النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
حدثنا القاسم بن الحسن ، حدثنا الحسین بن داود ، حدثی حجاج،
عن ابنجريج، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله .
*
قال : والسموات والأرض وكلّ ما فيهن من شىء يحيط بها البحار، ويحيط
بذلك كله الهيكل ، ويحيط بالهيكل - فيما قيل - الكرسىّ .
• ذكر من قال ذلك :
٣٨/١
حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ،
قال: حدثنى عبد الصمد أنه سمع وهباً يقول - وذكر من عظمتهفقال: إن السموات
والأرض والبحار لفى الهيكل، وإن الهيكل لفى الكرسى"، وإن قدميه عزّ وجل"
لَعَلى الكرىّ، وهو يحمل الكرسى، و[قد] (١) عاد الكرسى" كالنعل فى قدميه .
وسئل وهب : ما الهيكل؟ قال: شىء من أطراف السموات محدق بالأرضين
والبحار كأطناب الفسطاط .
وسئل وهب عن الأرضين : كيف هى ؟ قال : هى سبع أرضين ممهّدة
جزائر، بين كل أرضين بحرٌ ، والبحر محيط بذلك كله، والهيكل من وراء البحر.
٥٠
وقد قيل: إنه كان بين خلقه القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام .
ذكر من قال ذلك :
٠
حدثنا القاسم بن الحسن ، قال: حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثنا
مبشر الحلبىّ، عن أرْطاة بن المنذر، قال: سمعتُ ضَمرة يقول: إن اللّهَ خلق القلم،
فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه ، ثم إنّ ذلك الكتاب سبّح الله
ومجّده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من الخلق، فلما أراد جلّ جلالُه خَلْق
السموات والأرض خلق - فيما ذُكر - أياماً ستة، فسمى كلّ يوم منهنّ باسمٍ
غير الذى سمّى به الآخر.
(١) تكملة من ا.

٤٢
وقيل : إن اسم أحد تلك الأيام الستة أيجد، واسم الآخر منهنّ هوّز، واسم
الثالث منهنّ حُطَى، واسم الرابع [ منهن](١) كلمنْ، واسم الخامس
[ منهنّ] (١) سعفص، واسم السادس منهنّ قرشت.
* ذكر من قال ذلك :
حدثنى الحضرمىّ، قال: حدثنا مصرف بن عمر والیامیّ (٢)، حدثنا حفص
٣٩/١ ابن غياث، عن العلاء بن المسيّب، عن رجل من كندة، قال: سمعت الضحاك
ابن مزاحم يقول: خلق الله السموات والأرض فى ستة أيام، ليس منها(٣) يوم إلاّ
له اسم : أبجد ، هوز ، حطى ، كلمن ، سعفص ، قرشت .
وقد حدّث به عن حفص غير مصرّف وقال (٤): عنه، عن العلاء بن
المسيّب ، قال: حدّثنى شيخ من كندة قال: لقيت الضّحاك بن مزاحم، فحد ◌ّثنی
قال : سمعت زيد بن أرقم قال: إنّ اللّه تعالى خلق السموات والأرض فى ستة
أيام ؛ لكل يوم منها اسم : أبجد ، هوّز، حطى ، كلمن ، سعفص ، قرشت؟.
*
وقال آخرون : بل خلق اللّه واحداً فسماه الأحد ، وخلق ثانياً فسماه
الاثنين ، وخلق ثالثاً فسماه الثلاثاء ، ورابعاً فسماه الأربعاء ، وخامساً فسماه
الخميس .
* ذكر من قال ذلك :
حدّثنا تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن
غالب بن غلاّب، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس، قال: إن الله خلقَ
يوماً واحداً فسماه الأحد ، ثم خلقَ ثانياً فسماه الاثنين ، ثم خلق ثالثاً فسماه
الثلاثاء ، ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء ، ثم خلق خامساً فسماه الخميس .
#
#
(١) تكملة من ا
(٢) ط: ((الإيامى))، صوابه من ا.
(٣) !: ((فيها)).
(٤) ا: ((فقال)).
ا

٤٣
وهذان القولان غير مختلفين ، إذْ كان جائزاً (١) أن تكون أسماء ذلك بلسان
العرب على ما قاله عطاء ، وبلسان آخرين، على ما قاله الضحاك بن مزاحم .
٥
وقد قيل إن الأيام سبعة لا ستة .
ذكر من قال ذلك :
#
حدثنى محمد بن سهل بن عسكر ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ،
حدثنى عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن مُنبّه: يقول: الأيام سبعة .
٠
٠/١
وكلا القولين - اللذَيْن روينا أحدهما عن الضحاك وعطاء، من أن الله خلق
الأيام الستة، والآخرمنهما عن وهب بن منبّه من أن الأيام سبعة .. صحيح مؤتلف
غير مختلف ، وذلك أن معنى قول عطاء والضحاك فى ذلك كان أنّ الأيام التى
خلق الله فيهنّ الخلق من حين ابتدائه (٢) فى خلق السماء والأرض وما فيهنّ إلى أن
فرغ من جميعه ستة أيام، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمْوَاتِ
وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾(٣)، وأن معنى قول وهب بن منبه فى ذلك كان أنّ
عدد الأيام التى هى أيام الجمعة سبعة أيام لا ستة .
واختلف السلف فى اليوم الذى ابتدأ الله عزّ وجل فيه فى خلق السموات
والأرض ، فقال بعضهم : ابتدأ فى ذلك يوم الأحد .
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا إسحاق بن شاهين ، حدثنا خالد بن عبد اللّه ، عن الشيبانىّ ،
عن عون بن عبد الله بن ◌ُعُتْبة، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال
عبد الله بن سلام: إن الله تبارك وتعالى ابتدأ الخلق، فخلق الأرضَ يوم الأحد
ويوم الاثنين .
(١) ط: ((إذا كان ذلك جائزاً)).
(٢) ا: ((ابتدأ)).
(٣) سورة هود ٧ .
ـہہے

٤٤
حدثنى المثنى بن إبراهيم ، حدثنى عبد الله بن صالح ، حدثنى
أبو معشر، عن سعيد بن أبى سعيد، عن عبدالله بن سلاَم أنه قال: إن الله عزّ
وجلّ بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين فى الأحد والاثنين .
حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبى
٤١/١
صالح، عن كعب، قال: بدأ الله خلق (١) السموات والأرض يوم الأحد والاثنين.
حدثنى محمد بن أبى منصور الآمُلىّ، حدثنا على بن الهيثم، عن المسيّب بن
شريك، عن أبى رَوْق، عن الضحاك فى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمْوَاتِ
وَالْأَرْضَ فِ سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قال: من أيام الآخرة، كلّ يوم مقداره ألف سنة،
ابتدأ الخلق يوم الأحد .
حدثنى المثنّى ، حدثنا الحجاج ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبى
بشر، عن مجاهد ، قال : بدأ الخلق يوم الأحد .
#
وقال آخرون : اليوم الذى ابتدأ اللّه فيه فى ذلك يوم السبت .
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة بن الفضل ، قال: حدثنى محمد
ابن أبى أبى إسحاق، قال: يقول أهلُ التوراة: ابتدأ اللّه الخلق يوم الأحد:
وقال أهلُ الإنجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الإثنين. ونقول نحن المسلمون (٢)
فيما انتهى إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتدأ الله الخلق يوم السبت.
وقد روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذى قال كلّ فريق من هذين
الفريقين اللذين قال أحدهما: ابتدأ الله الخلق فى يوم الأحد، وقال الآخر منهما:
ابتدأ فى يوم السبت ، وقد مضى ذكرُنا الخبرين ، غير أنا نعيد من ذلك فى هذا
(١) ط: ((بخلق))، وما أثبته عن ا.
(٢) كذا فى الأصول، والوجه النصب على الاختصاص .
L

٤٥
الموضع بعضَ ما فيه من الدلالة على صحة قول كل فريق منهما .
۵
فأما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون : كان ابتداء الخلق يوم ٤٢/١
الأحد ، فما حدثنا به هنّاد بن السّرىّ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن
أبى سعد البقال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس - قال هناد: وقرأت سائرَ الحديث-
أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض
فقال: ((خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين)).
وأما الخبرُ عنه بتحقيق ما قاله القائلون من أن ابتداء الخلق كان يوم
السبت، فما حدثنى القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن على الصّدَائىّ، قالا:
حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرنى إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد،
عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبى هريرة، قال : أخذ رسول الله صلى
الله تعالى عليه بيدى، فقال: ((خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم
الأحد )).
#
وأوْلى القولين فى ذلك عندى بالصواب قولُ من قال : اليوم الذى ابتدأ الله
تعالى ذكره فيه خلق السموات والأرض يومُ الأحد ؛ لإجماع السلف من أهل
العلم على ذلك .
فأما ما قال ابن إسحاق فى ذلك ، فإنه إنما استدل - بزعمه - على أن ذلك
كذلك؛ لأنّ اللّه عزّ ذكره فرغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة ، وذلك
اليوم السابع ، وفيه استوى على العرش ، وجعل ذلك اليوم عيداً للمسلمين ؛
ودليله على ما زعم أنه استدل به على صحة قوله فيما حکینا عنه من ذلك هو الدليل
على خطئه فيه ، وذلك أن الله تعالى أخبر عباده فى غير موضع من [محكم] (١)
تنزيله، أنه خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، فقال: ﴿أَلهُ الَّذِى خَلَقَ
(١) تكملة من ا.
٠

٤٦
٣/١؛ السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُمْ
مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَ كَّرُونَ﴾(١). وقال تعالى ذكره:
﴿ قُلْ أَثِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعُونَ
لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ العَالمِينَ* وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ
فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ لِلِسَّائِلِين، ثُمَّ أُسْتَوَى إِلَى
الَّمَاءُ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَسْنَا
طَائِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمْوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءِ أَمْرَهَا
وَزَيَّنَّا السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظَا ذْلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعليمِ﴾(٢).
ولا خلاف بين(٣) جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله تبارك
وتعالى فى قوله: ﴿فَقَضَاهُنّ سَبْحَ سَمُوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ داخلان فى الأيام
الستة اللاتى ذكرهنّ قبل ذلك، فمعلوم إذْ كان اللّه عزّ وجلّ إنما
خلق السموات والأرضينَ وما فيهنّ فى ستة أيام ، وكانت الأخبار مع ذلك
متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن آخرما خلق الله من خلقه آدم، وأن
خلقه إياه كان فى يوم الجمعة - أن يوم الجمعة الذى فرغ فيه من خلق خلقه داخل
فى الأيام الستة التى أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهنّ؛ لأن ذلك لولم يكن
داخلا فى الأيام الستة ، كان إنما خلق خلقه فى سبعة أيام ، لا فى ستة ، وذلك
خلاف ما جاء به التنزيل؛ فتبين (٤) إذاً - إذْ كان الأمرُ كالذى وصفنا فى
ذلك - أن أوّل الأيام التى ابتدأ اللّه فيها خلق السموات والأرض وما فيهنّ من خلقه
٤٤/١ يوم الأحد؛ إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام، كما قال ربنا جل جلاله.
فأما الأخبارُ الواردة عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعن أصحابه بأنّ الفراغ
من الخلق كان يوم الجمعة ، فسنذكرها فى مواضعها إن شاء الله تعالى .
(١) سورة السجدة ٤
(٢) سورة فصلت ٩ - ١٢.
(٣) ط: ((عند)).
(٤) ا، س، ن: ((فبين)).

القول فيما خلق الله فى كل يوم من الأيام الستة التى ذكر الله
فى كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما
اختلف السلفُ من أهل العلم فى ذلك :
فقال بعضهم ما حدثنى به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدّثنا
عبد الله بن صالح ، حدّثّنى أبو معشر، عن سعيد بن أبى سعيد ، عن
عبد الله بن سلام، أنه قال: إن اللّه بدأ الخلق (١) يوم الأحد، فخلق الأرضين
فى الأحد والاثنين ، وخلق الأقواتَ والرواسىّ فى الثلاثاء والأربعاء،
وخلقَ السموات فى الخميس والجمعة ، وفرغ فى آخر ساعة من يوم الجمعة ،
فخلق فيها آدم على عَجَل ، فتلك الساعة التى تقوم فيها الساعة .
حدثنى موسى بن هارون ، حدثنا عمروبن حماد ، حدثنا أسباط ، عن
السدّى، فى خبرٍ ذكره عن أبى مالك وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مرة
الهمْدانىّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
قالوا: جعل - يعنون ربنا تبارك وتعالى - سبع أرضين فى يومين: الأحد والاثنين،
وجعل فيها رواسى أنْ تميدَ بكم ؛ وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها ، وشجرها وما
ينبغى لها فى يومين: فى الثلاثاء والأربعاء، ثم استوى إلى السماء وهى دخان فجعلها
سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سموات فى يومين : الخميس والجمعة .
٤٥/١
حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك ، عن غالب
[ ابن غلاب] (٢)، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس، قال: خلق الله
الأرض فى يومين . الأحد والاثنين .
ففى قول هؤلاء خُلقت الأرض قبل السماء؛ لأنها خلقت عندهم فى الأحد(٣)
والاثنين .
(١) ط: ((بالخلق))، وما أثبته عن ا.
(٢) تكملة من ا.
(٣) !: ((يوم الأحد)).
٤٧

K
٤٨
وقال آخرون : خلق اللّه عزّ وجلّ الأرض قبل السماء بأقواتها من غير أن
يَدْحوَها ، ثم استوى إلى السماء فسواهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك .
• ذكر من قال ذلك :
حدثنى علىّ بن داود، قال : حدثنا أبوصالح ، قال : حدثنى معاوية ،
عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: قوله عزّ وجلّحيث ذكر خلْق الأرض
قبل السماء ، ثم ذكر السماء قبل الأرض ، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من
غير أن يدحوّها قبل السماء ، ثم استوى إلى السماء فسواهنّ سبع سموات، ثم دحا
الأرضَ بعد ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾.
حدثنى محمد بن سعد ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى عمى ، قال :
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذْلِكَ دَحَاهَا، أُخْرَجَ مِنْهَاَ
مَاءَهَا وَمَرْ عَهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (١)، يعنى أنه خلق السموات والأرض، فلما
فرغ من السماء قبل أن يخلق أقوات الأرض بث أقوات الأرض فيها بعد خلق
السماء، وأرسى الجبالَ-يعنى بذلك دحوَها _ (٢) ولم تكن تصلح أقواتُ الأرض
ونباتُها إلا بالليل والنهار، فذلك قوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)؛
ألم تسمع أنه قال: (أُخْرَجَ مِنْهَاَ مَاءَهَا وَمَرْ عَاهَ﴾؟
قال أبو جعفر : والصوابُ من القول فى ذلك عندنا ما قاله الذين قالوا :
إنّ الله خلق الأرض يوم الأحد ، وخلق السماء يومَ الخميس ، وخلق النجوم
والشمس والقمر يومَ الجمعة لصحّة الخبر الذى ذكرنا قبلُ عن ابن عباس، عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك . وغيرُ مستحيل ما روينا فى ذلك عن ابن
عباس من القول، وهو أن يكون اللّه تعالى ذكره خلقَ الأرض ولم يدحُها ،
ثم خلق السموات فسواهنّ ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، فأخرج منها ماءها
٤٦/١
(١) سورة النازعات ٣٠ - ٣٢
(٢) ط: ((دحاها))، وما أثبته عن ا والتفسير ٣٠: ٢٩ (بولاق).

٤٩
ومرعاها ، والجبال أرساها، بل ذلك عندى هو الصواب من القول فى ذلك؛ وذلك
أنّ معنى الدَّحْوِ غيرُ معنى الخلق، وقد قال الله عزّ وجَلَّ: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ
خَلْقَ أم السَّمَاءِ بَهَاء رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَ، وَأَغْطَشْرَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا.
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَاهَا، أَخْرَجَ مِنْهَمَاءَهَا وَمَرْ عَاهاهُ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَ)(١).
فإن قال قائل: فإنّك قد علمتَ أن جماعةً من أهل التأويل قد وجهت
قول الله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاها) إلى معنى ((مع ذلك دحاها))، فما برهانُك
على صحةٍ ما قلت، من أنّ ((ذلك)) بمعنى ((بَعْد)) التى هى خلاف ((قبل))؟
قيل : المعروف من معنى ((بعد)) فى كلام العرب هو الذى قلنا من أنها بخلاف
معنى ((قبل)) لا بمعنى ((مع))؛ وإنما تُوَجَّه معانى الكلام إلى الأغلب عليه من
معانيه المعروفة فى أهله ، لا إلى غير ذلك .
٠ ٠ ٠
وقد قيل : إن الله خلق البيتَ العتيق على الماء على أربعة أركان ، قبل أن
يخلق الدنيا بألفىْ عام، ثم دُحِيت الأرض من تحته .
ذكر من قال ذلك :
٠
٤٧/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القُمَّىّ، عن جعفر،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال : وُضِع البيت على الماء على أربعة أركان ،
قبل أن يخلق الدنيا بألفىْ عام (٢)، ثم دُحيت الأرضُ من تحت
البيت .
حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا مِهران ، عن سُفيان ، عن
الأعمش، عن بُكير بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر (٣)،
قال : خلق الله البيتَ قبل الأرض بألفى سنة ، ومنه دحيت الأرض.
وإذا كان الأمرُ كذلك كان خلقُ الأرض قبل خلق السموات ، ودَحْوُ
(١) سورة النازعات ٢٧ - ٣٢.
(٢) س: ((بألف عام)).
(٣) أ : ((عمرو)).

٥٠
الأرض وهو بسطُها بأقواتها ومراعيها ونباتها ، بعد خلق السموات ، كما ذكرنا
عن ابن عباس .
وقد حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنى مِهران ، عن أبى سِنان ،
عن أبى بكر ، قال: (١) جاء اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا:
يا محمد، أخبرنا : ما خلق الله من الخلق فى هذه الأيام الستة ؟ فقال: خلق
الأرض يومَ الأحد والاثنين ، وخلَق الجبال يومَ الثلاثاء ، وخلق المدائن
والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يومَ الأربعاء ، وخلق السموات والملائكة
يوم الخميس ، إلى ثلاث ساعاتٍ بقين من يوم الجمعة (٢)، وخلق فى أول
الثلاث ساعات الآجال ، وفى الثانية الآفة ، وفى الثالثة آدم . قالوا : صدقت
إن أتممت ، فعرَف النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يريدون ، فغضب ، فأنزل
اللّه تعالى: ﴿وَمَا مَسََّ مِنْ لِغُوبٍ. فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)(٣).
٤٨/١
فإن قال قائل: فإن (٤) كان الأمر كما وصفتَ من أن الله تعالى
خلق الأرض قبل السماء ، فما معنى قول ابن عباس الذى حد ◌ّثَكُموه واصل
ابن عبد الأعلى الأسدىّ، قال : حدثنا محمد بن فُضَيل ، عن الأعمش،
عن أبى ظَبْيان، عن ابن عباس قال: أولُ(٥) ما خلق الله تعالى من شىء القلم،
فقال له : اكتب ، فقال : وما أكتب يارب ؟ قال : اكتب القَدَرَ، قال :
فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة ، ثم رفع بخار الماء ففتق
منه السموات ، ثم خلق النون (٦)، فدُ حِيت الأرض على ظهره ، فاضطرب
النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، فإنها لتفخر (٧) على الأرض.
(١) الخبر فى التفسير ٢٦: ١١١ (بولاق) .
(٢) كذا فى ط، وفى ا، ن، والتفسير: ((يعنى من يوم الجمعة)). وفى س :..
((يعنى يوم الجمعة)).
(٣) سورة ق ٣٨، ٣٩.
(٤) ا: ((فإذ)).
(٥) الخبر فى التفسير ٢٩: ١٠ (بولاق).
(٦) النون هنا : الحوت .
(٧) س: ((لتفتخر)).

٥١
حدثنى واصل ، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش ، عن أبى ظَبْيَان ،
عن ابن عباس نحوه .
٤٩/١
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبى عدىّ ، عن شعبة ،
عن سليمان، عن أبى ظَبْيَان، عن ابن عباس، قال: أولُ(١) ما خلق الله
تعالى القلم فجرى بما هو كائن ، ثم رفع بخارَ الماء ، فخلقت منه السموات ،
ثم خلق النون، فبسطت الأرض على ظهر النون، فتحرّك النون ، فمادت الأرض
فأثبتت بالجبال ، فإن الجبال لتفخر على الأرض. قال: وقرأ: ﴿نَ والقَلَم
وَمَا يَسْطُرُون﴾(٢).
حدثنى تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ،
عن الأعمش ، عن أبى ظَبيان أو مجاهد(٣)-عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه
قال : ففتقت منه السموات .
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا سفيان ،
قال : حدثنى سليمان ، عن أبى ظَبْيان ، عن ابن عباس قال : أول ما خلق
اللّه تعالى القلم فقال: اكتب، فقال (٤): ما أكتب ؟ قال: اكتب القدر،
قال : فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة . ثم خلق النُّون ،
ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب
النون ، فمادت الأرض فأثبتتْ بالجبال ، قال: فإنها لتفخر على الأرض (٥).
حدثنا ابن حميد ، قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ،
عن أبى الضّحى مسلم بن صُبَيْح، عن ابن عباس قال : أولُ شىء خلق
(١) الخبر فى التفسير ٢٩: ٩ (بولاق).
(٢) سورة القلم ! .
(٣) كذا فى ا، والتفسير ٢٩: ٩ (بولاق)، وفى ط: ((أبى ظبيان عن مجاهد)»
والأعمش يروى عن أبى ظبيان وعن مجاهد ؛ وهما أيضاً يرويان عن ابن عباس . وانظر تهذيب
التهذيب ٤ : ٢٢٢ .
(٤) ا والتفسير: ((قال)).
(٥) الخبر فى التفسير ٢٩: ٩ (بولاق).

٥٢
الله تعالى القلم ، فقال له : اكتب ، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ،
ثم خلق النون فوق الماء ، ثم كبس الأرض عليه .
قيل: ذلك صحيح على ما رُوى عنه وعن غيره من معنى ذلك مشروحاً مفسَّراً
غير مخالف شيئاً مما رويناه عنه فى ذلك .
#
فإن قال : وما الذى رُوى عنه وعن غيره من شرح ذلك الدالّ على صحةٍ
كلّ ما رويتَ لنا فى هذا المعنى عنه ؟
قيل له : حدثنى موسى بن هارون الهمْدانىّ وغيره ، قالوا : حدثنا
عمرو بن حماد ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدّى، عن أبى مالك، وعن
أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهمْدانىّ عن عبد الله بن مسعود-وعن
ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿هُوَ الَّذِىِ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى
الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سُمْوَاتٍ﴾(١) قال: إن
اللّه تعالى كان عرشُه على الماء ولم يخلق شيئاً غيرَ ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن
يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً فارتفع فوق الماء ، فسما عليه ، فسَّاه سماءً ،
٥٠/١ ثم أيبس (٢) الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضین فی یومین،
فى الأحد والاثنين ، فخلق الأرض على حوت - والحوت هو النون الذى
ذكر الله عز وجلّ فى القرآن: ﴿نَ وَالْقَلَمِ) - والحوت فى الماء، والماء على ظهر
صَفاة، والصَّفاة على ظهر مَلَك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح (٣) -
وهى الصخرة التى ذكر لقمان - ليست فى السماء ولا فى الأرض ، فتحرَّك
الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرضُ، فأرسى عليها الجبال فقرّت ، فالجبال
(١) سورة البقرة ٢٩
(٢) كذا فى ا، والتفسير ١: ٤٣٥ (المعارف) وفى ط: (( يبس)).
(٣) كذا فى ا، وفى ط والتفسير: ((فى الريح)).

-
٥٣
تفخر على الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسَِ أَنْ تَمِيدَ
بِكُمْ﴾(١).
قال أبو جعفر: فقد أنبأ قولُ هؤلاء الذين ذكرتُ: إنّ اللّه تعالى أخرج
من الماء دخاناً حين أراد أن يخلق السموات والأرض ، فسما عليه - يَعنون بقولهم:
((فسما عليه)) علا على الماء، وكلُّشيء كان فوق شىء عالياً عليه فهو له سماءُ ثم
أيبسَ بعد ذلك الماء ، فجعله أرضاً واحدة = أن الله خلق السماء غير مسوّاة
قبل الأرض ، ثم خلق الأرض .
وإن كانْ الأمر كما قال هؤلاء، فغيرُ محال أن يكون اللّه تعالى أثارَ من الماء
دخاناً فعلاًه على الماء ، فكان له سماء ، ثم أييس الماء فصار الدخان الذى
سما عليه أرضاً، ولم يدحُها ، ولم يقدِّر فيها أقواتها ، ولم يُخرِج منها ماءها
ومرعاها ، حتى استوى إلى السماء؛ التى هى الدخان الثائر من الماء العالى عليه ،
فسوَّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض التى كانت ماءً فيبّسه فقتقه، فَجعلها سبع
أرضين، وقدَّرفيها أقواتها، وَ ﴿أَخْرَجَ مِنْهَاَ مَاءَهَا وَمَرْ عَاهَاء وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ ،
کما قالعزّ وجلّ فیکون کل الذی رویعن ابنعباس فى ذلك-على ما رويناه-
صحيحاً معناه .
٥١/١
وأما يومُ الاثنين فقد ذكرنا اختلافَ العلماء فيما خلق فيه، وما رُوى فى
ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلُ .
وأما ما خلق فى يوم الثلاثاء والأربعاء، فقد ذ کرنا أيضاً بعض ما رُوی فیه،
ونذكر فى هذا الموضع بعض ما لم نذ کر منه قبل .
فالذى صحّ عندنا أنه خلق فيهما ما حدثنى به موسى بن هارون ،
قال : حدثنا عمرو بن حماد ، حدثنا أسباط ، عن السُّدىّ ، فى خبر ذكره
(١) سورة النحل ١٥ .

٥٤
عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانىّ، عن
عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وخلق الجبال فيها - يعنى فى الأرض - وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغى لها فى
يومين: فى الثلاثاء والأربعاء؛ وذلك حين يقول الله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِىِ خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنٍ وَتَجْعُلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَاَ رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَانَهَاَ فِى
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (١)؛ يقول: مَنْ سأل. فهكذا الأمر، ثم
استوى إلى السماء وهى دخان، وكان ذلك الدخان مِن تنفّس الماء حين تنفس،
فجعلها سماء واحدة، ثم فتّقها فجعلها سبع سموات فى يومين فى الخميس والجمعة (٢).
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنى أبومعشر،
عن سعيد بن أبى سعيد ، عن عبد الله بن سلام ، قال: إن اللّه تعالى خلق
الأقواتَ والرواسىَ فى الثلاثاء والأربعاء .
٠٢/١
حدثنى تميم بن المنتصر، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ،
عن غالب بن غلاّب، عن عطاء بن أبى رَباح ، عن ابن عباس ، قال :
إن الله تعالى خلقَ الجبال يوم الثلاثاء . فذلك قول الناس : هو يوم ثقيل .
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، ما رويناه
عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله تعالى خلق يوم الثلاثاء الحبال وما
فيهنّ من المنافع، وخلَق يوم الأربعاء الشجرَ، والماء ، والمدائن، والعمران ،
والخراب. حدثنا بذلك هنّاد، قال : حدثنا أبوبكر بن عيّاش، عن أبى سعد
البقّال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبى صلى اللّه عليه وسلم (٣).
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الجبال يوم الأحد،
والشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، والنور يوم الأربعاء ،
(١) سورة فصلت ٩، ١٠.
(٢) الخبر فى التفسير ٢٤: ٦٣ (بولاق) .
(٣) ط: بعدها كلمة ((مثله))، صواب حذفها من !.

٥٥
حدثنى به القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن على الصُّدائىّ، قالا :
حدثنا حجاج ، قال ابن جريج : أخبرنى إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن
خالد ، عن عبد الله بن رافع مولى أمّ سلمة، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله
علیه وسلم .
والخبرُ الأولُ أصحُّ مخرجاً، وأوْلىَ بالحق ، لأنه قول أكثر السلف.
وأما يوم الخميس فإنه خلق فيه السموات ، ففتقتْ بعد أن كانت
رَتْفاً ، كما حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط ، عن السُّدىّ ، فى خبر ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح
عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانىّ عن عبد اللّه بن مسعود- وعن ناس من
أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم: ﴿ثمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ)(١)،
و کان ذلك الدخان من تنفُّس الماء حین تنفس وجعلها سماء واحدة، ثم فتقها
فجعلها سبع سموات فى يومين ، فى الخميس والجمعة .
٥٣/١
وإنما ◌ُسمّى يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض (وَأَوْحَى فِى
كُلِّ سَمَاءِ أَمْرَها﴾(١) قال: خلق فى كل سماء خلْقُها من الملائكة، والخلْق الذى
فيها من البحار وجبال البرَد وما لم يُعْلَم، ثم زيَّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها
زينة وحفظاً ، تحفظ من الشياطين ، فلما فرغ من خلْق ما أحبّ استوى على
العرش. فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِسِنَّةِ أَيَّامٍ)،(٢) ويقول:
(كَانَتَا رَتْقًا فَقَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢).
حدثنى المثنى ، حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنى أبو معشر ،
عن سعيد بن أبى سعيد ، عن عبد الله بن سلام، قال: إن اللّه تعالى خلق
السموات فى الخميس والجمعة ، وفرغ فى آخرساعة من يوم الجمعة ،
(١) سورة فصلت ١١، ١٢
(٢) سورة هود ٧
(٣) سورة الأنبياء ٣٠

٥٦
فخلق فيها آدم على عجل ، فتلك الساعةُ التى تقوم فيها الساعة .
حدثنى تميم [بن المنتصر] (١) ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ،
عن غالب بن غلاًّب، عن عطاء بن أبى رَبَاح، عن ابن عباس، قال: إن الله
تعالى خلق مواضع الأنهار والشَّجر يوم الأربعاء ، وخلق الطير والوحوش (٢)
والهوامّ والسباع يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، ففرغ من خلْق كل
شىء يوم الجمعة .
وهذا الذى قاله مَنْ ذكرنا قوله ؛ من أن الله عزّ وجلّ خلق السموات
والملائكة وآدم فى يوم الخميس والجمعة، هو (٣) الصحيح عندنا، للخبر الذى
حدثنا به هنّاد [بن السرىّ](١) قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبى سعد
البقال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - قال:
هناد ، وقرأتُ سائر الحديث - قال : وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم
الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه ،
فخلق فى أوّل ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجالَ؛ مَنْ يحيا ومن يموت ،
وفى الثانية ألفى الآفة على كلّ شيء مما ينتفع به الناس ، وفى الثالثة آدم وأسكنه
الجنة ، وأمر إبليس بالسجود ، وأخرجه منها فى آخر ساعة .
٥٤/١
حدثنى القاسم بن بشر[بن معروف](١)، والحسين بن علىّ الصُّدائىّ،
قالا : حدثنا حجاج ، قال ابن جريج : أخبرنى إسماعيل بن أمية ، عن أيوب
ابن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبى هريرة، قال : أخذ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فقال: ((وبثّ فيها - يعنى فى الأرض-
الدوابّ يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلْق فى
آخر ساعة ، من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)).
فإذا كان اللّه تعالى ذكره خلَق الخَلْق من لدن ابتداء خلق السموات
والأرض إلى حين فراغه من خلْق جميعهم فى ستة أيام ، وكان كلّ يوم من
(١) ط: ((الوحش)) وما أثبته من ا.
(٢) تكملة من ا.
(٣) ط: ((وهو))، وما أثبته من ا

٥٧
الأيام الستة التى خلقهم فيها مقدارُه ألف سنة من أيام الدنيا ، وكان بين
ابتدائه فى خلق ذلك وخلق القلم الذى أمره بكتابة [ كلّ] (١) ما هو كائن إلى
قيام الساعة ألف عام، وذلك يوم من أيام الآخرة التى قَدْ ر اليوم الواحد منها ألف
عام من أيام الدنيا- كان معلوماً أن قَدْر مدة ما بين أول ابتداء ربنا عز وجل
فى خلق ما خلق من خلقه إلى الفراغ من آخرهم سبعة آلاف عام(٢). يزيد
إن شاء اللّه شيئاً أو ينقص شيئاً، على ما قد روينا من الآثار والأخبار التى ٥٥/١
ذكرناها ، وتركنا ذكر كثير منها كراهة إطالة الكتاب بذ کرها .
وإذا كان ذلك كذلك ، وكان صحيحاً أن مدّة ما بين فراغ ربّنا تعالى
ذ کره - منخلق جميع خلقه إلى وقت فناء جمیعهم بما قد دللنا قبلُ ، واستشهدنا
من الشواهد، وبما سنشرح فيما بعد - سبعة آلاف سنة، تزيد قليلاً أو تنقص
قليلاً (٣) - كان معلوماً بذلك أن مدةَ ما بين أول خلقٍ خلقه الله تعالى إلى قيام
الساعة وفناء جميع العالم ، أربعة عشر ألف عام من أعوام الدنيا ؛ وذلك
أربعة عشريوماً من أيام الآخرة، سبعةُ أيام من ذلك - وهى سبعة آلاف عام
من أعوام الدنيا - مدة ما بين أول ابتداء اللّه جلّ وتقدس فى خلق أول خلقه
إلى فراغه من خلق آخرهم - وهو آدم أبو البشر صلوات الله عليه، وسبعة أيام
أخر ، وهى سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا ، من ذلك مدّة ما بين فراغه
جلّ ثناؤه من خلق آخر خلقه - وهو آدم - إلى فناء آخرهم وقيام الساعة، وعوْد
الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شىء غير القديم البارئ الذى له الخلق
والأمر الذى كان قبل كلِّ شيء ، فلا شىء كان قبله ، والكائن بعد كلّ
شىء فلا شىء یبقی غیر وجهه الكريم .
٠ ٠
#
فإن قال قائل: وما دليلك على أن الأيامَ الستة التى خلق اللّه فيهنّ خلْقه
كان قدْرُ كلّ يوم منهنّ قدر ألف عام من أعوام الدنيا دون أن يكون ذلك
(١) تكملة من ا.
(٢) !: ((سنة)).
(٣) ا: ((يسيرا)).
ـد

٥٨
٥٦/١
كأيام أهل الدنيا التى يتعارفونها بينهم ، وإنما قال اللّه عزّ وجلّ فى كتابه:
﴿اَلَّذِىِ خَلَقَ السَّمُوَاتِ وَالأرضَ وما بينهما فى ستة أيامٍ﴾(١)، فلم يعلمنا أن ذلك
كما ذكرت ، بل أخبرنا أنه خلق ذلك فى ستة أيام ، والأيام المعروفة عند
المخاطَبين بهذه المخاطبة هى أيامهم التى أوّلُ(٢) اليوم منها طلوع الفجر إلى
غروب الشمس ، ومن قولك : إن خطاب الله عباده بما خاطبهم به فى تنزيله
إنما هو موجّه إلى الأشهر والأغلب عليه من معانيه، وقد وجهتَ خبرَ اللّه
فى كتابه عن خلقه السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام إلى غير
المعروف من معانى الأيام ، وأمرُ اللّه عزّ وجلّ إذا أراد شيئاً أن يكوّنه أنفذُ
وأمضى من أن يوصف بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام؛
مقدارهنّ ستة آلاف عام من أعوام الدنيا ، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول
له : كن فيكون؛ وذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ
كَلْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٤)؟
2
قيل له : قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا إنا إنما نعتمد فى معظم ما نَرسمه
فى كتابنا هذا على الآثار والأخبار عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن السلف
الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول والفكر، إذ أكثره خبرٌ عما مضى
من الأمور ، وعما هو كائن من الأحداث ، وذلك غير مدرك علمه بالاستنباط
الاستخراج بالعقول .
فإن قال : فهل من حجة على صحة ذلك من جهة الخبر ؟
قيل : ذلك ما لا نعلم قائلا من أئمة الدين قال خلافه .
فإن قال : فهل من رواية عن أحد منهم بذلك ؟
٥٧/١
قيل : عِلْم ذلك عند أهل العلم من السلف كان أشهر من أن يحتاج فيه
إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه ، وقد رُوى ذلك عن جماعة منهم
مسميْن بأعيانهم .
(١) سورة الفرقان ٥٩
(٢) س: ((أول يوم)).
(٣) سورة القمر ٥٠

٥٩
فإن قال : فاذكرهم لنا .
قيل : حدثنا ابن حُميد ، قال: حدثنا حكّام : عن عنبسة (١) ، عن
سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : خلق الله السموات والأرض فى
ستة أيام، فكلّ يوم من هذه الأيام كألف سنة مما تعدون أنتم .
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن
عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ فِى يَوْمٍكَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون﴾(٢).
قال : الستة الأيام التى خلق اللّه فيها السموات والأرض .
حدثنا عبدة ، حدثنى الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ
يقول : أخبرنا عُبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول فى قوله : ( فِى يَوْمٍ
كَانَ مِقِدَارُهُ أَلْفَ سَنَّةٍ مما تَعُدُّونَ ﴾: يعنى هذا اليوم من الأيام الستة التى
خلق اللّه فيهنّ السموات والأرض وما بينهما .
حدثنى المثنى، حدثنا علىّ، عن المسيّب بن شريك ، عن أبى رَوْق ،
عن الضّحاك: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمواتِ والْأَرْضَ فِى سِتَِّ أيَّامٍ﴾ (٣).
قال : من أيام الآخرة ، كلّ يوم كان مقداره ألف سنة ، ابتدأ فى الخلق يوم
الأحد ، واجتمع الخلق يوم الجمعة .
حدثنا ابن حُميد قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن
أبى صالح: عن كعب ، قال : بدأ اللّه خلق السموات والأرض يوم الأحد.
والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وفرغ منها يوم الجمعة ، قال : فجعل
مكان كلّ يوم ألف سنة .
(١) فى ط: ((عيينة)) تصحيف؛ وهو عنبسة بن سعيد؛ ذكره ابن حجر فى تهذيب
التهذيب ٣ : ٤٢٢ فيمن روى عنهم حكام بن سلم ؛ وذكره الطبرى أيضاً فى ا: ٤٥٩، ٥٣٨ :
(( حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة .. )).
(٢) سورة السجدة ٥
(٣) سورة هود ٧
:

٦٠
٥٨/١
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا الحجاج ، حدثنا أبو عوانة ، عن
أبى بِشْر، عن مجاهد، قال: يوم من الستة الأيام، كألف سنة مما تَعُدّون.
فهذا هذا . وبعد ؛ فلا وجهَ لقول قائل : وكيف يوصف الله تعالى ذكره
بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام قدْر مدتها من أيام الدنيا
ستة آلاف سنة ؛ وإنما أمرُه إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون ، لأنه
لا شىء يتوهَّمه متوهم فى قول قائل ذلك إلا وهو موجود فى قول قائل : خلق
ذلك كله فى ستة أيام مدتها مدة ستة أيام من أيام الدنيا ، لأن أمرَه جلّ
جلاله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون (١).
٢
(١) علق ابن الأثير (١: ٤١) على القول فيما خلق الله فى كل يوم من الأيام الستة بقوله:
(( أما ما ورد فى هذه الأخبار من أن الله تعالى خلق الأرض فى يوم كذا والسماء فى يوم كذا إنما هو
مجاز ؛ وإلا فلم يكن ذلك الوقت أيام وليالٍ ؛ لأن الأيام عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها
والليالى عبارة عما بين غروبها وطلوعها ؛ ولم يكن ذلك الوقت سماء ولا شمس ؛ وإنما المراد به أنه
خلق كل شىء بمقداريوم ؛ كقوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا): وليس فى الجنة بكرة وعشى».