النص المفهرس
صفحات 181-200
وله شِعْرٌ ويدٌ طُولى في التَّرسُل وخطٍّ منسوبٌ، أنفق أكثر أمواله في الطّاعة. وكان مقتصدًا في مَلْبسه ومَرْكبه. وتزوَّج بابنة الملك العزيز عثمان ابن الملك العادل، ثم تزوَّجَ بأخت السُّلطان الملكِ النَّاصر يوسف الحَلَبي فجاءَهُ منها المولى صلاح الدين. وكان عنده من الكُتُب النَّفيسة شيءٌ كثيرٌ فوَهَبَ مُعْظَمها. وكان ذا مروءةٍ تامَّةٍ، يقوم بنفسه وماله مع من يقصده. وأُّه هي بنت الملك الأمجد حسن ابن العادل. وقد رثاه شهابُ الدِّين محمود الكاتب، أبقاه الله، بقصيدةٍ أولها: هو الربع ما أقوى وأضحت ملاعبه مشْرَعة إلا وقد لانَ جانبه عَهِدتُ به من آل أيوب ماجدًا كريمَ المُحَيَّا زاكيات مناسبُه يزيد على وَزْن الجبال وقارُهُ وتَكْثُرِ ذَرَّتِ الرِّمال مَنَاقبُه تُوفي بدمشق في جمادى الأولى، وهو في عَشْر الخمسين. وقد روى عن ابن اللَّتِّي، وغيره(١). ٣٤٠- الحسن بن عثمان بن علي، الإمام القاضي مُحتسب الثَّغْر ركنُ الدِّين أبو علي التَّميميُّ القابسيُّ المالكيُّ المُعَدَّل. قدم الثغر شابًّا، فسمع من ابن مُوَقَّى، وابن المُفَضَّل، وجماعةٍ. وتلا بالسَّبع على منصور بن خَمِيس الأندلسي. تلا عليه عبدالمجيد بن خَلَفَ الصَّوَّاف. وروى عنه جماعةٌ، منهم ولدُه شيخنا يوسف. مات في المحرّم(٢) . ٣٤١- الحُسين بن علي بن عبدالرحمن بن علي بن محمد ابن الجَوْزي، أبو المظفَّر بن أبي القاسم ابن الشَّيخ الإمام أبي الفَرَج. تُوفي في شعبان(٣) . ٣٤٢- خليل بن علي بن خليل، كمال الدِّين أبو الصَّفا العَجَميُّ الأصل الدِّمشقيُّ. (١) الترجمة من ذيل مرآة الزمان ٢/ ٤٧٤ - ٤٧٨. وتنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٦. (٢) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٥ . (٣) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٧ . ١٨١ وُلد سنة ستٍّ وست مئة. وسمع أبا المُنَجَّى ابن اللَّتِّ، وكريمة. وسمع من المتأخرين كثيرًا بدمشق ومِصْر . وتُوفي بالقاهرة في المحرَّم(١). ٣٤٣- سَلَّر بن الحسن بن عُمر بن سعيد، الإمام العلاَّمة المُفتي كمال الدِّين أبو الفَضَائل الإربليُّ الشَّافعيُّ، صاحب الإمام تقي الدين أبي عَمرو ابن الصَّلاح. قال الشّريف عِزُّ الدِّين(٢): تُوفي ليلة خامس جُمادى الآخرة، ودُفن بمَقْبرة باب الصَّغير. قال: وكان عليه مَدَار الفَتْوى بالشَّام في وقته، ولم يترك بعده في بلاد الشَّام مثلَهُ، أفتَى مدةً، وانتفعَ به جماعةٌ . قلتُ: وكان الشيخ نجم الدِّين الباذَرائي قد جعله مُعِيدًا بمدرسته، فلم يَزَل على ذلك إلى أن مات لم يتزيَّد منصبًا آخر. ومات في عشر السَّبعين. وقد تفقَّهَ عليه جماعةٌ. وقيل: إنه نيَّفَ على السَّبعين، والله أعلم. ٣٤٤- سُنْقُر، الأمير شمس الدِّين أبو سعيد الأقرع أحد مماليك الملك المظفَّر غازي صاحب مَيَّافارقين ابن العادل. كان من كبار الأمراء بالدِّيار المِصْرية فأمسكه الملك الظَّاهر وحَبَسَه، وتُوفي في ربيع الآخر(٣). ٣٤٥- عبدالرحمن بن سَلْمان بن سعيد بن سَلْمان، الإمام الفقيه جمال الدِّين البُغَيْداديُّ ثم الحَرَّانيُّ الحنبليُّ. وُلد بحَرَّان سنة خمس وثمانين وخمس مئة. وسمع من حَمَّاد الحَرَّاني، وعُمر بن طَبَرزد، وحنبل بن عبد الله، وعبدالقادر الحافظ، وأبي اليمن الكِنْدي، وأبي القاسم ابن الحَرَستاني، والشَّيخ الموفَّق، والشيخ الفخر ابن تَيْمية، وغيرهم. روى عنه الدِّمياطي، والقاضي تقي الدِّين سُليمان، وابن الخَبَّاز، وأبو الحسن ابن العَطَّار، وأبو عبدالله بن أبي الفتح، وأبو بكر بن عبدالحليم (١) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٥ . (٢) صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٦ . (٣) من ذيل مرآة الزمان ٢ / ٤٧٩. ١٨٢ العَسْقلاني المقرىء، والبُرْهان الذَّهبي، وجماعةٌ سواهم. وكان إمامًا، صالحًا، فقيهًا، عارفًا بالمذهب، خبيرًا بالفُتيا، حَسَنَ التَّعليم، متواضعًا. تُوفي بالبيمارِسْتان بدمشق في الرَّابع والعشرين من شعبان(١). ٣٤٦- عبدالرَّحيم بن عبدالرَّحيم بن عبدالرَّحيم بن عبدالرّحمن، القاضي عماد الدين أبو الحُسين الحلبيُّ ابن العجَمي. وُلد سنة خمسٍ وست مئة. وسمع من الافتخار الهاشمي، وثابت بن مُشَرَّف. وحدَّث، وَدَرَّس، وأفتى، ووَلِيَ القضاء ببلد الفَيُّوم مدةً. وكان مَشْكورًا في القضاء. تُوفي في رابع رمضان بحلب. روى عنه الدِّمياطي، وابنُ جماعة. وقد ناب في الحُكم بدمشق(٢). ٣٤٧- عبدالوهاب بن محمد بن إبراهيم بن سَعْد، الشَّيخ أبو محمد المقدسيُّ الصَّحْراويُّ القُنَّبِيطيُّ الحنبليُّ . وُلد سنة إحدى وتسعين وخمس مئة. وسمع من الخُشُوعي، وعُمر بن طَبَرَزَد، ومحمد بن الخصيب، وحنبل، وجماعةٍ. روى عنه ابن الخَبَّاز، وأبو الحسن المَوْصلي، وأبو الحسن ابن العَطَّار، وأبو الحسن الكِنْدي، وأبو عبدالله ابن أبي الفتح البَعْلَبكي، وأبو عبدالله ابن الزَّرَّد، ومحمد بن بَدْر النَّسَّاج، وطائفةٌ سواهم. وكان من بقايا المُسندين. توفي في تاسع عشر رمضان عن ثمانين سنة(٣). ٣٤٨- عليّ بن عبدالله بن إبراهيم، أبو الحسن الباهليُّ المالَقيُّ الأديب الشّاعر . (١) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٧ . (٢) جله من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٧ - ١٧٨. وكتب المصنف بعد هذا ترجمة قصيرة لعبدالرحيم بن محمد بن محمد ابن يونس نقلاً من ابن خلكان ثم نقل عن الظهير الكازروني أنه توفي في سنة ٦٧١ فكتب في أول الترجمة ((يؤخر))، ثم كتب له في السنة الآتية (ط ٦٨ / الترجمة ١٩) ترجمة أوسع من هذه. (٣) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٨ . ١٨٣ روى عن محمد بن عبدالحق بن سُليمان؛ لَقِيه بتلمسان، وقرأ عليه برنامجه. فيه خِفَّةٌ لا تُخلُّ بمروءته. تُوفي بمالَقة سنة سبعين؛ قاله ابن الزُبير . ٣٤٩- عليّ بن عبدالخالق بن علي، عِزُّ الدين الإسعِرديُّ، ناظرُ ديوان بَعْلَبكَّ . توفي في ذي القَعْدة كَهْلاً (١). ٣٥٠- الشيخ علي البکَّاء، رحمة الله عليه. من كبار أولياء الله تعالى، أقامَ مدةً ببلد الخليل، وكان مقصودًا بالزِّيارة والتَّرُّك. وَرَدَ خَبَرُ موته إلى دمشق في يوم عاشر رجب سنة سبعين. ويُقال: إنه قارب مئة سنة. وقبره ظاهر یُزار(٢) . ٣٥١- علي بن عثمان بن علي بن سُليمان، أمين الدِّين السُّليمانيُّ الإربليُّ الصُّوفيُّ الشَّاعر من أعيان شُعراء الملك الناصر. كان جُنْديًّا فتصوَّفَ وصار فقيرًا. تُوفي في جمادى الأولى بالفَيُّوم، وهو في مُعْتَرك المَنَايا(٣). ٣٥٢- عليّ بن عُمر بن نَبًا، نور الدَّولة اليونينيُّ تَرْبية الشَّيخ الفقيه أبي عبدالله اليُونيني. رَبَّاه الشَّيخ الفقيه وزوَّجه ببناته الثَّلاث واحدةً بعد واحدة، وأسمعه الحديث من البهاء عبدالرحمن، والعِزِّ ابن رَوَاحة. وكان غَزِيرَ المروءة شجاعًا مِقدامًا، له حكاياتٌ في الشَّجاعة وفي قَتل الوحوش. توفي في جمادى الآخرة، وقد نَيَّف على الستين (٤). ٣٥٣- علي بن محمد بن محمد بن الفَضْل بن جعفر بن الفَضْل، الشَّريف الصَّدر المُعَمَّر زين الدِّين أبو الحسن الهاشميُّ العباسيُّ الصَّالحيُّ المِصريُّ المالكيُّ. (١) من ذيل مرآة الزمان ٢/ ٤٨٠ . (٢) من المقتفي للبرزالي ١/ الورقة ٢٧ . (٣) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٦ . (٤) من ذيل مرآة الزمان ٢ / ٤٨٤ - ٤٨٦. ١٨٤ وُلد في التّاسع عشر من ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمس مئة. وذكر إن السِّلفي أجاز له إجازةً خاصةً، وكان مَوْصوفًا بالخير والفَضْل والعَفَاف، فسُمع عليه بالإجازة المُطْلَقة من السِّلَفي. قال الشَّريف عِزُّ الدِّين(١): تُوفي في الرابع والعشرين من رَجَب. ٣٥٤- عليّ، أبو الحسن المَتَّيْويُّ المغربيُّ السَّبْيُّ المالكيُّ الزَّاهد. أحد الأئمة الأعلام، كان يحفظ ((المُدوَّنة)) و((التَّفريع)) لابن الجَلَّب، و(رسالة)) ابن أبي زيد. وألَّفَ كتابًا شرحَ فيه ((الرسالة))، ولم يُتِمَّه، بل وصل إلى باب الحدود. وكان مع براعته في الفقه عَجَبًا في الزُّهد والوَرَعَ مُلازِمًا لبيته، ويخرج إلى الجُمُعة مُغَطى الوجه لئلا تقع عينه على مكروه. وكان لا يأكل إلا ما سيق إليه من مَتِّوة من مواضع يعرف أصولها . توفي في حدود عام سبعين. وقبره بظاهر سَبْتة يُزار ويُتَبرَّك به. قال لي ابن عِمْران الحَضْرمي: لم يكن في زمانه أحفظ منه لمذهب مالك أخذ الناس عنه (٢) ٣٥٥- عُمر بن أيوب بن عُمر بن أرسلان بن جاولي، المحدِّث أبو حَفْص شهابُ الدِّين التُّركُمانيُّ الدَّمرداشيُّ الدِّمشقيُّ الحنفيُّ، المعروف بابن طغريل السَّيَّاف. وُلد سنة خمس وعشرين وست مئة تقريبًا بدمشق، وطلب بنفسه بمِصْر، وأكثر عن أصحاب البُوصيري، وعُنِيَ بالحديث، وحصَّل، وفَهِمَ، وجَمَعَ، وخرَّج لنفسه مُعْجَمًا، وكتب العالي والنَّازل. وكان ثقةً، صالحًا، نبيهًا، مُفيدًا . تُوفي بمصر في السابع والعشرين من جمادى الأولى، ولا أعلمه حدَّث(٣). ٣٥٦- محمد بن أبي الغَنَائم سالم ابن الحافظ أبي المَوَاهب الحسن ابن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن صَصْرى، القاضي العَدل الكبير عماد الدِّين أبو عبدالله الرَّبعيُّ التَّغْلبيُّ البَلَدِيُّ الأصل الدِّمشقيُّ الشَّافعيُّ. وُلد بعد الست مئة (٤). وسمع من أبيه، وأبي اليُمن الكِنْدي، وهبة الله بن (١) صلة التكملة، الورقة ١٧٧ . (٢) سيعيده المصنف في وفيات سنة ٦٧١ من الطبقة الآتية (ط ٦٨ / الترجمة ٢٤). (٣) جل الترجمة من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٦ . (٤) كتب المصنف في حاشية النسخة: ((تخمينًا مولده سنة ثمان وتسعين وخمس مئة)). ١٨٥ طاوس، وابن أبي لُقْمة، وأبي المَجْد القَزْويني، وجماعةٍ. روى عنه ابنه قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس، والشيخ علاء الدين ابن العَطَّار، والحافظ الكبير شرف الدين الدِّمياطي، والإمام زينِ الدِّين الفارِقي، وبدر الدِّين ابن الخَلَّل، ونجم الدِّين ابن الخَبَّاز، وجماعةٌ بقَيْد الحياة. وكان صَدْرًا رئيسًا، وافرَ الحُرمة، ظاهر الحِشمة، كبيرَ الثَّروة والنِّعمة. وَلِيَ غير مرة في المناصب الدِّينية فحُمدت سيرتُهُ، وكان ينطوي على دين وعبادة وحُسن خُلُقٍ ومروءة. وكان مُحِبًّا للحديث ذا عناية به؛ رحلَ إلى مصر وسمعَ من أصحاب السِّلفي، وكتب بخطُّه وحَصَّلَ، واعتنى بولده وأسمعه الكثير. وقد روى الحديث من بيته جماعةٌ كثيرةٌ ذكرناهم في هذا التّاريخ . تُوفي في العشرين من ذي القَعْدة بدمشق، ودُفن بتُربتهم بسَفح قاسيون(١). ٣٥٧- محمد بن علي بن أبي طالب بن سُوَيْد، الرَّئيس وجيه الدِّين التكريتيُ التّاجر. كان نافذَ الكَلِمة، وافرَ الحُرْمة، كثير الأموال والتَّجارات، واسعَ الجاه. وكان من خَواصِّ الملك النَّاصر، ويده مَبْسوطةٌ في دولته. ذكره قطب الدِّين، فقال(٢): لما توجَّهَ إلى مِصر في الجَفل من التََّار غَرِمَ ألف ألف درهم. فلما تسلطَن الملك الظاهر قَرَّبه وأدناه وأوصى إليه وجعله ناظرَ أوقافه. وكان له من التَّمْكين ما لا مزيدَ عليه، ولم يبلغ أحدٌ من أمثاله من الحُرْمة ونَفَاذ الكَلِمة ما بلغ. كانت مَتَاجره لا يَتَعرَّض لها مُتعرِّض، وكُتبه عند سائر الملوك، حتى ملوك الفِرَنْج، نافذةٌ، وكل من يُنسب إليه مَرْعِيُّ الجانب. ولما مات ولده التّاج محمد في صفر سنة ستٍّ وخمسين مَشَى الملك النَّاصر في جنازته ثم ركب إلى الجبل، وكانت جنازةً مشهودةً، وتأسَّفَ أبوه وامتنع من سُكْنِى داره بالزُّلاَقة، فأمر السُّلطان بأن تُخْلى له دار السَّعادة وفُرِشت ليسكنها . ثم خرج إليه السُّلْطان، وحلف عليه فنزل البلد. ومن إكرامه أن ولده نصير الدِّين عبدالله حجَّ مع والدته عام حجَّ الملك الظَّاهِرِ، فحضر عنده يوم عَرَفة مُسلِّمًا، فحين وَطِىء البِسَاط قام له السُّلطان وبالَغَ في إكرامه، وسأله عن حوائجه فقال: حاجة المملوك أن يكون معنا أميرٌ يُعيِّنه السُّلطان. فقال: من اخترتَ من الأمراء أرسلتُهُ في خِدْمتك. فطلب منه جمال الدِّين ابن نهار. فقال (١) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٨ . (٢) ذيل مرآة الزمان ٢ / ٤٨٨ - ٤٨٩. ١٨٦ له السُّلطان: هذا المولى نصير الدين(١) قد اختارك على جميع مَن معي فِتروح معهم إلى الشَّام وتخدمه مثل ما تخدمني. وهذا عظيمٌ من مثل الملك الظَّاهر. وكان وجيه الدِّين كثير المُكاتبة للأمراء والوزراء، وفيه مكارم، وعنده بِّ وصَدَقةٌ ودمائة أخلاق ورِقة حاشية. تُوفي بدمشق في ذي القَعْدة(٢)، ودُفَن بتُربته بقاسيون، وكان من أبناء السَّبعين. قلتُ: وُلد سنة تسع وست مئة. وسمع من المؤتمن ابن قُمَيْرة، ولم يَروٍ، بل روى عنه الدِّمياطي من شعره. ٣٥٨- محمد بن علي بن محمد، الصَّالح الزَّاهد أبو عبدالله ابن الطَّبَاخِ المَوصليُّ ثم المِصْريُّ. روى عن الشَّيخ مُرهِف شيئًا من شعره، وله زاويةٌ بالقَرَافة الصُّغرى، ويُقصد بالزِّيارة والتَُّك لصلاحه و دينه. عاش ثلاثًا وسبعين سنة، وتُوفي فِي جُمادى الآخرة(٣). ٣٥٩- محمد بن علي بن المظفّر بن القاسم، أبو بكر النُّشْبيُّ المؤذن بجامع دمشق . وُلِد في سَلْخِ المُحرَّم سنة إحدى وتسعين وخمس مئة، وسمع من الخُشُوعي، وبهاء الدِّين القاسم ابن عساكر، وستِّ الكَتَبة بنت الطََّّاح، وعمر ابن طَبَرْزد، وحَنْبل، والكِندي، وجماعة. وروى الكثير، وتَفَرَّد بأجزاء. وكان يقرأ على الجنائز. روى عنه الدِّمياطي، وأبو محمد الفارقي، وأبو علي ابن الخَلَّل، وأبو الفدَاء ابن الخَبَّاز، وأبو الحسن ابن العَطَّار، وأبو عبدالله ابن الزَّرَّاد، ومجد الدين ابن الصَّيرفي، وجماعة في الأحياء. وتبطأ بعض المحدثين عن الأخذ عنه لكونه جنائزيًّا. وقد سمع منه الشهاب المقرىء. وكانت وفاته في سادس ذي الحجة (٤). ٣٦٠- محمد بن عُمر بن محمد بن عليّ، زين الدِّين أبو عبدالله ابن (١) هكذا بخط المؤلف، فكأنه لقب آخر له، أو هي صفة أراد بها الظاهر إكرامه. (٢) كتب أحدهم في حاشية النسخة: ((توفي في شوال)). قلنا: وكذلك ورخه الحسيني في السابع والعشرين من شوال أيضًا (صلة التكملة، الورقة ١٧٨)، وهو الصواب إن شاء الله . (٣) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٦ . (٤) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٨ . ١٨٧ الزَّقْزوق الأنصاريُّ الفاسيُّ الأصل المِصْريُّ الصُّوفيُّ الكتُبيُّ. وُلد سنة سبع وثمانين وخمس مئة بمصر. وسمع بدمشق من حنبل الرُّصافي، وأبي القاسم ابن الحَرْستاني؛ سمع منه المِصْريون. وروى عنه الدِّمياطي، وغيرُه. ومات بالقاهرة في نصف رَجَب(١). ٣٦١- محمد بن محمد بن أحمد، أبو بكر ابن مُشليون الأنصاريُّ البلَنْسيُّ المقرىء المُحَدِّث. كان عالي الإسناد في القراءات؛ أخذها عن أبي جعفر بن عون الله الحَصَّار، فكان آخر أصحابه. واستوطنَ سَبْتة وأقرأ بها إلى أن تحوَّلَ في أواخر عُمُره إلى تُونس فتوفي بها سنة سبعين أو بعدها بقليل. قرأ عليه القراءات الشيخ أبو إسحاق الغافقي المُتوفى سنة ست عشرة وسبع مئة بسَبْتة . ٣٦٢- محمد بن ملكداذ المُوقانيُّ، الفقيه نجمُ الدِّين، معيد الباذرائية. ٣٦٣- محمد بن أبي فِراس، قاضي القُضاة سِرَاج الدِّين الهُنايسيُّ. مات في رمضان، ودُفن عند معروف الكَرْخي. سمع من علي بن إدريس. ودَرَّس بالبشيرية. وكان ديَّنَا، مُتحريًا، بصيرًا بمذهب الشَّافعي، رحمه الله . ٣٦٤- مُدَللة بنت محمد بن إلياس بن عبدالرحمن ابن الشِّيْرجيِّ، أم محمد (٢) الدِّمشقية. خَرَّج لها جمال الدين ابن الصَّابوني أربعين حديثًا بالإجازات من شيوخها. أجاز لها عبداللَّطيف بن أبي سَعْد، والخُشوعي، والقاسمِ ابن عساكر، والحافظ عبدالغني. روى عنها ابنُ الخَبَّاز، وأبو الحسن ابن العَطَّار، وغيرهما . وتُوفيت في ثاني شعبان عن ثمانين سنة(٣). ٣٦٥- مُظْفَّر ابن القاضي مجد الدين عبدالرحمن بن رمضان بن إبراهيم، الحكيم بدرُ الدين الطبيب، شيخ الطب المعروف بابن قاضي بَعْلَبك. (١) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٧ . (٢) هكذا كناها المؤلف، وكناها الحسيني: أم إسماعيل. (٣) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٧ . ١٨٨ قرأتُ بخط الإمام شمس الدين محمد ابن الفخر أنه تُوفي في يوم الثلاثاء ثاني وعشرين صَفَر سنة سبعين. قال: وكان رئيس الأطباء شَرْقًا وغربًا، فيلسوف زمانه، لم نعلم في وقته مثلهُ. انهدم بعدَهُ رُكنٌ من الحِكمة. وله مصنفاتٌ عظيمةُ النَّفْعِ في الطَّبِّ. ووقع له من حُسن العلاج في زماننا ما لم يقع إلا للأكابر؛ فمنه أنَّ الملك المنصور صاحب حماة نزل به خوانيق أشرفَ منها على المَوْت، فأنفذ إلى دمشق يطلب البدر المَذْكور والموفَّق السَّامري فذهبا إليه فكوياه في وسط رأسه بميل من ذَهَب، فبرأ، وأعطاهما شيئًا عظيمًا. وكان ذلك بإشارة البدر . قال ابن أبي أُصَيْبعة(١): نشأ بدمشقَ، وقد جمعَ الله فيه من العِلم الغزير والذَّكاء المُفرِط والمروءة ما تَعْجز الألسنُ عن وصفه. قرأ الطِّبَّ على الدَّخْوار، وأتقَنَهُ في أوسع وَقت، وحفظَ كثيرًا من الكُتُب. وكان ملازمًا له؛ عرضَ عليه مقالته في الاستفراغ، وسافرَ معه إلى الشَّرق. وخدم بمارستان الرَّقة. وصنَّفَ مقالةً في مِزاج الرَّقة. واشتغل بها على الزَّين الأعمى الفَيْلِسِوف. ثم قدم دمشقَ، فلما تَسَلْطن الجواد بدمشق استخدَمَهُ، وحظي عنده وتمكَّنَ، وولاَّه رياسة الأطباء والكَخَّالين، والجَرَّاحية، وكتب له منشورًا في صفر سنة سبع وثلاثين. وقد اشترى دُورًا إلى جانب مارستان نور الدين، وغَرِمَ عليها مَبْلغًا، وكَبَّرَ بها قاعاتٍ للمرضى، وبناها أحسن بناء، وشكروه على ذلك. وخدَمَ الملكَ الصالحِ وغيرَهُ. ثم تجرد لحفظ مذهب أبي حنيفة. وسكن بيتًا في القَلِيجية. وحَرَّرَ حِفْظ القرآن ثم القراءات، وأخذها عن الإمام أبي شامة على كِبَر، وأتقنها . وفيه عبادةٌ ودينٌ، وقد مدحه ابن أبي أُصَيبعة بقصائد في ((تاريخه))(٢). وله كتاب ((مُفرج النَّفس)) استوفى فيه الأدوية القَلْبية، وكتاب ((المُلَح)) في الطِّب. ٣٦٦- مظفَّر بن لؤلؤ، أبو غالب الدِّمشقيُّ الضَّرير ابن الشَّربدار. يروي عن عُمر بن طَبَرْزَد، تُوفي في جمادى الأولى(٣). وقال ابن الخَبَّاز فيه: مظفَّر بن ياقوت زين الدِّين الشَّربدار العادلي. روى عن ابن طَبَرْزد. ووُلد سنة ثلاثٍ وتسعين وخمس مئة. (١) عيون الأنباء ٧٥١ - ٧٥٢. (٢) نفسه ٧٥٢ - ٧٥٤ . (٣) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٥ . ١٨٩ ٣٦٧- النَّصير بن تَمام بن مَعالي، أبو الذّكر المقدسيُّ، رئیس المؤذنین بجامع دمشق . وُلد سنة سبع وثمانين وخمس مئة، وسمع في كهولته من ابن اللتي. وحدَّث. وذكر أنه سمع من الكِنْدي. وكان طَيِّبَ الصَّوت، مليحَ الشَّكل. تُوفي في المحرَّم، ودُفن بمقبرة باب الفراديس(١). ٣٦٨- يحيى بن عبدالرَّحيم بن المُفَرِّج بن علي بن المُفَرِّج بن مَسْلَمة، المحدّث أبو زكريا. سمع بدمشق من أبي القاسم الحُسين بن صَصْرى، وجماعةٍ. وبمِصْر من عبدالعزيز بن باقا، وعبدالصَّمد الغضاري وجماعة وكتب الأجزاء، وأسمع ولدَه عبدالرَّحيم. ثم خدم بالكتابة . وتُوفي بالغور في تاسع جمادى الأولى. وكان مولده في سنة أربع وست مئة . روى عنه ابن الخَبَّاز، وزاد أنه سمع من أبي المَجْدِ القزويني، وزين الأُمناء، وقال: لقَبُه محيي الدين. وحدثنا عنه علي ابن الموفَّق(٢). ٣٦٩- يحيى بن محمد بن عبدالواحد بن عبدة، الصَّدْر نجمُ الدين ابن اللُّبُودِيِّ، الدِّمشقيُّ الطَّبيب. تَرَقى بالطّبِّ عند صاحب حِمص، ووَزَرَ له، ثم اتَّصلٍ بصاحب الشام الملك النَّاصر فجعله ناظر الدَّواوين. ثم وَلَيَ ذلك في الدَّولة الظَّاهرية. وكان مُخْتَشِمًا، نبيلاً، جليلاً. اختصر ((الإشارات))، والمعالمين في الأصلين؛ واختصر ((الكُلِّيات)) في الطِّب. وتُوفي في ذي الحجة، ودُفن بتُربته التي بقُرب بركة الحِمْيَريين، وجعل تُربته دار طبٍّ وهندسةٍ، وقَرَّر لها شيخًا وقُرَّاءً. وكان والده شمسُ الدين محمد ابن اللَّبُودي من كبار الأطباء، تُوفي سنة إحدى وعشرين وست مئة، وعُمر نجم الدين يومئذٍ أربع عشرة سنة(٣). ٣٧٠- يعقوب ابن المُعْتَمِد والي دمشق مُبارز الدين أبي إسحاق إبراهيم بن موسى العادليُّ الدِّمشقيُّ، الأمير شرف الدّين أبو يوسف الحَنْفَيُّ. (١) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٥ . (٢) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٥ - ١٧٦ . (٣) ينظر عيون الأنباء ٦٦٣ - ٦٦٨ . ١٩٠ روى عن حنبل بدمشق والقاهرة، وسمع من أبي القاسم أحمد بن عبدالله العَطَّار. روى عنه الدِّمياطيُّ، وابنُ الخَبَّاز، وابن العَطَّار، والدُّوَيْداري، وجماعة. وتُوفي في ثالث عشر رَجَب عن ثلاثٍ وثمانين سنة (١). ٣٧١- يوسف بن عبدالله بن عثمان، الشَّيخ التقي المقدسيُّ، عُرِفَ بالکِیزاني. روى عن ابن اللَّتِّي. روى عنه ابن الخَبَّاز، والشيخ علي ابن العَطَّار. ونزل بكفر بَطْنا، ولَقَّنَ بها، وعلَّم، وأمَّ بمسجدٍ بها، ومات بها(٢). ٣٧٢- الرَّشيد أبو حُلَيقة الطّبيب المِصْريُّ المشهور النَّصْرانيُّ، واسمه أبو الوَحش ابن الفارس أبي الخَيْر ابن الطّبيب داود بن أبي المُنَى. كان أستاذ هذه الصِّناعة في عصره، وفيه لُطْفٌ وتودُّد ورأفة بالمَرْضى. اشتغلَ على عَمِّه المهذَّب أبي سعيد بدمشق، ثم اشتغلَ بمصر. وقرأ أيضًا على المُهَذَّب الدَّخْوار. وُلد بجَعْبَر سنة إحدى وتسعين وخمس مئة، ونشأ بالرُّها، وبعثه أبوه قبل الست مئة إلى دمشق فتعلّم عند عَمِّه قليلاً. ودخل القاهرة وسكنها، وخدم الملك الكامل. وكان لهِ إقطاع وافر. ثم خدم الصَّالح نجم الدين ابن الكامل وغيره. وخَدَم الملك الظَّاهر رُكْن الدين. وطال عُمُره، واشتُهِرَ ذِكْرُه. وله نوادر في أعمال الطِّبِّ تَميَّزَ بها. وكان في شبيبته يُعرف بابن الفارس، فطلبَهُ الكامل يومًا وقال: اطلبوا لنا أبو حُلَيقة. فغلب ذلك عليه . قال ابن أبي أُصَيبعة(٣): وقد أحكمَ نبضَ الملك الكامل حتى أنه أخرج إليه من خَلف السِّتارة مع الآدُر المريضات، فرأى نَبْض الجميع، ووصف لهُنَّ، فلما وصل إلى نَبْضه عَرَفه فقال: هذا نَبْضُ مولانا السُّلطان وهو صحيح بحمد الله. فتعجب منه غاية العَجَب، وزاد تمكُّنُه عنده. وقد عَمِلَ التِّرياق الفاروق وتعبَ عليه، وسهر ليالي حتى عَمِله، فحصل للشُّلطان نزلةٌ في أسنانه فقُصِد بسببها، وداواه الأسعد لاشتغال الرّشيد بعمل التُّرياق، فلم ينجع، وزاد الألم، فطلب الرَّشيد وتضوَّر، فقال: تَسَوَّك من (١) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٦ - ١٧٧ . (٢) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٨. (٣) عيون الأنباء ٥٩٢ - ٥٩٣. ١٩١ ٠٠ التِّرياق الذي عمله المملوك فِي البُرنيَّة الفضة وتَرَى العَجَب. قال: وخرج إلى الباب فلم يشعر إلا بورقة بخطّ السُّلطان: ياحكيم استعملتُ ما قلتَ فزالَ جميع ما بي لوقته ثم بعث إليه خِلَعًا وذهباً. وقد سَقَى من ترياقه مَفْلوجًا عند السُّور فقام بعد ساعتين، وسَقَى منه مَن به حصاة ففتتها، وأراق الماء لساعته. وله أخبار كثيرة ذكرها ابنُ أبي أُصيبعة، وقال(١): سُمِّي بأبي حُلَيقة الحلقة فِضَّة كانت في أُذُنه عمِلَتها أُمه من الصِّغَر، وعاهدته أمّه أن لا ينزعها، فبقيت لأنَّها كان لا يعيشُ لها ولد فقيلَ لها: اعملي لمولودك حُليقةَ فِضَّة، فإذا وُلِد اعمليها في أُذُنه، فعملتها وعاش اتفاقًا. له شعر جيّدٌ ومقالة في حِفْظ الصِّحة، ومقالة في أنَّ الملاذ الرَّوحانية ألذ من الجسمانية، كتاب الأدوية المُفْردة سماه ((المختار في ألف عقار))، ((مقالةٌ في ضرورة الموت))(٢). ٣٧٣- أبو القاسم بن سالم الزَّمْلكانيُّ. حدَّث عن ابن اللَّتِّي، وغيره، ومات في جمادى الآخرة(٣). وفيها وُلد : فخرُ الدين عثمان ابن شيخنا جمال الدين أحمد ابن الظَّاهري، وشمس الدين محمد ابن الشهاب أحمد بن محمد بن صالح العُرضي إمام مسجد الرَّحْبة، في صَفَر، وشهاب الدين أحمد بن إبراهيم ابن الجَزَري، وشمس الدين محمد بن عبدالواحدِ المَرَّاكشيُّ النَّحوي، وبدر الدين محمد ابن شيخنا كمال الدِّين أحمد ابن العَطَّار في جُمادى الأولى، والصّارم إبراهيم بن محمد الجُنْدي ابن الغَزَّال، وشمس الدين محمد ابن القاضي سالم بن أبي الهَيْجاء الأذرعي، والشيخ علي بن محمد الخُتَنيُّ تقريبًا، والتَّقي عبدالملك بن أبي بكر ابن مُشَرَّف نزيل طرابُلُس. والقاضي كمال الدين أحمد ابن العماد ابن الشيرازي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن جَهْبَل في المحرَّم، والشيخ محمد بن أحمد البالِسي، وعزيزُ الدين إبراهيم ابن الخطيب جمال الدين الدِّينَوَري بكفر بَطْنا. (١) عيون الأنباء ٥٩٦ - ٥٩٧ . (٢) سيعيده المصنف مختصرًا في وفيات سنة ٦٧٦ من هذا الكتاب (الترجمة ٣٤٥). (٣) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٧٦ . ١٩٢ الطبقة الثامنة والستون ٦٧١ - ٦٨٠ هـ تاريخ الإسلام ١٥ / م ١٣ بِسْمِ اللهِ الرََّنِ أَ ومن الحوادث في هذه العشر سنين على الترتيب(١) سنة إحدى وسبعين وست مئة ففي المحرَّم سار السُّلطان من دمشق إلى مصر على البريد، وفي صُحبته البَيْسَري، وجَرْمك الناصري، وآقوش الرُّومي، فوصلوا في ستة أيام، وأقام خمسةً، ورجع فوصل دمشق في خمسةٍ . وفي المحرَّم قدم الكافر صاحب النُّوبة فنهب عيذاب، وقتلَ خَلقًا، منهم واليها وقاضيها، فسار مُتَولي قُوص وقصدَ بلادَ النُّوبة، فدخل بلد الجون، وقتل من فيه وأحرقهُ، وكذا فعل بحمص إبريم، وأُرميا، وغير ذلك، وهو علاء الدین أيدغدي الحرب دار . وفي جُمادى الأولى بلغ السُّلطان، وهو بدمشق أنَّ فرقةً من التَّتار نازلوا البيرة، فسار إلى حمص، ثم إلى بزاعة، فأُخبر أنَّ التتارَ ثلاثة آلاف على الفُرات، فرحلَ إلى الفُرات، وأمر الجيش بخَوضها، فخاضَ الأمير سيف الدين قلاوون، وبَدر الدين بَيْسَري في أول الناس، ثم تبِعَهُما هو، ووقعوا على التَّار، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً، وأسروا نحو المئتين، وساقَ وراءهم البَيْسَري إلى سَرُوج. أما الذين نازلوا البِيرَةَ فإنهم سَمِعوا بذلك، فترخَّلُوا عن البيرة مُنهزمين، وأتاها السُّلطان فخلعَ على الكبار، وفَرَّق في أهلها مئة ألف درهم. وللشهاب محمود، أبقاه الله، في ذلك: سِر حيثُ شئتَ لك المُهَيمنُ جارُ واحكُم فطَوعُ مُرادك الأقدارُ حَمَلْتَكَ أمواجُ الفُرات ومن رأى بحرًا سواك تُقلَّه الأنهارُ وتقطّعت فرقًا ولم يكُ طَودها إذ ذاك إلا جيشُك الجَزَّارُ (١) كتب المصنف الحوادث في آخر الطبقة، فقدمناها على خطة المصنف في تقديم الحوادث على الوفيات عند التبييض. ١٩٥ وفي جمادى الآخرة أفرج عن عز الدين الدِّمياطي الأمير عن تسع سنين و حبسها . وفي رجب خُلع على الأمراء وفُرِّق فيهم نحو ثلاث مئة ألف دينار. وفي شعبان أُطلقَ عَلَمُ الدين سنجر الغَتْمي المُعِزِّي، واشتراه السُّلطان. وبعث السلطان رُسُلَ منكوتمر ابن أخي بَرَكة ومعهم رسولاً بتُحفٍ وتَقَادُم . وفي شوال استدعى السُّلطان الشيخَ خَضرًا شيخه إلى القَلعة في جماعةٍ حاققوه على أشياء، ورموه بفواحش، فأمر باعتقاله. وكان السُّلطان ينزل إليه ويحبه ويُمازحه، ويستصحبه في سائر أسفاره، ويُمدُّه بالعطاء، ولا يردُّ شفاعاته، وامتدت يده، ودخل إلى كنيسة قُمامة فذبح قِسِّيسها بيده، ونهب أصحابُه ما فيها، ثم هجمَ كنيسةَ اليهود ونَهَبها، وبَدَّع فيها. ودخل كنيسة الإسكندرية ونهبَ ما فيها، وصَيَّرَها مسجدًا. وبنى له السُّلطان مسجدًا وزاوية بالحُسَينية، ومن أجله بنى الجامع بالحُسينية، وماتا في شهر. سنة اثنتين وسبعين وست مئة في المحرَّم توجه السُّلطان إلى الشام في طائفةٍ، منهم سُنقُر الأشقر، وبَيْسَري، وأيْتمش السَّعدي، فلما وصل إلى عَسْقلان بَلَغهُ أن أَبَغَا قَدِمَ بغداد، فنفذَ السُّلطان وراء الجَيش، فقدموا في الشتاء ولم يكن بأس . قصة ملك الگُرج وكان قد أتى من بلاده ليزور بيت المقدس والقُمامة متنكرًا في زي الرُّهبان هو وطائفة، فسلكَ أرضَ الروم إلى سِيس، ثم ركب في البَحر، وطلع من عَكَّا، وأتى القُدس، فاطَّلِعَ الأمير بدرُ الدين بيليك الخَزْنَدار على أمره وهو على يافا، فأرسل من قبضَ عليه، ثم سيَّره مع الأمير منكورس إلى السُّلطان وهو بدمشق، فسأله السلطان، وقرره بلطف حتى اعترف، فحبسه وأمرهُ أن يكتب إلى بلاده بأسره، ودخلَ السُّلطان إلى القاهرة في رَجَب. ١٩٦ وفي يوم العيد خُتن خَضِر ولدُ السُّلطان في عدة صبيان من أولاد الأمراء. وفي رمضان توجه الملك السعيد في صحبته الفارقاني وأربعون نَفْسًا إلى دمشق علی البرید، ثم ردًّ ثاني يوم. وفي ذي القَعدة حضرَ والي القرافة إلى والي القاهرة، وأخبرَ أنَّ شخصًا دخل إلى تُربة الملك المُعز، وجلسَ عند القبر باكيًا، فسُئل عن بكائه، فذكر أنه فَلِيج قان ابن الملك المُعز. وقد كان السُّلطان نَفَى آل المعز هذا، والملك المنصور علي إلى بلاد الأشكري، فطُلب وقُيِّد، وطُولع به السُّلطان، فأحضره، وسأله عن أمره، فذكر أن له في البلاد نحو ست سنين يَتَوكَّل لأجناد، فحُبس بمصرَ، وحنا عليه بعض مماليك أبيه فأجرى عليه نفقةً. قلت (١): رأيت قَلِيج قان هذا في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، فحكى لنا أخباره، وأنه وُلد سنة ثمانٍ وأربعين وست مئة،ً وأنه نجا من بلاد الأشكري، وأنَّ أخاه الملك المنصور علي تَنَصَّر هناك، وبقي إلى سنة سبع مئة أو نحوها، وله أولادٌ هناك نَصَارى، وأنه هو الذي باع للملك الأشرف مملوكه لاجين الذي تملَّك بخمسة آلاف درهم(٢). وفيها ذكر محيي الدين ابن عبدالظاهر(٣) أنه وصل كتاب صاحب الحبشة إلى السُّلطان في طي كتاب صاحب اليمن، وفيه: ((أقلُّ المماليك أمحرا ملاك يُقَبِّل الأرض، ويُنهي بينِ يَدَيّ السُّلطان الملك الظاهر، خَلَّد الله مُلكه، أنَّ رسولاً وصلَ من والي قُوص بسبب الراهب الذي جاءنا، فنحن ما جاءنا مُطران، وبلادُنا بلادُ السُّلطان، ونحن عبيده، فيأمر الأبَ البَتْرَك يعمل لنا مُطرانًا رجلاً عالمًا لا يحبُّ ذَهبًا ولا فضةً، ويسيِّرُه إلى مدينة عوان، والمملوك يسير إلى أبواب الملك المظفر ما يلزمه لِيُسَيره إلى ديار مصر. وقد مات الملك داود، وتملَّك ابنه، وعندي في عسكري مئة ألف فارس مُسلمين، وأما النصارى فكثير، وكلُّهم غلمانُك ويدعون لك)). فكتب جوابه: ((ورد كتاب الملك الجليل الهُمام، العادل في رعيته حُطي ملك أمحرة، أكبر ملوك الحُبشان، نجاشي عصره، سيف المِلة المسيحية، (١) ألحق المصنف هذه الفقرة في حاشية نسخته بأخرة. (٢) ينظر سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣٨٢. (٣) الدرة الزكية ١٧٤ . ١٩٧ حرسَ الله نفسه، ففهمناه؛ فأما المُطران فلم يحضر من جهة الملوك رسولٌ حتى كنا نعرف الغَرَض)). في كلام نحو هذا. وأمحرا: إقليم كبير، صاحبه يحكم على أكثر الحَبَشة، ويُلقَّب حُطي، وهو الخليفة. ومدينة عوان: هي ساحل بلاد الحَبَشة وأول الحبشة. وكان قد نفَّذ هديةً من جُملتها سباع، فأخذ صاحب سحرت الهدية ونَهَبها . وفيها وعظ بدمشق العز عبدالسلام بن أحمد بن غانم، فأعجب الناسَ جدًا. سنة ثلاثٍ وسبعين وست مئة في صَفَر تَوَجه السُّلطان إلى الكَرَك على الهُجن، وكان قد وقع بها بُرج أحبّ أن يُصلح بحضوره. غَزْوة سِیس دخل السُّلطان - عَزَّ نصرُهُ - دمشقَ في آخر شعبان، ثم سار إلى سِیس، وعبر إليها من الدَّربند، فافتتحها، وأخذ أياس، وأذنة، والمِصِّيصة في العشر الأخير من رمضان، وبقي الجيشُ بها شَهرًا، وقتلوا وأسروا وسبوا خلائقَ وغنمُوا. وبقي السُّلطان بجسر الحديد إلى أواخر ذي القَعدة. ذكر استيلاء بيت لاون على سيس والثغور قال العماد الكاتب(١): كانت هذه البلاد يحميها متملَّك الرُّوم ويحفظها، فاستولى عليها مَلِيح بن لاون النَّصراني. قال: وذلك لأنَّ السُّلطان نور الدين محمود بن زنكي كان يشد منه ويقوي جأشَهُ، وكان كما يقال: قد سَلَّط الكَفَرة على الفَجَرة. فلما تقوى مَلِيح بن لاون وَجه صاحبُ الروم جيشًا، فكسرهم ابن لاون، وأسر من مُقَدَّميهم ثلاثين نَفْسًا. وذلك في ربيع الآخر سنة ثمانٍ وستين (١) ينظر سنا البرق الشامي ١٣٣/١. ١٩٨ وخمس مئة. فبلغ ذلك نورَ الدين، فأرسل خَلَعَ عليه، وكتب إلى الخليفة يُعَظِّم أمره ويقول: إنَّ مَلِيح بن لاون الأرمني من جُملة غِلْمانه، وأنه كسر الزُّوم، ويمثُّ على الديوان بهذا. ومن هذا الوَقت تملك هذا التكفُور هذه البلاد نيابةً عن نور الدين لا غير، واستمرَّ على ذلك. وبلاد سيس هذه تُعرف بالدُّروب، وتُعرف بالعواصم، وبها كان الرباط والمُثَاغرة، وكان أمرها مضافًا إلى مملكة مِصْر. وقد افتتح أحمد بن طولون هذه البلاد فأخذها من سيما الطَّويل. وفي أيام كافور الإخْشيذي حَصَلَ التَّهاون في أمر الثُّغور، فقصدها الملك تَكْفور، ويقال: تَقْفُور الرُّومي، لعنه الله، فَعَصت عليه، فحَرَّقَ قُراها، وقَطَّع أشجارها، فبعث کافور نجدةً لها . والشرح في ذلك يطول، وليس هذا موضعه، وللمولى محيي الدين ابن عبدالظاهر في هذه النَّوبة : يا ملكَ الأرض الذي جيشُهُ يملأ من سِيسَ إلى قُوصِ مِصِّيصة التَّكفُور قالت لما بالله إفرادي وتَخْصيصي كم بَدنٍ فصَّلهُ سيفُك الـ ـفراء والأكثر مِصِّيصي(١) وفي شعبان وقعَ رملٌ عظيمٌ بالمَوْصل، وظهرَ من القِبلة، وانتشر يمينًا وشمالاً حتى ملأ الأَفُق، وعُمِّيتِ الطُّرُق، فخرج الخَلْقُ إلى ظاهر البلد، وابتهلوا إلى الله، واستغاثوا إلى أن كُشِفَ ذلك عنهم. وفي ربيع الآخر قُتل بغَرْناطة الزِّنديق الشيخ إبراهيم الصَّفَّار، قتلوه رَجمًا بالحجارة بأمر السُّلطان محمد ابن السُّلطان محمد بن يوسف بن نَصر صاحب الأندلس، وكُتِبَ بذلك إلى المَرِية يُعْلمِهُمُ بكُفره، ويُحذرهم من سلوك سبيله. وفي الكتاب: ((إنه كان يُفَضِّل إبراهيم وعيسى على نبينا وَِّ، وإنه كان يفضل الولي على النبي، وَيَسْتحل المُحَرَّمات)). وفي الكتاب: ((وإن هؤلاء الكفرة، يعني أصحاب إبراهيم الصَّفَّار، تلاعبوا بالدين، واعتقدوا الولايةَ في كثيرٍ من الفُسَّاق المُكِبِين على الكبائر، كالمشَورب المشهور، وأبي زيدان، (١) ينظر في كل ذلك المختار من تاريخ ابن الجزري للمصنف ٢٧٦ فما بعد. ١٩٩ وأشباههما من سُخفاء المجانين أو المُجان)). وهذا في مُجَلَّد بخط أبي الوليد المالكي . وفيها كان القحط المُفرط باليمن، حتى أكلوا الميتات. سنة أربع وسبعين وست مئة في شهر جمادى الآخرة نزلت التَّار على الْبِيرة في ثلاثين ألفًا، وأكثرهم من عَسكر الرُّوم وماردين، فَبيَّتهم أهل الْبِيرة، وأحرَقُوا المجانيق، ونَهَبوا وعادوا، فجدَّ التَّارُ في الحصار، والقَلعة بحمد الله عاصيةٌ، ثم رحلوا عنها، وسَلَّم الله، وأقاموا عليها تسعة أيام. ولمَّا بلغَ السُّلطانَ ذلك أنفقَ في الجيش ست مئة ألف دينار وأكثر، وسارَ فبلغه وهو بالقَطِيفة رحيل التَّار، فوصل إلى حِمص، ورجع إلى القاهرة. ولما رحلت التتار اتَّفقوا مع البَرَواناه على مُنابذة ملكهم أبَغَا، فَخَلَّف البَرَواناه الأميرَ حسام الدين بيجار، وولدهُ بهاء الدين، وشَرَفُ الدين مسعود ابن الخطير، وأخاه ضياء الدين، والأمير ميكال، على أن يكونوا مع الملك الظاهر، ثم كتب إلى الظاهر بذلك على أن يرسل إليهم جيشًا، ويحمل إلى الظاهر ما يحمل إلى الشَّر، ويكون غياث الدين على ما هو عليه من السَّلطنة. غزوة النُّوبة ودُنْقُلَة توجه من مصر جيشٌ عليهم عز الدين أيبك الأفرم، وشمسُ الدين الفارقاني إلى التُّوبة في ثلاث مئة فارس، فوصلوا دُنْقُلة، فخرج إليهم ملكها داود على التُّجُب، بأيديهم الحراب، وليس عليهم لامة، فَرَمَوهُم بالنُّشاب، فانهزموا، وقُتل منهم خَلق، وأسر خَلق، وبيع الرأسُ من السَّبي بثلاثة دراهم، ومَرَّ داود في هروبه بملكِ من ملوك التُّوبة، فقبض عليه وأرسل به إلى الملك الظاهر، ووُضِعتِ الجِزية على أهل دُنْقُلة، ولله الحمد. وأول ما غُزِيَت الثُّوبة في سنة إحدى وثلاثين، غزاها عبدالله بن سعد ابن أبي سَرح في خمسة آلاف فارس، وأصيبت في هذه الغزوة عين حُدَيج ابن ٢٠٠