النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ١٩/١ لا شك بعده، وذلك إبانةٌ ودليل على حدوثهما، وأنهما خلقان لخالقهما (١). ومن الدلالة أيضاً على حدوث الأيام والليالى أنه لا يومَ إلا وهو بعدَ يوم كان قبله، وقبل يوم كائن بعده، فمعلوم أنّما لم يكن ثم كان، أنه محدّث مخلوق، وأنّ له خالقاً ومحد ثا . وأخرى ، (٢) أن الأيام والليالى معدودة، وما عدّ من الأشياء فغير خارج من أحد العددين: شفع أو وتر ؛ فإن يكن شفعاً فإن أولها اثنان، وذلك تصحيح القول بأن لها ابتداء وأولاً، وإن كان وتراً فإنّ أولها واحد ، وذلك دليل على أن لها ابتداء وأوّلاً ، وما كان له ابتداء فإنه لا بد له من مبتدئ ، هو خالقه . (١) ا: ((بتخالفهما)). (٢) ط: ((والأخرى))، وما أثبته عن ا. القول فى هل كان اللّه عزّ وجلّ خلق قبل خلقه الزمان والليل والنهار شيئاً غير ذلك من الخلق قد قلنا قبل: إنّ الزمان إنما هو ساعات الليل والنهار، وإنّ الساعات إنما هى قَطْعْ (١) الشمس والقمر درجات الفلك . فإذا (٢) كان ذلك كذلك ، وكان صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(٣) ما حدثناهنّاد بنالسرى، قال : حدثنا أبوبكر بنعياش ، عن أبى سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس - قال هناد: وقرأت سائر الحديث(٤) [على أبى بكر] -(٥) أن اليهود أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: خَلَق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب؛ ٢٠/١ فهذه أربعة، [ ثم] (٥) قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ* وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسَِ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِى أَرْبَةِ أَيَّامٍ سَوَاءِ لِلِسَّائِلِينَ﴾(٦)، لمن سأل . قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق فى أول ساعة من هذه الثلاث الساعات الآجالَ مَنْ يحيا ومن يموت ، وفى الثانية ألقى الآفة على كل شىء مما ينتفع به الناس، وفى الثالثة آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له (١) !: ((مطلع)) تحريف. (٢) جواب ((إذا)): ((فإن كان كذلك)) ص ٢٦ (٣) الخبر فى التفسير ٢٤: ٦١ (بولاق). (٤) ط: ((فى سائر الحديث))، وما أثبته عن ا. (٥) زيادة من التفسير . (٦) سورة فصلت ٩، ١٠ ٢٢ ٢٣ وأخرجه منها فى آخر ساعة . ثم قالت اليهود : ثم ماذا يا محمد؟ قال : ثم استوى على العرش ، قالوا : قد أصبتَ لو أنممت : قالوا : ثم استراح، فغضب النبى صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ، فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)(١). حدثنى القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن على الصُّدَائىّ ، قالا: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جُرّيج: أخبرنى إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبى هريرة قال: أخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيدى-فقال: (( خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجريوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة ، آخر خلْق خلَق ، فى آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل )). حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع (٢)، قال: حدثنا الفُضَيل(٣) بن سليمان، حدثنى محمد بن زيد، قال: حدثنى أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف، قال: أخبرنى ابن سلام وأبو هريرة، فذكرا عن النبى صلى الله عليه وسلم الساعة التى فى يوم الجمعة، وذكرا أنه قالها؛ قال (٤) عبد الله بن سلام: أنا أعلم أىّ ساعة هى ؛ بدأ الله فى خلق السموات والأرض يوم الأحد، وفرغ فى آخر ساعة من يوم الجمعة ، فهى فى آخر ساعة من يوم الجمعة . ٢١/١ حدّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا الحجَّاج، حدَّثنا حمّاد، عن عطاء بن السائب، عن عِكْرمة: أن اليهود قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: ما يوم الأحد ؟ فقال رسول (١) سورة ق ٣٨، ٣٩ (٢) كذا ضبطه صاحب التقريب ؛ بفتح الموحدة وكسر الزاى . (٣) ط: ((الفضل)) تحريف؛ وانظر تهذيب التهذيب ٨: ٢٩١، ٩ : ٢٤٨ (٤) ط: ((فقال)). ٢٤ الله صلى الله عليه وسلم: خلق الله فيه الأرض وبسطها (١)، قالوا: فالاثنين؟قال: خلق اللّه فيه آدم، قالوا: فالثلاثاء؟ قال: خلق فيه الجبال والماء وكذا وكذا وما شاء الله، قالوا: فيوم الأربعاء؟ قال: الأقوات، قالوا: فيوم الخميس؟ قال: خلق السموات، قالوا : فيوم الجمعة ؟ قال : خلق الله فى ساعتين الليل والنهار، ثم قالوا: السبت- وذكروا الراحة-قال: سبحان الله! فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأُرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسِّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. فقد بين هذان الخبران اللذان رويناهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر خُلقا بعد خلق الله أشياء كثيرة من خلقه ؛ وذلك ان حدیثاپن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد بأن اللّه خلق الشمس والقمر يوم الجمعة = فإن(٢) كان ذلك كذلك، فقد كانت الأرض والسماء وما فيهما - سوى الملائكة وآدم - مخلوقةً قبل خلق الله الشمس والقمر، وكان ذلك كله ولا ليل ولا نهار؛ إذْ كان الليل والنهار إنما هو اسم لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر دَرَج الفلك . ٢٢/١ وإذا كان صحيحاً أنّ الأرض والسماء وما فيهما ، سوى ما ذكرنا ، قد كانت ولا شمس ولا قمر - كان معلوماً أن ذلك كلَّه كان ولا ليل ولا نهار . وكذلك حديث أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عنه أنه قال: ((خلق اللّه النورَ يوم الأربعاء))، يعنى بالنور الشمسَ إن شاء الله. # فإن قال لنا قائل : قد زعمتَ أن اليومَ إنما هو اسمٌ لميقات ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، ثم زعمتَ الآن أن الله خلق الشمس والقمر بعد أيام من أول ابتدائه خلقَ الأشياء التى خلقها، فأثبتّ مواقيتَ، وسميتها بالأيام، ولا شمس ولاقمر ، وهذا إن لم تأت ببرهان على صحته، فهو كلام ينقض بعضه بعضاً ! (١) ط: ((كبسها))، س ((وكسبها))؛ وما أثبته من ا. (٢) ((فإن كان))، جواب: ((إذا)) فيما سبق ص ٢٤. ٢٥ قیل: إن الله سمى ما ذكرته(١) أياماً، فسميتُه بالاسم الذى سماه به ، وكان وجهُ تسمية ذلك أياماً، ولاشمس ولا قمر؛ نظير قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقَهُمْ فِيهَا بِكْرَةً وَعَشِيًّا﴾(٢) ولا بكرةَ ولا عشىّ هنالك؛ إذ كان لا ليلَ فى الآخرة ولا شمس ولا قمر؛ كما قال جلّ وعزّ: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِمٍ)(٢). فسمّى تعالى ذكره يومَ القيامة يوماً عقيماً، إذْ كانيوماً لاليل بعدمجيئه؛ وإنما أريد بتسمية ما سمّى أياماً قبل خلق الشمس والقمر قدرُ مدة ألف عام من أعوام الدنيا، التى العام منها اثنا عشر شهراً من شهور أهل الدنيا، التى تُعدّ ساعاتها وأيامها يقطع الشمس والقمر دَرَج الفلك، كما سمّى بُكرةً وعشياً لما يرْزَقه أهل الجنة فى قدْر المدة التى كانوا يعرفون ذلك من الزمان فى الدنيا بالشمس ومجراها فى الفلك ، ولا شمس عندهم ولا لیل . ٢٣/١ ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال السلف من أهل العلم . * ذکر بعض من حضرنا ذ کره ممن قال ذلك: حدثنى القاسم ، قال : حدثنا الحسين، قال: حدثنى الحجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد أنه قال: (٤) يقضى الله عز وجل أمرَ كل شىء ألف سنة إلى الملائكة؛ ثم كذلك حتى يمضىَ ألف سنة، ثم يقضى أمر كلّ شيء ألفاً، ثم كذلك أبداً، قال: (فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾(٥) قال: اليوم أن يقول لما يقضى إلى الملائكة ألف سنة: ((كن فيكون))، ولكنْ سماه يوماً، سماه كما شاء. كلّ ذلك (١) !: ((ذكرت)) (٢) سورة مريم ٦٢ (٣) سورة الحج ٥٥ (٤) الخبر فى التفسير ٢١: ٥٩ (بولاق). (٥) سورة السجدة ٥ ٢٦ عن مجاهد، قال: وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَرَ بُّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾(١) قال : هو هو سواء . ٠ وبنحو الذى ورد (٢) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخبر، بأن الله جل جلاله خلق الشمس والقمر بعد خلقه السموات والأرض وأشياء غير ذلك، ورد الخبرُ عن جماعة من السلف أنهم قالوه . * ذكر الخبر عمّن قال ذلك منهم : 2 حدثنا أبو هشام الرفاعىّ ، حدثنا ابنُ يمان ، حدثنا سفيان ، عن ابن جُريج ، عن سليمان بن موسى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ﴿قَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِينَ)(٣). قال: قال الله عز وجل السموات: أطلعى شمسى وقمرى، وأطلعى نجومى (٤). وقال للأرض: شقِّفى أنهارك ، وأخرجى ثمارك ، فقالتا : أتينا طائعين . ٢٤/١ ٠ حدثنا بشر بن معاذ، : قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة : ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءَ أَمْرَهَا)(٥)، خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها(٦) . فقد بيَّنتْ هذه الأخبار التى ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمّن ذكرناها عنه أن الله عزّ وجلّ خلق السموات والأرض قبل خلقه الزمان والأيام والليالى ، وقبل الشمس والقمر . والله أعلم. (١) سورة الحج ٤٧ . (٢) ا: ((روى)). (٣) سورة فصلت ١١. (٤) كذا فى ا، والتفسير، وفى ط: ((وقمرى ونجومى)). (٥) سورة فصلت ١٢. (٦) الخبر فى التفسير ٢٤: ٦٤ (بولاق). القول فى الإبانة عن فناء الزمان والليل والنهار وأن لا شىء يبقى غير الله تعالى ذكره والدلالة على صحة ذلك قول الله تعالى ذكره: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ والْإِكْرَامِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَّهَ إِلّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ﴾(٢). فإن (٣) كان كلُّ شيء هالك غير وجهه - كما قال جلّ وعزّ - وكان الليل والنهار ظلمة أو نوراً خلقهما لمصالح خَلْقه، فلا شك أنهما فانيان هالكان، كما أخبر؛ وكما قال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾(٤) يعنى بذلك أنها مُمِّت فذهب ضوءها، وذلك عند قيام الساعة، وهذا ما لا يُحتاج إلى الإكثار فيه ؛ إذ كان مما يدين بالإقرار (٥) به جميعُ أهل التوحيد من أهل الإسلام وأهل التوراة والإنجيل والمجوس، وإنما ينكرُه قومٌ من غير أهل التوحيا.، لم تقصد بهذا الكتاب قصدَ الإبانة عن خطإ قولهم. فكلّ الذين (٦) ذكرنا عنهم أنهم مقرون بفناء جميع العالم حتى لا يبقى غيرُ القديم الواحد ، مقرّون بأن الله عزّ وجلّ محييهم بعد فنائهم ، وباعثهم بعد هلاكهم، خلا قومٍ من عبّدة الأوثان، فإنهم يُقرون بالفناء ، وينكرون البعث . ٢٥/١ (١) سورة الرحمن: ٢٦-٢٧. (٢) سورة القصص: ٨٨. (٣) !: ((فإذ)). (٤) سورة التكوير : ١ . (٥) ر: ((إذ كان مما يقر به)). (٦) ط: ((وكل الذى))، وما أثبته عن ا. ٢٧ القول فى الدلالة على أنّ اللّه عزّ وجلّ القديم الأول قبل شىء وأنه هو المحدث كل شىء بقدرته تعالی ذ کره فمن الدلالة على ذلك أنه لاشىء فى العالم مشاهد إلا جسم أو قائم بجسم، وأنه لا جسمَ إلا مفترق أو مجتمع، وأنه لا مفترق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله، ولا مجتمع منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق، وأنه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق ، فمعلوم أنّ اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن ، وأنّ الافتراقَ إذا حدث فيهما بعد الاجتماع ، فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن . وإذا كان الأمرفيما فى العالم من شىء كذلك، وكان حكم ما لم يُشاهد وما هو من جنس (١) ما شاهدنا فى معنى جسم أوقائم بجسم ، وكان ما لم يخلُ من الحدث لا شك أنه محدث بتألیف مؤلف له إن كان مجتمعا ، وتفریق منفرق له إن كان مفترقا. وكان معلوماً بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعاً، ومفرّقه إنكان مفترقاً منْ لا يشبهه ، ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق ، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذى لا يشبهه شىء، وهو على كل شىء قدير - فبيِّنٌ بما وصفنا ٢٦/١ أن بارئ الأشياء ومحدثها كان قبل كل شىء، وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات، وأن محدثها الذى يُدبرها ويُصَرّفها قبلها، إذْ كان من المحال أن يكون شيء يحدث شيئاً إلا ومحدثه قبله ، وأن فى قوله تعالى ذكره : ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِيلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَ إلَى الَّمَاءُ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾(٢)، لأبلغُ الحجج ، ٠٤ (١) ا، ك: ((مما هو جنس ما شاهدنا)). (٢) سورة الغاشية ١٧ - ٢٠ ٢٨ ٢٩ وأدلُّ الدلائل - لمن فكَّر بعقل، واعتبر (١) بفهم- على قِدَمَ بارئها، وحدوث كل ما جانسها ، وأنّ لها خالقاً لا يشبهها . وذلك أن كلّ ما ذكر ربنا تبارك وتعالى فى هذه الآية من الجبال والأرض والإبل فإنّ ابنَ آدم يعالجه ويدبّره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم ، غيرَ ممتنع عليه شىء من ذلك. ثم إنّ ابن آدم مع ذلك غير قادر على إيجاد(٢) شىء من ذلك من غير أصل؛ فمعلوم أن العاجز عن إيجاد (٢) ذلك لم يحدث نفسه، وأن الذى هو غیر ممتنع ممن أراد تصریفه وتقلیبه لم يوجده من هو مثله، ولا هو أوجدَ نفسه، وأن الذى أنشأه وأوجد عينه هو الذى لا يُعجزه شىء أراده ، ولا يمتنع عليه إحداث شىء شاء إحداثه ، وهو الله الواحد القهار . فإن قال قائل: فما تنكر أن تكون الأشياء التى ذكرت من فعل قديمين ؟ قيل : أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير وتمام الخلق ، فقلنا : لو كان المدبِّراثنين ، لم يخلُوا من اتفاق أو اختلاف؛ فإن كانا متفقين فعناهما واحد، وإنما جعل الواحد اثنين منْ قال بالاثنين . وإن كانا مختلفين كان محالا وجودُ الخلق على التمام والتدبير على الاتصال؛ لأن المختلفين، فعلُ كلّ واحد منهما خلافُ فعل صاحبه؛ بأنّ أحدَهما إذا أحيا أمات الآخر، وإذا أوجد أحدُهما أفنى الآخر ، فكان محالا وجودُ شىء من الخلق على ما وُجد عليه من التمام والاتصال . وفى قول الله عز وجل ذكره: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةُ إِلََّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اُللهِ رَبِّالْعَرْشِ عَّا يَصِفُونَ﴾(٣)، وقوله عزّ وجل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلّهِ إِذَا لَذَهَبَ كُلُّ إِلْهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٤) ٢٧/١ (١) ا: ((أعين)). (٢) ا، ر: ((اتخاذ)). (٣) سورة الأنبياء ٢٢ (٤) سورة ((المؤمنين)) ٩١، ٩٢ . ٣٠ أبلغُ حجة، وأوجز بيان، وأدلّ دليل على بُطول (١) ما قاله المبطلون من أهل الشرك باللّه، وذلك أن السموات والأرض لو كان فيهما إله غير الله، لم يخلُ أمرهما مما وصفتمن اتفاق واختلاف. وفى القول باتفاقهما فسادالقولبالتثنية ، وإقرار بالتوحيد، وإحالةٌ فى الكلام بأن قائلَه سمَّى الواحد اثنين. وفى القول باختلافهما، القول بفساد السموات والأرض، كما قال ربنا جل وعزّ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةُ إِلَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾. لأنّ أحدهما كان إذا أحدث شيئاً وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله؛ وذلك أنّ كلّ مختلفين فأفعالُهما مختلفة ، كالنار التى تسخِّن، والثلج الذى يبرُد ما أسخنتْه النار . ٢٨/١ وأخرى، أن ذلك لو كان كما قاله المشركون باللّه لم يخلُ كلّ واحد من الاثنين اللذيْن أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين؛ فإن كانا عاجزين فالعاجزُ مقهور وغير كائن إلهاً . وإن كانا قويين فإنّ كلّ واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز ، والعاجز لا يكون إلهاً . وإن كان كلّ واحد منهما قويًّا على صاحبه ؛ فهو بقوة صاحبه عليه عاجز ، تعالى ذكرُه عما يشرك المشركون! قُتبیّن إذاً أن القديم بارئ الأشياء وصانعها هو الواحد الذی کان قبل كلّ شیء ،وهو الكائن بعد كل شىء، والأول قبل كل شىء، والآخر بعد كل شىء، وأنه كان ولا وقتَ ولا زمان ، ولا ليل ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور (٢) إلا نور وجهه الكريم . ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمرَ ولا نجوم ، وأن كلّ شىء سواه محدث مدبَّر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا مُعين ولا ظھیر ، سبحانه من قادر قاهر! وقد حدثنى على بن سهل الرملىّ، قال : حدّثنا زيد بن أبى الزرقاء ، عن جعفر، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبى هريرة، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (١) !: ((بطلان))؛ وهما مصدران صحيحان. (٢) !: ((ولا ضياء». ٣١ ((إنكم تُسألون بعدى عن كلّ شيء، حتى يقول القائل: هذا الله خلق كلَّ شيء فمن ذا خلقه!)) . حدثنى علىّ، حدثنا زيد، عن جعفر، قال: قال يزيد بن الأصم : حدّثنى نَجبة بن صَبيغ ، قال: كنت عند أبى هريرة فسألوه عن هذا فكبّر وقال: ماحدّثنى خليلى بشىء إلا قد رأيته - أوْ (١) أنا أنتظره . قال جعفر: فبلغنى أنه قال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا : اللّه خالق كلّ شيء، واللّه كان قبل کل شیء ، والله كائن بعد كلّ شىءٍ . * * فإذا كان معلوماً أن خالقَ الأشياء وبارئها كان ولا شىء غيره، وأنه أحدث ٢٩/١ الأشياء فدبّرها، وأنه قد خلق صنوفاً من خلقه قبل خلق الأزمنة والأوقات، وقبل خلق الشمس والقمر اللذيْن يجريهما فى أفلاكهما، وبهما ◌ُعُرِفت الأوقات والساعات ، وأرّخت التأريخات، وفصل بين الليل والنهار ، فلْنقل: فيمَ ذلك الحلق الذى خُلِقٍ قبل ذلك ؟ وما كان أوله ؟ (١) ط: ((وأنا))، وما أثبته عن !. القول فى ابتداء الخلق ما كان أوله صحّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثی به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثنى معاوية بن صالح - وحدثنى عبيد بن آدم بن أبى إياس العسقلانىّ ، قال : حدثنا أبى ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح - عن أيوب بن زياد ، قال : حدثنى عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، قال : أخبرنى أبى ، قال : قال أبى عبادة بن الصامت: يا بنىّ سمعت رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتبْ، فجرى فى تلك الساعة بما هو کائن )» . حدثنى أحمد بن محمد بن حبيب ، قال : حدثنا علىّ بن الحسن بن شقيق ، قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا رباح بن زيد ، عن عمر بن حبيب ، عن القاسم بن أبى بزّة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه كان يحدّث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أوّل شىء خلق الله القلم، وأمره أن يكتب كلّ شيء)). ٣٠/١ حدثنى موسى بن سهل الرملىّ ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا رباح بن زيد١١)، عن عمر بن حبيب ، عن القاسم بن أبى بَزّة ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه. حدثنى محمد بن معاوية الأنماطىّ ، حدثنا عباد بن العوام ، حدثنا عبد الواحد بن سليم، قال : سمعت عطاء ، قال : سألت الوليد بن عبادة بن الصامت : كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت ؟ قال : دعانى فقال : (١) ط: ((رباح بن يزيد))؛ وما أثبته عن ا؛ ذكره ابن حجر فيمن روى عن عمر ابن حبيب. وانظر تهذيب التهذيب ٣ : ٢٣٣، و٧ : ٤٣١. ٣٢ 2 ٣٣ أىْ بنىّ، اتق الله واعلم أنك لن تتّقىّ (١) اللّه، ولن تبلغ العلمحتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشرّه، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ماخلق اللّه عزّ وجلّ خلق القلم ، فقال له : اكتب ، قال : يا رب وما أكتب ؟ قال : اكتب القدر، قال: فجرى القلم فى تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلى الأبد)). وقد اختلف [ أهل ](٢) السلف قبلنا فى ذلك، فنذكرُ أقوالهم ، ثم نتبع البيان عن ذلك إن شاء الله تعالى. فقال بعضهم فى ذلك بنحو الذى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه . * ذكر من قال ذلك : حدثنى واصل بن عبد الأعلى الأسدىّ ، قال : حدثنا محمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن أبى ظّبْيان؛ عن ابن عباس، قال: أولُ ما خلق الله من شىء القلم فقال له : ا کتب ، فقال(٣): وما أ کتب يا رب ؟ قال: اكتب القدّر ، قال: فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة ، ثم رُفع بخار الماء ففتق منه السموات . حدثنا واصل بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبى ظَبيان ، عن ابن عباس نحوه . حدثنا محمد بن المثنّى، قال: حدثنا ابن أبى عدىّ، عن شعبة، ٣١/١ عن سليمان، عن أبى ظبيان، عن ابن عباس، قال: أوّلُ ما خلق الله من شىء القلمُ، فجرى بما هو كائن . حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبى ظَبيان - أو مجاهد - ، عن ابن عباس بنحوه . (١) ط: ((لن تلقى الله))، وصوابه من ا، ر، ن ، س . (٢) تكملة من ! . (٣) !: ((قال)). (٣) ٣٤ حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، قال : حدثنا معمر، حدثنا الأعمش أن ابن عباس قال : إن أولَ شىء خُلِقِ القلم . حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن عطاء(١) ، عن أبى الضّحا مسلم بن صُبَيْح، عن ابن عباس، قال : إن أوّلَ شىء خلق ربى عزّ وجلّ القلم، فقال له : اكتب ، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة . ... وقال آخرون : بل أولُ شىء خلق اللّه عزّ وجلّ من خلقه النورُ والظلمة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد؛ قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال ابن اسحاق: كان أول ما خلق الله عز وجل النور والظلمة ، ثم ميّز بينهما ، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلماً ، وجعل النور نهاراً مضيئاً مبصراً . ٠ ٠ قال أبو جعفر : وأوْلى القولين فى ذلك عندى بالصواب قولُ ابن عباس، للخبر الذى ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [قبل](٢)، أنه قال: أول شىء خلق اللّهُ القلم. فإن قال لنا قائل : فإنك قلتَ: أوْلى القولين - اللذيْن أحدهما أنّ أول" شىء خلق الله من خلقه القلم، والآخر أنه النور والظلمة ـ- قولُ من قال: إن أول ٣٢/١ شىءخلق الله من خلقه القلم، فما وجهُ الرواية عن ابن عباس التى حد ثكموها ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن ،حدثنا سفيان، عن أبىهاشم(٣)، عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: إن ناساً یکذبون بالقدر ، فقال : «إنهم یکذ ◌ّبون بکتاب الله، لآخذَنّ بشعر أحدهم فلأنفضنّ به؛ إن الله تعالى ذِكْرُه كان على عرْشه قبل أن يخلقَ شيئاً، فكان أوّل ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ، (١) هو جرير بن عبد الحميد الضبى، أخذ عن عطاء، وعطاء هو ابن السائب الكوفى، وانظر تهذيب التهذيب ٢: ٧٥. (٢) تكملة من ا. (٣) فى ر، ك: ((أبى هشام))؛ وهو خطأ. وأبو هاشم هو إسماعيل بن كثير الحجازى المكى ؛ روى عن مجاهد وروى عنه سفيان الثورى . تهذيب التهذيب ١: ٣٢٦. ٣٥ وإنما يجرى الناس على أمر قد فُرِغ منه؟ . وعن ابن إسحاق ، التى حد ٹکموها ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾(١)، فكان كما وصفَ نفسَهعزّوجلّ، إذ ليس إلا الماء عليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام ، فكان أولُ ما خلق اللّه النورَ والظلمة ؟ قيل: أما قولُ ابن عباس: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئاً ، فكان أول ما خلق الله القلم ۔۔ إن كان صحيحاً عنه أنه قالہ ۔۔ فهو خبرٌ منه أنّ الله خلق القلم بعد خلقه عرشه ، وقد روى عن أبى هاشم هذا الخبر شعبةُ ، ولم يقلْ فيه ما قال سفيان؛ من أن الله عزّ وجل" كان على عرشه، فكان أول ما خلق القلم ، بل روى ذلك كالذى رواه سائر منْ ذكرنا من الرواة عن ابن عباس أنه قال : أول ما خلق الله عزّ وجلّ القلم . ذكر. من قال ذلك : حدثنا ابن المثنّى ، قال : حدثنى عبد الصمد ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثا أبوهاشم ، سمع مجاهداً قال : سمعت عبد الله - لا يدری ابن عمر أوابن عباس - قال: إن أوّلَ ما خلق الله القلم فقال له: اجرٍ ، فجرى القلم بما هو كائن ؛ وإنما يعمل الناس اليوم فيما قد فُرِغ منه . ٣٣/١ وكذلك قولَ ابن إسحاق الذى ذكرناه عنه معناه أنّ اللّه خلق النور والظلمة بعد خلقه عرشه ، والماء الذى عليه عرشه. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رويناه عنه أوْلى قول فى ذلك بالصواب، لأنه كان أعْلَمَ قائل فى ذلك قولا بحقيقته وصحته، وقد روينا عنه عليه السلام أنه قال: ((أولُ شىء خلقه الله عزّوجلّ القلم)) من غير استثناء منه شيئاً من الأشياء أنه تقدّم خلق الله إياه خلق القلم، بل عمّ بقوله صلى اللّه عليه وسلم: ((إن أول شىء خلقه الله القلم))، كلّ (١) سورة هود ٧ . ٣٦ شىء (١)، وأن (٢) القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشاً ولا ماء ولا شيئاً غيرَ ذلك . فالرواية التى رويناها عن أبى ظّبْيان وأبى الضّحا، عن ابن عباس، أوْلى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذى رواه عنه أبو هاشم ؛ إذ كان أبو هاشم قد اختلف فى رواية ذلك عنه شعبة وسفيان ، على ما قد ذكرت من اختلافهما فيها . وأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قولهُ الذى قاله فى ذلك إلى أحد ، وذلك من الأمور التى لا يدرَكُ علمها إلا بخبر من اللّه عز وجل ، أو خبر من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (١) ط: ((قبل كل شىء))، وما أثبته عن ا. (٢) ط: ((أن))، بغير واو. القول فى الذى ثنى خلق القلم ثم إنّ الله جل جلاله خلق بعد القلم .. وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى ٣٤/١ قيام الساعة - سحاباً رقيقاً، وهو الغمام الذى ذكره جل وعز ذكره فى محكم كتابه فقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾،(١) وذلك قبل أن يخلق عرشه ، وبذلك ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن وكيع ومحمد بن هارون القطان ، قالا : حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن يعلّى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس، عن عمه أبى رزين، قال: قلت: يا رسول اللّه، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال: ((كان فى عَماء (٢)، ما تحته هواء، وما فوقه (٣) هواء، ثم خلق عرشه على الما (٤) حدثنى المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا الحجاج ، قال : حدثنا حماد ، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس، عن عمه أبى رَزِين العُقَيلىّ، قال: (١) سورة البقرة: ٢١٠ . (٢) ك، وابن الأثير ١: ١٢: ((فى غمام)). والعماء، بالفتح والمد: السحاب. قال أبو عبيد: لا يدرى كيف كان ذلك العماء. وفى رواية: ((كان فى عما)) بالقصر، ومعناه : ليس معه شىء ؛ وقيل : هو كل أمر لا تدركه عقول بنى آدم ، ولا يبلغ كنهه الوصف والفطن ؛ ولا بد من تقدير مضاف محذوف فى قوله: ((أين كان ربنا)) كما حذف فى قوله تعالى: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه)، فيكون التقدير : أين كان عرش ربنا ؟ ويدل عليه قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء). وانظر النهاية لابن الأثير ٣ : ١٣٠. (٣) !، ر: ((ولا فوقه)). وفى ك: ((تحته هواء، وماء فوقه هواء)). (٤) عقب عليه ابن الأثير بقوله: ((فيه نظر؛ لأنه قد تقدم أن أول ما خلق الله تعالى القلم وقال له : اكتب ، فجرى فى تلك الساعة، ثم ذكر فى أول هذا الفصل أن الله خلق بعد القلم وبعد أن جرى بما هو كائن سحاباً رقيقاً. ومن المعلوم أن الكتابة لا بد فيها من آلة يكتب بها - وهو القلم - ومن شىء يكتب فيه - وهو الذى يعبر عنه ها هنا باللوح المحفوظ - وكان ينبغى أن يذكر اللوح المحفوظ ثانياً للقلم، والله أعلم. ويحتمل أن يكون ترك ذكره لأنه معلوم من مفهوم اللفظ بطريق الملازمة)). ٣٧ ٣٨ قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا عزّ وجلّ قبل أن يخلُق(١) السموات والأرض؟ قال: ((فى (٢ غماء، فوقه هواء، وتحته هواء٢)، ثم خلق عرشه على الماء)). حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضربن شُميل، قال : حدثنا المسعودىّ، أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن ابن حصين- وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: أتى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا عليه ، فجعل يبشّرهم ويقولون: أعطينا، حتى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم خرجوا من عنده . وجاء قوم آخرون، فدخلوا عليه فقالوا: جئنا نسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتفقّه فى الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، ٣٥/١ قال: فاقبلوا البشرى إذْ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا، قالوا: قبلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله لا شيء غيره(٣)، وكان عرشه على الماء، وكُتِب فى الذكر قبل كلّ شيء، ثم خلق سبعَ سموات)). ثم أتانى آت فقال: تلك ناقتُك قد ذهبتْ، فخرجتُ ينقطع دونها السراب، وَلَوَددتُ أنى تركتها (٤). حدثنى أبو كريب، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن جامع ابن شداد،عن صفوان بنمحرز ،عن عمران بنالحصین ، قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: ((اقبلوا البشرى يا بنى تميم))، فقالوا: قد بشّرتنا فأعطنا، فقال : ((اقبلوا البشرى يا أهل اليمن))، فقالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن هذا الأمر كيف كان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كان الله عز وجل على العرش، وكان قبل كلِّ شيء، وكتب فى اللوح كل شىء يكون)). قال : فأتانى آت فقال : يا عمران ، هذه ناقتك قد حلَّت عقالها، فقمت ، فإذا السراب ينقطع بينى وبينها ، فلا أدرى ما كان بعد ذلك (١) : ((خلق)). (٢-٢) ك: ((فى غمام فوقه هواء وماء)). (٣) التفسير: ((ولا شىء غيره)) (٤) الخبر فى التفسير ١٢: ٤ (بولاق) ٣٩ ثم اختلف فى الذى خلق تعالى ذكره بعد العماء، فقال بعضهم : خلق بعد ذلك عرشه . * ذكر من قال ذلك : حدثنى محمد بن سنان ، حدثنا أبو سلمة ، قال : حدثنا حيان(١) ابنُعبيد اللّه، عن الضحاك بن مزاحم، قال، قال ابن عباس: إن اللّه عزّ وجل خلق العرش أوّلَ ما خلق ، فاستوى عليه . # وقال آخرون: خلق الله عزّ وجلّ الماء قبل العرش ، ثم خلق عرشه فوضعه على الماء . · ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى بن هارون الهمدانىّ ، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السُّدِّىّ فى خبر ذكره، عن أبى مالك وعن ٣٦/١ أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدَانىّ عن عبد الله بن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالوا: إن الله عزّ وجلّ كان عرشهُ على الماء ، ولم يخلق شيئاً غيرّ ما خلق قبل الماء . حدثنى محمد بن سهل بن عسكر ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن العرش كان قبل أن يخلق السموات والأرض على الماء ، فلما أراد أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاة الماء قبضة، ثم فتح القبضة فارتفعت دخاناً، ثم قضاهن" سبع سموات فى يومين ، وَدَحا الأرض فى يومين، وفرغ من الخلق اليوم السابع . وقد قيل : إن الذى خلق ربُّنا عزّ وجلّ بعد القلم الكرسىُّ ، ثم خلق بعد الكرسىّ العرش، ثم بعد ذلك خلق الهواء والظلمات ، ثم خلق الماء ، فوضع عرشه عليه . (١) فى ط: ((حدثنا حيان عن عبيد الله))، وما أثبته عن ا، وانظر لسان الميزان ٢: ٣٧٠. # لإ ٤ قال أبو جعفر : وأوْلى القولين فى ذلك عندى بالصواب قولُ من قال: إن الله تبارك وتعالى خلق الماء قبل العرش؛ لصحة الخبر الذى ذكرتُ قبلُ عن أبى رَزين العُقَيلىّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حين سئل: أين كان ربنا عزّ وجل" قبل أن يخلق خلقه؟ قال: ((كان فى عماء، ما تحته هواءٌ، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء))، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله خلق عرشه على الماء . ومحال إذا كان خلقه على الماء أن يكون خلقه عليه ؛ والذى ٣٧/١ خلقه عليه غيرُ موجود ، إما قبله أو معه؛ فإذا كان ذلك كذلك ، فالعرش لا يخلُو من أحد أمرين؛ إما أن يكون خُلِقٍ بعد خلق الله الماء، وإما أن يكون خُلِق هو والماء معا. فأما (١) أن يكونَ خلقه قبل خلق الماء ؛ فذلك غيرُ جائز صحته على ما رُوى عن أبى رَزِين ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم . وقد قيل: إن الماء كان على متن الريح حين خلق عرشه عليه ، فإن (٢) كان ذلك كذلك ، فقد كان الماء والريح خُلِقا قبل العرش . * ذكر من قال : كان الماء على متن الربح : حدثنى ابن وكيع، قال : حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قوله عزّ وجل: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾(٣): على أىّ شىء كان الماء؟ قال: على متن الريح. حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمّر، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، قال : سئل ابنُ عباس عن قوله عز وجل : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ): على أىّ شىء كان الماء؟ قال: على متن الريح (٤). (١) ط: ((وأما))، وما أثبته عن ا. (٢) : ((فإذ)). ( ٣) سورة هود ٧ . (٤) الخبر فى التفسير ١٢: ٤ (بولاق) .