النص المفهرس
صفحات 701-720
من منكودمُر الحُسامي نائب المملكة، من قيامه في إعدامه جماعةً من الأمراء المُجَرَّدين بحلب بالسُّمِّ، وغير ذلك. وعلموا أنَّ أستاذَهُ لا يزيل خوفهم لمحبته له، واعتماده عليه في سائر الأمور، فاتَّفقوا على أنَّ مصلحتهم الدُّخول إلى عند قازان لأنهم بلغهم إسلامه. فساروا من حِمْص في ليلة ثامن ربيع الآخر ثلاثتهم والأمير بُزلار في خواصهم، وساقوا على جهة سَلَميَة من حمص. ورجع طائفة كبيرة من العسكر. فلما كان بعد عشر ليالٍ من مسيرهم وصل البريد إلى دمشق وجماعة، فأخبروا بقتل السُّلطان ونائبه، ومعهم كُتُب من الحُسام أستاذ دار، وطُغجي، وكُرِجي بالواقعة. فحلفت الأمراء للسُّلطان الملك الناصر، وأُحضر من الكَرَك ومَلَّكوه وهذه سلطنته الثانية. وساقوا خلف قَبْجَق ليرجع مُكَرَّمًا آمنًا، ففات الأمر، وعلموا بذلك بأرض سنجار. ثم قُيِّد جاغان والحسام لاجين والي البر، وأُدخلا القَلعة. ثم بعد خمسٍ أتى الخبر بقتل طُغجي وكُرجي، وطيف برأس كُرجي الذي قتل السلطان ونائبه منكوتَمُر، وأُلقي طُغجي على مزبلة. ودُفن السُّلطان عند تُربة ابن عَبُّود، ودُفن نائبه عند رجليه. ثم بعد أيام أخرج من الحبس جاغان ووالي البر. ثم جاء البريد باستقرار أتابكية الجيش للأمير حسام الدين لاجين أستاذ دار، وبنيابة المملكة للأمير سيف الدين سَلار المَنصوري مملوك الملك الصالح علي ابن الملك المنصور سيف الدين. وفي جمادى الأولى ركب السُّلطان بالقاهرة في الدَّست والتقليد الحاكمي، وقد دخل في خمس عشرة سنة. وفيه قدم دمشقَ على نيابتها الأمير جمال الدين الأفرم المنصوري فنزل بدار السعادة. ثم قدم طُلبه بعد أيام. ووَليَ الشَّدَّ أقجبا المنصوري، وولاية البلد جمال الدين إبراهيم ابن النَّخَاس، وولاية بَر البَلَد عماد الدين حسن ابن النُّشَّابي. وفيه وقف الدواداري الرِّواق الذي بداره، وجعلَ شيخَهُ أبا الحسن ابن العَطَّار، ونزل فيه عشرة فقهاء، وعشرة مُحدثين، فَأُلقي الدَّرْس بحضرة الواقف في جَمْعٍ كبير من القُضاة والأعيان والأمراء، ومَدَّ لهم سماطًا. وفي جمادى الآخرة وَلَيَ نظر الدَّواوين فخرُ الدين ابن الشِّيْرجي. ٧٠١ وفي رَجَب قَدِم عسكر من مصر عليهم الأمير سيف الدين بَلبَان الحُبَيشي، وهو شيخ قديم الإمرة. وفيه مُسك سيف الدين كُجكُن وحُبس بقلعة دمشق. وفي رمضان أُخرج الأعسر من الحَبس بمصر ووَليَ الوزارةَ. وقبل ذلك في شعبان أُخرج الأمير قراسُنقر المنصوري من الحَبس، وأُعطي الصُبَيبة وبلادها، فتوجه إليها . وحج بنا الأمير شمس الدين العَيْنتابي. وفي شَوَّال جُدِّد مشهد عثمان بجامع دمشق، وكان أكثره مُعطَّلاً بآلاتٍ وخَشَب، وبعضه بيت للخُدَّام، فحُرِّر جميعه وبُيِّض، وعُمِلَ له طراز مُذَهَّب، وقُرر له إمامٌ راتب؛ وذلك في مباشرة ناصر الدين أحمد بن عبدالسلام للنَّظَر، وصار يجلس به قاضي القضاة للأحكام يوم الجُمُعة بعد ذهاب ملك الأمراء. واستمر إلى الآن. وفي ذي القَعدة توفي البَيْسري بالجُب، وتوفي المظفر صاحب حماة . وفي ذي الحجة كثُرت الأخبار بحركة التّار وعَزمهم على قَصد البلاد، وأن المحرِّك لهمَّتهم قَبْجَق وبكتَمُر السِّلَحدار. وفيه أُعيد القاضي حُسام الدين الحَنَفي إلى قضاء دمشق، وأُعيد السَّروجي إلى قضاء القاهرة. وفيه أعطي قَراسُنقُر المنصوري حماة، توفي صاحبها، فسار قَراسُنقر من الصُّبَيبة إليها . وفيه كانت على الرَّكب الشامي هَوشة بمكة، وقُتل جماعة، وجرح نحو ستين نَفسًا، ونُهب من كان منهم داخل مكة. سنة تسع وتسعين وست مئة في أول السنة خرج السُّلطان بالجيوش من مصر للقاء العدو. وفي صفر دَرَّس بالظاهرية القاضي شمس الدين سَلمان المَلَطي نائب الحُكم، وليها بعد موت شهاب الدين ابن النَّخَاس. وولي الريحانية جلال الدين ابن القاضي. ٧٠٢ وفي ثامن ربيع الأول دخل السُّلطان الملك الناصر دمشق، وزُين البلد. وكان قد طَوَّل الإقامة على غَزة. وقَدم دمشقَ جُفَّالُ حَلَب وحماة وتلك النَّواحي، وقاسوا البَرد والوَحل. واشتدَّ الأمر، وقوي الزَّرُ(١)، وأقام السُّلطان في القلعة تسعة أيام، وخرج للملتَقَى. وعَدَّتِ التََّّار الفُرات مع الملك قازان في ستين ألفًا، وأكثر ما قيل إنهم مئة ألف ولم يصح. وكَثُر الدُّعاء، وقَنَت الناسُ في الصَّلوات، وعُملت الخِتَم بالجامع. واجتمعت جيش الإسلام على حمص، وحضر الناس القراءة (البُخاري)) بدمشق. وأخذ شيخ دار الحديث الأثر وحملَهُ على رأسه إلى الجامع ومعه القُضاة ووضعوه تحت النَّسر، وحَقُّوا به يدعُون ويبتهلون يوم الرابع والعشرين من ربيع الأول. وأخذَ فقهاء المكاتب الصِّغار وداروا بهم في المَسَاجد يدعون ويستغيثون ربّهم تبارك وتعالى. وفعلت اليهود والنَّصارى ذلك وحملوا توراتهم وإنجيلَهم. وأما الجيش فإنَّهم تَعَبُّوا للمَصاف، وبقوا مُلَبِّسين على الخيل يوم الثلاثاء، فلم يجيئهم أحد، وبلغهم أنَّ التَّار بقُرب سَلَمية وأنهم يريدون الرجوع، وذلك شناعة ومَكيدة، فركب السُّلطان بكرة الأربعاء وساقوا من حِمص إلى وادي الخَزْنَدار، وقد حَمِيت الشمس، فكانت الوقعة في يوم الأربعاء، الخامسة من النَّهار، السابع والعشرين من الشهر بوادي الخَزْنَدار، شمال حمص بشرق، على نحو فرسخين من حمص أو ثلاثة. والتحم الحرب، ودام الطَّعن والضَّرب، واستحرَّ بالتتار القَتل، ولاحت أمارات النَّصر، وثبت المسلمون إلى بعد العصر، وثبت السُّلطان والخاصكية ثباتًا كُليًا. وانكسرت ميمنة المُسلمين، وجاءهم ما لا قبل لهم به لأن الجيش لم يتكامل يومئذ، وكانوا بضعةً وعشرين ألفًا، وكان العدو ثلاثة أمثالهم، وشرعوا في الهزيمة، وقُضي الأمر، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأخذت الأمراء السُّلطان وولوا، وتحيّزوا وحموا ظهورَهُم، ومَرُّوا على حِمص وساروا على درب بَعْلَبك إلى طريق البقاع، ومَرَّ خَلق من الجيش منكسرين عليهم كَسفة وكآبة بدمشق . وأما نحن فوقعت يوم الخميس الظهر بطاقة مَضْمونها أن أقجبا المُشِد (١) الزَّر هنا: الجمع الشديد. ٧٠٣ وجماعة مُجَرَّحين وَصَلُوا إلى قارة، وأنَّ أمر المصاف متماسك بعد، ولم يدروا ما تم بعدهم، فأخفى أُرْجَواش نائب القلعة ذلك، فما أمسينا حتى أُشهر أنَّ الميمنة انكسرت. ثم قيل إنَّ الجيش جميعه انكسر، فبتنا بليلةٍ الله بها علیم، وفَتَرت الهمم عن الدُّعاء. ودُقت البشائر من الغد تطمينًا ثم تبين كذبُها. ثم أرسل أرجواش الأنهار على خَندق البلد. ثم دُقت البشائر عصر يوم الجُمُعة، فلم يعبأ بها الناس، بل بقوا حائرين في هَرَج ومَرَج. وجاء يومئذٍ خَلْقٌ من الجُند والأمراء، قد وقفت خيولهم، وراحت أثقالهم وأمولهم، وتَمَزَّقوا، وقد رموا الجواشن. واستشهد في المَصَاف جماعة إلى رحمة الله. وشرع الناس في الهَرَب إلى مصر. وباتَ الناسُ ليلة السَّبت في أمرٍ عظيم، قد أشرفوا على خطة صَعبة. وبَلَغَنا أن التتار قُتل منهم خمسة آلاف، وقيل عشرة آلاف. ولم يُقتل من الجيش إلا دون المئتين. حدثني ضوء بن صَبَّاحِ الزُّبيدي قال: ما رأيتُ أنفع من الخاصكية لقد رأيتهم على باب حِمص يحملون على التَّار عند اصفرار الشمس ويُنكُون في التَّار، ثم يرجعون إلى السُّلطان. وقال غيره: ألقى الله الهزيمة فولُوا مُدبرين بعد العَصر، وبقيت العُدَد والأمتعة مُلقاةً قد ملأت تلك الأرض والرِّماح والجواشن والخُوذ. وأما نحن، فشرعَ الناسُ يتحدثون في أمر التَّار ويذكرون عنهم خَيرًا، وأنَّ ملكهم مُسلم، وأنَّ جيشَهُ لم يتبعوا المُنهزمين، وبعد تمام الوقعة لم يقتلوا أحدًا، وأن من وجدوه أخذوا فَرَسه وسلاحه وأطلقوه. وكثُرت الحكايات من هذا النَّمط، حتى قال إنسان كبير: اسكت، هؤلاء خيرٌ من عَسكرنا وانخدع الناسُ. وفي يوم السبت الظُّهر وقع بالبَلَد صرخات وصياح مُزعج، وخرج الناس، وتهتكت النِّساء، وقيل: دخل التَّار. وازدحمَ الناس في باب الفَرَج، حتى مات نحو العشرة، منهم النَّجم البغدادي الذي يقرأ الغزوات تحت قبة عائشة، ثم سكنت بعد لحظةٍ من غير أصل. فاجتمع أعيان البلد وتحدثوا في المصلحة، وهم فخر الدين ابن الشِّيرجي ناظر البلد، وعز الدين ابن القلانسي، ووجيه الدين ابن المُنَجَّى، وعز الدين ابن الزَّكي، والشريف زين الدين ابن ٧٠٤ عَدنان. وسافر مع الجمال ليلتئذٍ قاضي البلد إمام الدين والقاضي المالكي، والمُحتسب، وابن النَّخَاس الوالي. وامتلأت الطُرقات بأهل الغوطة والحواضر وأحرق أهل حَبس باب الصغير الحَبْس، وخرجوا كُلُّهم، وكانوا أكثر من مئتين، وكسروا أقفال باب الجابية وخَرَجوا منه. وأصبح الناس يوم الأحد ثاني ربيع الآخر في خَمْدةٍ وحَيرة، منهم الهارب بأولاده إلى مصر، ومنهم الطّامع في عَدْل التتار، وأنهم مشى بهم الحال نَوبةَ هولاكو، وهم وملكهم كُفَّار، فكيف وقد أسلموا. ثم اجتمع الكبار بمشهد علي، واشتَوَرُوا في الخُروج إلى الملك وطلب الأمان. فحضر ابنُ جماعة، والفارقي، وابن تيمية، والوجيه ابن مُنَجَّى، والقاضي نجم الدين ابن صَصْرى، وعز الدين ابن القلانسي، والصاحب ابن الشِّيرجي، وشَرَف الدين ابن القلانسي، وأمين الدين ابن شُقَير، وعز الدين ابن الزكي، ونجم الدين ابن أبي الطَّيِّب، وشهاب الدين الحَنَفي، وغيرهم. وطلعوا ظُهر يوم الاثنين بهدايا للأكل في نحو مئتي نَفس، ونودي في البلد من جهة أرجواش: لا يباع من عُدد الجُند شيء، فسلطانكم باق. وأبيعتِ الخَيل والعُدَد بأقل ثمن، وبقي البَلَد بلا والٍ ولا قاضٍ. أما قاضيه الشافعي فهرب هو والمالكي، وأما الحَنَفي فشهد المصاف وعُدم، وأما الحنبلي فإنه أقام بأهل الصَّالحية ورجوا الخَيْرِ، وأما محتسب البلد ومشده فهربا. وغلا الخبز، وكثُر الشَّرُّ والهَرَج. وبقينا كذلك إلى آخر يوم الخميس. وغلا سعر الطّحين وسعر الخَبز لعدم الطَّواحين وعَدَمِ الحَطَب وقِلَّته في الأفرنة. وقد كان الشريف القُمِّي بادر إلى المَسِير إلى التَّار فرجعَ يوم الخميس ومعه أربعة من التَّّار، على واحدٍ منهم ثياب المُسلمين وكَلْوته شاش دُخاني، ومَرُّوا بالمطرزيين يجهرون بالشهادتين، والناس يتسلون بإسلامهم ويطمئنون شيئًا، فلما أصبحَ نهار الجُمُعة لم يُفتح للبلد باب. ثم كُسر قفل باب توما، كسرَهُ نائب الوالي الشُّجاع همام وابن ظاعن. ولم يُذكر في الخُطبة سُلطان. ثم بعد الصَّلاة وصل إلى ظاهر المدينة جماعة من التََّار معهم الملك إسماعيل قَرَابُ قازان، فنزلوا ببستان الظَّاهر الذي عند الطُرن، وحضر معه الفَرَمان من الملك بالأمان، ونادوا في البلد: افتحوا حوانيتكم، وطَيِّوا قلوبكم، وادعُوا للملك محمود غازان. وقدم كبراء البلد فذكروا أنهم التقوا قازان بالنَّبَك فوقف تاريخ الإسلام ١٥ / م ٤٥ ٧٠٥ لهم وأكل مما قَدَّموا له. وكان المتكلِّم الصاحب ابن الشِّيرجي، والذي دعا للملك الخطيب ابن جماعة. وقالوا لهم: قد بعثنا لكم الأمان قبل أن تجيئوا. وذکروا أنَّ الملك ینزل بالمرج وأنه لا يُفتح إلا باب واحد. وحضر يوم السبت إسماعيل ومعه الأمير محمد في خدمتهما طائفة من التَّتار إلى مقصورة الخطابة بعد الظُّهر فجلسا بها. وحَضَر الخطيب، وابن القلانسي، وابن الشِّيرجي، وابن مُنَجَّى، وابن صَصْرَى، وطائفة، واجتمع الخَلْق لسماع الفَرَمان، قرأه رجل من أعوان التَّار، وبَلَّغ عنه المجاهد المؤذن، وهو: ((بقوة الله تعالى. ليعلَم أمراء التُّومان والألف والمئة وعمومُ عساكرنا من المغول والتازيك والأرمن والكُرج وغيرهم ممن هو داخل تحت طاعتنا أنَّ الله لما نَوَّر قلوبنا بنور الإسلام وهدانا إلى مِلَّة النبي عليه السلامِ ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّ فَوَيْلٌ لِّلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَتِكَ فِ ضَلِ تُبِينٍ ﴾ [الزمر]. ولما سمعنا أن حكام مصر والشام خارجون عن طرائق الدِّين، غير متمسكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفاء ولا ذمام، ولا لأمورهم التئام .ولا انتظام. وكان أحدهم إذا تولى ﴿سَعَى فِىِ الْأَرْضِ﴾ ... الآية [البقرة ٢٠٥]. وشاع أن شعارهم الحَيف على الرَّعية، ومد الأيدي الباغية إلى حريمهم وأموالهم، والتَّخَطِّ عن جَادَّة العدل والإنصاف، وارتكابهم الجور والاعتساف، حَمَلتنا الحَمِية الدينية والحفيظة الإسلامية على أن تَوَجهنا إلى تلك البلاد لإزالة هذا العدوان، مستصحبين للجم الغَفِير من العساكر، ونَذَرنا على أنفسنا إنْ وفقنا الله تعالى بحوله وقوته لفتح تلك البلاد أنْ نُزيل العُدوان والفساد، ونبسط العدل في ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ ... العباد، ممثلين الأمر المطاع الإلهي الآية [النحل ٩٠] وإجابة لما ندب إليه الرسول وَله: ((المقسطون على منابر من نور عن يمين الرَّحمن، وكِلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حُكمهم وأهليهم، وما وَلُوا))(١). وحيث كانت طَويتنا مشتملة على هذه المقاصد الحَمِيدة، والتُّذور الأكيدة، مَنَّ الله علينا بتبلُّج تباشير النَّصر المبين، وأتمَّ علينا نعمته (١) حديث صحيح. أخرجه الحميدي (٥٨٨)، وأحمد ١٦٠/٢، ومسلم ٧/٦، والنسائي ٨/ ٢٢١ من حديث عبدالله بن عمرو. ٧٠٦ وأنزل علينا سكينته، فقهرنا العدوَّ الطاغية، والجُيوش الباغية. فرَّقناهم أيدي سبأ، ومَزَقناهم كلَّ مُمَّق، حتى جاء الحق وزهقَ الباطل، فازدادت صدورنا انشراحًا للإسلام، وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام، مُنْخرطين في زُمرة من حُبب إليهم الإيمان، فَوَجب علينا رعاية تلك العُهود الموثَّقة، والتُّذور المؤكدة، فصدرت مراسمنا العالية أن لا يَتَعرض أحدٌ من العَسَاكر المذكورة على اختلاف طبقاتها بدمشق وأعمالها وسائر البلاد الشامية، وأن يكفُّوا أظفار التَّعدي عن أنفسهم وأموالهم وحَريمهم وأطفالهم، ولا يحوموا حول حماهم بوجهٍ من الوجوه، حتى يشتغلوا بصدورٍ مَشْروحة، وآمال مَفْسوحة، بعمارة البلاد، وبما هو كل واحد بصدده من تجارة وزِراعة. وكان في هذا الهرج العظيم وكثرة العَسَاكر تعرَّض بعضُ نفرٍ يسيرِ إلى بعض الرَّعايا وأُسرهم، فقتلنا منهم ليعتبر الباقون، ويقطعوا أطماعهم عن النَّهب والأسر، وليعلموا أنا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البتة، وأن لا يتعرَّضوا لأحدٍ من أهل الأديان من اليهود والنَّصارى والصَّابئة، فإنهم إنما يبذلون الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا، لأنهم من جُملة الرعايا. قال عليه السلام: ((الإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم))(١). فسبيل القُضاة والخطباء والمشايخ والعلماء والشّرفاء والأكابر وعامة الرعايا الاستبشار بهذا النّصر الهني والفَتح السَّني، وأخذ الحَظ الوافر من الفَرَح والسُّرور، مُقبلين على الدُّعاء لهذه الدولة القاهرة، والمملكة الظاهرة. وكُتب في خامس ربيع الآخر)). فلما فُرغ من قراءته نُثر عليه ذَهَب وفِضَّة بالمَقصورة، ونَثَرَ الشريف زين الدين نحو عشرة دنانير، وكان واقفًا مع المَغُول على السُّدَّة، وضَجَّت العامة، ودعوا للملك، وسكن جأشهم بعضَ الشيء. وجُعِل نائب البَلَد الملك إسماعيل وجلس بالقَيْمُرية. وكان فيه عَقْلٌ وإسلام وقِلَّة شر في الجُملة. ثم طلبوا يوم الأحد المال والخَيْل من العامة . وفي عاشر ربيع الآخر قَرُب الجيش من الغوطة، ووقع العبث والفَسَاد، وقتلوا جماعة من أهل البَرِّ، ونهبوا بقايا من في الضِّياع. وقدم قَبْجَق وبكتمُر (١) قطعة من حديث صحيح مشهور. أخرجه البخاري ١٩٦/٣ و٣٤/٧ و٤١، ومسلم ٧/٦ و٨، وغيرهما من حديث ابن عمر. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي (١٧٠٥). ٧٠٧ في طائفة فنزلوا بالمَيْدان، وتكلَّموا مع متولِّي القَلعة عَلَم الدين أرجواش المَنصوري، وراسلوه في تَسْليم القلعة، وأشاروا عليه بذلك. فلم يقبل وصَمَّم. وكانت خِيرةً. ثم أمروا أعيانَ البَلَد بالمشي إليه من الغد، فاجتمعوا به وسألوه، وقالوا: هذا فيه حقنٌ لدماء المُسلمين. فلم يلتفت عليهم، وقد حَصَّن القلعة وهيأ جميع أمورها وسَتَرَها، وطلع إليها جماعة كبيرة من البَلَد. ويوم الثاني عشر منه دخل السُّلطان وجمهرة جيشه إلى القاهرة. وفي هذا اليوم دخِل قَبْجَق إلى البَلَد وجلس بالعزيزية. وأمر الأعيان بمراجعة أرجواش. فكَلَّموه فلم يُجبهم وأهانَهُم، ووقفوا كُلُّهم عند باب القَلْعة، وطلبوا منه رسولاً فأبى. فبعثوا من كَلَّمه، فأغلظ لهم وقال: أنتم منافقون، تلقَّيتم التَّار، وسَلَّمتم إليهم البَلَد وجَسَّرْتموهم. ومع هذا فهذه بطاقة صاحب مصر، وأنهم اجتمعوا على غَزَّة، وأنهم كسروا الطائفة التي تبعتهم. وكان المقدَّم بولاي قد ساقَ وراء العساكر في نحو عشرة آلاف فوصل إلى غزة، وخَرَّب البلاد، وسَبَى ونهبَ. ويوم الخميس ثالث عشر الشهر تَحَدَّث الناسُ بصلاة قازان الجمعة في البَلَد. فقلق الناس، ودَرَّبوا الدُّروب، وردموا خَلْف أبوابها الطِّين والحِجَارة. وكَثُر دخول التتار إلى بيوت الناس يفتشون على الخَيْل ويأخذونها، ويخطفون ويؤذون. وبات ليلتئذٍ قَبْجَق عند عز الدين ابن القلانسي. وخطب الخَطِيب يوم الجُمعة بالبَلَد، وأقامَ الدَّعوة للسُّلطان مظفر الدين محمود غازان، ورفع في لَقَبه، وذلك بحضرة جماعةٍ من المَغُول. ثم صعد بعد الصَّلاة قَبْجَق وإسماعيل إلى السُّدة، ودعا عبدالغني المؤذِّن وذكر ألقاب قازان، ثم قُرىء على الناس تولية قَبْجَق لنيابة الشَّام، وأن إليه تولية قُضاتها ونوابها. وبَلَّغ للناس عبدُالغني، ونَثروا على الناس الذَّهب والدَّراهم. وحصل فرحٌ ما بتولية قَبْجَق. وتعب قبجق بالتَّار كُلَّ الثَّعَب، ولكنه كان شاطرًا ذا دهاءٍ ورأي وخِبرة، قد عرفَ سياستهم. ونزل شيخ الشيوخ الذي لقازان، ولَقَبُه نظام الدين محمود بن علي الشيباني بالمدرسة العادلية، وأظهر العتب على الرُّؤساء إذ لم يتردّدوا إليه. وزعم أنه يُصلح أمرهم ويتفق معهم على ما يُفعل في أمر القَلْعة. وأظهر أنَّ قَبْجَق وأمثاله من تحت أوامره. ٧٠٨ وأما أهل الصَّالحية فابتلشوا ونَشَبُوا بالقُعود. وجاءهم مُقَدَّم وقعد شحنةً لهم، فأكلهم واستحلبهم، وَزوَّجه القاضي بصبيةٍ ولم يكن عنده دَفعٌ عنهم . وشرعت التَّار في نهب الصَّالحية والعَبَث والفَسَاد، وبقوا كل يوم يقوى شَرهِم ويكثُر عَبَئهم، وأخذوا منها شيئًا كثيرًا من القُمُوح والغِلال والقِماش والذَّخائر، وقلعوا الشبابيك، وكَسَّروا وأخربوا، وأخذوا بُسُطَ الجامع. والتجأ الناسُ إلى دَيْر المقادسة، فانحشروا فيه، فاحتاطَ به التتار في ثامن عشر الشَّهر ودخلوه، ونَهَبُوا فيه، وسبوا الحريم والأطفال. فخرج إليهم شيخ المشايخ النِّظام في جماعةٍ من التَّار فأدركوهم وردوا عن الدَّيرِ بعض الشيء. وهربَ التتار بما حوَوا، وتوجهت فرقة إلى داريا، فاحتمَى أهلُها بالجامع، فحاصروه وأخذوه ودخلُوه، ونهبوا وقتلوا، وعَثَّروا أهل داريا . ولم يزالوا يتدرَّجون في نَهْب الخيل وسَبي أهله قليلاً قليلاً، فرقة تذهب وفرقة تأتي. ونبشوا أطمار القِمَاش والأثاث، وعاقبوا وعَذَّبوا. وكان خاتمة أمرهم الدَّير فاستباحوه ولم يتركوا به إلا العجائز في البَرْد والجُوع والعُري. ودخل الرجال عُراة حُفاة، عليهم خُلقان كأنهم الصَّعاليك، بل أضعف من الصَّعاليك لما هم فيه من آلام العُقُوبات والجُوعِ وشِدَّة البَرْد والسَّهَر وذهاب الأولاد والحريم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وسارت فرقة إلى المِزة، وكان بها أكثر أهلها قد اغتروا وقعدوا فأوطؤوهم خوفًا ونهبًا وتبارًا . وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية تلك الأيام يتردد إلى من يرجو نفعه إلى شيخ المَشَايخ، وإلى العَلَم سُليمان، وإلى قَبْجَقِ. ثم إنه خرج مع جماعةٍ يوم العشرين من الشهر إلى قازان وهو بتل راهط، فأُدخل عليه ولم يمكن من إعلام قازان بما يقع من التَّار، وخافوا أن يَغْضَب ويقتل أناسًا من المُغل. وأُذن له في الدُّعاء والإسراع. وأشار عليه الوزير سعد الدين ورشيد الدين اليهودي مشير الدَّولة بأن لا يشكو التََّار، ونحن نَتولَّى إصلاح الأمر، ولكن لابد من إرضاء المُغل، فإن منهم جماعة كبيرة لم يحصل لهم شيء إلى الآن. وعادَ الشيخ إلى المدينة، ثم من الغد في اليوم الثاني والعشرين اشتهر أنه لابد من دُخول المُغل إلى البَلَد والنَّهب، وظهر ذلك. وجَهَّز شيخ المشايخ ٧٠٩ ثقله من العادلية وخرج إلى الأردو، وأشار على من يعرف بالخُروج من البَلَد، فأسرع إليه الأعيان وبَذَلُوا في فداء البلد الأموال، والتمسوا منه أن يتوسّط لهم. وكان شيخًا خبيثًا طَمَّاعًا، وربما فعل ذلك خديعةً، وقيل: بل لين قازان للمَغُول. ثم خرج منه مرسوم في جوف الليل بأن: من عاودني في أمر دمشق يموت . وأما الناس فباتوا في ليلةٍ مُزعجة، وأصبحوا في بلاءٍ شديد وتردٍ مُفرط . وانضمَّ جماعة إلى شيخ المشايخ يرمون الاحتماءَ به، وهو في ذلك مُصَمِّم لا يفرِّج عنهم كُربةً ولا يَرِق لمُسلم. ثم لَطَفَ الله وبَطَلَ ذلك، ولكن أُضعف المُقَرَّر على الناس، وجُبيت الأموال، ونابَ الناسَ في التَّرْسيم أموالٌ كثيرة، فكان إذا وضع على الإنسان عشرة آلاف ينوبه ترسيم نحو الألفين. وأُخذ هذه الأيام من البَلَد أكثر من عشرة آلاف فَرَس وسائر الحَمير، ووقعَ الضَّرْب والتَّعليق والعَصْر. وقُرِّر على سُوق الخَوَّاصين مئة ألف درهم، وعلى الرَّماحين مئة ألف، وعلى أهل سوق علي ستُّون ألفًا، وعلى الكبار مثل ابن المُنَجَّى وابن القلانسي سبعون ألفًا سبعون ألفًا، ويلحقها تتمة المئة ألف. والطبقة الثانية ثلاثون ألفًا ونحو ذلك. وأُلزموا المَبِيت بالجامع بالمَشْهد الجديد، وأُخرقَ بالكبار وضُرب جماعة من الأماثل، وكَثُر النَّهب وتَشْليح من يتطرّف. واشتدَّ ذلك يوم الجمعة ثامن وعشرين الشهر. وكثُرت الضَّجَّة بأعالي الدُّور، وهربَ الناسُ من أسطحتهم. وحُمل الشيخ شمس الدين ابن غانم إلى الجامع مريضًا، وطُلب منه مئة ألف، وصُودر الفامية والقَصَّابون. وكان مُشِدَّ المُصادرة علاء الدين أستاذ دار قَبْجَق، والذي يُقرر على الناس الصَّفي السِّنْجاري قدم مع التتار، والحِن والبِن أولاد الحَريري. وكثُرت العوانيَّة، وظهرت التُّفوس الخَبِيثة بالأذية والمُرافعةَ، ونُهب أهراء الأمراء ودُورهم. وذكر الشيخ وجيه الدين ابن المُنجَّى أنَّ الذي حُمل إلى خزانة قازان ثلاثة آلاف ألف وست مئة ألف درهم سوى ما تمحق من الترسيم والبِرْطيل، وسوى ما استُخرج لغيره من الكبار، بحيث أنه اتَّصل إلى شيخ الشيوخ ما يقارب ست مئة ألف درهم. ٧١٠ قلت: واشتدَّ البلاء وهلكَ ناسٌ كثير في هذه المُصادرة، وافتقروا، وإلى اليوم، وبعضهم ركبه الدين. وجُبيَ من بعض الناس على الرؤوس والدُّور. ثم يوم التاسع والعشرين نُوديَ في البلد بإطلاق الطلب، وانصرفت الأعيان إلى بيوتهم . وفي سَلْخ الشهر كان قَبْجَق قد سكنَ بدار السَّعادة، ويذهب إليها من خان الغَرباء، فرموا عليه بالمَنْجنيق وبالنار من القَلْعة، فوقعَ فيها الحريق، وابتُدىء يومئذٍ بحصار فَلعة دمشق من داخل البَلَد وخارجه. ودخل المُغل للحِصَار، وملأوا باب البَريد إلى الظاهرية إلى ناحية الخاتونية وحارة البلاطة . وباتوا هناك. وعُملت هذه الأيام المَجانيق للّار بجامع دمشق، وقُطِّعت لها الأخشاب الّفيسة من الغيطة، وأحضرت الأعواد الكبار إلى الجامع، وبات التُّرك لحِفظها. وكُسرت دكاكين باب البريد ونُهبت، وتحوَّل في الليل جميع أهل تلك النَّواحي من الأسطحة، وذهبت أموالهم وأقواتهم، وتعثَّروا وقاسوا الشَّدائد، ولم يبق بذاك الخط دَيار من أهله، ونُهبت دار للسُكَّر يومئذٍ وأبادتها الحَرَافشة . وأما الجيوش فدخلت القاهرة وأنفق فيهم السُّلطان، وشَرَعوا في شراء الخَيْلِ والعُدَد. وغَلَت هذه الأشياء حتى أبيع الجَوْشن الذي بعشرة بمئة درهمِ، ونحو ذلك. وكانت نفقة عظيمة لم يُعهد مثلها، ولاسيما في الشاميين، ولعلَّها تجاوزت ألف ألف دينار، وأُزْيحت عِلَل الجيش بكل ممكن. واحتفل سَلَّر لذلك، واجتهد بكل ممكن هو وكبار الأمراء، وبعثوا قُصَّادًا يكشفون لهم خبر الشام، وبذلوا لهم ذهبًا كثيرًا. ولزم الناسُ بيوتَهم، وخافوا من إلزام التَّار لهم بطمٍّ خَنْدق القلعة وغير ذلك. وفي ثاني جمادى الأولى كان قد تبقَّى بدير المقادسة بعض الشيء وبعض الحَريم والرِّجال والقاضي الحَنْبلي، فجاءته فرقةٌ من التَّار وحَرَّروه نَهبًا وسبيًا، وأسروا القاضي وأخذوه عُريانًا مكشوفَ الرأس، وعملوا في رقبته حَبْلاً. ثم هربَ أهلُ الدَّير ودخلوا البلد مَضْروبين مَسْلوبين، من يراهم يبكي أكثر من بُكائهم. ثم أُدخل القاضي تقي الدين البَلَد وقد أُسرت بناته وخَلْقٌ من أقاربه، ٧١١ ورأى الأهوال، ولعل الله قد رحمه بذلك . ولمّا رأى القَلعيون حصارَ التَّتار لهم أطلقوا النَّار في دار الحديث الأشرفية وما جاوَرَها، والعادلية، ودار الملك الكامل ودار بَكْتوت العَلائي، وغالب ما حول القَلْعة. وسلمت الدِّماغية، والعِمادية، والقَيْمازية. وبقي الجامع ملآن بالغُرباء والمَسَاكين والفَلَّحين كأنه تحت القَلعة. وقيل: إنه أُسر من الصالحية نحو الأربعة آلاف، ومن باقي الضُّياع والقُدس إلى نابلس إلى البقاع شيء كثير لا يعلمه إلا الله. وقيل: إنه قُتل بالصالحية نحو الأربع مئة، وقُلع شيء لا يوصف ولا يُحد من الأبواب والرُّخام والشَّبابيك وغير ذلك، من سائر الأمكنة البَرَّانية ومن الأمكنة الجوانية التي حول القلعة، وأبيع بالهوان. وبقي سائر أهل البلد في ثياب ضَعِيفة، وعلى رؤوسهم تخافيف عتيقة خَوْفًا منِ التَّشْليح. وتراجع أمر المُصادرة والعقوبة إلى حاله. وطُلب من المدارس مبلغٌ كبير، نحو المئة ألف، وانعسفت التُّظار والعُمَّال، وغَلَت الأسعار. وفي هذه الجمعة قرىء بالجامع فَرَمانٌ فيه صيانة الجامع وحِفظ أوقافه. وأن يُصرف في السَّبِيل والحج ما كان يؤخذ لخزائن السِّلاح. وأن تُضرب الدِّراهم فِضَّةً خالصة . وفي ثاني عشر جمادى الأولى رحل قازان عن الغُوطة طالبًا بلاده، وتَخَلَّف بالقصر نائبه خُطُوشاه في فرقةٍ من الجَیْش. وفي ثالث عشر جُمادى الأولى أُمر أهل العادلية بالخُروج منها لأجل حصار القلعة، فخرجوا بمشقة وشدة، وتركوا معظم حوائجهم وأقواتهم فُنُهبت . وفي ثامن عشر جمادى الأولى دخل البلد خَلْقٌ من المُغل وحاصروا القلعةَ، ونَقَبوا عليها من غربيِّها. وبقي أهل الظاهرية، وهي ملأى بالناس، في ضُرّ وخَوفٍ من يَزَكِ التَّتار، وهَلَكوا من انقطاع الماء، وخافُوا لا تفعل بهم التتار كما فعلت بالعادلية وأخرجت أهلها. فهربوا من الأسطحة بمشقةٍ زائدة. وأحرقت التََّار والكُرْج والأرمن جامع العُقَيبة ومارستان الجَبَل والدَّهْشة، والمدرسة الصاحبية والرباط الناصري وأماكن في غاية الكثرة والحُسن. ٧١٢ وأحرقت العادلية في ليلة الحادي والعشرين من جمادى الأولى، فهرب من تَبَقَّى بالظاهریة عند ذلك. ويوم الجمعة تاسع عشر الشهر قُرىء تقليد قَبْجَق بالنِّيابة، وتقليد الأمير ناصر الدين يحيى بن جلال الدين ابن صاحب خُتن بالشَّدِّ، وفيه: ((أننا نرجع إلى بلادنا وقد تركنا بالشام ستين ألفًا من جيشنا، وإنا سنعود في الخريف لأخذ الديار المصرية)). وفي الثاني والعشرين منه، بَطَّل التَّار حصارَ القَلْعة ومشى الناس في تلك النواحي وقد بقيت بلاقع من الحَرِيقِ والخَرَاب وذهاب الأبواب والأخشاب. وفي الثالث والعشرين بَطَل عملُ المنجنيق، فنزل من الغد القَلعية ونَشَرُوا الأخشاب وأفسدوها، وظفروا بالشَّريف القُمي فأسروه وأخذُوه إلى القلعة. ورحل عن البلد الُّوين خُطلُوشاه وصاحب سِيس، وخَفَّ التَّار من البلد جدًّا. وقُلعت ستائرهم من أماكنها، وتَنَسَّم الناسُ الخيرَ. وعبرنا في باب البريد فإذا هو أنحس من خان في منزلةٍ، دكاكينهُ بوائك، وأرضه مرصوصة بالزِّبل سُمْكُ ذراع وأقل. ووصلنا إلى باب النّصر. ودُقت البشائر يومئذٍ بالقلعة وجُليت لسلامتها، ولله الحمد. وخرج يومئذٍ من البلد الصَّفي السِّنجاري، والأمير يحيى. ونودي في البلد: اخرجوا غدًا للقاء سُلطانكم قَبْجَق فقد دفع الله عنكم العدو. ورجع الأمير سيف الدين قَبْجَق، وبَكْتمُر السَّلَحدار، وألْبَكي، وجماعة من الجُند تَلَفَّقوا له من البلد وظهروا. وأُخذت له عصائب من تُربة الملك الظاهر رّك الملك السَّعيد قد زالت عنها السَّعادة، فعُملت في رُمح على رأسه، وسُلِّلَت بين يديه سيوفٌ، ونزل في القَصْر. وخرجَ الناس إلى الغوطة والجبل ینوحون على مساكنهم من وجهٍ، ویفرحون بسلامتهم من وجه . وحكى لنا ابن تيمية طُلوعه إلى خُطْلُوشاه إلى القصر هو والقاضي تقي الدين الحَنْبلي وغيره، وباتوا بالمُنَيبع وخاطروا بنفوسهم. وحضر عند خطْلُوشاه فرآه كهلاً، أمرد، أصفَرَ، كبيرَ الوجه، عليه غَضَب وزَعارَّة، وأنه من ٧١٣ ذُرية جنكزخان. ورأى صاحب سِيس واقفًا في خدمته. وذكر لنا اجتماعه بقازان ودعاءه له بالصَّلاح، واجتماعه بالوزيرين سعد الدين ورشيد الدولة الطبيب، والنَّجيب اليهودي الكَخَّال، وشيخ الشُّلوح(١)، والسَّيِّد القُطب ناظر الخِزانة والأصيل ولد (٢) النَّصير الطُّوسي ناظر الأوقاف، وهؤلاء مَتَعمِّمو التَّار. وبيعت الكُتُب وأجزاء الحديث بالهَوَان، ولم يتورَّع أحد عن شرائها إلا القليل، وكُشطت وقفيتها وغُسل بعضها للوراقة، وعدم شيء كثير من أصول المُحدثين وسماعاتهم. وغَلَت الأسعار، ووصِلَ القَمح إلى ثلاث مئة دِرْهم، وبيع الزَّبيب أوقيتين ونصف بدرهم، ورطل اللَّحْم بتسعة دراهم، وأوقية الجُبن بقریب درهم إلى نحو ذلك. وبقي قَبْجَق يعمل السَّلطنة ويركب بالشاويشية والعصابة، ويجتمع له نحو مئة فارس، وأمَّرَ جماعةً، ورأيناهم لابسي الشَّرابيش. ووَلَّى ولاية البلد أستاذ داره علاء الدين وجعله أميرًا. وجَهَز نحو ألفٍ من التَّار إلى جهة خَرِبة اللُّصوص، ووَلَّى شمس الدين ابن الصَّفِي السِّنجاري حسبة البلد، وركب بخلعةٍ بطرحة. وفُتحت أبواب المدينة سوى الأبواب التي حول القَلْعة. ويوم الجمعة رابع جمادى الآخرة صلى الأمير يحيى بالجامع. ويومئذٍ ضُربت البَشَائر بالقَلْعة وعلى باب قَبْجَق، وسكن في دار بَهَادُر آنص . وفي وسط الشهر نُودِي في دمشق بإدارة الخَمْر والفاحشة، وجُعل ذلك بدار ابن جرادة بالسَّبعة. وضُمِّن ذلك في اليوم بنحو الألف. وخرجَ جماعةٌ من القلعة وساقوا إلى عند باب الجابية وهربَ منهم التََّار، فضربت العوام التَّتار. وحصلَ بذلك شَوْشة. وغُلق باب الصَّغير وقُتل من التَّار جماعة فيما قيل . وفي العشرين من الشهر، رجع بولاي من الغَوْر بتقدمته، وجاؤوا إلى ظاهر دمشق، وخافَ الناسُ. وجُبي من البَلَد لهم جملة. ثم خرجَ جماعة من (١) هكذا مجودة بخط المصنف، ويريد بها ذَمَّه لأفاعيله القبيحة. (٢) هكذا بخط المصنف، فكأنه أراد: من ولد، فهذا حفيد النصير الطوسي وليس ولده. ٧١٤ القَلْعية وخَلَّصوا غنائم التََّار، وقتلوا جماعةً، وقُتلَ منهم أيضًا جماعة واختبطَ البَلَد. وفي الثامن والعشرين من الشهر دخل الخطيب بدرُ الدين وطائفة إلى القَلْعة ومعهم نائب الأمير يحيى، وتكلَّموا مع أرجواش في صُلحِ يكون بينه وبين نواب التَّار وقَبْجَق، فلم يقع اتِّفاق. وفي ثاني رجب جمع قَبْجَق الأعيان والقُضاة إلى داره، وحَلَّفهم للدَّولة القازانية بالتُّصح وعدم المداجاة. وتوجه يومئذٍ ابن تيمية إلى مُخَيَّم بولاي بسبب الأسرى واستفكاكهم من أصحابه، فغاب ثلاث ليالٍ . ويوم ثالث رجب توجه جماعة من الرؤساء بطلبٍ إلى مُخَيَّم بولاي ورجعوا من الغد، فُهبوا عند باب شرقي، وأُخذت عمائمهم وثيابهم، ودخلوا. فطلبوا في اليوم بعينه فاختفَى بعضهم وتوجه البعض. فسافر بولاي والتتار وأخذوا معهم بدر الدين ابن فَضْل الله، وأمين الدين ابن شُقير، وعلاء الدين ابن القلانسي، وَوَلد شمس الدين ابن الأثير. فأطلقوا من عند الفُرات ابن شُقير فتوَصَّل إلى حلب. وفي رابعٍ رجب طلعَ الناسُ إلى المنائر وأخبروا أنهم رأوا خَلْقًا من التَّار رائحين في عَقَبة دُمَّر. ورحل بولاي إلى بَعْلَبك والبقاع، ونظفت ضواحي دمشق منهم والبلد وسافر الناس في عاشر رجب إلى القِبلة والشمال. ويومئذٍ صَلَّى قَبْجَق الجمعة في جَمْع كبير معه بالعُدَد والسِّلاح في مقصورة الخطابة . ويوم ثالث عشر رَجَبَ تَشَوَّش البلد بسبب رجوع طائفة من التتار إلى ظاهر باب شرقي، وكان الناس يتفرَّجون في غياض السَّفَرْجل، فرجعوا مُسرعين، وشُلِّح بعضُهم وأُخِذَ بعض الصِّبيان. ثم كان هذا آخر العَهد بالتتار، وكفى الله أمرهم. وأما قبجق فإنه يوم نصف رَجَب انفصل عن البَلَد هو وأتباعه ومعه عز الدين ابن القلانسي، وتوجهوا إلى نحو مصر، فقامَ أرجواش بأمر البلد، وأمر بحفظ الأسوار والمَبيت عليها بالعُدد، وأنَّ من بات في داره شُنق، وأغلق أبواب البلد. ثم فتح للناسِ باب النصر بعد ارتفاع النَّهار، وجَفَل الناس من ٧١٥ الحَوَاضر. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخُطبة بدمشق لصاحب مصر بعد ذكر الحاكم بأمر الله، فَضَجَّ الناس عند ذلك وفَرِحوا. وكان مدة إسقاط ذلك مئة يوم. ويومئذٍ دار ابنُ تيمية وأصحابه على ما جُدِّد من الخَمَّارات فبدَّد الخَمْرَ، وشقَّ الظروف، وعَزَّر الخَمَّارين. ثم زُين البلد من الغد يوم السبت. ويوم عاشر شعبان قَدم الأفرمُ نائب دمشق بعسكر دمشق، ثم قَدم أمير سلاح والمَيْسرة المِصْرية بعد يومين. ثم دخلت الميمنة وعليها الحُسام أستاذ دارٍ، ثم دخل يوم رابع عشر شعبان القَلْب وعليه نائب المملكة سَلَّر. ونزل الكُلُّ بالمَرْجِ. وفيه وَلَيَ القضاء بالشام ابنُ جماعة، وقضاء الحَنَفية ابن الحريري. ودَرَّس بالأمينية جلال الدين بدلاً عن أخيه المُتَوفى إلى رحمة الله. ووَلَيَ نظرَ الديوان ابن الشيرازي عِوَضًا عن المُتَوفى ابن الشِّيرجي. وولي بَرَّ البلد الأمير عز الدين أيبك الدُّويدار النَّجيبي. وفي ثامن رمضان رجع سَلَّر بالجيش إلى القاهرة. وفي شَوَّال بُعث الشريف زين الدين ابن عدنان من القاهرة مُقيدًا، وحُبس بحبس باب الصَّغیر . وفي شوال توجه ملك الأمراء الأفرم إلى جبال الجُرد لحربهم، فإنهم كانوا قد بَدَّعوا في الجيش عقيب الكسرة وأسروا وقتلوا وسَلَبوا وما أبقوا ممكنًا. ومع هذا فغايتهم أن يكونوا رافضة، وإلا فبعض الناس يقول هم زنادقة منحلين من الدين، فذلُوا ودخلوا في الطّاعة وقُهروا، وقُرِّر عليهم مبلغ كبير من المال، والتزموا بردِّ جميع ما أخذوه للجُند، وأُقطعت أرضهم. وفي ذي القَعدة أُلزم الناس بتعليق العُدَد، وأُمروا بتعلُّم الرَّمي، وجُدِّدت الإماجات(١) في المدارس والمساجد، ونودي في الناس بذلك. وأرسل قاضي القضاة إلى جميع المدارس والفقهاء بذلك. وكُتبَ إلى جميع البلاد الشامية في هذا المعنى . (١) الإماجات: هي الأهداف التي يرمى إليها بالسهام للتعلم. ٧١٦ سنة سبع مئة في أولها جلس الدِّيوان المستخدم لاستخراج أربعة أشهر من جميع الأملاك والأوقاف التي بدمشق وظاهرها. فعَظُم ذلك على الناس، وهرب غيرُ واحدٍ، واختفى آخرون. ثم كثُرت الأراجيف بمجيء التتار، وشرع الناس في الجَفْل إلى مصر وإلى الحُصون. واشتد الأمرُ في صَفَر وغلا الكِرَاء، وبلغَ كراء المَحَارةِ(١) خمس مئة إلى مصر. وأبيعت الأمتعة والتُّحاس بالهوان. ثم نُودي في البلد أن لا يسافر أحدٌ إلا بمرسوم. وجاءت قُصَّاد المسلمين بركوب التّار، فاختبطَ البَلَد، ودُقَّت البشائر لركوب السلطان من مصر. ثم جفل من البَلَد بيت ابن فَضْل الله في جَمْع كبير ثم بيت قاضي القضاة، وبني صَصْرى، وبني القلانسي، وبني المُنَجَّى، وَخَلْقٌ کثیر . وفي ربيع الأول فترت الأخبار يسيرًا، ووصل السُّلطان إلى غَزة. فلما استهل ربيع الآخر كثُرت الأراجيف والإزعاج بالتّار، ووصل بعضهم إلى البيرة، فخرجَ جَيش دمشق كُلُّه، وعُرضت العامة والعلماء وغيرهم، فبلغوا خمسة آلاف. ووَلَيَ الشَّدَّ بدمشقَ عِوَض أقجبا الأمير سيف الدين بَلَبان الجَوكَندار المنصوري الحاجب. وفيه عَدَّى العدو المَخْذول الفُراتَ، وقَنت الخطيبُ في الصَّلَوات واشتدَ الأمرُ، ودخلت التَّار إلى حَلَب، وتأخر نائبها إلى حَمَاة، واكتُريت المَحَارة بثلاث مئة. وخرج الناس هاربين على وجوههم. ثم نودي في أواخر الشَّهر بإبطال الجباية، وكان قد جُبِيَ الأكثر وبقي كل مُعَثَّر وضعيف وهارب، وما نفع اللهُ بما استخرجوا من الأموال، وأكِلَت وتَمَسَّخت . واشتد المَطَرِ والوَحل إلى الغاية، وقاسَى المنهزمون الشِّدائد في الطُّرُق، (١) المحارة: شبه الهودج، كما في القاموس المحيط. ٧١٧ حتى أنَّ الإمام استصحى(١) في الخُطبة. وساق بتخاص المنصوري إلى السُّلطان وهو نازل على بُدعرش بقرب قاقون ليخبره بأنَّ العدوَّ في البلاد وقد قَرُبوا، فضعفَ الجيشُ عن اللقاء وجَبُنوا، ورحلَ السُّلطان إلى الدِّيار المصرية، ولم تظهر لمجيئه ثَمَرة، فوجلت القلوب، واختبطَ البلدُ، وأيقنَ الناسُ بالهرب أو العَطَب، واكتُريت المَحَارة بخمسٍ مئة في الوَحل العظيم والبرد الشَّديد والأمطار، وهلكَ الدواب والناس في الطُرُق. واستهل جمادى الأولى والناسُ في حالة الله بها عليم، فخرجَ يومئذٍ شيخُنا ابن تيمية إلى المَرْج، واجتمعَ بنائب السَّلطنة وسَكَّنه وثبته، وأقام عنده يومين، ثم ساق على البريد إلى السُّلطان فلم يُدركه، وفاتَ الأمر، فساق إلى القاهرة فدخلها يوم دخول الجيش . ويوم سابع جمادى الأولى قَدم بكتَمُر السِّلَحدار في ألف فارس، وتيقن الناس رجعة المصريين إلى بلادهم . واستمرُّوا في الكَرْي والسَّفَر وانجفلَ من البلد أُممٌ عظيمة . ويوم التاسع من الشهر أصبحَ الناسُ في خَوْفٍ مُفرط، وذلك أنَّ والي البلد ابن النَّخَاس جَفَّل الناس بنفسه، وصار يمرُّ على التُّجَّار في الأسواق ويقول: أيش قعودكم؟ ومن قدرٍ على السَّفَر فليبادر. ثم نُودي في البلد بذلك الظُّهرَ فصاحَ النِّساء والأولاد، وغُلِّقت الأسواق، وبَقِيَ الناسُ في كآبةٍ وخَمْدَة، وقالوا: عَسْكر المُسلمين قد فرط فيه؛ الأمراءُ المصريون قد رجعوا، وعَسكر الشام لا يقوم بمُلْتقى قازان لو ثبتوا، كيف وهم عازمون على الهرب؟ والنائب الأفرم من عزمه المُلتقى لو ثبت معه الجَيش، أما إذا خذلوه واندفعوا بين يدي العدو فما حيلته؟ وتحدَّث الناسُ أنَّ قازان يركب من حَلَب إلينا في عاشر جمادى الأولى. ودخل القلعة في هذا اليوم خلقٌ كثير بأقواتهم وأموالهم حتى ضاقت بالخَلْق، وانرصَّت حتى رضي كثير من الناس بأن يصح لهم مكانٌ لجلوسهم لا يمكنهم فيه النوم، وحاروا في أمرهم وبَوْلهم. ثم نودي في عاشر الشهر: مَن قَصدُه الجهاد فليقعُد ويتهيأ له، ومن هو عاجز فَلْيَنجُ بنفسه . (١) أي: سأل الله الصحو بعد هذه الأمطار المذهلة. ٧١٨ ثم خرج من القلعة خَلْقٌ مما حَل بهم من الضَّنْك والوَيل، وهَجُّوا إلى مصرَ والقلاع. وسافرَ مَن تَبقى بالبلد من الكبار الذين جلسوا جرائد. فسافر قاضي القضاة ابن جماعة، والقاضي نجم الدين ابن صَصْرى، والقاضي شمس الدين ابن الحريري، وشرف الدين ابن القلانسي، ووجيه الدين ابن المُنَجَّى. واستناب ابن جماعة في القضاء والخَطابة التَّاجِ الجَعْبَري، والبرهان الإسكندراني. وطلعَ إلى المَرْج الشيخ زين الدين الفارقي، والشيخ إبراهيم الرقي، والشيخ محمد بن قوام، والشيخ شرف الدين ابن تيمية وابن جُبارة، وطائفة، وحَرَّضوا الأفرم على الثَّبات، وشكوا إليه ما نزل بالناس وما هم من الجلاء، فتألَّم لذلك ووعد بخير. ثم قصدوا الأمير مُهنا، وساقوا وراءه في البرية مسيرة يومين عن البَلَد، فاجتمعوا به، وقووا عَزمه على الرجوع وملتقى العدوِّ مع الأفرم، فأجابهم. وِنالهم في البرية خَوْف وخرج عليهم حَرَامية العَرَب وشهروا عليهم السّلاحِ وسَلَّمهم الله. ثم قَدِمَ الأمير عزّ الدين الحَمَوي بجماعته من صَرْخَد. وفي سابع عشرة وقعَ يَزَك الحمويين على غَيَّارة التَّار فنصرهم الله، وقُتل من التتار نحو المئة، وقيل أكثر من مئتين، وأسروا من التَّار بضعة عشر نَفْسًا. ووقعت بطاقة بذلك، وبأنَّ الطاغية قازان رَدَّ من حَلَب، وأنه عَذَّى الفُرات إلى أرضه في حادي عشر الشهر. وطلب متولِّي حماة نجدةً ومددًا ففرحَ الناس وبلعوا ريقهم، والتجأوا إلى الله في كشفٍ ضُرِّهم. ثم وصل البريد في تاسع عشر وأخبر بتَحَقُّق ذلك، وأنَّ التتار المتخلِّفين في بلاد حلب خَلْق كثير لكنهمِ في نهاية الضَّعف والبرد والثُّلوج. وغلا اللَّحم في هذه الجُمُعة بدمشق حتى بلغ الرَّطل تسعة دراهم، وحتى أُبيع رأسان بخمس مئة درهم، ونزلت الغلَّة بسبب الجَفْل إلى مئة درهم . واستهل شُباط والأمطار في غاية الكَثْرة. وفي الخامس والعشرين من جمادى الأولى وصل كتاب ابن تيمية بأنه دخلَ القاهرة في سبعة أيام، واجتمعَ بأركان الدولة، وحصل بتحريضه وتَرْغيبه وتَرهيبه خَيْرِ، وتَحَرَّكت هِمم الأمراء واعتذروا، ونُودي في القاهرة بالغَزَاة، ٧١٩ وقوي العَزم، وأنه نزلَ بالقلعة. ثم وصل إلينا يوم السابع والعشرين من جمادى الأولى. ثم خرج الناس من القلعة ووقعت الطمأنينة، والحمد لله. وبَطَّل الناس القُنُوت في ثالث جمادى الآخرة. ومَشَت الأحوال. ثم في ثالث عشره دخل الأفرم من المَرْج بعد أن أقامَ به أربعة أشهر، ودخلَ معه بكتَمُر السِّلَحدار، وعزّ الدين الحَمَوي، وبهاءُ الدين يعقوبا. وشَرِعَ الجُفَّال يجيئون من الصُّبْيية والحُصون. هذا والتَّار نازلون بناحية دَربساك وبَغراس ينتقلون في المَرَاعي ويعيثون، ولا لهم من يمنعهم ولا من يَطردهم، وما جاوزوا الفُرات إلى ثاني رجب. وفي حادي عشر رَجَبِ دخل الأمراء المجرّدون بحِمْص، واستيقنَ الناسُ خروج التتار من الشام، وسَلَّم الله. وفي شعبان قرئت الشُّرُوط على أهل الذِّمة بحضور الأفرم والقضاة، وحصلَ اتِّفاق على عَزْلهم من الولايات، ومَنعهم من ركوب الخيل، ومن العَذَبات، ثم أُلزموا بلُبس الأصفر والأزرق من العَمَائم؛ فبادروا إلى ذلك. واستمرَّ هذا من حينئذٍ. وفي رمضان دخل سيف الدين أقجبا المَنصوري القَلعة وجُعلَ شريكًا لأرجواش. وفي ذي القَعدة وَلَيَ قضاء الحنفية جلال الدِّين الرُّومي موضع ابن الحريري، ولاه النائب والوزير الأمير شمس الدين الأعسر، وكان قد قدم ثم توجه إلى البلاد الشِّمالیة یکشفُها ورجع بعد شهر . وقَدِمَ رسول الملك قازان فجُهِّز إلى الدِّيار المصرية، والله يجمع كلمة الإسلام في خَيْرِ وعافيةٍ. وهذا آخر ما قَضَى الله لي تأليفه من كتاب تاريخ الإسلام، والحمدُ لله على الإتمام، والصلاة على نبينا محمد وآله، والسلام. فرغتُ منه في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وسبع مئة؛ قاله محمد بن أحمد بن عثمان . ٧٢٠