النص المفهرس
صفحات 421-440
وعزل الثَّقي البَيِّع، ووَلِيَ الوزارة محيي الدِّين ابن النَّحاس، وعُزِلَ طوغان من الولاية بعز الدِّين ابن أبي الهيجاء. وقَدِمَ دمشقَ قبل المَرْقَب الملك المظفَّر تقيُّ الدِّين الحَموي، فتلقاه السُّلطان، وبعثَ إليه بالخِلعة والغاشية، فركبَ وحمل بين يديه الغاشية نائب السَّلْطنة طرنطاي . وفيها توجَّه على قضاء حَلَب الإمام شمس الدِّين محمد بن محمد بن بهرام . واشتد القَحط بالعراق، وكثُر الظُّلم، ونَهَبت الأكراد البَوَازيج، وقتلوا النَّصارى . وأغار عسكر الشام على بلاد الجزيرة ومارِدِينِ. وفيها ذكر صدر الدِّين ابن الوكيل دَرْسًا بالعَذْراوية، ولي إعادتها. فقال الشيخ تاج الدِّين: ذكر خُطبة بديعة ودروسًا، ثم جاء هو وأبوه إلى الحَلْقة فأعاد ما أورده. سنة خمس وثمانين وست مئة فيها صُرِف ابن النَّخَاس من الوزارة، وأُعيد التَّقيُّ توبة . وفيها أُعَيد الدَّواداري إلى الشَّدِّ. وفيها أُخِذت الكَرَك من الملك المسعود خَضِر ابن الملك الظَّاهر رُكن الدِّين وذلك في صَفَر، ودُقت البشائر. وفيها دَرَّس بالغَزَّالية القاضي بدرُ الدِّين ابن جماعة، انتزعها من شمس الدِّين إمام الكَلَّسة نائب شمس الدِّين الأيكي في تَدْريسها. ثم وليها الأيكي، ونابَ عنه في تدريسها جمال الدِّين الباجريقي. وفي صفر جاءت زَوْبعةٌ عظيمةٌ بالغَسُولَة إلى عيون القَصَب، فأتلفت أشياء كثيرة للجُنْد المجرَّدين مع بَكْتوت العَلائي، بحيث إنها حملت خُرْجًا ملآن نعال خَيْل . وفيها نازلت الفرنج جزيرة ميُورْقَة، وحاصروها مُدَّة، ورأس أهلها الحَكَم بن سعيد بن الحَكَم الذي ذكرنا ترجمة أبيه في سنة ثمانين. ثم سَلَّمُوها صُلْحًا، على أن يُعطوا عن كل آدميٍّ بها سبعة دنانير، فعجزوا وبقي أكثرهم في الأسر. وأما الذين خلصوا فأعطتهم الفرنج مركبين، فجاؤوا مع الحَكم إلى ٤٢١ المَرِية ثم إِلى سَبْتة، فبالغَ صاحبُها في لم شَعْثهم، وأكثر من الإحسان إليهم. ثم إن الحكم قصدَ السُّلطان أبا يعقوب المَرِيني ليسأله في أَسرى بلده، فأعطاه جُملةً، ثم جازَ إلى غَرْناطة فأعطى ابن الأحمر مالاً، ثم ركب البحر قاصدًا صاحب تونس وبجاية يطلب في الأسرى، فغرق به المركب، رحمه الله تعالى. ومن تاريخ الشيخ تاج الدِّين: فيها عزم الدَّواداري على إحضار جماعةٍ إلى دار العَدْل ليضربوا وليشهروا منهم: المجد المارداني، والتاج الحيوان، وابن السكاكري، والعلاء ابن الزَّمْلَكاني، وناصر الدِّين ابن المقدسي، والمحقق، والفخر ابن الصَّيْرفي، ثم تَرَك ذلك. سنة ست و ثمانين وست مئة في المحرَّم دخل دمشقَ نائبُ المملكة حسام الدِّين طُرُنطاي في تَجَمُّل زائد لا يدخله إلا ملك، ثم سار لحصار صَهيون وبُرْزية وانتزاعهما من سُنْقُر الأشقر، وتَوَجَّه معه الشَّاميون بالمَجَانيق، وقاسوا مشقَّةً وشِدَّةً من الأوحال. وتهيأ سُنْقُر الأشقر للحصار، ونازله الجيش. ثم توجه بعد أيام نائبُ دمشق حسام الدِّين لاجين لحصار بُرْزية، فافتتحه بلا كُلّفة، ووجد فيه خَيْلاً لسُنْقُر الأشقر، فلما أُخذ ضِعُفَت همة صاحبه، وأجابَ إلى تسليم صَهيون على شروطٍ يشترطها، فأجابه طُرُنْطاي، وحَلَف له بما وثق به. ونزل بعد حصار شهر، وأُعين على نقل ثقله بجمال وظَهْر، وحضر بعياله ورَخْتِهِ (١) في صُحْبة طُرُنْطاي إلى خدمة الملك المنصور، ووَفَى له طُرُنْطاي، وذب عنه أشدَّ ذَب، وأُعطي بمصر مئة فارس، وبقي وافر الحُرمة إلى آخر الدَّوْلة المنصورية. وفي ربيع الأول قدم ابن الخُوبي على الشام قاضيًا، وناب له الشَّيخ شَرَفُ الدِّين ابن المقدسي. وفي شعبان دَرَّس صفي الدِّين الهندي بالرَّواحية. وفيها طُلِبَ السيف أحمد السَّامرِّي إلى مصر، فطلبوا منه أن يبيع للسلطان قرية جزرما، فقال: وقَفْتُها. وكان ناصر الدِّين ابن المقدسي قد سافر إلى مِصْرَ، فتحدث مع الشُّجاعي في أمر ابنة الملك الأشرف ابن العادل، وأن أباها خلَّف لها أملاكاً فباعَتْها حالَ كَوْنها سفيهة تحت الحَجْر، فتكلموا في ذلك (١) الرَّخْت: المتاع والأثاث (فارسية)، كما في معجم دوزي ١١٣/٥ . ٤٢٢ ليتمَّ لهم سَفَهُها وتستعيد الأملاك، ثم يرشدونها، ويشترون منها بعد ذلك. فعملوا محضرًا، فشهد فيه الزَّيْن والد عبدالحق، وكان يخدمها، وخادم يصبو عن القضية، وطشتدار. ثم ذكر القاضي زين الدِّين ابن مَخْلوف أنَّ السُّلطان شهد عنده بذلك. ثم أحضروا السَّامَرِّي، وأثبتوا المَحْضَر في وجهه، وأبطلوا ما اشتراه منها، وذلك ربع جِزرما. ثم اذَّعَوا عليه بالمُغل، فأخذوا منه حصته بالزَّنْبقية، وهي سبعة عشر سهمًا، وأخذوا منه مئة ألف درهم، وتركوه مُعْثِرًا. ثم طلبوا شريكه في جزرما نصر الدِّين ابن الوجيه بن سُوَيد، وشرعوا في طَلَب رؤساء دمشق في مثل ذلك. فسار على البريد عز الدِّين ابن القلانسي، وشمس الدِّين بن يُمْن . ودُرِّس بدار الحديث القُوصية ((مُخْتصر النَّواوي)). سنة سبع وثمانين وست مئة في أولها طُلِبَ القاضي حُسام الدِّين الحَنَفي، والتَّقي البَيِّع الوزير، وشمس الدِّين ابن غانم، وجمال الدِّينِ ابن صَصْرى، والنّصير ابن سُوَيد، فراحوا إلى مِصْرَ على البريد، فأخذ الشُّجاعي يتهدَّدُهم، ويضربُ بحضرتهم ليُرعبهم، ثم يقول: ارحموا نفوسَكُم واحملوا. فيقولون: ما لنا من يُقْرِضنا هنا، فَقَرِّرْ علينا ما تَرْسمٍ به. فلم يقبل، وأحضرَ لهم تُجارًا كالمجد معالي الجَزَري، والشِّهاب ابن كُويك، والنَّجم ابن الدَّماميني، وأمرهم بأن يحملوا عن المُصَادَرين، ويكتبوا عليهم وثائق، فأخذ من عز الدِّين ابن القلانِسي مئة وخمسين ألفًا، ومن ابن صَصْرَى أملاكًا ودراهم تكملة ثلاث مئة ألف درهم، ومن التقي تَوْبة نحو ذلك، ومن ابن سُوَيَد ثلاثين ألفًا، ومن ابن غانم خمسة آلاف درهم، ومن حسام الدِّين بحسب البَرَكة ثلاثة آلاف درهم، ومن ابن يُمن أملاكًا بمئة وسبعين ألف درهم. فتعامل هؤلاء والمصريون على نكاية الشُّجاعي، وكان يؤذي الجَمَال ابن الجُوجري الكاتب، فحضر إلى عند طرنطية فقال له سِرًّا: تقدر ترافع الشُّجاعي؟ قال: نعم. فدخل به إلى السُّلطان، فعرفه السلطان، وسأله عن حاله فقال: لم أزل في دولة مولانا السُّلطان بَطَّالاً ومُصادرًا. فرق له وذَم الشُّجاعي لكونه لم يستخدمه، فتكلَّم ورافع الشُّجاعي، فأصغَى إليه، وطلب الشُّجاعيَّ فَعَصَره بين يديه، فحمل إلى الخزانة في يوم واحد سبعة وعشرين ألف دينار، ثم باع من بَرْكه وخَيْله وكَمَّل خمسين ألف ٤٢٣ دينار، وعزله ووَلَّى الوزارةَ بدر الدِّينِ بَيْدرة. وقدِم الدِّمشقيون، وأرضوهم بأن وَلَّوا نَظَرَ الدِّيوان جمالَ الدِّينِ ابنِ صَصْرَى، وأعطوا الحِسْبة لشرف الدِّين أحمد ابن الشِّيْرِجي، وقَدِمَ بعدهم ابن المقدسي بالوكالة ونظر الأوقاف. وفي رمضان أُمسِك النّصراني كاتب كجكن مع مُسْلمة يشربان بالنَّهار، فبذل في نفسه جُملةً، ودافع عنه مَخْدومه، فلم ينفع، وأُحرِق بسُوق الخيل، وقُطع من أنف المرأة، وحصل فيها شفاعات لملاحَتها . وفيها في ربيع الآخر صَلَّى بالناس الجُمُعة بجامع دمشق خطيبه جمال الدِّين ابن عبدالكافي، فأحدث في الركعة الأولى، فاستخلفَ نجم الدِّين مؤذن النَّجيبي، فتمم الصلاة، وصَلّى النَّاس الجُمُعة خلف إمامين. وفي رمضان درس بالقَيْمُرِية القاضي علاءُ الدِّين ابن بنت الأعز، بحُكْم انتقال مدرسها ابن جماعة إلى خطابة القدس . وفيها وَلِيَ شَرَفُ الدِّين ابن الشِّيْرجي حِسبة دمشق بعد جمال الدِّين ابن صَصْرَى، ثم عُزِل بعد أشهر بابن السَّلْعُوس الذي توزَّر. وفيها أُخِذت على جسر باب الفراديس دكاكين وأُكْرِيَت سُوقًا، ثم بعد مُدَيدة عُمل على جسر باب السَّلامة كذلك، ثم بعد خمسين سنة عُمِل سوقٌ على جسر باب الفَرَج، وفي داخل الباب. وفيها قَدِم جمال الدِّين الزَّواوي قاضيًا للمالكية . سنة ثمان و ثمانين وست مئة مات البرِنْس صاحب طرابُلُس إلى لعنة الله، فبادرَ السُّلطان الملك المنصور مُسِرًّا حصارها، وقدِم دمشقَ، وسارَ فنازلها في أول ربيع الأول، ونصبَ عليها المجانيق، وحُفِرتِ التُّقوب، ودامَ الحَصْر إلى أن أخذها بالسَّيف في رابع ربيع الآخر. وغرق خلْق في الميناء، وأُخِذ منها ما لا يُوصف، سوى ما نجا في البحر. ثم أُحرقت وأُخرب سورها، وكان سُورًا منيعًا مُحْكمًا، عديمَ المِثْل، وكانت من أحسن المُدُن وأطيبها، ثم بعد ذلك اتخذوا مكانًا على ميل منِ البَلَد، وبنوه مدينةً صغيرةً بلا سُور، فجاء مكانًا رديء الهواء والمِزَاجِ، ثم تَسَلَّم الشُّلطان حِصْن أنفه، وكان لصاحب طرابُلُس، فأمرَ بتَخْريبه، وتَسَلَّم السُّلطان البَثْرون، وجميع ما هناك من الحُصون، وأنشأ تاج الدِّين ابن الأثير بأمرِ السُّلطان كتابًا إلى صاحب اليَمَن بالبشارة: ((أعزَّ الله نُصْرَة المَقَامِ العَالي ٤٢٤ السُّلطاني المَلَكي المُظَفَّري الشَّمْسي))، وهو كتابٌ مليحٌ، ذكرَ فيه أنَّ طرابُلُس فَتحت في إمرة معاوية، وتنقلت في أيدي المُلُوك، وعظمت في زمن بني عَمَّار، فلما كان في آخر المئة الخامسة ظهرت طوائف الفِرَنْج بالشَّام، واستولوا على البِلاد، فامتنعت عليهم طَرَابُلُس مُدَّة، ثم مَلَكُوها في سنة ثلاثٍ وخمس مئة، واستمرت في أيديهم إلى الآن . وما أحسن ما قال في بشارة صاحب اليمن: ((وكانت الخُلفاء والمُلوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مَشْغُولٌ بنفسه، مُكبٌّ على مجلس أُسِهِ، یری السَّلامةِ غَنِيمةً، وإذا عَنَّ له وَصْفِ الحرب لم يسلك إلا عن طُرق الهزيمة، قد بلَغ أمَلُه من الرُّتبة، وقَنَع بالسِّكَّة والخُطْبة؛ أموال تُنْهب وممالك تَذهب، لايُبالون بما سُلِبُوا، وهم كما قيلٍ : إن قاتلوا قُتلوا أو طاردوا طُردوا أو حاربوا حُربوا أو غالبوا غُلبوا إلى أن أوجد الله من نَصَرَ دينَهُ وأذلَّ الكُفْرَ وشياطينه . وذكَر شرفُ الدِّين محمد بن موسى القُدسي الكاتب في ((السيرة المَنْصورية)) أنَّ طرابُلُس عبارة عن ثلاثة حُصون مُجْتمعةٌ باللِّسان الرُّومي، وكان فتحها على يد سفيان بن مُجيب الأَزْدي، بعثَهُ لحصارها معاوية في خِلافة عثمان رضي الله عنه، فبنَى بالمَرْج عن أميالِ منها حِصْنًا سُمي به، وقَطَعَ الواصلَ عنها بَرًّا وبَحْرًا، وكان يُجْلِب عليها خَيْلاً ورَجِلاً في النَّهار، ثم يأوي إلى حِصْنه في الليل، فكتبوا إلى مَلِك الرُّوم لينجدهم أو يبعث لهم مراكب للهزيمة، فبعثَ إليهم مَرَاكب، فهربوا بالليل، فأصبحَ الحِصْن خاليًا، فكتبَ سُفيان إلى معاوية، فأسكنَهُ جماعةً من اليَهُود، فنقضوا العَهْدَ أيام عبدالملك بن مَرْوان، ثم قال: هذا حكاه المدائني عِن عَبَّاد بن إبراهيم. وذكر أسامة بنِ مُنْقِذ أنها انتقلت إلى مُلُوك الشام إلى أن مَلَك المِصْريون الشام، فدخل فيما مَلَكوه، ثم تغَلَّب عليه جَلال المُلْك علي بن محمد بن عَمَّار القاضي، فأخرجَ عاملَ المِصْريين منه، ثم تَمَلَّكه بعده أخوه فخرُ الملك، ثم قَصَدها الفِرَنْج في سنة اثنتين وخمس مئة، وأخذوها بعد مطاولةٍ. وكان المُنازِلُ لها ابن صَنْجيل، فقصَد فخرُ المُلْك بغداد في البَحْر مُستنجدًا بالسُّلطان محمد بن مَلكشاه، واستخلف في الحِصْنِ ابنَ عمه، فأضاعَ الحَزْمَ، وتَشَاغلَ عن القِتال، فسألَ أهلُ الحِصْن الأمانَ فُجيبوا، ولم يزل بيد الفرنج إلى الآن. ٤٢٥ وقال قُطْب الدِّين(١): حُكي لي أنَّ سبب أخذ الفرنج لها أنَّ ابن صَنْجِيل جَرَى له أمرٌ أوجبَ خروجَه عن بلاده، فركبَ البَحْرَ وثَجَّجَ فيه، وتوقفت عليه الرِّيح، ثم رماه المَوْج إلى السَّاحل، فنزل بساحل طرابلس، فسيّر إليه ابن عَمَّار يسأله عن أمرِه، فأخبره بأنه نزل يستريح ويتزوَّد، وسأله أن يُخرِج إليه سُوقًا، فخرجَ إليه جماعة فبايعوه وكسبوٍا عليه. ثم نزلَ إليه أهل جُبَّة بَشَرِّي(٢)، وهم نصارى فبايعوه وعَرَّفوه أمرَ طَرابُلُس، وأنَّ الرَّعية نصارى، وأن صاحبه متغلّب عليه، وحَسَّنوا له المُقام، ووعدوه بالمُساعدة على أخْذه، فأقام. وحضر إليه خَلْقٌ من نصارى البلاد، وعجز ابنُ عَمَّار عن ترحيله. ثم بنى ابن صَنْجيل الحِصْن المشهور به التي بُنيت طرابلس المنصورية تحته، وأقامَ به، واستولى على بَر طرابُلُس، ولم يزل مُصابِرًا لها وكُلَّما له يقوى ويكثُرُ جَمْعُه، ويضعُف أهل البلد، ولا ينجد ابنَ عمار أحدٌ. ثم حَصَلَ الاتفاق على أنه يخرج منها بجميع ماله إلى عِرْقة، فخرج إليها، وأقام بها مدةً ثم فارَقَها. وقوي شأن الفِرَنج بالسَّاحل. ثم صَلَح أمر ابن صَنْجِيل في بلاده التي بالبحر، وتوجَّه إليها، واستناب على طرابلس بيمُنْد جدُّ صاحبها. ثم مات ابن صَنْجيل وترك بنتًا، فكان بيْمُند يحمل إليها كُلَّ وقتٍ شيئًا إلى أن مات، وقام بعده ولدهِ بَيْمُند الأعور، فاستقلَّ بمملكتها. وكان شهمًا شُجاعًا، وطالت أيَّامُه، ثم تملَّك بعده ولده بيْمُنْد، ولم يزل إلى حين تُوفي. وكان جميل الصورة، جاء إلى التَّار أيام هولاووٍ فقَدِمٍ بَعْلَبَكَّ، وطمع أن يُعطاها، فطلع إلى قَلْعتها ودارها، ونازل الملكُ الظَّاهِرِ بِلَّدَه مَزَّتين، وكان ابن بنت صاحب سِيس، وبيده أيضًا أنطاكية، فهلك وتَمَلَّك بعده ابنهُ، فلم تطُلْ مدته وهلك، وتملك بعده ((سير بَلْمه))(٣). وعندما أُخِذت طرابُلُس قصد الميناء فقيل إنه غَرِق، وقيل نجا. وذكر القاضي شمس الدِّين ابن خَلِّكان (٤) أن الفرنج أخذت طرابُلُس في ثاني عشر ذي الحجة، وكان صاحبها فخر المُلْك عمار بن محمد بن عمار قد (١) ذيل مرآة الزمان ٤/ ٩٣ . (٢) الضبط من خط المصنف. (٣) الضبط من خط المصنف. (٤) وفيات الأعيان ١/ ١٦٠ . ٤٢٦ صبرَ على محاصرته سبع سِنين، واشتدَّ الغَلاء، فخرجَ منها وقصد بغداد طالبًا للإنجاد . وللشهاب محمود أبقاه الله : علينا لمن أولاك نِعمَته الشُّكْرُ لأنّك للإِسلام يا سيفَه ذُخْرُ ومِنا لك الإخلاص في صالح الدُّعا إلى من له في أمر نُصْرتك الأمرُ ألا هكذا يا وارث المُلْك فليكُنْ جهادُ العِدَى لا ما تَوَلَّى به الدَّهرُ فإنْ يكُ قد فاتَتْك بَدْرٌ، فهذه بما أنزل الرحمن من نصره بدرُ أقَل عناها أنَّ خَنْدَقَها بحرُ نَهضْتَ إلى عُلْيا طرابُلُسَ التي وقد ضَمَّها كالطَّوْق إلا بقية كَنَحرٍ وأنت السيفُ لاح له نحرُ مُمَنَّعَةٌ بِكْرٌّ، وهل في جميع ما تملكْتَهُ إلا مُمَنَّعةٍ بِكْرُ؟ ومن دون سورَيَها عِقابٌ منيعة يزل إذا ما رام أوطاءها الذَّرُّ وما برحت ثغرًا ولكن عدا العدى عليها بحُكم الدَّهر فانثغر الثغرُ وكانت بدار العِلم تُعرفُ قبل ذا فمِن أجل ذا للسَّيف في نظْمها نَثْرُ وكم مَر من دهْرٍ وما مَسَّها أذىً وكم راحَ من عصرٍ وما راعها حصْرُ ففاجأتها بالجيش كالموج فانثَنَتْ تميدُ وقد أربى على بَحْرها البرّ فظلت لدى بَحْرَيْن أنكاهما لها وأقتَلَهُ العَذْبُ الذي جره مِصْرُ منها : كأن المجانيق التي أُوتِّرت ضُحىّ عليها لها في شُم أبراجها وَترُ أصابعُها تُومِي إليهم ليسجدوا فَتُقبل منها دون سُكانها الجُدْرُ ويُمطرها من كل قَطْر حجارةً لقد خابَ قومٌ جادَهُم ذلك القَطْرُ تخلَّقَ وجْهُ السُّور منهم كأنما غَدَت وعليها في الذي فَعَلْتَ نذرُ منها : وأطلقت فيها طائر السَّيفِ فاغْتَدَى وليس له إلا رؤوسهم وَكْرُ ولاذُوا بباب البَحْر منك فما نَجَا إليه سوى مَن جَرَّ مِن دم نهرُ ولم ينج إلا من يُخَبِّر قومه ليدروا وإلا من تَغَمَّده الأسرُ فللَّه كم بِيضٍ وسُمْرٍ كواعب على رغمهم قد حازت البِيض والسُّمر ٤٢٧ وفي هُلْكهم يوم الثُلاثاء إشارةٌ إلى أن في الدَّارَين تثليثهم خُسْرُ منها: وماذا به يُثْي عليك مُفَوَّةٌ ولا قَدْرهُ يأتي بذاك ولا قَدْرُ ولكنْ دعاءٌ وابتهالٌ بأنه يُعُز على رَغْمِ الأعادي لك النّصرُ وهي بضعةٌ وستون بيتًا انتقيتُها. وعَمِلَ قصيدةً في مَلِك الأمراء لاجين، وقصيدة في مَلِك الأمراء بلَبَان الطّاخي. وذكر سَيْف الدِّين ابن المحفَّدار أنَّ عِدَّة المجانيق التي نُصبت عليها تسعة عشر مَنْجنيقًا، ستة إفرنجية والباقي قُرابُغا. والذي تَسَلَّمناه من الأسرى ألف ومئتا أسير. وقُتِل عليها من الأمراء عز الدِّين مَعْن، ورُكن الدِّين منكورس الفارقاني، ومن الحَلْقة خمسة وخمسون نَفْسًا. وقال: عرض سُورها مسير ثلاثة خَيَّالة. ونَقلَ العَدْل شمس الدِّين الجَزَريُّ في ((تاريخه))، قال(١): قِدِم بِطْريق وجماعته في أيام عبدالملك بن مَرْوان فطلب أن يقيمَ بطرابلسَ ويؤدي الجِزْية، فأُجيب. فلبثَ بها مُدَّة سنتين، وتوثَّب بها، فقتل طائفةً من اليهود، وأَسر طائفةً من الجُنْد، وهربَ لما لم يتم له الأمر؛ فظفر به عبدالملك فصلبَهُ. ثم لم تزل في أيدي المسلمين إلى أن ملكها ابن عَمار، إلى أن مات سنة اثنتين وسَبْعين (٢) وأربع مئة، ومَلَكها بعده أخوه فخرُ المُلْك. فلما أخذت الفرنج أنطاكية في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، نزل الملك صَنْجيل بجُموعه عليها، واسمه ميمون، نازلها في سنة خمسٍ وتسعين، وعمر قبالتها حصنًا، وضايقَها مُدَّةً، ثم خرج صاحبها يستنجد في سنة إحدى وخمس مئة، فاستناب ابنَ عمه أبا المناقب، ورتَّب معه سعدَ الدولة فتيان بن الأعز، فجلس يومًا فشرع يهذي (١) كما في المختار للذهبي ٣٢٩. (٢) هكذا بخط المصنف نقلاً من تاريخ ابن الجزري، وهو وهم انتقل إليه من ابن الجزري صوابه: ((تسعين بدلاً من سبعين))، كما هو معروف، وفخر الملك هذا هو أبو الفضل عَمَّار بن محمد بن عَمَّار (تلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي ٤/ الترجمة ٢٢٥٩)، وابن الجزري غير دقيق في تواريخه، فقد وهم في غير ما موضع من هذه الرواية، فلا ينبغي الركون إليه في هذا. ٤٢٨ ويتجنن، فنهاه سعد الدَّولة فرماه بالسَّيف فقتله، فأمسكه الأمراء، ونادوا بشعار الأفضل أمير الجيوش سلطان مصر، وحموا البلد إلى أنْ مات صَنْجيل. ثم ما زال جُنده يحاصرونها إلى أن أخذوها في ذي الحجة سنة اثنتين، وتولاها السَّرْداني(١) مُقدَّم منهم، فوصل بعد مدة تيران(٢) بن صَنْجيل ومعه طائفة من جُند أبيه، فقالوا للسَّرداني: هذا ولدٍ صَنْجيل، وهو يريد مدينة والده يعني الحِصْن. فقامِ السَّرْدانِي ورفسه، فأخذَهُ أعوانه وداروا به على أعيان الفِرَنج، فرحموه، وتذكَّروا الأَيْمان التي حلفوها لأبيه، وقالوا: إذا كان غدًا فاحضرْ، ونحن نتكلم مع السَّرْداني. فلما حضر عنده كلمه، فصاحَ عليه السَّرْداني، فقاموا كُلُّهم عليه وخَلَعوه، ومَلَّكوا الصَّبيَّ، فأقامَ مَلِكًا إِلى أَن قتله بَرْواج (٣) في سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة (٤). واستخلف على البَلَد ولده القُومص بَدْران إلى أن أسره الأتابك زنكي بن آقسُنْقُر بقرب بَعْرين، ثم فَدَى نفسه بمالٍ وعاد إلى طرابلس. ثم وثبت عليه الإسماعيلية قتلوه، وولي بعده ريمُنْد وهو صبي. ثم إنه حضر الوقعة مع السُّلطان نور الدِّين في سنة تسع وخمسين على حارِم، فأبقى عليه صلاح الدِّين لأنه كان مُهادنًا للمُسلمين. قال الجَزَري(٥): وفيها احتاط الشُّجاعي بدمشق على حوَاصل التقي البَيِّع وصادرَهُ، ثمَّ طرحَ أملاكَهُ. وأخشابَهُ على الرؤساء بثلاثة أثمان، وهرب جماعة من المصادرة منهم أبي وإخوتي، وغِبْنا عن البَلَد شهرًا، وتَغَيَّب عز الدِّين ابن القلانِسي. ثم طالبوا نجمَ الدِّين عباس الجَوْهري بمُغَل ضيعةٍ كان اشتراها من بنت الأشرف بالبقاع، فأعطاهُم جَوْهرًا قيمته ثمانون ألف درهم، فقالوا: نحن نريد دراهم وألحوا عليه، فنزلَ إلى مدرسته وحفر في دهليزها فأخرج له خُونْجاه(٦) ذَهَب مرصَّعة بجواهر، فقوِّمت بأربع مئة ألف. (١) هو وليم جوردن. (٢) هكذا بخط المصنف، وهو: برتراند. (٣) جَوّد المصنف ضبطه بالراء المهملة وآخره جيم. (٤) هكذا بخط الذهبي نقلاً من تاريخ ابن الجزري، وهو وهم، فالذي قتله بَرْواج هو بونر المعروف في المصادر العربية باسم ((بنص)). أما ابن صَنْجيل فمات سنة ٥٠٥ كما ذكره ابن القلانسي في السنة المذكورة. وينظر كتاب الدكتور عمر تدمري: لبنان من السقوط بيد الصليبيين حتى التحرير (القسم السياسي) ص١٩ و٣٧-٣٩ (طرابلس ١٩٩٧). (٥) كما في المختار ٣٣٠ فما بعد. (٦) الخُوْنْجاه: منضدة صغيرة أو صينية توضع عليها الصحاف (دوزي: ٢٤٤/٤). ٤٢٩ ثمَّ سافر السُّلْطان من دمشق في شعبان والقُلُوب في غاية الألم منه، وأخذ معه التقي تَوْبة مقيّدًا إلى حَمْراء بَيْسان، فمر طرنطاي وكتْبُغا على الَّرَدْخاناه وبها التقي تَوْبة، فلم يُكَلِّموه، فصاحَ وشَتَمَ وقال: والكم يا أولاد الزّنا، أنا ضَيَّعتُ دنياي وآخرتي لأجلكم، وأنا شيخ كبير في القَيْد، وقد أخذوا جميع ما أملك، هذا جزاء خدمتي؟ فضحكوا، ثم إنهم كَلَّموا السُّلْطان فيه وضمنوه أنه لا يهرب، فأطلقه وأخذوه. ولم يكن الشَّجاعي حاضرًا. قال شمس الدِّين(١): وفي أول السنة سافر ابن السَّلعُوس إلى مخدومه الملك الأشرف، فاستناب عنه في الحِسْبة تاجَ الدين ابن الشيرازي. وفي ربيع الآخر وَلِيَ الحسبة الجمال يوسف أخو الصَّاحب تقي الدِّين، فلما احتاطوا على تقي الدِّين أعادوا ابن الشيرازي إلى الحِسْبة مستقلاً. وفيها حج برَكْب الشَّام زين الدِّين غَلْبك. وفيها قدِم دمشق الواعظ نجمُ الدِّين ابن البُزُوري ووالدهُ، ووعظ على باب مشهد علي مَرَّات، وحضره الخَلْق. وكان رأسًا في الوَعْظ . سنة تسع وثمانين وست مئة فيها ثارت عَرَب الصَّعيد، فسار لتسكين الأهواء نائب السَّلْطنة طُرنطاي، فَسَكَّنهم، وأخذَ خَلْقًا من أعيانهم رهائن، وأخذَ سائرَ أسلحتهم وأكثرَ خيولهم، وأحضرَ الجميع إلى القاهرة. فكانت أسلحتُهم عِدَّة أحمال. وفيها عاد عز الدِّين أَيْبك الأفرم من بلاد السُّودان برقيقٍ كثير وفِيل صغير . وفيها دَرَّسَ الشَّيخ صفي الدِّينِ الهندي بالدَّولعيَّة، وعلاء الدِّين ابن القاضي تاج الدِّين ابن بنت الأعز بالظَّاهرية بعد خَنْقِ رشيد الدِّين الفارقِي. ودرس تقي الدِّين ابن الزَّكي بالتَّقوية بالخِلْعة والطَّيْلَسان من جهة صاحب حَمَاة. ودَرَّس بدر الدِّين أبو اليُسر ابن الصائغ بالعمادية . وفي جمادى الآخرة رُقِّب خطيبًا بالجامع الأموي العلامة زين الدِّين ابن المُرَخَّل الوكيل، فتكلَّموا فيه، حتى قالوا إنه يَلْحِن في الفاتحة، ولا يحفظ الخَتْمة، واستفتوا عليه، ثم استمر وأوذيَ من تَكَلَّم فيه، واستمر في الخطابة، (١) كما في المختار من تاريخه ٣٣١. ٤٣٠ وكان من بُلغاء الخطباء، وكبار الأئمة، فاستقر على رغم من ناوأه. وفيه وَلِيَ القضاء شَرَفُ الدِّين الحسن ابن الشَّرف الحنبلي بعد ابن عمه القاضي نجم الدِّين. ووَلِيَ تدريس الجَوزية القاضي تقي الدِّين سُليمان، والخطابة بالجبل ولد المُتَوَفَّى القاضي نجم الدِّين. وفيها قُرِّرت الأخباز بأطْرابُلُس، واستُخدِم بها ست مئة فارس. وفيها مُسِك الأمير سيف الدِّينِ جرمك النَّاصري. ومُسِك شمس الدِّين ابن السَّلعُوس، وحُبس مُدَيدة، ثم أُفرج عنه بمصر، ولزِم بيته، وسار مع الرَّكْب المصري وحَجَّ. وفيها ولي نظر الجامع وجيه الدِّين ابن المُنَجَّى. وفيها قُبِضَ على ناصر الدِّين ابن المقدسي، واعتقُل بالعَذْراوية، ثم شَنَقَ نفسَهُ، والظَّاهَر أنه شُنِقِ لأنه طُلِب إلى مصر، فخافوا من مرافعته وبَتُّوه. وكان ظالمًا مرافعًا، فقيهًا في فتح أبواب الشر والحِيَل، سامحَهُ الله . وفيها ولي نيابة غَزَّة أحد أمراء دمشق عز الدِّين المَوْصلي. وفي رجب وقَع حريقٌ كبير بدرب اللَّبَّان، واتَّصل بدرب الوزير بدمشق، واحترقت دار صاحب حماة بحماة، وعملت النّار فيها يومين. وكان هو في الصَّيد، وراح فيها من الأموال والمتاع ما لا يوصف. وفيها دَرَّس بأم الصالح بعد ناصر الدِّين ابن المقدسي إمامُ الدِّين القَزْويني الذي وَلِيَ القَضاء. وفيها قَدِم عكا طائفةٌ من الفرنج غُتْمٌ، فثاروا بها، وقتلوا من بها من التُّجَّار المُسلمين. ودرَّس بالرَّواحية البدر أحمد ابن ناصر الدِّين المقدسي المَشْنوق بعد والده، ولم يكن أهلاً لذلك، بل فعلوا ذلك تطييبًا لقلبه . وفي شَوَّال توجه الأمير المُشد شمس الدِّين الأعْسَر إلى وادي مربين من البقاع لقطع الأخشاب للمجانيق، فقطعَ منها ما يحار فيه النَّاظرِ من عِظَمه وطُوله، وجَرَّها إلى دمشق، وسُخِّرت الأبقار والرِّجال، وقاسى الخَلْقِ مَشَاقًا لا توصف. وهي خشب صَنَوْبر، غرِم على كل عُودٍ منها جملةً، حتى قال من له خبرة من ولاة النّوا حي: ناب العُوَدَ منها خمسون ألفًا. ٤٣١ وفيها خرج من دمشق المَحْمل والسَّبيل مع الزُّوباشي، وعَزَمَ السُّلطان على الحج، فلما بلغه نَكْثُ أهل عكا غضب واهتمَّ لغزوهم، وضرب الدِّهْليز بظاهر القاهرة. وأخذ في التأهُب، وخرج إلى الدِّهليز وهو متوعِّك في شوال، ثم مرض ومات في ذي القَعْدة. وجاءت الأخشاب المذكورة إلى المِزة، ثم شُحِطت إلى الميادين، وكانت مَنْظرًا مهولاً، وقد رُبِّع سفْل العُود وسُفط، وهوٍ نحو ذراع وثُلث بالنجار وأكثر. ثم رأوا أنها لا تنفع للمنجنيق، فلما ولي الشُّجاعي نيابة دمشق أدخل بعضَها في عمارة دار السَّلْطنة بالقَلْعة، ثم نُشِرَ بعضُها، وعُمل منه أبواب الجامع التي في الرواق الثالث. وفي ذي القَعْدة أَمسكَ الأميرُ بدرُ الدِّينِ المَسْعودي بدمشق نائب الخَزْندار، وأُمسك مخدومه طرنطاي في ذي القَعْدة في أواخره بمصر، وبُسِط عليه العَذَاب إلى أن تلِف. وخُطب للملك الأشرف صلاح الدِّين يوم تاسع عشر ذي القَعْدة بدمشق. ثم جاء مرسوم لتاج الدِّين ابن الشيرازي بوكالة بيت المال مُضافًا إلى الحِسْبة . وطُلِبَ الأمير بكتوت العلائي إلى مصر وأُكرم. وتوجَّه صاحب حماة إلى مصر مهنئًا في ذي الحجة، وخَلَعَ على مُعين الدِّين ابن المُغَيْزل وولاَه تدريس التقوية. واشتد البلاء بالعراق بدولة اليهود التي من سعد الدَّولة الطبيب، وآذوا الرَّعية . وخرِب للحجاج قيمةٌ كبيرة بمكة، وقتل نحو أربعين نَفْسًا. سنة تسعين وست مئة دخلت وسُلطان الإسلام الملك الأشرف، وقد فَوَّض الوزارة إلى الصاحب شمس الدِّين ابن السَّلْعُوس وهو في الحج، ثم وَصَلَتْه الأخبار فأسرع المجيء على الهُجُن، ونائب المملكة بدر الدِّين بيدَرا. فتح عَگًّا ولما استقر السُّلْطان في المُلْك اهتم بإتمام ما شرع فيه والدُه من قَصْد عَكَّا. فسار بالجيوش من مصر في ثالث ربيع الأول، ونزل عليها في رابع ربيع ٤٣٢ الآخر، وهو خامس نَيْسان، وجاءت إليه جيوش الشَّام بأسرها، وأُمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، من المُطَّوِّعة والمتفرِّجة والسُّوقية، فكانوا في قدر الجُنْد مَرَّات. ونَصَب عليها خمسة عشر منجنيقًا إفرنجيًا، منها ما يرمي بقنطار بالدِّمشقي، ومن المجانيق القُرابُغا وغيرها عدد كثير. وشَرَعوا في الُّقوب، واجتهدوا في الحصار، ووقع الجد من الفريقين، وأنجد أهلها صاحبُ قبرس بوكه بن سيروك بنفسه. وليلة قُدُّومه عليهم أشعلوا نيرانًا وشَمْعًا عظيمًا فَرَحًا به، فأقام عندهم ثلاثة أيام ثم ركب في البحر وأقلع لِما شاهد من هَوْل ما أُحيط بهم، ولِما رأى من ضَعْفهم وانحلال أمرهم. وشرَع أهلُها في الهرب في البحر، ولم يزل الأمر في جِدٍّ حتى هَدَمت المجانيق شِّرُفات الأبراج، وكملت الثُّقوب عليها، وعلِّقت الأسوار، وأُضرمت في أسافلها النَّار، واستشهد عليها خَلْقٌ من المُسلمين، وثبت الفِرَنج ثباتًا كُلِيًّا . وعند مُنازلتها نوديَ في دمشق: مَن أراد أن يسمع ((البُخاري)) فلْيحضر إلى الجامع. فاجتمع خَلْقٌ وقرأ فيه الشيخ شَرَف الدِّين الفَزَاري، وحضر قاضي القُضاة ونائبه، ونجم الدِّين بن مكي، وعز الدِّين الفارُوثي، وكان السَّماع على جماعة . وفي ثامن جمادى الأولى حصل تشويش على عَكَّا، وهو أن الأمير عَلَم الدِّين الحَمَوي أبو خُرص أتى إلى نائب دمشق لاجين فقال: السُّلطان يريد أن يمسكك. فخافَ، وجمع ثِقْله وطُلُبَه في اللَّيل، وشرع في الهروب، فشعر به عَلَم الدِّين الدَّواداري، فجاء ورده وقال: بالله لا تكن سبب هلاك المُسلمين، فإن الفرنج إن عَلِموا بهروبك قووا على المُسلمين، فرجع. ثم طلبه السُّلطان من الغد، وخلعَ عليه وطَمَّنه، ثم أمسكه بعد يومين وقَيَّده وبعث به إلى مصر، وأمسك معه رُكن الدِّين تَقْصوه وهو حَمْوه، وأمسك قبلهما بيومين ثلاثة أبا خُرص وقَيَّده، واستناب على دمشق علَمَ الدِّين الشُّجاعي. ثم هيأ السُّلطان أسباب الزَّحف، ورتب كُوسات عظيمة، فكانت ثلاث مئة حِمْل، وزحف عليها سَحَر يوم الجُمعة سابع عشر جمادى الأولى بسائر الجيش. وكان للكوسات أصوات مَهُولة، وانقلبت لها الدُّنيا فحين لاصق الجَيْش الأسوارَ هرب الفِرَنج، ونُصبت الأعلام الأشرفية على الأسوار مع طلوع الشَّمْس، وبُذِل السَّيف، ولم يمضِ ثلاث ساعات من النَّهار إلا وقد استولى المُسلمون عليها، ودخلوها من أقطارها، وطلب الفِرَنج جهة البحر، فقُتِل من تاريخ الإسلام ١٥ / م ٢٨ ٤٣٣ أُدرك منهم، وأسهل القتْل والأسر والسَّبْي على سائر أهلها. وعَصَت الدِّيوية والإسْبِتار والأمن في أربعة أبرجة شواهق في وسط البلد، فحُصروا فيها، ثم طلبوا الأمان من الغد، فأمنهم السُّلطان وسَيَّر لهم سَنْجقًا، فنصبوه على بُرجهم، وفتحوا الباب فِطلع إليهم الأجناد وبعض الأمراء، وتَعَرَّضوا لهم بالنَّهْب وأَخْذ النِّساء، فَغَلَّق الفرنج الأبواب، ورموا السَّنْجق، وقتلوا طائفة من الجُنْد، وقتلوا الأمير آقْبُغا المَنْصوري. وعاودهم الحِصار، ونزل إسْبِتار الأمنِّ بالأمان على يد زين الدِّين كتبُغا الذي تَسَلْطن. وفي يوم الثالث من الفتح طلب الديوية الأمان، وكذا الإسبتار، فآمنهم السُّلْطان، وخرجوا، ثم نكثَ، وقتل منهم فوق الألفين، وأسرَ مثلهم، وساق إلى باب الدِّهليز فوق الألف من نِسائهم وصِبْيانهم. فلما رأى من تبقى في أحد الأبرجة ما جَرَى تحالفوا على الموت، وامتنعوا من قبول الأمان، وقاتلوا أشد قتال، وتَخَطَّفوا خمسةً من المُسلمين ورموهم من أعلى البرج، فسلم واحدٌ ومات أربعة. وأُخذ هذا البرج يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى بالأمان. وكان قد نُقِب وعُلَّق من نواحيه، فلما نزل منه وحول أكثر ما فيه سقط على جماعة من المتفرجين والذين ينهبون فهلكوا. ثم عزل السُّلْطان الحريم والولدان، وضرب رقاب الرِّجال ولم يفٍ لهم، وهذا مكافأةً لفِعلهم حين أخذوا عَكَّا من السُّلْطان صلاح الدِّين فإنهم - أعني الفرنج - أمنوا منِ بها من المُسلمين، ثم غَدَروا بهم، وقتلوا أكثرهم، وأسروا الأمراء وباعوهم فَسَلَّط الله على ذُرِّياتهم من انتقمَ منهمٍ وغَدَرَ بهم جزاءً وِفاقًا، فيا لله العَجَب. وأعجب من ذلك أنَّ الفِرَنج أخذوا عَكًّا في يوم الجُمُعة سابع عشر شهر في الثالثة من النهار من شهر جمادى الآخرة، كما ذكرناه في سنة سَبْعٍ وثمانين وخمس مئة، ثم افتتحها المسلمون بعد مئة سنة وثلاث سنين إلا شهر واحد. وفي سنة سَبْع وستين وأربع مئة افتتح أمير الثُّركمان عَكًّا، ثم عادت الفرنج فمَلَكَتْها، ثمَّ في سنة اثنتين وثمانين جَهَّز أمير الجيوش بدر الجَمَالي نصيرَ الدولة الجُيُوشي في جيشٍ من مصر فافتتح صُور وعَكَّا وصَيْدا، ونزل علِى بَعْلَبَكَّ. ثم في سنة ستٍّ وتسعين وأربع مئة نزل على عَكًّا بغدوين ملك القُدس، لعنه الله، فحاصرها وأخذها بالسَّيف، فدامت في يد الفرنج إلى أنْ أخذَها السُّلطان صلاح الدِّين في سنة ثلاثٍ وثمانين وخمس مئة، ثم أُخِذت منه ٤٣٤ سنة سَبْع وثمانين. وأخذت الفرنج صورَ بعد حصارٍ طويل بالأمان في سنة ثمان عشرة وخمس مئة. فتح صور لما نزل الملك الأشرف عَكَّا جَهَّزَ الأميرَ عَلَمَ الدِّينِ الصَّوابي والي بَر صَفَد إلى جهة صُور، لحفظ الطُّرُقِ وتَعَرُّف الأخبار. فلما أُخِذت عكا وأُحرقت وأُضرمت النِّيران في جَنَبَاتها، وعلا الدُّخان، وهرب أهلها في البَحْر، علم أهل صور ذلك، فهربوا وأخْلُوا البلدَ، وكانت حصينةً منيعة لا تُرام، فدخلها الصَّوابيُّ، وكتبَ بالبشارة إلى السُّلْطان فجهَّزَ له رجالاً وآلةً ليخرِّبِها، ويُخَرِّبوا حيفا. وبقي بصور مَن تأخر بها مِن أهلها، فاستغاثوا، وسَلَّموها بالأمان للصَّوابي، وآمنهم. ولم يكن السُّلْطار يطمع بها، فيسَّر الله بما لم يكن في الحساب. وكان لها في يد الفرنج نحوٌ من مئتيٍ سنة، بل من مئة واثنتين وسبعين سنة. وقد أُخِذ منها رُخام كثير، وجُعلت دكًا. وأمسك السُّلْطان على عَكًا نائب صفد علاء الدين أيدغدي الألْدكْزي، ووَلَّى مكانه علاء الدِّين أيدكين الصَّالحي. وطلب نائب الكَرَك رُكن الدِّين بيبرس الخطّابي الدُّوَيْدار، ووَلَّى مكانه جمال الدِّين آقوشٍ الأشرفي. ثم بعد عشرين سنة وَلِيَ هذا نيابة دمشق، وذاك نيابة مصر، فلم تطُل أيامُهما. وفي خامس شهر جمادى الآخرة رحل السُّلطان عن عًَّا وقد تركها دَكًا، وشرعَ الصاحب تقي الدِّين وشمس الدِّينِ الأعْسَر المُشِد بدمشق في عمل القباب والزِّينة، وحصل لذلك من الاحتفال ما لا مزيد عليه. ودخل دمشق دُخولاً ما شُهد مثله من الأعمار، وأمامه الأسرى على الخيل يحملون أعلامهم منكَّسَة، ورماحًا فيها شُعَف رؤوس القتلى، وذلك في ثالث عشر جُمادى الآخرة، فأقام بدمشق خمسةً وثلاثين يومًا . فتح صيدا سارٍ عسكر دمشق فنازلوا صيدا، وأما ملك الأمراء الشُّجاعي فأتى في خِدْمة السُّلْطان، ثم رجع إلى صَيْدا، ثم افتتحها، فاستولى من بها من المقاتلة على بُرج، وتَحَصَّنوا به، وكان لا يصل إليه حَجَر مَنْجنيق، فضايقه الشُّجاعي في ثامن رَجَب، وفتحه يوم السَّبْت خامس عشر رَجَب، بحكم الذين فيه نزحوا ٤٣٥ منه وانتقلوا إلى الجزيرة المُجاورة لصيدا، ثم إنهم أحرقوا الجزيرة بما فيها في ثامن عشر رَجَب، وساروا في البَحْر إلى قبرس. ثم عَلَّق المسلمون أبراج القلعة وأحرقوها ودَكُّوها. وكانت الشواني الإسلامية قد حضرت من اللاذقية، فلما وصلت إلى ميناء البَثْرون مَرَّ بها الذين هربوا من صَيْدا في المراكب، وظَنُّوها للفرنج، فعرَّجوا إليهم، ثم تبين لهم أنهم مُسلمون، فهربوا، فتبعهم الأمير بَلَبان التَّقَوي بالشَّواني، فاستولى عليهم قَتْلاً وأسْرًا ونَهْبًا، واستنقذ من الذين معهم من الأسرى، وكان ذلك من غَرَائب ما اتفق. فتح بيروت كان أهل بيروت متمسِّكين بالهُدْنة، لكنْ بدا منهم شيء يسير، وهو أنهم آووا المنهزمين من الفرنج، وأمرهم عَلَمُ الدِّينِ الشَّجاعي بضم مراكبهم إلى مراكب المُسلمين، فخافوا وامتنعوا، فأمر الشُّجاعي الأميرَ التَّقَوي بحفظ الميناء وضَبْط مئة من المراكب، وجاء الشُّجاعي بالجيش من جانب البر، فدخلَ المدينةَ وأخرجهم منها، واستولَى على القلعة وما فيها، وذلك في الثالث والعشرين من رجب. وكانتِ القلعة امتنعت عليه قليلاً، فوقَع الحديثُ مع كليام النَّائب بها، فأجاب وسَلَّم، وأُسِرَ كُلُّ من كان بالبلد والقَلْعة من الخيالة والمُقاتلة. وكانت من القلاع المنيعة، فهدمها الشُّجاعي. فتح جُبيّل وكان صاحبها قد حَضَرَ عند الملك المنصور نَوْبةَ طرابلس، وبقِي بجُبَيل، فلما أُخذت عَكَّا رُسِمَ له بأن يخرِّب قلعة جُبَيل، ثم ندبَ الأمير عَلَمَ الدِّين الدَّواداري فسار إليها وأخربَ أسوارها، وأذهب حَصَانتها، وهَدَمها. فتح عثلیث وهو حصنٌ مشهورٌ يُضرب بحصانته المثل، والبَحْر يكتنفه من جميع جهاته، ولم يُحدِّث الملوكُ أنفسَهُم بقَصْده. وكان السُّلْطان قد جَرَّد من عَكًا ٤٣٦ بدر الدِّن رَمْتاش الثُّركماني بجماعةٍ من الثُّركمان للنزول حوله على بُعدٍ ليحصل الأمن من جهته من أحدٍ يخرج منه. ونودي الجَلَّبة وِالمُسافرون. فأُخذت عَّا وغيرها والتُّركمان مكانهم، فلما بلغ أهلَ عثليث أخْذُ عَكَّا وصور وصيدا وبيروت، أحرقوا أموالهم ومَتَاعهم وما لم يقدروا على حَمْله، وعَرْقبوا دوابهم، وهربوا في البَحْر، وأخْلوا الحِصْنَ ليلة أول شعبان. وأما أهلِ أنْطَرسُوس لمَّا بَلَغهم ذلك عَزَموا على الهرب فُجُرِّد الأمير سيف الدِّين الطَّباخي إليها، فلمَّا أحاط بها ليلة خامس شعبان ركبوا في البَحْر وهربوا إلى جزيرة أرواد، وهي بالقرب منها. وفي غضون ذلك استحضر الشُّجاعي مُقَدَّمي جبل الجُرْدِ(١) والكُسْرُوان، فلمّا حضروا بين يديه أخذَ سلاحهم ودَركهم خَفْرَ بلادهم، وتوثَّق منهم، ثم خلع علیھم، وأخذ منهم رهائن . ثم قَدِمِ الشُّجاعي بَعْلَبَكَّ في أواخر شعبان، وطلع إلى قَلْعتها، وأمر بكسر صَنَمين من الرُّخام كانا قد وُجدا في بعض الحفائر في نهاية التَّحرير والإتقان وبراعة الصَّنعة، فكان إذا حضرَ أحدٌ من الأكابر أحضروا الصَّنمين للفُرْجة على تلك الصَّنْعة. فلما زار الشُّجاعي مقام إبراهيم أحضر الوالي تلك الصَّنَمينِ فرآهما وأمر بتكسيرهما، فكُسِّرا في الحال. وهذه تدلُّ على حُسْن دِين الشُّجاعي، وإنْ كان ظالمًا. ثم دخل دمشق في السابع والعشرين من شعبان . وفي نصف رمضان قُبض على عَلَم الدِّين الدَّواداري، وبُعِث به إلى مصر . وجاءت الأخبار بالإفراج والرِّضى عن الأمراء الكبار: تقصو، وحُسام الدِّين لاجين النَّائبِ، وشمس الدِّين سُنْقُر الأشقر، وبدر الدِّين بَيْسري، وشمس الدِّين سُنْقُر الطَّويل المَنْصوري، وبدر الدِّين خَضِر بن جُودي القَيْمُرِي. وفي شؤَّال شرعَ الشُّجاعي بعمارة الطَّارمة والقُبة الزَّرقاء ودُور الحريم بقلعة دمشق، فحشدَ الصُّناع، وحشَر الرِّجال، وعَمِلَ عمارة الجبابرة، وقلعَ لذلك عدة أعمدة من سوق الفِراء الذي بطَرَف الفُسْقار، وحفرَ الأرض وراء (١) جَوّد المصنف ضم الجيم من ((جُرد)). ٤٣٧ الأعمدة، وإذا العمود منها نازل في الأرض بقدر ظهوره مرةً أخرى ونصف، وهو على قاعدة متينة، وتعجَّب النَّاس من ذلك، ولم يعلموا ما السبب في نزولها في الأرض. ثم إنها جُرَّت بدواليت(١) وآلات، وعبروا بها من باب السِّرِّ، ونَقَبوا لها في السُّور في البُدْنة، وهي أكبر من أعمدة الجامع، فأقيمت وعُمل عليها القَبْو الذي بين يدي القُبة. وعَسَّفَ الصُّناعِ، واستحثّهم بنفسه، وبنى بُنيانًا خشنًا جاهليًا، وزخرفَهُ، ودخل فيه أقل من ثلاثة آلاف دينار، قد سهرتُ في عَمَله ليالي مع أبي رحمه الله، وتكامَلَ جميعه في سبعة أشهر. وكان الدَّهَّانون يعملون في المُقَرْفَص والأساس لم يرتفع بعد، وجلب لذلك الرُّخام المفتَخَر من عَكَّا وصور وبيروت وتلك الدِّيار. وخَرَّب حمام الملك السعيد الذي تجاه باب السِّرِّ، ولم يكن له نظيرٌ في الحُسْن؛ وخَرَّب الأبنية التي من جِسْر الزلابية إلى قرب باب الميدان، وذهبت أملاك النَّاس وتَعَثَّروا. وكان هذا المكان مَلِيحًا (٢) ويُعرف بالمَسَابح، وعلى النَّهْرِ العابر إلى خَنْدق القلعة دُور حَسَنة، وِفِي النَّهر مركب يركب فيه الشَّباب للفُرْجة، وأحقُ وقد ركِبتُ فيه مع جدي العَلَم وأنا ابنُ خمسٍ سنين، وأعطى للذي في المركب أَجْره. وكان السُّلطان لما قَدِمَ دمشقَ انبسط هو أو بعض خواصه الملاح على نائب القلعة أرجواش فقال: وقعنا في الصِّبيانية. فغضب السُّلطان وأمر بشنقه، وألبس عباءة ليُشنق فيها، ثم شفعوا فيه، فحُبِسٍ مُدَّة، ثم أُطلع من الحبْس ولِزِم بيته بلا خُبز. ثم خُلِع عليه في رمضان، وأُعطيَ خُبزَه، وأعيد إلى نيابة القلعة، ورتب معه بالقلعة الأمير أسندمر المنصوري، وأنزل الباسطي إلى البلد . وفي رمضان طُلب القاضي بدر الدِّين ابن جماعة قاضي القُدس وخطيبه على البريد مُكرَمًا، وولاه الصَّاحب ابن السَّلْعوس قضاء الديار المصرية وعدة مَدَارس، ولم يترك لقاضي القضاة تقي الدِّين ابن بنت الأعز سوى المدرسة الشَّريفية فقط(٣). (١) جَوّد المصنف كتابتها بالتاء ثالث الحروف في آخرها . (٢) جَوَّد المصنف تنوين الحاء فكتب ((مليحَ))، وهي طريقة معروفة في الكتابة في تلك الأعصر وقبلها، فيظنها بعض من لا خبرة له بالمخطوطات وتحقيق النصوص غلطًا نحويًا . (٣) كتب المصنف في الحاشية: ((المدرسة قد أخذت منه أيضًا ودَرَّس بها غيره)). ٤٣٨ وفيها أمر الشُّجاعي فنوديَ في دمشق بإبطال العَمَائم للنساء، وأن لا تزيد المرأة على المُقَنَّعة، وبإبطال صباغات النِّساء، وأن لا يخرجن إلى المَقَابر وغير ذلك، وأن لا يأكل أحد حشيشةً، ولا يشرب خَمْرًا، وتوعَّد على ذلك. وكان ذا هيئةٍ وسطوة مُرهِبة، فتأدَّب البَلَد، وكانت هذه من حسناته . وفيها هلك أرغون ملك التَّار. وفيها أعيد طوغان إلى ولاية البَرِّ بدمشق. ومن غريبِ الاتفاقات أنَّ السُّلطان قدِم دمشقَ وأراد التُّزول يوم الجمعة إلى الجامع، وطُلب له من يخطب غير الخطيب ابن المُرَخَّل لكراهيتهم له، وشكوه إلى الصَّاحب، وطُلب الزَّيْن الفارقي، فامتنعَ لعدم التهيؤ، وطُلِب إمام الكَلَّسة، فتغيَّب، فخطب ابن المُرَخَّل. وزار السُّلطان الشيخ إبراهيم ابن الأُرْمَوي بالجَبَل بعد العشاء. ولما دخل السُّلطان مصر أطلق رُسُل عَكَّا الذين كانوا معوَّقين بالقاهرة. وجاءه رسول الأشكري، وأطلق السُّلطان للرسول أسرى بيروت، وكانوا ست مئة وثلاثين نفسًا. وأخرج من كان في الجُب من الأمراء، وأخرج الخليفة الحاكم بأمر الله، وكان في أيام أبيِه خاملاً لم يطلب أبوه منه تقليدًا بالمُلْك ولا انفعل لذلك، فظهر الخليفة وصَلَّى للمُسلمين، وبايعه الملك الأشرف بإشارة الوزير . وفي نصف شوال خطب بالنَّاس يوم الجمعة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، وذكر في خُطبته توليته للملك الأشرف أمرَ الإسلام، فخطب يومئذٍ بالخطبة التي خطب بها في أول سنة إحدى وستين، وهي مليحة، من إنشاء مؤدِّبه ومُفقّهه الإمام شرف الدِّين ابن المقدسي، فلمَّا فرغ من الخُطبة صلى بالنَّاس قاضي القضاة ابن جماعة . وفي رابع ذي القعدة عُمِلت الخِتَم لتمام السَّنَة من موت السُّلطان الملك المنصور بتُربته، وحضر القضاة والدَّولة، ونزل السُّلطان وقت الخَتْم والخليفة الحاكم بأمر الله، وخطب الخليفة، وذكر بغداد، وحَرَّضَ على أخْذها، وكان قد وَخَطَهِ الشَّيْب وعليه السَّواد. وأُنْفِق في هذا المُهم مبلغٌ عظيم، واحتفل له. وأما دمشق فإنَّ الشُّجاعي جمع النَّاس بالميدان، ونُصب مخيم عظيم سُلْطاني، ومُد سِماط هائل، وخُتمت الخَتْمة، وتكلّم الوُعَّاظ، فتكلم أولاً فريد الوقت عز الدِّين الفاروثي، وتكلم بعده الواعظ نجم الدِّين ابن البُزُوري، ٤٣٩ وحضرَ أُممِّ وخلائق، وكانت ليلةً مشهودة، وعُملت خلوات كثيرة. وفي شوال مُسِك الأميران بهاء الدِّين قُرارسلان، وجمال الدِّين آقوش الأفرم الصَّغير الذي صار نائبًا، وحُبسا بقلعة دمشق. وفي ذي الحجة وَسَّع الشُّجاعي المَيْدان من شماليه، وعمل في حائطه الأمراء والعامَّة، وعمل فيه الشُّجاعي بنفسه، وتقاسموه، ففرغ في يومين مع ضخامة حائطه . ووصل الأمراء الثلاثة على أخبار الذين مُسكوا من دمشق، والثلاثة هم: رُكْن الدِّين الجالق، والمِسَاحِ، وعز الدِّين أزدمُر العلائي، وعُمِلت سلاسل عظيمة وأظهروا قَصْد بغداد. وحج بالشاميين الأمير بدر الدِّين الصَّوابي الخادم. وعملت الشعراء القصائد في فتح عَكًّا، فمن ذلك كلمة المولى شهاب الدِّین محمود : الحمدُ لله زالت دولةُ الصُّلُبِ وعَز بالثُرْك دينُ المصطفى العربي رؤياه في النوم لاسْتَحْيَتْ من الطَّلَبِ في البحر المشرك عند البرِّ من أَرَبِ هذا الذي كانت الآمالُ لو طُلِبَتَ ما بعد عَكَّا وقد هُدَّتِ قواعِدُها عقيلةٌ ذَهَبَت أيدي الخُطُوب بها دهْرًا وشَذَت عليها كَف مغتصِبٍ في البَرِّ والبحر ما يُنْجِي سِوَى الھَرَبِ لم يبق من بَعْدها للكُفْرِ إذ خَرِبتْ أُمُّ الحروبِ فكم قد أنشأتْ فِتَنًا سُوران برِّ وبحرٌ حوْلَ ساحتها ففاجَأَتْها جنودُ الله يَقْدُمُها كم رَامَها ورَمَاها قبلَه ملِكٌ لم يُلْهِهِ مُلْكُهُ بلْ في أوائله فأصبحتْ وهي في بحرين ماثلة شاب الوليدُ بها هَوْلاً ولم تَشِبٍ دارا وأدناهما أَنْأَى من السُّحُبِ غضبانُ الله لا للمُلْكِ والنَّشَبِ جمُّ الجيوشِ فلم يَظْفَرْ ولم يُصِبِ نال الذي لَم يَنَّلْهُ الناسُ في الحِقَبِ ما بين مُضطرِم نارًا ومُضطرِبٍ جيشٌ من التُّرْك تَرْكُ الحربِ عندهم عارٌ وراحتُهُمْ ضَرْبٌ مِن النَّصَبِ به الفُتُوحُ وما قد خُطَّ في الكُتُبِ يا يوم عَكَّا لقد أَنْسَيْتَ مَاَ سَبَقَتْ لم يبلغ النُّطْقُ حَد الشُّكْر فيك فما عسى يقومُ به ذو الشِّعْرِ والخُطَبِ كانت تُمَنِّي بك الأيام عن أُمَم فالحمد لله شاهدناك عن كَثَبٍ وأَطْلَع الله جيشَ النَّصر فابتَدَرَتْ طلائعُ الفتْح بين السُّمْرِ والقُصُبِ ٤٤٠