النص المفهرس

صفحات 21-40

ورد إليها شِحْنةً، واستخرج على الرَّأس دينارًا. هذا سوى من دخل إليها عند
هجوم العَسَاكر من الفَلَّحين. وأما قلعتها فلجؤوا إليها وتحاشروا بها، فكانوا
ثمانية آلاف رجل، غير الحريم والأولاد، فمات بها عالمٌ كثير في زحمة
الباب. وأما الوزير والوالي وغيرهما فلما شاهدوا الحال هربوا في اللَّيل في
الجبال رَجالةً، فأصبح النَّاس فطلبوا الأمان من القَتْل وأن يؤسروا. ثم خرجوا
في أحسن زيٍّ وزينة كأنهم الزَّهر، وصاحوا بين يدي السلطان وسجدوا، وقالوا
بصوتٍ واحد: العَفْو، ارحمنا يرحمكَ الله. فَرَق قلبُه ورحمهم، ورفع عنهم
القَتْل.
قلت: هذه مجازفةٌ متناقضة.
وكان بِها طائفةٌ من الأسرى فخلّصهم الله. وكانت أنطاكية للبرنس
صاحب طرابُلُس، وهي مدينةٌ عظيمة، مسافةُ سُورها اثنا عشر ميلاً، وعدد
أبراجها مئة وستةٌ وثلاثون بُرْجًا، وشُرفاتها أربعٌ وعشرون ألفًا، وفي داخلها
جبلٌ وأشجار ووحوش، وماء يجري، وفواكه مختلفة. وكان لها في يد
النَّصارى أكثر من مئة وسبعين سنة أو نحوها.
ثم إنه تسلّم بغراس بالأمان، وكان قد هرب أكثرُ أهلها. وتسلّم
دَركوش، وصالح أهلَ القُصَير على مناصفته ومناصفة القلاع المجاورة له.
ودخل دمشق في السابع والعشرين من رمضان، وكان يومًا مشهودًا.
وفيها كانت الصَّقْعة الكبرى الكائنة على غُوطة دمشق في ثالث نيسان
أحرقت الشَّجر والثَّمر والزَّرع والكرم، وهلك لِلنَّاس ما لا يُوصف. وكان
السُّلطان قد احتاط على الغُوطة، وأراد أن يتملَّكها، وتَعثَّر الناس بالظُلم
والمصادرة، وضَجُّوا واستغاثوا بالله، فلما شددوا على المسلمين وألزموهم
بوزن ضمان بساتينهم حتى تطرقوا إلى الأوقاف، أحرق الله الجميع. وجاء
الفَلَّحون والضُّمَّان بالثمر والورق والكَرَم، وهو أسودٌ محروق، ورفعوا الأمر
إلى نوَّاب السَّلْطنة فلم يلتفتوا عليهم وأهانوهم، وأُلزِموا بضمان أملاكهم، والله
المستعان .
قال قُطب الدين(١): احتاط السُّلطان على البساتين وعلى القرى، وهو
(١) ذيل مرآة الزمان ٢/ ٣٨٥ فما بعدها.
٢١

نازلٌ على الشَّقيف. وكان قد تحدَّث في ذلك مع العلماء، فقال له القاضي
شمس الدين ابن عطاء الحنفي: هذا لا يجوز لأحدٍ أن يتحدَّث فيه، وقام
مُغضبًا، وتوقّف الحال. ولَمَّا وقعت الحَوْطة على البساتين صُقِعَت بحيث
عُدِمت الثِّمار بالكُلية، وظَنَّ النَّاسُ أنه يرق لهم، فلما أراد التَّوجه إلى مصر
عقد بدارِ العَدْل مجلسًا، وأحضرَ العُلماء، وأخرج فتاوى الحنفية بأنه يستحقها
بحكم أنَّ عُمر رضي الله عنه فتحَ دمشق عَنْوةً، ثم قال: من كان معه عتيق
أمضيناه، وإلا فنحن فتحنا البلاد بسيوفنا. ثم قرر عليهم ألف ألف درهم عن
الغُوطة، فسألوه أن يُقَسِّطها عليهم، فأبى، وتمادَى الحال إلى أن خرج متوجهًا
إلى مصر في ذي القَعْدة. فلمَّا وصل إلى اللَّجُون عاوده الأتابك وفخر الدين
ابن حِتَّى وزير الصُّحبة، فاستقر الحال أن يُعَجِّلوا منها أربع مئة ألف دِرهم،
ويُعاد إليهم ما قبضه الديوان من المُغْل ويقسط ما بقي كل سنة مئتي ألف
درهم، و گُتِبَ بذلك توقیع .
قلت: جاء على كل مُدي بضعة عشر دِرهمًا، وباع الناس أملاكهم
بالهوان، وعجزوا، فإنَّ بعض الأمداء لا يغل في السنة ستة دراهم.
أعجوبة اللَّهم أعلمُ بصحتها، قد خَلَّدها ابنُ عبدالظاهر في ((السيرة
الظاهرية)) فقال: بُعثت رسولاً إلى عَكًّا في الصُّلح، فبالغوا في إكرامنا ونزلنا
دارًا على بابها أعلام وصُلبان وجرص(١) كبير كالكنائس، فحَرَّكوا الأجراس،
ومعنا رِكابي اسمه ريَّان، فنادى: يا الله يا الله كسِّر هذه الأعلام واقطع هذه
الأجراس، ومَلِّك السُّلطان الملكَ الظاهر عَكَّا، فما استتم حديثَه إلا والجرص
قد انقطع، والأعلام قد وقعت، وتكسَّرت الرِّماح.
قال قُطْب الدين(٢): وبعثَ صاحب سِيس يستفكُ ولَدَه من الأسر، فطُلِب
منه من جملة الفِداء أن يَسْعى في خلاص الأمير شمس الدين سُنْقُر الأشقر من
التتار، فبعث صاحبُ سِيس إليهم متوسِّلاً بطاعته، وبَذَلَ أموالاً فلم يُجيبوه،
فلما استولى السُّلطان على أنطاكية بعثَ إليه صاحب سيس يبذل القلاع التي
كان أخذها من التَّار عند استيلائهم على حَلَب، وهي دَرْبساك، وبَهسنا،
(١) هكذا بالصاد.
(٢) ذيل المرآة ٢ / ٣٨٤.
٢٢

ورَعْبان، فأبى عليه إلا أن يحضر سُنْقُر الأشقر، فسار صاحب سِيس إلى التَّار،
واستغاث بهم على الملك الظاهر، واستصحب معه أحد البَحْرية عَلَم الدين
سُلطان، فكان يجتمع بسُنْقُر الأشقر سِرًّا وعليه زي الأرمن، والأشقر يخاف أن
يكون دسيسة عليه فلا يُصغي إلى قوله فيقول: ما أعرف صاحب مصر، ولا
أخرج عن هؤلاء القوم. فلم يزل عَلَم الدين يذكر له أماراتٍ وعلامات عرف
منها صحة قَصْده، فأذعن للهرب. فلما خرج صاحب سِيس لبس سُنْقُر الأشقر
زِيَّهم، واختفى معهم، فلما وصل به صاحب سِيس إلى بلاده جاء عَلَمُ الدين
وعرَّف السُّلطان بوصوله، فطلب ابن صاحب سِيس من مصر، فأُحضر إليه وهو
على أنطاكية، ثم سيره مع جماعةٍ إلى سيس، فوقفوا على النهر به بالقُرب من
حد دَرْبساك، ووصل سُنْقُر الأشقر مع جماعةٍ من سيس، فوقفوا على جانب
النهر، ثم أطلقَ كلٌّ من الفريقين أسيرهم، وتسلَّم نُوَّاب السُّلطان دربساك
ورعبان، وبقيت بَهنا، سأل صاحب سيس من سُنْقُر الأشقر أن يشفع له عند
السلطان في إبقائها له على سبيل الإقطاع، فوعده بذلك، ولما وصل الخبر
خرج السُّلطان من دمشق لتلقيه، فلما رآه ترجَّل، واعتنقا طويلاً، وسارا حتى
نزلا في المُخَيَّم. فلما أصبحا خرجا منه جميعًا. وشفع في بَهسنا، فامتنع
السّلطان فقال: ((إني قد رهنتُ لساني معه، وأحسن إليَّ بما لا أقدر على
مكافأته)). فقَبِل شفاعته، وأجاب طِلْبته.
وكان هولاكو قد أخذ سُنْقُر الأشقر من حَبْس الملك الناصر يوسف لما
افتتح حلب، وعزل البابا حاكم المَوْصل بالنصراني الفلاح مسعود، ومعه
أشموط شِخْنة .
سنة سبع وستين وست مئة
في صَفَر حَلَّف السُّلطان الأمراء، للملك السَّعيد، وقُرِىء تقليده.
وفي جمادى الآخرة تَوَّجه السُّلطان والأمراء إلى الشَّامِ جرائدَ، وناب ابنه
عنه، وعَلَّم على التَّواقيع، وكاتَبَه نُوَّاب البِلاد.
وفيها وصلت رُسُل أَبَغَا ومعهم جماعة من جهة صاحب سِيس،
وأحضرهم السُّلطان فأدوا الرَّسالة، مضمونُها طَلَب الصُّلح بقوة نَفْس، وإنا
خرجنا فملكنا جميع العالم، وأنت لو صعدت إلى السماء ما تخلصت منا،
٢٣

وأنت مملوك أُبعت في سِيواس، فكيف تُشَاق ملكَ الأرض؟ فأجاب: إني في
طلب جميع ما استوليتم عليه من العراق والجزيرة والرُّوم. ثم جَهّرهُم .
وفيها وصل إليه صاحب صهيُون الأمير سيف الدين محمد ابن
مظفَّر الدين عثمان بن مَنْكورس، وقَدَّم مفاتح صهيون فخلع عليه، وأبقاها
بیده .
وفي أواخر رَجَب خرج السُّلطان فنزل على الخَرْبة، ثم ركب منها على
البريد سرًّا إلى القاهرة، بَعْد أن عرَّف الفارقاني أنه يغيب، وقَرَّرَ مع الفارقاني
أن يحضر الأطباء كل يوم، ويستوصف منهم للسُّلطان، يوهم أنه مريض،
فيعمل ما يصفُونه، ويدخلَّ به إلى الدِّهْليز. ودخل السلطان مصر في اليوم
الرابع، وأقام بها أربعة أيام ثم رد على البريد إلى المُخَيَّم الشَّرِيف، فكانت
الغيبة أحد عشر يومًا. وكان غَرَضُه كَشْف حال ولده، وكيف دَسْتُهُ.
وفي رمضان تَسَلَّم نُوَّاب السُّلطان قلعة بلاطُنُس وقلعة بكسرابيل من عز
الدين أحمد بن مظفر الدين عثمان بن منكورس الصِّهيوني، وعُوضَ عنهما
قرية من عمل شَيْزَر. وتوجَّه السُّلطان إلى صَفَد، فأقام بها يومين، وأغارَ على
أعمال صُور، وعَيَّد بالجابية، ثم انتقلَ إلى الفَوَّار، ثم سارَ إلى الكَرَك، ومنها
إلى الحج فحج معه الأمير بدر الدين بيليك الخَزْنَدَار، والقاضي صدر الدين
سُليمان، وفخر الدين بن لُقمان، وتاج الدين ابن الأثير ونحو ثلاث مئة
مملوك، وجماعة من أعيان الحَلْقة. فقَدِم المدينة في أواخر ذي القَعْدة .
وكان جماز قد طرد ابن أخيه مالكًا عن المدينة، واستقل بإمرتها، فهرب
من السُّلطان، فقال السُّلطان: لو كان جَمَّاز يستحق القتل ما قتلتُه لأنه في حَرَم
رسول الله وَّهِ. ثم تَصَدَّق بصَدَقَاتٍ، وحَجَّ، فتلقاه أبو نُمَي وَعَمُّه إدريس فخلَعَ
عليهما، ووقف بعَرَفة يوم الجُمُعة، ثم أفاض. وغسَلَ الكعبة بماء الورد،
وطيّيها بيده، وأقام إلى ثالث عشر ذي الحجة، وزارَ المدينة، ووصل الكَرَك
يوم التاسع والعشرين من الشهر، فصَلَّى بها يوم الجمعة، ثم ساق منه على
البَرِيد، فوصل دمشق بُكرة الأحد يوم ثاني المحرَّم من سنة ثمانٍ، فخرج
النَّجيبي فصادفه في سُوق الخَيل، فنزلَ وقَبَّل الأرض.
٢٤

ثم ساق إلى حلب فدخلها في سادس المحرَّم، فأقام بها أربعة أيام، ثم
رد إلى حماة، ثم إلى دمشق. ثم إنه دخل القاهرة يوم ثالث صفر. وصادف
وصول الرَّكب المِصري.
وفيها تقدم السلطان بالحَوْطة على بلاد حَلَب وأملاكها، وأن لايُفْرَج عن
شيءٍ منها إلا بكتابٍ عتيق .
وفي ذي الحجة هبت ريح عظيمة بمصر غَرَّقت في النِّيل نحو مئتي
مَرْكب، وهلك كثير من الناس. وأُمْطِرت قليوب مَطَرًا غزيرًا.
وفيها عصى تاكوذُر على الملك أبَغَا وحاربه، فانتصر أبَغَا، ثم إن بُرُق(١)
ابن عم تاكوذر انتصر له، وقصد يَبْشير أخا أبَغَا فكسره.
وفي رجب احترق سوق جبل الصالحية، وراح أكثر ما فيه من قماش
ومتاع، وكان حريقًا كبيرًا، قال بعض الفُضَلاء: ما رأيت في عُمري حريقًا أكبر
منه، احترق السوق من أوله إلى آخره من الجهتين، واحترق فيه دُكانان للعِطْر
لم يكن في دمشق أحسن منهما ولا أكبر، من الصِّيني والمُطَعَّم بالفِضة وغير
ذلك. وهلك لتاجر شيءٌ بخمسة عشر ألف درهم.
وفي رجب أُزيلت القِباب التي عُمِلَت، وكانت قد اعتنوا بها لأجل مجيء
السُّلطان. وكانت محكمةً، ضَخْمةَ الأخشاب، كلُّ واحدة طبقات. وكان عملها
بالدَّبادب والمغاني واللهو، وبقيت دون شهر مجرّدة، فلما هموا بزينتها جاء
الأمر بإبطالها، فأصبحَ النَّاسُ وقد أزيلت ليلاً كأن لم تكُن، فهرجوا ومرجوا،
ثم عُمِلت له القِباب عند مجيئه من فتح أنطاكية .
وفيها شتا أباقا ببغداد .
سنة ثمان وستين وست مئة
دخل السُّلطان القاهرة في صَفَر، ثم بعد أيام توَجَّه إلى الإسكندرية،
ومعه ولدُه الملك السَّعيد، فتصيَّدَ وعادَ إلى مصرَ، وخَلَع على الأمراء، وفَرَّق
(١) الضبط من خط المصنف.
٢٥

فيهم الخيلَ والمالَ. وتوجَّه إلى الشام في الحادي والعشرين من ربيع الأول في
طائفةٍ يسيرة من الأمراء، وقاسوا مَشَقةً من البَرْد. بلغه أن ابن أخت زيتون
الملك خرج من عَكَّا في عَسْكرٍ يقصد عَسْكر صَفَد، فسارَ السّلطان واجتمع
بعسکر صفد بمكانٍ عيّنه، ثم سار إلى عَكَّا فصادف ابن أخت زيتون قد خرج
فكسرَهُ، وأسرَه في جماعةٍ من أصحابه، وقتل من عسكره مقتلَةً. ثم أغار على
المَرْقب فصادفَ أمطارًا وثلُوجًا، فرجع إلى حِمْص، وأقام بها نَحْوًا من عشرين
يومًا .
ثم سار إلى تحت حصن الأكراد، وأقام يُسَيِّرِ كُلَّ يوم نحوها، ويعود من
غير قتال، فبلغه أنَّ مراكب الفرنج وصلت إلى ميناء الإسكندرية، وأخذت
مَرْكبين للمُسلمين، فرحل لوقته وساق فدخل القاهرة في ثاني عشر شعبان.
وفيها قَدِمَ صارمُ الدين مبارك بن الرَّضِي مُقَدَّم الإسماعيلية بهديةٍ إلى
السُّلطان، وشفعَ فيه صاحب حَماة، فكتبَ له السُّلطان بالنِّيابة على حصون
الإسماعيلية، على أن تكون مِصياف(١) وبَلَدها خاصًّا للملك الظَّاهر. وبعث
السُّلطان معه نائبًا من جهته على مصياف، وهو عز الدين العديمي. فلما وصلوا
امتنع أهل مِصياف، وقالوا لا نُسَلِّمها للصارم فإنه كاتَبَ الفرنج، ونحن نُسَلِّمها
للعديمي؛ وقالوا له: تعال إلينا من الباب الشَّرقي. فلما فتحوا له هجم معه
الصَّارم، وبذل السَّيف، وقتل منهم خَلْقًا، وتسلّم هو والعديمي القلعة. ثم
غلب الصارم على البلد، وأزال عنه يد العديمي .
واتَّفق مجيء نجم الدين حسن ابن الشَّعراني إلى السُّلطان، ومعه تقدمة
سنية، فقَدَّمها عند حصن الأكراد، فكتب له السُّلطان بالقلاع وهي: الكهف،
والخوابي، والعُلَّيقة، والرُّصافة، والقَدْمُوس، والمَيْنَقَة، ونصف جبل
السُّماق، وقرر عليه أن يحمل في كل سنة مئة وعشرين ألف درهم. ثم أخرج
الصّارم من مصياف نائب السُّلطان وعَصَى، فسار إليه صاحب حماة فنزل
الصَّارم وذَلَّ، ثم عادَ إليها العَدِيمي وحُمِلَ الصَّارم إلى مصر فحُبس بها .
(١) وضع المصنف فوق الفاء ثلاث فقط، مشيرًا إلى أنها بين الفاء والباء، ولذلك ذكر
ياقوت: ((مصياب)) ثم قال: وبعضهم يقول ((مصياف)). قلت: هذا من قلب الباء الفارسية
إلى فاء عند العرب.
٢٦

وفيها أُبطلت الخُمُور وأُريقت بدمشق، وشَدَّد في ذلك الشيخ خَضِر
الكُردي شيخ السُّلطان، وسعى في إعدامها بالكُلية، وكَبَس دُور النَّصارى
واليهود، وكتبوا على أنفسهم بعد القسامة أنه لم يبق عندهم منها شيء.
وفيها جاء جرادٌ عظيم إلى الغاية بالشَّام وإلى الدِّيار المصرية وإلى
الحجاز.
وفيها وَلِيَ الصَّاحب تاج الدين ابن فخر الدين ابن حِنَّى وزارة الصُّحبة
على ما كان عليه والده.
وفي ذي الحجة أمر السُّلطان بعمل جسرين بسلاسل ومراكب على النِّيل
إلى الجيزة لما بلغه حركة الفِرَنج ليجوز الجيش عليهما إلى الإسكندرية إن دهم
عدو. ثم تواترت الأخبار بنزول الفرنج على تونس .
وفيها سار أبَغَا لينصر أخاه على بُرُق بعد أن جمع الجيوش، وسار بهم
نحو شهرين، والتقوا على النَّهْر الأسود، فكُسر عسكر بُرُق كسرةً عظيمة،
وساقوا خلفهم ولَزُّوهم إلى الجسر فازدحموا، وتساقطوا في البَحْر، ورد أبَغَا
إلى أرضه. ووقع في عسكره الوباء فمات منهم خَلْق.
سنة تسع وستين وست مئة
في صَفَر توجَّه السُّلطان من مصر في بعض العسكر إلى عَسْقلان، فهدم
بقية سُورها المهمَل من الأيام الصَّلاحية.
وورد عليه الخبر بأن عسكر ابن أخي بركة كسر عسكر أَبَغًا .
ثم بلغه أن أهل عَكَّا ضربوا رقاب جماعةٍ من الأسارى، فأخذ أعيان من
عنده من الأسرى فغرَّقهم في النيل، وكانوا مئة .
وفيها قبض السُّلطان على الملك العزيز ابن صاحب الكَرَك الملك
المغيث، وكان من كبار الأمراء بالقاهرة، فقبض عليه وعلى جماعةٍ عزموا على
سلطنته.
وفي جمادى الأولى ورد الخبر أن أبا نُمَي محمد بن أبي سعد بن علي بن
قَتادة أمير مكة تواقع هو وعُّه إدريس، فاستظهر إدريس عليه وتفرَّد بإمرة مكة.
٢٧

فذهب أبو نُمَي إلى يَنْبُع، فاستنجد بصاحبها، وجمع وقصد مكة، فالتقيا،
فحمل أبو نُمَي على عَمِّه فطعنه رماه، ونزل فذبحه، واستبدّ بإمرة مكة .
وفي جمادى الآخرة خرج السُّلطان بالجيش لقَصْد حصن الأكراد، فبدأ
بالإغارة على اللاذقية، والمَرْقَب، ومَرَقية، وتلك النَّواحي، وافتتح في ذلك
صافيتا، والمَجْدَل، ثم نزل على حِصن الأكراد في تاسع عشر رَجَب، ونُصِبت
المجانيق والسَّتائر. وللحصن ثلاثة أسوار فأُخذت الباشورة بعد يومين،
وأخذت الباشورة الثانية في سابع شعبان. وفُتِحت الثالثة الملاصقة للقلعة في
نصف شعبان، وكان المحاصِر لها الملكُ السعيد، وبيليك الخَزْنَدَار، وبَيْسَرِي
الصَّالحي، ودخلوا البلدَ بالسيف، فأسروا من فيه من الجبليّة والفَلَّحين، ثم
أطلقهم السُّلطان، وتَسَلّم القلعة في الخامس والعشرين من شعبان بالأمان،
وتَرَخَّل أهلُها إلى طرابُلُس. ثم رتب الأفرم لعمارة الحِصْن، وصُيرت الكنيسة
جامعًا .
وطلب صاحب أنطرسوس المهادنة، وبعث بمفاتيحها إلى السُّلطان،
فصالحه على نِصف ما يُتَحَصَّل منها، وجعل عندهم نائبًا. وجاءت رسُل
صاحب المَرْقب، فصالحهم على النّصف أيضًا. وقُرّرت الهدنة عشر سنين،
وعشرة أشهر، وعشرة أيام.
ثم نزل السلطان على حصن ابن عَكَّار، ونُصبت المجانيق، ثم تسلمها
بالأمان. وهي قلعة في واد بين جبال.
ثم خيَّم في رابع شوّال على طرابُلُسٍ، فسيّر إليه صاحبُها يسأل عن سبب
قَصْده فقال: لأرعَى زرعَكم وأُخرِّب بلادَكُم، ثم أعود لحصاركم. فبعث إليه
يستعطفه، ثم هادنَهُ عشر سِنین.
وفي شوَّال جاءَ دمشق سَيْلٌ عظيم مَهُول هدمَ البيوتَ. وأخذ النُّزَّال من
الحجّاجِ الرُّوميين بين النهرين وجِمالهم، وغَرِق جماعةٌ، وذهب للناس شيءٌ
كثير. وكان ذلك بالنَّهار والشمس طالعة، والمشمش قد شرع، فغُلَّقت أبوابُ
المدينة، وطغَى الماء وارتفع حتى بلغ أحد عشر ذِراعًا، وارتفعَ عند باب الفَرَج
ثمانية أذرُع، وكادت دمشق أن تفرق ( سَدَّت الزيادة الأنهار بطن أصفر،
ودخل الماء إلى البلد، وخَرَّب خانَ ابن المُقَدَّم، وطلع الماء فوق أسطحة كثيرة
٢٨

عند جسر باب تُوما، حتى بلغني أنه وُجِد فوق سطح سَمَكةٌ ميتة، واصطادوا
السَّمك من وراء العادلية عند دار ابن يَغْمور. وتحدثّت العوام أنَّ الذين هلكوا
بالزِّيادة والرَّدم فوق الألفين، ووُجِد في بساتين مرتفعة سمكٌ في التُّقع إذا رأى
الشخصُ ارتفاع تلك الأماكن زاد تعجّبُه. وحدَّثني رجلٌ أن أهل الوادي الشرقي
وجدوا جملاً ميتًا فوق أصل سَفَرْجَل، وضَجَّ الخَلْقُ بالبكاء والاستغاثة بالله.
وكان يومًا مشهودًا وأشرف الناس على التَّلف. ثم لَطَفَ الله ورحم الناس،
وتناقصَ الماء، ولو ثبت ساعةً أخرى أو ارتفع ذراعًا آخر لغرِقت نصفُ
دمشق .
ولبعضهم :
لقد أظهر الجَبَّارُ بعضَ اقتداره فأرسلَ بَحْرًا طاميًا من بحاره
وأرعدها حتَّى توافَت مياهُها مطَنَّبةً محفوفة بازْدجاره
وأهلكَ فيه خَلْقَه وعبيده فأضحوا وهم غَرْقَى بأقصى قراره
وكم من دواب قد صَلِين بنارِه
فكم من شبابٍ مع نساءٍ وصِبيةٍ
وأزعجَ كُلَّ الخَلْق عند ابتداره
فسُبحان من أبدى عجائبَ صُنْعِه
وعاد بلُّطْفٍ منه عفوًا ومِنَّةً فنسأله الؤُّلْفَى غدًا في جواره
وفي شوَّال قبل يوم الزّيادة الموصوفة جاء الشيخ خَضِر شيخ السُّلطان إلى
كنيسة اليهود، ومعه أمراء وأعيان والوالي، وأخرجوا اليهود منها يوم سَبْتهم
وآذوهم، وقرأ القرآن بها غيرُ واحد، ثم غَنَّى المغنون، ورقص النَّاس بحضرة
الشَّيخِ خَضِر، وكان يومًا عَجِيبًا، ونُهِب كلُّ ما فيها، وعمل الشيخ ثاني يوم
بسيسةً عظيمة بالسَّمْنِ والعَسَل، وازَدحم الخلقُ حتى دِيسَت بالرجلين في
الكنيسة، وفضلت ورُميت في نهر قلُوط. واتخذ الشيخ خَضِر الكنيسة زاويةً
له. وكان صاحبَ كَشْفٍ وأحوالٍ شيطانية، وجرى ما لاينبغي، وسيأتي ذكر
خَضِر في سنة ستٍّ وسبعين.
وجاء السُّلطان بالجيش في نصف شَوَّال بعد الزَّيادة بيومين إلى دمشق،
ولَطَفَ الله بهم إذا تأخروا عن الزِّيادة، وإلا كانت غَرَّقت نصفَ الجيش وأكثر،
فعزل الشُّلطان ابن خَلِّكان من القضاء بابن الصَّائغ. ثم سار بعد عشرة أيام،
فنزل على القُرَين، ونصب عليها المجانيق. وصدق أهلَها في القتال، ودام
٢٩

الحصار جُمعتين، ثم أُخذت بالأمان وهُدِمت. وكانت من أمنع الحصون.
ثم سار السّلطان بالجيش حتى أشرف على عكا، ورجع ودخل مصر في
ثالث عشر ذي الحجة. ونابَه في هذه السَّفرة فوق ثمان مئة ألف دينار. فلما
دخل قبض على هؤلاء الأمراء الكبار: الحَلَبي، والمحمَّدي، وإيدُغُدي
الحاجبي، والمساح، وبَيْدغان، وطرطح، لأنه بلغه عنهم أنهم هموا بالفتك
به .
ومن عجيب الاتفاق أن مكة جاء بها زيادةٌ وسَيْلٌ عَرَمْرم، بحيث إنَّ الماء
بلغ إلى فوق الحجر الأسود.
ومن العجائب أنَّ مياه دمشق والعاصي والفُرات قَلَّت ونقصت نَقْصًا
مجحِفًا، حتَّى هلك شيءٌ كثيرٌ من الأشجار، وبَطَلَتِ الطَّواحين، وعُمِلت
طواحين بمدارات. وكانت الفواكه في هذه السنة قليلة .
ومما جرى في هذه السنة وقبلها وبعدها تَولِّي القاضي نجم الدين ابن
سَنِي الدولة تدريس الأمينية، والقاضي عز الدين ابن الصائغ تدريس العادلية،
وأخوه عماد الدين تدريس العَذْراوية، ورشيد الدين الفارقي الناصرية،
والبرهان المَرَاغي الرُّكنية، والعز بن عبدالحق الأسَديَّة، وتاج الدين
عبدالرحمن المُجاهدية، وأخوه شرف الدين الصَّارمية، والبهاء ابن النَّخَّاس
القَلِيجية، وابن عمه مُجير الدين الرَّيحانية، والوجيه ابن مُنَجَّى المسماريَّة،
والتَّقي الثُّركماني المُعظّمية، والشمس ابن الكمال الضُّيائية، والعز عمر الإربلي
الجاروخية، وشرف الدين ابن المقدسي العادلية الصَّغيرة.
وجهز السُّلطان وهو مُنازل حِصْنَ الأكراد سبعةَ عشر شينيًّا في البحر،
عليها الرئيس ناصر الدين رئيس مصر، والهواري رئيس الإسكندرية، وعلوي
رئيس دمياط، والجمال بن حَسُّون مقدَّم على الجميع، لكونه بلَغَه أنَّ صاحب
قبرس قَدِمَ عكا، فاغتنم السُّلطان الفُرصةَ وبعث هؤلاء إلى قبرس، فوصلوها
ليلاً، فهاجت عليهم ريحٌ طردتهم عن المَرْسى، وألقت بعض الشواني على
بعض، فتحطمت وتَكَسر منها أحَدَ عشر شينيًّا، وأُسر من فيها من المقاتِلة
والبَخَارة، وكانوا نحوّا من ألف وثمان مئة. وسلم ناصر الدين وابن حسون في
الشواني السَّالمة .
٣٠

قال الشيخ قُطْب الدين(١): وفي ذي الحجة أمر السُّلطان بإراقة الخمور
في بلاده، والوعيد على من يعصرها بالقَتْل، فأريق ما لا يُحصر. وكان ضمانُ
ذلك في ديار مصر خاصة ألف دينار في كل يوم.
قال(٢): وفيها نزلت الفرنج على تونُس انتصارًا لأهل جَنَوة بسبب ما أُخذ
من أموالهم، فنازلها الفَرَنسيس في أربع مئة ألف منها ستة وعشرون ألف
فارس، وفيهم جماعة ملوك، ومجموع عدة مراكبهم أربع مئة مركب. وقاتلتهم
البربر والعُرْبان والعوام فقُتِل وَلَد الفرنسيس. وقيل: إن الفرنسيس مات ولم
يبق عندهم ملكٌ يحكم عليهم. وطلبت الفرنج الصُّلح، فوقع الصُّلح على رد
مال أهل جَنَوة .
سنة سبعین وست مئة
في المحرّم ركب السُّلطان من الصِّناعة في الشَّواني ومعه نائب السَّلطنة
بيليك الخَزندار، فلما صار في الشِّيني مال فوقعَ الخزندار في البحر، فنزل
خلفه من أطلعه بشَعْره، وقد كادَ.
ثم خرج السلطان إلى الكَرَك، وأخذ منه النَّائب عز الدين أيْدَمُر، وقَدِمَ به
دمشق، فجعله نائبًا عليها، وعزل النَّجِيبي. ثم سار إلى حماة ورجع. ثم مضى
إلى حَلَب؛ وسببُه أن صَمْغَرًا ومعين الدين البَرَواناه والتََّر لَمَّا عادوا من عند
أَبَغَا في السنة الخالية جاءهم أمرٌ بقَصْد الشام فحشدوا، وجاء صَمغرا في عشرة
آلاف إلى البُلُسْتين، ثم إلى مَرْعش، وبَلَغَهُم أنَّ السُّلطان بدمشق، فبعثوا من
المُغل ألفًا وخمس مئة للإغارة وتجسُّس الأخبار، فوصلوا إلى عين تاب ثم إلى
قَسْطون، ووقعوا على التُّركمان هناك بين حارِم وأنطاكية فاستأصلوهم، فأمر
السُّلطان بتَجْفيل البلاد حتى أهل دمشق ليَطْمَعَ التتارُ فيتوغلون في البلاد
ويتمكن منهم. وطلب جيشَ مصر فقَدِموا ومُقدَّمهم الأمير بدر الدين بَيْسري،
فوصلتهم الأخبار فأسرعوا الرَّجعة، وساق الفارقاني وراء التتر فلن يُدركهم.
(١) ذيل مرآة الزمان ٢ / ٤٥٤ .
(٢) ذيل المرآة ٢ / ٤٥٤ - ٤٥٥.
٣١

وأغارت الفرنج من عثليث إلى قَاقُون، وأُخذت التُّركمان. وسار الأمير علاء
الدين بن طَيْبرس الوزيري، وعيسى بن مُهنَّى فخاضوا الفُرات إلى حَرّان،
فخرج إليهم من بها من التتار، فطاردهم ابن مُهَنَّى، فخرجَ عليهم طَيْبرس، فلما
رأوا الجيشَ نزلوا وقَبَّلُوا الأرض، وألقوا سلاحهم، فأخذوهم وكانوا ستين
نَفْسًا. وسار طَيبرس فغلَّقوا أبواب حَرَّان سوى باب واحد، وخرج إليه الشيخ
محاسن وهو من أصحاب الشيخ حَيْوة وجماعة من الأعيان، ومعهم أطعمة،
فأكرمهم طيبرس، ونزل عن فرسهِ وأتوه بمفاتيح حَرَّان وقالوا: البلد للسلطان
أيَّده الله. ثم عاد طَیْبرس .
قال شمس الدين محمد ابن الفخر، رحمه الله: من أعجب ما يؤرخ أنَّ
امرأة أمشاطي في جوار دار بني هلال بباب النَّاطِفيين في جمادى الأولى في مدة
سبعة أيام وضعت طُروحًا أحد عشر ولدًا ذكورًا وإناثًا وبعضهم قد كملت
خلقته، وبعضهم قد تبيَّن بعضها لأربعة أشهر ونصف. وهذا غريبٌ نادر،
واشتهر ذلك في دمشق، واستثبته قاضي القُضاة عز الدين وأرَّخه .
وفي جمادى الآخرة عبر السُّلطان إلى بر الجيزة، فأُخبر أن بُوصير
مغارةٌ فيها مَطْلب، فجمع لها خَلْقًا وحفروا مذًّا طويلاً، فوجدوا كلابًا ميتة
وقِطاطًا وطيورًا، والكُل ملفوفٌ في عصائب وخِرَقٍ، فإذا حُلَّت اللفائف ولاقى
ذلك الحيوان الهواءُ صار هباءً. وأقاموا ينقلون من ذلك شيئًا كثيرًا ولا يَنْفَد
فتركوه.
وفي شعبان احتيط على دار القاضي شمس الدين محمد ابن العماد،
وحُمِل ما فيه من الودائع إلى قلعة الجَبَل؛ وذلك لأن ابن العماد عزل نجم
الدين ابن حَمْدان عن نيابة الحُكم لأمر، فحمل أخاه التقيَّ شبيبًا الكَخَال
التعصُّبُ على أن كتب ورقةً إلى السُّلطان أن عند ابن العماد ودائع كثيرة لتُجارٍ
من حَرَان، وبغداد، والشام، وقد مات أهلُها. فاستدعاه السُّلطان وسأله عن
الودائع، فأنكر، فحَلَّفه، فحلف متأولاً، فكُبِس بيته، فوجد فيه كثيرٌ مما قيل،
لكن أصحابها أحياء، ومنهم من مات وله وارث، فأخذ من ذلك زكاته مدة
سنتين، وحَنَق عليه السُّلطان وحبسَهُ، فتسلَّط عليه شبيب، وأذَّعى أنه حَشَوي،
وأنه يقدح في الدَّولة، وكتب بذلك محضرًا. وسافر السُّلطان إلى الشام. ثم
عُقِد مجلسٌ بحضرة الأمير بدر الدين بيليك الخَزْندار، فاستُدعي بالشهود الذين
٣٢

في المحضر، فرجع بعضهم عن الشهادة وشهد الباقون، فأخرق بهم
وجَرَّحهم، وتبين للخَزْنَدَار تحاملُ شبيب فحبَسَه، واحتاطَ على موجوده،
وأُعيد الشيخ شمس الدين إلى الحَبْس بالقَلْعة، فأقام بها سنتين إلى أن أُفرج عنه
في نصف شعبان من سنة اثنتين وسبعين. ولولا عناية الخَزْندار به ومحبته له
لكان شيئًا آخر.
وأما السلطان فسار إلى الشام وشن الغارات على بلاد عكا فراسلوه،
وطلبوا الصُّلح فصالحهم عشر سنين، ثم دخل دمشق .
وفي رمضان جاءت طائفة من التتار، فأخربوا شرُّفات سُور حَرَّان وبعض
أسواقها، ونقلوا كثيرًا من أخشابها واستاقوا معهم أهلَها وأُخْلِيَتْ ودُثِرت
بالكلية .
وفيها وصلت رُسْل صَمغرا والبَرَواناه فقالوا للُّلطان: إنَّ صَمْغرا يقول
لك: منذ جاورك في البلاد لم يصله من جهتك رسول، وقد رأى من
المصلحة أن تبعث إلى أبَغَا رسولاً بما تُحب حتى نساعدك ونتوسَّط. فأكرم
السُّلطان الرُّسُل، ثم بعث في الرُّسلية الأمير فخر الدين إياز المَقَرِّي، والأمير
مبارز الدين الطُّوري إلى أَبَغَا، وبعث له جَوْشَنا، وبعث لصَمْغَرا قوسًا،
فوصلا قُونية، فسار بهما البَرَواناه إلى أَبَغًا فقال: ما شأنكما؟ قالا: إنَّ سُلطاننا
أرسلنا يقول لك إن أردتَ أن أكونَ مطاوِعًا لك فرد ما في يدك من بلاد
المسلمين، فغضب وأغلظ لهما وقال: ما يرضى رأسًا برأس! وانفصلا من غير
اثَّفاق .
وعندي في وقوع ذلك نَظَرٌ، لكن لعله سأله ردَّ ما بيده من العراق
والجزيرة، وإلا فجميع ما بيده بلاد المسلمين .
وفيها وصلت رُسُل بيت بَرَكة من عند منكوتمر بن طُغان يطلبون من
السُّلطان الإعانة على استئصال شأفة أبَغًا .
وفي ذي الحجة سار السلطان إلى حصن الأكراد وحصن عَكَّار فأشرف
عليهما، ورجع إلى دمشق.
وفيها تزوَّج الصَّاحب شرفُ الدين هارون ابن الوزير شمس الدين
الجويني ببغداد برابعة بنت أحمد ابن أمير المؤمنين المستعصم، على صداقٍ
تاريخ الإسلام ١٥ /م ٣
٣٣

مبلَغُهُ مئة ألف دينار مصري، وعَقَدَه قاضي القُضاة سراجُ الدين محمد بن أبي
فِراس في دار صاحب الديوان علاء الدين، بإنشاء بهاءَ الدين علي بن عيسى
الإربلي، وشرطت عليه والدةُ العروس بأن لا يشرب الخَمْر، فأجاب.
واحترق ببغداد سوق النظامية كله، واحترق فيه خَلْقٌ كانوا في الغُرَف.
٣٤

٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
(الوفيات)
سنة إحدى وستين وست مئة
ومن تُوفي فيها
١- أحمد بن عبدالله، الشيخ الصالح أبو العباس المقدِسيُّ الحنبليُّ،
تَرْبية البدوي.
سمع من شيخه عبدالله بن عبدالجبار البَدَوي، وحنبل، وابن طَبرزَد.
وحدَّث بدمشق والقُدس. روى عنه الدِّمياطي، وابن الخَبَّاز، والشيخ شعبان.
وحدَّث بدمشق.
وكان موته بقرية أبي ثَوْر بظاهر القُدْس في نصف المحرَّم (١).
٢- أحمد بن محمد بن إبراهيم بن رُزْمان(٢) بن عليّ بن بشارة،
الفقيه فخر الدين أبو العباس الدِّمشقيُّ الحنفيُّ.
فقيهٌ، إمامٌ، مُدرِّس، عَدْلٌ، متميزٌ من أعيان الحنفية. روى عن
الخُشُوعي (نُسخة وكيع)) وغيرها. روى عنه ابن الحُلْوانية، والدُّمياطي، وابن
الخَبَّاز، وطائفةٌ، ومحمد ابن المُحِبِّ.
تُوفي في أوائل شوال، ودُفِن بسَفْح قاسيون(٣).
٣- إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خَلَف بن محمد بن .
سُليمان بن سِوار بن أحمد بن حِزْب الله بن عامر بن سَعْد الخير بن عَيَّاش،
وهو أبو عَيْشُون بن محمود الدَّاخل إلى الأندلس ابن عَنْبسة بن
(١) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٦.
(٢) التقييد من خط المصنف، وصحح عليه.
(٣) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٨.
٣٥

حارثة بن العباس بن مرداس السُّلَميُّ، الإمام المحدّث أبو إسحاق ابن
الشَّيخ أبي عبدالله الأندلسيُّ البِلَّفيقيُّ، المعروف بابن الحاجِّ، نزیل دمشق .
وُلد بالمَرِيَّة سنة ست عشرة وست مئة، وكان محدّثًا، فاضلاً، مُفيدًا،
عارفًا .
وبلِّفيق: بباء موحّدة ولام مُشدَّدة، حِصْن عند المَرِيَّة.
ذكره الشَّريف عزّ الدين، فقال(١): سمعتُ منه، وَحَصَّل الأُصول الحَسَنة
الكثيرة. وسمع بمِصْر من جماعة، وحجَّ وعاد. ثم سافَرَ إلى دمشق فتُوفي بها
في المحرَّم.
قلتُ: هذا كتبتُهُ ولا أعرفه .
٤- إلياس بن عيسى الإربليُّ.
شيخٌ فقيرٌ مشهورٌ بالدِّين والخير، كان يجلس أكثر نهاره برِوَاق الحنابلة،
ويجلس إليه أعيانٌ ورؤساء لدينه وعلى ذِهنه عجائب ونوادر. وكان ظريفًا،
مليحَ الشَّكْلِ .
مات في شعبان(٢).
٥- أيوب بن محمود بن أبي القاسم عبداللَّطيف بن أبي المَجْد بن
سيما بن عامر السُّلميُّ، مُحْتسب دمشق، تاج الدين أبو المَجْد.
تُوفي في سَلْخ شعبان، وله تسع وستون سنة. حدَّث عن عُمر بن
طَبِرِزَدَ(٣).
٦- بدر الخُشنيُّ الشِّهابيُّ الطَّواشيُّ، أبو الضِّياء.
تُوفي بالمدينة النَّبوية. وروى عن عبدالوهاب بن رَوَاج. كتب عنه
الشَّريف عزّ الدين(٤)، وغيره.
٧- بهادُر الخُوَارزميُّ الأمير.
(١) صلة التكملة، الورقة ١٣٦ .
(٢) من ذيل مرآة الزمان ٢/ ٢٢٢.
(٣) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٨. وسيعيده المصنف في وفيات السنة الآتية
(الترجمة ٤٦) نقلاً من أبي شامة .
(٤) وترجمه في صلة التكملة ، الورقة ١٣٦ . والترجمة منه.
٣٦

أول مَن وَلِي العراق لهولاكو، وكان على ظُلْمه له مَيْلٌ إلى الإسلام،
وعَلَّمَ أولاده القرآن، وكان ربما صَلَّى، ويُعرف بالعربي. وفيه دَهاءٌ ومَكْرٌ.
قتَلَتْهُ التَّتار لأُمور نَقَموها.
٨- الحسن بن عليّ بن مُنتصر بن زكريا، أبو عليّ الفاسيُّ ثم
الإسكندرانيُ الكُتُبيُّ.
شيخٌ مُعَمٌَّ فاضلٌ. ولد سنة أربع وسبعين. وسمع سنة أربع وثمانين من
عبدالمجيد بن دُلَيْل الكندي. وسمع من عبدالرحمن بن مُوَقَّى، وتفرَّد بالرِّواية
عن ابن دُلَيْل. روى عنه الدِّمياطي، والشَّيخ شعبان الإربلي، وجماعةٌ.
مات في ثامن وعشرين ربيع الآخر بالإسكندرية(١).
٩- زكريا بن عبدالسيد بن ناهض، أبو يحيى الأنصاريُّ المِصْريُّ
النُّوَيْرِيُّ، المالكيُّ المؤذِّب.
روى عن عليّ بن المُفَضَّل الحافظ. سمع منه الشَّريف(٢)، وجماعةٌ.
ومات في رابع صفر .
١٠ - ستُّ الدَّار بنت مكِّي بن عليّ بن كامل الحَرَّاني، أخت زينب.
سمعت من داود بن مُلاعب، وموسى بن عبدالقادر. وماتت في ربيع
الأوّل(٣).
١١- سُليمان بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن فارس، الخطيب
الإمام أبو الرَّبيع الكِنانيُّ العَسْقلانيُّ الأصل المكِّيُّ الفقيه الشَّافعيُّ.
سمع من زاهر بن رُسْتُم، ويحِى الفَرَّاش. روى عنهِ الدِّمياطي، والرَّضي
الطََّري، وجماعةٌ. وخَطَبَ مدة بمَكَّة، وكان مَشْهورًا بالعِلْم والدِّين والعبادة.
وُلد قبل موت جدِّه لأُمِّه عُمر المَيانشِي قبل الثمانين وخمس مئة. وكُفَّ
بَصَرُه في آخر أيامه، ومات في رابع عشر المحرّم بمكَّة .
وحدَّث ((بالنَّسائي)) عن ابن الحُصْري (٤).
(١) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٧.
(٢) وترجمه في صلة التكملة ، الورقة ١٣٦. والترجمة منه.
(٣) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٧ .
(٤) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٦.
٣٧

·- الشِّهاب، أجير البهاء الشُّروطيُّ.
هو محمد بن عبدالرَّحيم يأتي.
١٢ - صلاح بن جعفر بن ضِرْغام بن نِزار، أبو عُمر العَجْلانيُّ
الفَيُّوميُّ المؤذِّب.
توفي في جُمادى الأولى بالقاهرة. وقد سمع في الكهولة من مُكرم، وابن
المُقَيَّر. وحدَّث؛ أخذ عنه الطَّلَبة(١).
١٣ - عبدالله بن محمد بن رضوان بن عَبْدُك، أبو محمد العَجَميُّ.
شيخٌ مُعَمَّرٌ، حدَّث عن السِّلفي بالإجازة العامة؛ قاله الشَّريف عزّ
.(٢).
الدین
١٤- عبدالخالق بن جعفر بن محمد، الإمام عزّ الدين أبو محمد
البَلْيَنَاويُّ (٣) المِصْرِيُّ الشَّافعيُّ الفقیه.
سمع وحَصَّل، وعُنِيَ بالحديث وأكثرَ بعد الخمسين وست مئة، وحدَّث
عن ابن باقا. ومات في ذي الحجة كَهَّلا(٤).
١٥- عبدالرَّازق بن رِزْق الله بن أبي بكر بن خَلَف، الإمام الحافظ
المُفَسِّر عِزُّ الدين أبو محمد الرَّسعنيُّ المحدِّث الحنبليُّ.
وُلد برأس عين سنة تسع وثمانين وخمس مئة، وسمع ((تاريخ بغداد)» كلَّه
من أبي اليُّمْن الكِنْدي. وسمعَ ببغداد من عبدالعزيز بن منينا، وطبقته، وبحلب
من الافتخار الهاشميُّ. وقدم دمشق مرة رسولاً، فقرأ عليه أبو حامد ابن
الصَّابوني(٥) جزءًا، فسمعه جماعةٌ. وله شِعْرٌ رائقٌ، ووَلِيَ مَشْيخة دار الحديث
بالمَوْصل. وسمع برأس عَيْن من أبي المَجْد القَزويني، وغير واحد. وصنَّف
تفسيرًا حَسَنًا يروي فيه بأسانيده، وله كتاب مَقْتل الحُسين، وغير ذلك.
(١) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٨.
(٢) صلة التكملة ، الورقة ١٤٠.
(٣) هكذا بخط المؤلف، وفي صلة التكملة بخط الحسيني: ((البلفياوي)) وهو خطأ، والصواب
ما ذكره الذهبي، وهي نسبة إلى ((بَلْينا)) مدينة على شاطىء النيل من غربيه بصعيد مصر،
كما في معجم البلدان ومراصد الاطلاع.
(٤) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٩ .
(٥) تكملة إكمال الإكمال ١٥٤ - ١٥٦.
٣٨

وكان إمامًا، محدّثًا، فقيهًا، أديبًا، شاعرًا، دَيًَّا، صالحًا، وافرَ الحُرْمة .
وله مكانةٌ عند صاحب المَوْصل لؤلؤ لجلالته وفَضْله. روى عنه الأبَرْقُوهي في
((مُعْجمه)). وروى عنه الدِّمياطي، وغيرُه. ومات في ثاني عشر ربيع الآخر.
وقرأتُ بخطِّ سيف الدين ابن المَجْد في ذِكْر عبدالرَّازق الرَّسْعَني، قال:
حَفِظَ ((المُقْنع))، وسمع بدمشق سنة خمس وسنة ستٍ وسبعٍ من الكِنْدي،
والخَضِر بن كامل، وابنِ الحَرَسْتاني، وابن الجَلاَجلي، وابن قدامة. وببغداد
من الدَّاهري، وعُمر بن كَرَم(١) .
١٦- عبدالرحمن بن سالم بن يحيى بن خَمِيس بن يحيى بن هبة الله،
الإمام المُفتي جمال الدِّين أبو محمد الأنصاريُّ الأنباريُّ الأصل البَغْداديُّ
ثم الدِّمشقيُّ الفقيه الحنبليُّ.
سمع من التَّاجِ الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني، وابن مُلاعب. وبحَرَّان من
الحافظ عبدالقادر. وتفقَّه على الشَّيخ الموفَّق. ونَسَخَ بخطّه كثيرًا من كُتُب
العِلْم. وكان صحيحَ النَّقْل، جيِّدَ الشِّعر، ديَّنَا، صالحًا.
كتب عنه عُمر بن الحاجب، والقُدَماء. وروى عنه ابن الخَلَّل،
والدِّمياطي، والشَّيخِ تاج الدين عبدالرحمن وأخوه الخطيب شرف الدين، وابن
الخَبَّاز، والبُرْهان الذّهبي، وآخرون. ومات في سَلْخ ربيع الآخر، ودُفِن بسفْح
قاسيون. وكان يسكن بالجامع، بالمنارة الغربية.
قال أبو شامة(٢): كان يُصلِّي الصُّبح إمامًا بالمُتأخِّرين، فيُطيل إطالةً
مُفْرِطةً خارجة عن المُعتاد بكثير، إلى أن تكاد الشمس تطلع، ولا يترك ذلك.
قلتُ: سمع البُرْهانُ، والكمالُ ابن النَّخَاس منه جميع كتاب ((الأربعين))
للزُهاوي، بقراءة شرف الدين.
١٧- عبدالرحمن بن محمد ابن الحافظ الكبير عبدالغني بن
عبدالواحد، الإمام المحدّث عِزُّ الدين ابن العِزِّ، أخو التَّقي ابن العزِّ،
المقدسيُّ الحنبليُّ.
وُلد سنة تسع وتسعين أو سنة ست مئة. وسمع حضورًا من عُمر بن
(١) ينظر ذيل مرآة الزمان ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) ذيل الروضتين ٢٢٦ .
٣٩

طَبرزَد. وحَفِظَ القرآن على الشَّيخ العماد، وتفقَّه على الشَّيخ الموفَّق. وسمع
من التَّاجِ الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني، وابن مُلاعب، وطبقتهم. ورحل فسمع
ببغداد من الفتح بن عبدالسلام، وعليّ بن بوزندار، وابن الجَوَاليقي،
وطبقتهم. وسمع بحلب من أبي محمد ابن الأستاذ، وبمِصْر والإسكندرية من
جماعة من أصحاب السِّلَفي. وكتب الكثير، وحَصَّل، وكان حَسَنَ الفَهْم، له
معرفةٌ بالرِّجال، من أفضل من بَقِي بالجبل .
بالغَ في الشَّناء عليه تلميذُه نجمُ الدين ابن الخَبَّاز، وقال: كان ضابطًا،
مُتْقِنًا وَرِعًا، حافظًا لأسماء الرِّجال، مجتهدًا على فِعْل الخير، مُفيدًا للطَّلَبة،
يَمْشي إلى الطَّالب ويفيده ويعارض معه، انتفعتُ به جدًّا، وأحسنَ إليَّ
ونَصَحني في دِیني ودُنياي، وما رأت عَيْناني بعد شيخنا ضياء الدين مثله.
وسمعتُ بقراءته في سنة تسع وثلاثين على عبدالحق بن خَلَف، وغيره، وأسمعَ
الحديث مدة بدار الحديث الأشرفية التي بالجبل، وكان وَرِعًا دَيِّنًا، عاملاً،
قليلَ الرَّغْبة في الدُّنيا، كثيرَ التَّعفُّف.
قلتُ: روى عنه هو، والدِّمياطي، والقاضي تقي الدين، وابن الزَّرَّاد،
وآخرون.
ثم ظَفِرتُ بمولده في ربيع الآخر سنة اثنتين وست مئة (١). ومات في
النصف من ذي الحجة، ولم يستكمل الستين .
وفي كُنيته أقوال، وهي: أبو الفَرَج، وقيل: أبو محمد، وأبو القاسم.
١٨- عبدالرحمن بن مُرْهَف بن عبدالله بن يحيى بن عبدالمجيد،
الإمام البارع تقيُّ الدين أبو القاسم المِصْريُّ الشَّافعيُّ النَّشِريُّ المقرئ.
وُلد سنة ثمانين وخمس مئة، وقرأ القراءات على أبي الجُود المقرئ.
وسمع الحديث من عليّ بن المُفضَّل الحافظ، وجماعةٍ. وانتصب للإقراء مدة
بجامع مِصْر، واشتُهِرَ اسمه وبَعُد صِيتُه.
ذكره الشَّريف ◌ِزُّ الدين، فقال(٢): سمعتُ منه، وسألته عن مولده فقال:
(١) أرخ ولادته في هذه السنة الشريف عز الدين الحسيني (صلة التكملة، الورقة ١٣٩)، وتبعه
قطب الدين اليونيني في ذيل مرآة الزمان ٢/ ٢١٨ .
(٢) صلة التكملة ، الورقة ١٣٩.
٤٠