .
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾(١)؛ فخلقه الله عزّ
وجلّ بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه (٢) ليقول حين يتكبر: (٣) تتكبّرُ عمّا عملتُ بيدى
ولم أتكبّر أنا عنه ! فخلقه بشراً ، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار
يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدّهم فزعا إبليس ،
فكان يمرّ به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخّار تكون له صلصلة ،
فذلك حين يقول: ﴿ مِنْ صَلْصَالِ كَالْفَخَّر}، ويقول: لأمر ما خُلقت . ودخل
من فيه وخرج من دُبُره ، فقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم
صَمَدٌ(٤) وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأُ هلكنّه(٥).
٩١/١
وحدثنا عن الحسن بن بلال ، قال : حدثنا حمَّد بن سلمة ، عن
سليمان التيميّ، عن أبى عثمان النهْدِىّ، عن سلمان الفارسىّ، قال: خمّر
الله تعالى طينة آدم عليه السلام أربعين يوماً، ثم جمعه بيديْه، فخرج طيّبُه
بيمينه ، وخبيثه بشماله ، ثم مسح يديه إحداهما على الأخرى ، فخلط بعضه
ببعض ، فمن ثمّ يخرج الطيّب من الخبيث ، والخبيث من الطيّب.
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
يقال - والله أعلم: خلق الله آدم ، ثم وضعه ينظر إليه أربعين يوماً (٦) قبل أن
ينفخ فيه الروح ، حتى عاد صلصالا كالفخّار، ولم تمسّه نار (٧)، قال: فلما
(١) سورة ص ٧١ ، ٧٢
(٢) ر، ن: ((عليه)).
(٣) ط: ((تكبر)).
(٤) الصمد ، بفتحتين : المصمت الذى لا جوف له .
(٥) ر: ((لأهلكته)).
(٦) !: ((عاما)).
(٧) ن: ((النار)).

٩٤
مضى له من المدَّة ما مضى وهو طين صلصال كالفخّار؛ وأراد عزّ وجلّ أن
ينفخ فيه الروح ؛ تقدّم إلى الملائكة فقال لهم : إذا نفختُ فیه من روحی
فقَعُوا له ساجدين .
٠ ٠
فلما نفخ فيه الروح أتته الروح من قبَل رأسه ، فيما ذكر عن السَّلّف
قبْلْنا أنهم قالوه .
* ذكر من قال ذلك :
حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدّى- فى خبر ذكره - عن أبى مالك وعن أبى صالح ، عن
ابن عباس - وعن مرّة الهمدانىّ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم: فلما بلغ الحِين الذى أراد(١) الله عزّ وجلّ أن ينفخ
فيه الروح قال للملائكة : إذا نفختُ فيه من روحى فاسجدوا له ، فلما نفخ
فيه الروح فدخل الروح، فى رأسه عطَس، فقالت الملائكة: قل الحمد لله،
فقال: الحمد للّه، فقال الله عزّ وجلّ له: رحمك ربّك. فلما دخل الروح فى
عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، فلما دخل فى جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن
تبلغ الروح رجليه عّجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الإِنْسَان
مِنْ عَجَلٍ﴾(٢)، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى أَنْ
يَكُونَ مَعَ السَّاحِدِينَ﴾(٣)، ﴿أَبِى وَأُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾(٤)،
فقال الله له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرَتُكَ﴾(٥) لِمَا خلقتُ بيديّ، قال:
أنا خير منه ، لم أكن لأسجدَ لبشر خلقته من طين ، قال الله له :
﴿فَاهْبِطْ مِنْها فَمَا يَكُونُ لَكَ) - يعنى ما ينبغى لك - ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ
٩٢/١
(١) !: ((يريد)).
(٢) سورة الأنبياء ٣٧
(٣) سورة الحجر ٣١
( ٤ ) سورة البقرة ٣٤
(٥) سورة الأعراف ١٢
L

٩٥
فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾(١)، والصَّغَار الذلّ".
حدثنا أبو كٌرّيب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن
◌ُمارة ، عن أبى رَوْق ، عن الضَّحاك ، عن ابن عباس ، قال : فلما نفخ
الله عزّ وجلّ فيه - يعنى فى آدم- مِنْ روحه أتت النفخة من قِبَل رأسه،
فجعل لا يجرى شىء منها فى جسده إلا صار لحماً ودماً ، فلما انتهت النفخة
إلیسرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأی منحسنه، فذهب لینهض فلميقدر ، فهو
قول الله عزّ وجلّ ﴿خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾(٢)، قال: ضجراً لا صبر
له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة فى جسده عطَس فقال : الحمد
لله ربّ العالمين، بإلهام اللّه، فقال: يرحمك الله يا آدم، ثم قال للملائكة
الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين فى السموات : اسجدوا
لآدم؛ فسجدوا كلّهُم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر،لما كان حدَّث به نفسه
من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد، وأنا خير منه وأكبرسنًا، وأقوى خَلْفاً،
﴿خَلَقْتَنِ مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}(٣)، يقول: إن النار أقوى من الطين،
قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه اللّه تعالى، أيتسه (٤) من الخير كله،
وجعله شيطانًا رجيما عقوبة لمعصيته .
٩٣/١
حدثنا ابن حميد ، قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال :
فيقال - والله أعلم -: إنه لما انتهى الروحُ إلى رأسه عطس فقال: الحمد لله،
قال : فقال له ربه : يرحمك ربّك، ووقعت الملائكة حين استوى سجوداً
له ، حفظاً لعهد اللّه الذى عهد إليهم، وطاعة لأمره الذى أمرهم به ، وقام عدوّ
الله إبليس من بينهم، فلم يسجد متكبراً(٥) متعظماً بغياً وحسداً ، فقال :
﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ) إلى قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ
(١) سورة الأعراف ١٣
(٢) سورة الأنبياء ٣٧
(٣) سورة ص ٧٦
(٤) ن: ((وآيسه))، أ: ((آيسه)» .
(٥) !: ((مكابرا)).

٩٦
جَهَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(١)، قال: فلما فرغ اللّه تعالى
من إبليس ومعاتبته وأبى إلا المعصية أوقع الله تعالى عليه اللعنة، وأخرجه من الجنة .
حدثنى محمد بن خلف ، قال : حدثنا آدم بن أبى إياس ، قال :
حدثنا أبو خالد سليمان بن حيّان ، قال : حدثنى محمد بن عمرو، عن أبى
سلمة، عن أبى هريرة، عن النبى، عليه السلام. قال أبو خالد: [ وحدثنى
الأعمش عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه ] . قال أبو خالد:
وحدثنى داود بن أبى هند عن الشعبيّ، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم . قال أبو خالد : وحدثنى ابن أبي ذباب الدوسىّ ، قال : حدثنى
٩٤/١ سعيد المقبُرِىّ، ويزيد بن هرمز عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه أنه
قال: ((خلق الله عزّ وجل" آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملأ من الملائكة
فسجدوا له، فجلس فعطَس فقال: الحمد لله، فقال له رّبه : يرحمك ربّك،
إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم. فأتاهم فقال: السلام
عليكم ، فقالوا له : وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه عزّ وجلّ
فقال له : هذه تحيتك وتحية ذرّيتك بينهم . فلما أظهر إبليس من نفسه
ما كان له مخفيّاً فيها من الكبر والمعصية لربه ، وكانت الملائكة قد قالت
لربها عزّ وجلّ حين قال لهم: إنى جاعل فى الأرض خليفة : أتجعل فيها من
يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك . فقال لهم ربهم :
إنى أعلم ما لا تعلمون، تبيّن لهم ما كان عنهم مستتراً ، وعلموا أن فيهم مَنْ
منه المعصية لله عزّ وجلّ والخلاف لأمره .
*
#
ثم علَّم الله عزّ وجلّ آدم الأسماء كلّها. واختلف السلف من أهل العلم
قبلنا فى الأسماء التى عُلِّمَها آدم : أخاصًّا من الأسماء عُلِّم ، أم عامًّا ؟
فقال بعضهم : علّم اسم كل شىء.
(١) سورة ص ٧٥ - ٨٥

٩٧
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر
ابن ◌ُمارة ، عن أبى رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : علم
اللّه تعالى آدم الأسماء كلّها ، وهى هذه الأسماء التى يتعارف بها الناس :
إنسان ، ودابة، وأرض ، وسهل، وبحر ، وجبل، وحمار؛ وأشباه ذلك من ٩٥/١
الأمم وغيرها .
حدثنى أحمد بن إسحاق الأهوازىّ ، قال : حدثنا أبو أحمد ، حدثنا
شريك ، عن عاصم بن كليب ، عن الحسن بن سعد ، عن ابن عباس ،
فى قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)،(١) قال: علمه اسم كلّ شيء ،
حتى الفَسْوَة والفُسَيَّة .
حدثنى على بن الحسن ، حدثنا مسلم الجرمىّ(٢)، قال: حدثنا محمد بن
مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن عاصم بن كليب ، عن سعيد بن معبد ،
عن ابن عباس فى قول الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأُسْمَاء كُلَّهَا﴾ قال :
علّمه اسم كلّ شيء حتى الهنةَ والهُنَيّة، والفَسْوَة والضرطة .
حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى
ابن ميمون ، عن ابن أبى نَجِيح ، عن مجاهد ؛ فى قول الله عزّ وجلّ :
﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءِ كُمْلَّهَا﴾ قال: ما خلق الله تعالى كله .
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن خَصِيف،
عن مجاهد: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْتَمَاءِ كُلَّهَا﴾ قال: علّمه اسم كل شىء.
(١) سورة البقرة ٣١
(٢) ط: ((وحدثنا مسلم))؛ والصواب ما أثبته عن ا، والتفسير ١: ٤٨٤
(٧)

٩٨
.__.....
حدثنا سفيان ، قال : حدثنا أبى، عن شريك، عن سالم الأفطس ،
عن سعيد بن جُبَير ، قال : عدّمه اسمّ كلّ شيء ؛ حتى البعير ،
والبقرة ، والشاة .
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا
٩٦/١ مَعْمَرَ، عن قتادة فى قوله عزّ وجلّ: ﴿وَعَّ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)،
قال: علّمه اسمَ كل شىء: هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا، وهذا كذا ،
لكل شىء، ثم عرضهم (١) على الملائكة، فقال: ﴿أَنْ بِئُونِى بِأَشْمَاءِ هَؤُلَاءِ
إِنْ كُثْتُ صَادِقِينَ﴾(٣).
حدثنا بشربن مُعاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيْع ، عن سعيد ، عن قتادة ،
قوله عزّ وجلّ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءِ كُلَّهَا﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
الْحَكِيمُ﴾(٣)، قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فأنبأ كلَّ صِنْف من الخلق
باسمه ، وألحأه إلى جنسه .
حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين [ بن داود ](٤)؛
قال : حدثنا حجاج ، عن جرير بن حازم ومبارك ، عن الحسن وأبى بكر ،
عن الحسن وقتادة ، قالا : علّمه اسم كل شىء ؛ هذه الخيل، وهذه البغال ،
والإبل ، والجن ، والوحش، وجعل يسمتى كلّ شيء برسمه.
*
وقال آخرون: بل إنما عُلّم اسما خاصًا من الأسماء(٥)، قالوا: والذى عُدِّمه
أسماء الملائكة .
• ذكر من قال ذلك :
(١) كذا فى ط، وفى ا، ر، س: ((ثم عرض تلك الأسماء)).
(٢) سورة البقرة ٣١.
(٣) سورة البقرة ٣٢
( ٤) تكملة من ا
(٥) ن: ((الأشياء)).

٩٩
حدثنى عبدة المرْوَزَىّ ، قال : حدثنا عمار بن الحسن ، قال : حدثنا
عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع (١)، قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ
الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: أسماء الملائكة .
*
#
وقال آخرون مثلَ قولِ هؤلاء فى أن الذى علّم آدم [من](٢) الأسماء
[اسما](١) خاصًّا من الأشياء؛ غير أنهم قالوا: الذى عُلّمٍ من ذلك أسماء ذريته.
ذكر من قال ذلك :
٠
٩٧/١
حدثنى يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد فى
قوله عزّ وجلٌّ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: أسماء ذريته ، فلما
عَلَّم الله آدم الأسماء كلّها عرض الله عزّ وجل" أهلَ الأسماء على الملائكة، فقال
لهم: ﴿أَنْبِثُوْنِ بِأَسْمَاءِ مَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِنَ﴾(٣)، وإنما قال ذلك عرّ
وجلّ للملائكة - فيما ذكر - لقولهم إذ قال لهم: (إِنِى جَاعِلٌ فِى اُلأُرْضِ
خَلِيفَةً): ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءِ وَنَحْنُ نُتِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنَقَدِّسُ لَكَ) (٤) فعرض - بعد أن خلق آدم عليه السلام
ونفخ فيه الروح، وعلمه أسماء كلّ شيء - مما(٥) خلق من الخلق- عليهم، فقال لهم:
أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّی إن جعلت منکم خليفتی فی الأرض
أطعتمونى وسبّحتمونى وقدستمونى ولم تعصونى ، وإن جعلته من غيركم أفسد
فيها وسفك ، فإنكم إن لم تعلموا ما أسماؤهم وأنتم مشاهدوهم ومعاينوهم ، فأنتم
بألاً تعلموا ما يكون من أمركم - إن جعلتُ خليفتى فى الأرض منكم ، أو من
غيركم إن جعلته من غيركم، فهم عنْ أبصاركم غُيَّبٌ لاترونهم ولا تعاينونهم،
ولم تخبروا بما هو كائن منكم ومنهم - أحْرَى .
٥ ٥
*
(١) هو أبو جعفر الرازى، والربيع هو ابن أنس، وانظر تهذيب التهذيب ٣: ٢٣٨،
و ١٢ : ٥٦ .
(٢٠) تكملة من ! .
(٤) سورة البقرة ٣٠.
(٣) سورة البقرة ٣١. (٥) ط ((ماخلق)) وما أثبته من ا، ر .
-

١٠٠
وهذا قول رُوى عن جماعة من السلف .
٩٨/١
* ذكر بعض من رُوى ذلك عنه :
حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنى عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسْباط ، عن السُّدِّى - فى خبر ذكره - عن أبى مالك وعن أبى
صالح، عن ابن عباس- وعن مرة الهمدانىّ، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناسٍ
من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم: (إنْ كُنْتَمْ صَادِقِينَ ) أنبنى آدم
يُفْسدون فى الأرض ويسفكون الدماء .
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن ◌ُمارة ، عن أبى رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس :
﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، إن كنتم تعلمون لِمَ أَجْعَلُ فى الأرض خليفة.
#
وقد قيل: إن الله جلّ جلاله قال ذلك للملائكة لأنه جلّ جلاله لما ابتدأ
فى خلق آدم قالوا فيما بينهم: لِيخلقْ ربُّنا ما شاء أن يخلُق، فلنْ يخلُقَ خلقاً
إلا كنّا أعلم منه، وأكرمَ عليه منه، فلما خلق آدمَ عليه السلام وعدَّمَه أسماءَ
كلِّ شيء عرَض الأشياء التى علّم آدمَ أسماءها عليهم، فقال لهم : أنبئونى
بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فى قيلكم: إنّ اللّه لم يخلق خلقاً إلا كنتم أعلمَ
منه، وأکرم عليه منه .
• ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن مُعاذ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع ، قال :
حدثنا سعيد ، عن قتادة: قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ الْمَلائِكَةِ إِى جَاعِلٌ
فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فاستشار الملائكة فى خلْق آدم عليه السلام فقالوا:
(أَتَجْعَلُ فيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءِ)، وقد علمت الملائكة من عِلْ اللّه
أنه لا شىء أكرهُ إلى الله عزّ وجل" من سفك الدماء والفساد فى الأرض،