النص المفهرس

صفحات 1-20

تاريخ الإسلام وَوفيات المشاهير والأعيام
◌ِؤَخِ الإِسْلَام ◌ِشَيْرُ الدّيْنِ أَبِ عَبِّدِالله عَ بْ أَخْتَدُبْ عُمَاز الذّهَبِّ
المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ
المَجَلّد الخَامِسِ عَشْر
٦٦١ - ٧٠٠ هـ
حَقِّقِه، وَضَطَ نَصَّه، وَعلَّقْعَلَّه
الدكتور بشار عواد معروف
ء
دار الغرب الإسلامي

1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامي
ص . ب. 5787-113 بيروت
جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في
نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل
إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو
الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

تاريخ الإسلام وَوَفيارت المشاهير والأعلام
◌ِؤَخِ الإِسْلَم ◌َّعِ الّذِيْن أَفْ عَدِاله ◌َ بِ أَ خْفَبْ عُمَارُ الذَّهَيّ
المتوفى ٥٧٤٨ - ١٣٧٤م
المَجَلّد الخَامِسِ عَشَّر
٦٦١ - ٧٠٠ هـ

الطبقة السابعة والستون
٦٦١ - ٦٧٠ هـ

<ے
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّ
ذكْر الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر
سنة إحدى وستين وست مئة
في المحرم قال أبو شامة(١): دَرَّست بالرُّكنية الملاصقة للفَلَكية.
قال(٢): وفي صفر دخل دمشق الخليفة الحاكم بأمر الله الذي بايعه
بَرْلُو (٣) بحلب، ثم سافر إلى مصر.
وفي رَجَبَ جَرَى على الشَّمس محمد بن مؤمن الحَنْبلي أمرٌ بتعصُّب
جماعةٍ عليه، وحُمِلَ إلى والي دمشق وَهمَّ بتجريصه (٤).
قال قُطْبُ الدين(٥): في يوم الخميس ثامن المحرَّم جلسَ السُّلطان
مجلسًا عامًّا، وحضرَ الحاكم بأمر الله راكبًا إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل،
وجلسَ مع السُّلطان، بسطوا له إلى جانبه، وذلك بعد ثُبُوت نَسَبه، فأقبل عليه
السُّلطان وبايعه بإمرة المؤمنين. ثم أقبل هو على السُّلطان الملك الظَّاهر وقَلَّده
الأمور. ثم أخذ الناس يُبايعون الخليفة على طبقاتهم، فلما كان من الغدِ خطبَ
يوم الجُمعة خُطبة ذكر فيها الجهادَ والإمامة وتَعَرَّض إلى ما جرى من هَتْك حَرِم
الخلافة، ثم قال: وهذا السُّلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قِلَّة
الأنصار، وشرَّد جيوش الكُفُر بعد أن جاسوا خلال الدِّيار، فبادروا إلى شُكْر
هذه النعمة ولا يَرُوعَنكم ما جرى، فالحرب سِجال. وأوَّل الخطبة: ((الحمد لله
الذي أقام لآل العباس رُكْنَا وظهيرًا)). قال: ثم كُتِبَ بدعوته إلى الآفاق. ثم
(١) ذيل الروضتين ٢١٦ لكنه ذكر ذلك في حوادث سنة ٦٦٠.
(٢) كذلك.
(٣) بفتح الباء الموحدة، وهذا الضبط من خط المؤلف.
(٤) تجريصه: إشهاره (دوزي: المستدرك ٢ / ١٨٧).
(٥) ذيل مرآة الزمان ١/ ٥٣٠.
٧

خَطَب الحاكم جمعةً أخرى بعد مُدة. وهو التاسع والثلاثون من خُلفاء بني
العباس. وبقي في الخلافة أربعين سنة وأشهُرًّا.
قال(١): وفي صَفَر جمع صاحب سِيس تَكْفور جَمعًا وأغارَ على
الفُوعَةِ(٢)، وسَرْمين(٣)، ومَعَرَّة مِصرين (٤)، وأسر من الفُوعة ثلاث مئة وثمانين
نفسًا، فساقَ وراءه جماعةٌ كانوا مجرَّدين بسرمين فهزموه، وتَخَلَّص بعض
الأسرى.
وفي ربيع الآخر خرج الملك الظاهر من القاهرة، فلمَّا قَدِمَ غزَّة نَزَلَت إليه
أمُّ المغيث صاحب الكَرَك تشفعُ في ولدها فأكرمها، ثم رحل إلى الطُّور.
وغلت الأسعار، ولحق الجيشَ مَشَقةٌ عظيمة، والرُّسل تتردد إلى صاحب الكَرَك
تطلبه، وهو يسوِّف خَوْفًا من القبض عليه. ثم إنه نزل، فلمَّا وصل تلقَّاه
السُّلطان وأكرمه، ومنعه من التَّرجُّل له. ثم أُرسل تحت الحَوْطة إلى قلعة
مصر، وكان آخر العهد به. ثم توجه السُّلطان إلى الكَرَك، وكاتَبَ من فيه
بتسليمه، فوقع الاتفاق على أن يؤمّر الملك العزيز عثمان ابن المغيث، فأعطاهُ
خُبْزَ مئة فارسٍ بمصر. ثم دخل السُّلطان إلى الكَرَك في جمادى الآخرة. ثم
سار إلى مصر .
وفي رجب أمسك ثلاثة أمراء لكونهم حَطُّوا على السُّلطان في إعدامه
الملك المغيث، وهم الأمير شمس الدين أقوش البرلي، والأمير سيف الدين
بَلْبَان الرَّشيدي، والأمير عز الدين أيْبَكَ الدِّمياطي.
وفي رجب جاءت رسُل بَرَكة ملك التَّار يُخبرون أنه مُحبّ للإسلام،
ويَشْكُو من ابن عمه هولاكو، فأرسل إليه الملك الظاهر هديةً وصَوَّب رأيه .
وفيه وصلت طائفة من التتار مستأمنين مُسلمين. ثم وصلت طائفة كبيرة
مقدَّمُهم الأمير كرمون، فتلقَّهم السُّلطان وأنعمَ عليهم.
وفي شعبان وُليَ الأستاذ داريّة جمال الدين ابن يَغْمور.
وفي شوَّال سافر السُّلطان إلى الإسكندرية فأقامَ بها نحوًا من شهر، ثم
(١) ذيل مرآة الزمان ١ / ٥٣١.
(٢) من قرى حلب، كما في معجم البلدان .
(٣) من قرى حلب أيضًا، أهلها إسماعيلية، كما في معجم البلدان.
(٤) هكذا بخط المؤلف بكسر الميم، وفي معجم البلدان بالفتح، وهي بليدة بنواحي حلب.
٨

عزل ناصر الدين ابن المُنَيَّر من قضائها بالبرهان إبراهيم بن محمد البَوشي.
وَجَرَت وقعةٌ هائلة بين هولاكو وبَرَكة، وكانت الدائرة على هولاكو،
وقُتِلَ خَلْقٌ من أصحابه، وغرق آخرون، ونجا هو بنفسه.
وقال أبو شامة(١): في صَفَر سُمِّر شابٌ، وخُنِقت امرأتُه فعُلِّقت في جَوْلَق
تحته. كانت تتحيَّل على النِّساء وتوديهم إلى الأفراح متلبسات، فتأتي بالمرأة
إلى بيتها فيخنقها زوجها، ويأخذ ما عليها، ويرميها في بئر. فعل ذلك بجماعةٍ
من النّساء، فبقي مسمَّرًا يومين ثم خُنق، وذلك بدمشق .
سنة اثنتين وستين وست مئة
في شهر جمادى الأولى وَلِيَ الإمام شهاب الدين أبو شامة مشيخة دار
الحديث الأشرفية بعد ابن الحَرَسْتاني(٢) .
وفي أولها فرغت المدرسة الظَّاهرية بين القَصْرين، فدرَّس بها للشافعية
الإمامُ تقيُّ الدين ابنُ رَزِين، وللحنفية الصَّاحب مجدُ الدين ابنُ العديم. ووَلِيَ
مشيخة الحديث الحافظ شَرَف الدين الدمياطي. ووَلِيَ مشيخة الإقراء الشيخ
كمال الدين المحلي .
وفيها بعث السُّلطان نائبًا له على حِمْص عقيب موت صاحبها الملك
الأشرف.
وفي ربيع الآخر زلزلت مصرُ زلزلةً عظيمة .
وعُزِل الشِّهابي عن نيابة حلب بالأمير نور الدين علي بن مجلي.
وفيها كان الغلاء بمصر، وبلغ الإرْدَبُّ مئة وخمسة دراهم.
وفيها أحضر بمصر إلى السُّلطان طفلٌ ميتٌ وله رأسان، وأربعة أعينٌ،
وأربعة أيدي، وأربعة أرجل .
وفيها كان خبر الخَنَّاقة بمصر؛ قال شمس الدين الجَزري في
((تاريخه))(٣): فيها ظهرت قَتْلى في خليج مصر، وفُقِد جماعة. ودام ذلك أشهُرًا
(١) ذيل الروضتين ٢٢٢ .
(٢) ذيل الروضتين ٢٣٠.
(٣) في المختار منه ٢٦٢ .
٩

حتى عُرِفَ أن صبيةً مليحةً اسمُها غازية كانت تتبرَّج بالزينة، وتُطْمِع من يراها،
ومعها عجوز، فتُشاكِلُ الرَّجُلَ وتقول: هذه ما يُمكنها ما تريد منها إلا في
منزلها. فإذا انطلق معها، واستقرَّ في دارها، خرج إليه رجلان جَلْدان فيقتلانه،
ويأخذان ما عليه. وكانوا يتنقَّلون من موضع إلى موضع، إلى أن سكنوا على
الخليج. وجاءت العجوز مرةً إلى ماشطةٍ مشهورة لها حُلي تُخْرج به العرائس،
فقالت لها: عندي بنتٌ، ونريد أن تُصلحي من شأنها. فجاءت بالحُلي تحمله
الجارية. ورجعت الجارية من الباب فدمَّسوا الماشطة، ولما أبطأ خبرُها على
جاريتها مَضَت إلى الوالي فأخبرته، فركب إلى الدَّار وهَجَمها، فوجد غازيّة
والعجوز، فأخذهما وتهددهما، فأقرّتا، فحبسهما فجاء إلى الحَبْس أحدُ
الرَّجلين، فشعر به الأعوان، فأُخِذ وقُرِّرَ وضُرِبَ، فاعترف ودَلَّ على رفيقه،
وكان لهما رفيقٌ آخر له قُمِّين (١) للطُّوب، كانَ يُلقي فيه مَن يقتلانه في الليل
فيحترق. وأظهروا أيضًا من الدار حفيرةً مملوءةً بالقتلى، فأُنهي أمرُهُم إلى
السُّلطان فسُمِّروا خمستُهم. وبعد يومين شفع أميرٌ في الصبية فأُنزلت وماتت
بعد أيام.
قال: وفيها اتفق أن ليلة الاثنين كانت ليلة ثاني عشر ربيع الأول، وفيها
أحضرت إلى قلعة مصر فلوسٌ كثيرة من جهة قُوص وُجِدَتْ مطمورةً، كان على
الفِلْس صورةُ ملك، وفي يده ميزان، وفي يده الأخرى سيف. وعلى الوجه
الآخر رأس بآذان كبار، وحوله أسطُر. فحضر جماعة من الرُّهبان فيهم حكيم
يوناني رومي لا يعرف العربية فقرأ الأسطُر، فكان تاريخ الفِلْس من ألفين
وثلاث مئة سنة، وفيه مكتوب، أنا غلياث الملِك، ميزان العَدْل والكَرَم في
يميني لمن أطاع، والسيف في شمالي لمن عصى. وفي الوجه الآخر: أنا
غلياث الملك أُذُني مفتوحة للمظلوم، وعيني أنظر بها مصالح مُلْكي.
وفيها قَدِم بغداد النَّصير الطُّوسي للنظر في الوقوف وجَمْعِ الكُتُب،
وانحدر إلى واسط، وجمع شيئًا كثيرًا لأجل الرَّصد.
وقتلوا ببغداد النجم أحمد بن عمران الباجسرائي، وأخذَ مرارتَهُ جلالُ
الدين ابن الملك مجاهد الدين الدُّوَيْدار. وكان ناظرًا على السَّواد، جَيِّد
(١) القمين: هو مكان وقود حرق الآجر (الطوب).
١٠

التَّصرُّف، وعظُم في دولة هولاكو، ولقَّبه بالملِك، فعادى علاءَ الدين فعقره.
ثم إن ابن الدّوَيْدار بَيَّع ما له من الغَنَم والجواميس وغير ذلك، واقترض أموالاً
واستعار خُيولاً، وأظهر أنه يتصيَّد ويزور المشهد وأخذ أمه، ثم تسخَّب إلى
الشام، فانقطع عنه ضُعفاء الجُنْد ورجعوا، فقتلهم الشِّخنة قرابوقا، وقتل كُل
من ظفر به من آحاد الأجناد.
وفيها عُزِل قرابوقا عن بغداد لكونه رافَعَ الصاحب علاء الدين بالكذب،
ووَلِيَ توکال شِخْنة.
وسار عز الدين كيكاوس ابن صاحب الرُّوم إلى قُسطنطينة، إلى صاحبها
الأشكري، لكونه وقع بينه وبين أخيه ركن الدين قِلِج أرسلان في أمر سلطنة
الرّوم، فاستظهر عليه الرُّكن ففر هو في حاشيته إلى قسطنطينية، فأحسن إليه
الأشكري وإلى أمرائه، وداموا في عافية، فعزموا على قَتْل الأشكري وأن
يأخذوا قسطنطينيته، ففهم فأعماهم وسجن عِز الدين. ثم طلبه بركة وذهب
إليه .
سنة ثلاث وستين وست مئة
قال أبو شامة (١) رحمه الله: فيها جاء إلى القاهرة كتابٌ يتضمن نصر
المُسلمين على النَّصارى في بَرِّ الأندلس وسُلطان المسلمين أبو عبدالله ابن
الأحمر. وكان الفُنْش ملك النَّصارى قد طلب من ابن الأحمر السَّاحل من مالقة
إلى المَرِية، فاجتمعَ المُسلمون والتقوهم، فكسروهم مِرارًا، وأُخِذ الفُنْش
أسيرًا. ثم اجتمع العدو المَخْذول في جَمْع كبيرٍ، ونازلوا غَرْناطة. فانتصر
عليهم المسلمون، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةٌ،ً وجُمِعَ من رؤوسهم نحو خمسةٍ
وأربعين ألف رأس، فعملوها كَوْمًا، وأذَّن المسلمون فوقه، وأسروا منهم عشرة
آلاف أسير. وكان ذلك في رمضان سنة اثنتين. وانهزم الفُنْش إلى إشبيلية،
وهي له، وكان قد دفن أباه بها بالجامع، فأخرجه من قبره خوفًا من استيلاء
المسلمين، وحمله إلى طُلَيْطُلَة.
قال: ورجع إلى المسلمين اثنان وثلاثون بَلَدًا، من جملتها إشبيلية
(١) ذيل الروضتين ٢٣٤.
١١

ومُرْسية. كذا قال، والله ينصر المسلمين حيث كانوا.
قال قُطْب الدين(١): وفي أولها بلغ السُّلطان أن جماعة أمراء وأجناد
اجتمعوا في دار طُطْماج، فتكلَّموا في الدَّولة، وزاد في الكلام ثلاثةُ أَنفُس.
فسمَّر أحدهم، وكخَّل الآخر، وقُطِعت رِجلا الثالث، فانحسمت مادة
الاجتماعات .
قال(٢): وفي ربيع الآخر قُطِعت أيدي ثلاثةٍ وأربعين نَفْسًا من نُقباء والي
القاهرة، ومن الخفَر والمقدَّمين، فمات بعضُهم. وسبب ذلك ظهور شلوح (٣
ومِناسر (٤) بالقاهرة وضواحيها .
وفيها نازلت التتر البيرة، فسَاقَ المُحَمَّدي، وسُمُّ الموت(٥) للكشف.
وأغار عيسى بن مُهَنَّا على أطراف بلادهم فرحلوا عن البِيرَة.
قال: وفي ربيع الآخر توجَّه السُّلطان بالعساكر إلى قَيْسارية فحاصرها،
وافتتحها عَنْوةً في ثامن جمادى الأولى، وامتنعت القلعة عشرة أيام وأُخِذت،
وهرب من فيها إلى عَكًّا، فخرَّبها السُّلطان، وأقطع قُراها.
ثم سار فنازل أرسُوف، ونصب عليها المجانيق إلى أن تداعى بُرْجٌ تجاه
الأمير ببليك الخَزْنَدَار، فهجم البلد بأصحابه على غفلةٍ، ووقع القَتْل والأسر،
وذلك في ثاني عشر رجب. ثم هُدِمت، وعاد السُّلطان، وزُينت القاهرة.
وفيها أحرق بحارة الباطلية بالقاهرة حريقٌ كبير، ذهب فيه ثلاثةٌ وستون
دارًا. ثم كثُر بعد ذلك الحريقُ بالقاهرة، واحترق رَبْعُ العادل وغير ذلك،
فكانت توجد لفائف مشاق فيها النار والكبريت على الأسطحة. وعظُم ذلك
على الناس، واتهموا بذلك النَّصارى، وقَدِمَ السُّلطان فَهَمَّ باستئصال النَّصَارى
واليهود، وأمر بجَمْع الأحطاب والحَلْفا في حفيرة ليُحرقوا فيها. ثم كُتِّفوا
ليُرمَوا في الحَفِيرة، فشفع فيهم الأمراء، وأمروهم أن يشتروا أنفسهم، فقرَّروا
عليهم خمس مئة ألف دينار يقومون منها في العام بخمسين ألف دينار.
(١) ذيل مرآة الزمان ٢/ ٣١٧.
(٢) نفسه .
(٣) قطاع الطريق.
(٤) أي: الشرذمة من قطاع الطريق.
(٥) هذا لقب الأمير عز الدين يوغان.
١٢

وضمِنَهم الحبيس. وكان كاتبًا ثم ترقَّب، وأقام بجبل حُلْوان. فيقال: إنه وَجَدَ
في مغارةٍ من الجبل دفينًا للحاكم العُبَيدي، فلما ظفر بالمال واسَى به الفقراء
والصعاليك من كل مِلة، فاتصل خبرُه بالسُّلطان، فطلبه وطلب منه المال،
فقال: لا سبيل إلى أن أعطيك من يدي إلى يدك. ولكن يَصل إليك من جهة من
تصادره ولا يقدر على تطلبه منه، فلا تعجل علي، فلمَّا جرت هذه الواقعة
للنَّصارى ضمنَهم. وقد ذكرنا وفاته في سنة ستٍّ وستين، وكانت قد وصلت
الفتاوى بقَتله خوفًا من الفتنة على ضعفاء الإيمان من المُسلمين، من علماء
الإسكندرية. فقيل إن مبلغ ما وصل إلى بيت المال من طريقه في مدة سنتين
ست مئة ألف دينار. وقد ضُبط ذلك بقلم الصَّيارفة الذين كان يجعل عندهم
المال، ويكتب إليهم أوراقَهُ. وذلك خارجًا عمَّا كان يُعطيه بيده سِرًّا. وكان لا
يأكل من هذا المال ولا يَلْبس، بل النَّصارى يتصدَّقون عليه بما يأكل ويَلْبس،
ولم يظهر له بعد موته ولا دينارٌ واحد، وكان يقول: من لم يكن معه شيء
أديتُ عنه في المُصادرة. فكان يدخل الحَبْس ويُطلق مَن عليه دَيْن، ومَن وجده
ذا هيئةٍ رَّة واساهُ، ومن شَكَى إليه ضرورةً أزاحَها عنه. وقد سافر إلى
الإسكندرية، وأدى جُملةً عن أهل الذمة، وكذا سافر إلى الصَّعيد، وأدَّى
المُقَرَّر على أهل الذِّمة. وكان عجيب الحال، لعنَهُ الله. ومن لُطف الله أنه غير
مُسلم، وإلا لو كان مُسْلمًا لتألهه النَّاس، وادعوا فيه التُّبوّة أو القُطْبية، نسأل الله
العافية!
وفي شوال شرع السُّلطان في حفر بحر أشموم، وفَرَّقه على الأمراء،
وعمل معهم بنفسه، فلما فرغ ركب في الحَرَّاقة، وأخذ معه زاد أيام يسيرة،
وسار ليسُدَ فَمَ جَسْر على بُحيرة ◌ِنِيس انفتح منه مكان، وخرج الماء فغرَّق
الطَّريق بين الورَّادة والعريش. فأقام هناك يومين، وحصل له وَعٌ، فعاد إلى
مصر .
وفيه طلع من الشَّرق كوكب الذَّنَب، وهو كوكب له ذُؤابة، فبقي نحو
أربعين يومًا .
وفيها شُنِقِ قاضي البِيرة لأنه كاتَبَ صاحبَ سِيس ليبيعه قلعة البيرة،
فهتگُه الله وأهلكه.
١٣

وفي أولاها وصلَ رسولُ صاحب سِيس يُبشر السُّلطان بموت هولاكو ثم
ورد الخبر بأنَّ التتار مَلَّكوا أبْغَا بن هولاكو، وأن بَرَكة قصدَهُ فكسره، فعزم
الملك الظاهر على التوجُّه إلى العراق ليغتنم الفُرْصة، فلم يتمكن لتفرّق
العساكر في الإقطاعات.
وفي شؤَّال سَلطنَ الشُّلطان ولَدَه المَلِك السَّعيد ورَكَّبه بأُبَّهة المُلْك في
قَلْعة الجَبل، وحملَ الغاشية بنفسه بين يدي وَلَده من باب السرِّ إلى السِّلسلة،
ثم عادَ. وكان صبيًا ابن أربع أو خمس سنين. ثم ركب الملك السَّعيد، وسَيَّر،
ودخل من باب النَّصْر، وخرج من باب زُوَيلة، وسائر الأمراء مُشاة، والأمير عز
الدين الحِلي راكبٌ إلى جانبه، والوزير بهاء الدين، وقاضي القضاة تاج الدين
راكبان أمامه، والبَيْسري حامل الجَتْر على رأسه، وعليهم الخِلَع. ثم بعد
عشرين يومًا خُتِنَ الملك السعيد، وخُتن معه جماعة من أولاد الأمراء.
وفيها جُدد بالدِّيار المصرية القُضاة الأربعة، من كل مذهب قاض،
وسبب ذلك توقُّف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من
الأحكام، وكثُر توقُقُه، فكثرَت الشَّكاوى منه، وتَعَطَّلت الأمور، فوقع الكلام
في ذي الحجة بين يدي السُّلطان، وكان الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي
يكره القاضي تاج الدين، فقال له: نترك لك مذهب الشافعي، ويُولَّى معك من
كل مذهب قاض. فمال السُّلطان إلى هذا. وكان لأيدغدي العزيزي محلٌّ عظيمٌ
عند السُّلطان، فولِيَ قضاء الحنفية الصدر سليمان، وقضاء المالكية شَرَف
الدين عُمر السُّبكي، وقضاء الحنبلية شمس الدين محمد ابن العماد. واستنابوا
الُّواب، وأبقى على الشافعي النَّظَر في أموال الأيتام، وأمور بيت المال. ثم
فُعِل ذلك بدمشق .
وفيها أُحضِر بين يدي السلطان خَروفٌ ولِد على صورة الفِيل، له خُرطومٌ
وأنياب .
وفيها وقع الاهتمام بعمارة مسجد الرسول وَّ﴾، فوجِّه إليه الصُّناعُ
والأخشابُ والآلات والمالُ، فبقيت الصُّنَّاع فيه أربع سنين.
وفي رمضان حجبَ الملك الظاهر الخليفة، وجعله في بُرج بقلعة مصر،
لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد، ويتكلّمون في أمر الدولة.
١٤

وفيها وَلِيَ أمور المَوْصل رضي الدين الباني، فعذّب الذي كان قبله زكي
الدين الإربلي وصادَره ثم قتله.
وفيها قبضَ ببغداد مرمكيخا الجائليق على نَصْراني قد أسلم وسجنه بداره
التي كانت للدُّوَيْدار الكبير، وعزم على تغريقه. فهاجت العامة، وحاصروا
البيت، وأحرقوا باب داره، وقتلوا أصحابه. ثم ركب الشِّحنة، وقتل طائفةً،
وسكنت الفتنة. وذهب الكَلْب إلى هولاكو، وبنى بيعةً بقلعة أرسن.
ووصل شخصٌ إلى بغداد بفيلَين، ثم سار ليُقدَّما للملك.
سنة أربع وستين وست مئة
فيها ظهر للناس موت الطَّاغية هولاكو .
وفيها سُمِّر على الجمال أحدٌ وعشرون نَفْسًا من مُقدمي العُربان بالشَّرقية
من ديار مصر، وسيروا مُسَمَّرين إلى بلادهم فماتوا.
وفي أول شعبان بَرَّز السُّلطان من مصر لقصد صفَد، فنزل عين جالوت
بعد أن زار الخليل عليه السلام، وجلس على سِماطه وأكل من العَدَس حتى
شبع، وفرَّق مالاً جليلاً في أهل بلد الخليل وفي الفُقراء. وتوجَّه إلى القُدس
الشريف، وبلَغَه أن العادة جاريةٌ بأن يؤخذ من اليهود والنصارى حقوقٌ على
زيارة مغارة الخليل عليه السلام، فأنكرَ ذلك، وكتب به توقيعًا قاطعًا، واستمر
منعُهم وإلى الآن، فلله الحَمْد. وجهز الأمير سيف الدين قلاوون الألفي،
والأمير جمال الدين إيدغدي العزيزي للإغارة على بلاد الساحل، فأغاروا على
بلاد عكا، وصور، وطرابلس، وحصن الأكراد، فغِنِمُوا وسبوا ما لا يَنْحصر.
ثم نزل السُّلطان على صفد في ثامن رمضان، ونُصبت المجانيق وآلات
الحصار، ووقع الجدَ والحصار والقتال، ونصِبت السَّلالم على القَلْعة وسُلِّطت
التُّصُوب على الأساس واشتَدَّ المراس، وصبرَ الفريقان على البأس. والسُّلطان
مباشرٌ ذلك بنفسه، فذل أهل الحِصْن، وطلبوا الأمان والأيمان، فأجلس
السُّلطان في دَسْت المملكة الأمير سيف الدين كرمون، وكان يشبه الملك
الظَّاهر، فنزلت رُسُلُهم فاستحلفوه، فحلف لهم وهم لا يشكُّون أنه السُّلطان.
وكان في قلب الملك الظاهر منهم لِما فعلوا بالمسلمين. فلما كان في يوم
١٥

الجمعة ثامن عشر شوّال طلعت أعلام السُّلطان على صَفَدَ، وأنزل من بها من
الدَّيوية وغيرهم. وكان قد وقعَ الشَّرط على أنهم لا يأخذون شيئًا من أموالهم،
فاطَّلَع عليهم أنهم أخذوا شيئًا كثيرًا، فأمر السُّلطان بضرب أعناقهم على تل
هناك، وكانوا نحو مئتين أقيالاً أبطالاً فيهم أولاد ملوك. ثم حَصَّنها وعَمَّرها
وشَحَنَها بالرِّجال والأسلحة والعَساكر، واستناب عليها علاء الدين الكُبَكي.
قال سعد الدين في ((تاريخه)): الذي قيل إنه قُتل من العسكر نحو ألف
نَفْس عليها، ومن الغُزاة والرَّعية كثيرٌ، والجَرْحِى فكثير، وقاسوا عليها شدة.
وحكى العَلم سَنْجر الحَمَوي أنه قُتِل على صفد قريبُ ثمان مئة فارس ممن
نعرف، منهم أمراء وخاصَّكية .
ووصلت رُسْل صاحب سِيْسٍ فلم يلتفت عليهم السُّلطان، وجَهَّز لها
عسكرًا فأغاروا وسبوا، وأسروا خَلْقًا، منهم ابن صاحب سِيس وابن أخته.
وكان مقَدَّم العَسْكر صاحبُ حماة، وشمس الدين الفارقاني. وخرج السلطان
لتَلقيهم، فمر بقارَه، في ذي الحجة فأمر بنَهْبها واستباحتها، وأسر منها أكثر من
ألف نَفْس، ووَسَّط الزُّهبان وصُيرت كنيستُها جامعًا، وأنزلها التُّركمان وغيرهم
ومن سَلِم منهم، وذلك لأنهم كانوا يسرقون المسلمين ويبيعونهم ببلاد الفرنج
بالسَّاحل. ثم رجع السلطان والأسرى والغنائم التي من سيس وقارَه بين يديه .
وسارَ إلى الكَرَك في أول سنة خمسٍ .
وكان قد استناب على الدِّيار المصرية الأمير عز الدين الحِلِّي، فجلس
في ذي الحجة بدار العَدْل، فجاء إنسانٌ ومعه قَصَّةٌ، وتقدَّم بها إلى الحلي، ثم
وثب عليه بسِكين معه فجرحه، فقام إليه والي القاهرة الصَّارم المسعودي
ليدفعه عنه، فضربه بتلك السِّكين فقتله، وقام الحِلي جريحًا والوزير وقاضي
القُضاة تاج الدين، وقَتَلت الجُنْدارية ذلك الرجل، ولم يتحقَّق له خبر.
وفيها أمر السُّلطان بعملٍ جَسر على الشريعة بقُرب دامية، فلما تكامل
بنیانه اضطرب بعض أركانه ثم أُصْلِح.
وفيها أخرج السُّلطان من مصر سبيلاً إلى مكة.
وفيها توجه صاحب الرُّوم رُكن الدين كَيْقُباذ والبرواناه بهدية وتُحفِ،
وهَنّوا أَبَغا بالمُلْك، ثم عادَ رُكْن الدين وتخلّف مُعين الدين البرواناه، فتكلّم مع
١٦

أَبَغًا وقال: هؤلاء بنو سُلْجوق أصحاب الروم ما يؤمنوا، وربَّما لرُكن الدين
باطنٌ مع صاحب مِصْر. فقال أبغًا: قد ولَّيتُك نيابةَ الروم، فإن تحققتَ أحدًا
يُخالف طاعتي فاقتُلْه. ثم إن البرواناه افتتح قلعةً لأبَغا، فعَظُم بذلك عنده،
وتخوَّف منه رُكن الدين كيقُباد(١).
سنة خمس وستين وست مئة
في أوَّلها تَوَّجه السُّلطان جريدةً إلى الكَرَك، وتَصَيَّدٍ بنواحي زِيزَى،
فتقنطر به الفَرَسُ فانكسرت فَخِذُه، فأقامَ يداويها حتى تصلُح بعض الشيء.
وسار في محفَّةٍ إلى غزة، وحصل له عرَجٌ منها.
وفيها سافر صاحب حماة الملك المنصور إلى مصر، فاحتفل له السُّلطان
وأكرمه. ثم سافر إلى الإسكندرية متفرِّجًا، فرسم السُّلطان لمتوليها أن يحمل
إليه كل يومٍ مئة دينار برسم الثَّفقة، وأن ينسج له في دار الطُّراز ما يقترحه.
وفيها أمر السلطان بعمل الجامع بالحُسينية، وتَمَّت عمارتُه في شؤَّال سنة
سَبْعٍ وستين، وجاء في غاية الحُسن. وبُني في ميدان قراقوش، وأُحكِر ما بقي
من الميدان، وقُرِّر لمصالح الجامع. ورُبِّب به خطيبٌ حَنَفي .
وفي جمادى الآخرة توجه السُّلطان إلى الشام وصُحْبتُه صاحبُ حماة،
فنزل على صَفَد، واهتم بعمارتها وتحسينها وتحصينها، ثم قدِمَ دمشق. ثم سار
إلى الكَرَك.
وفي شعبان ولي قضاء القضاة بالقاهرة والوجه الشَّرقي الإمام تقي الدين
ابن رَزِينِ الحَمَوي، وولي قضاء مصر والوجه القِبْلي محيي الدين عبدالله ابن
القاضي شَرف الدين ابن عين الدولة. وولي نظر الأحباس الشيخ تاج الدين
علي ابن القسطلاني. وولي تدريس الشافعية بالصَّالحية صدر الدين ابن القاضي
تاج الدين، وفُوض نظر الخانقاه السَّعيدية إلى قاضي الحنابلة، ووَلِيَ نظر
مدرسة الشافعي بهاءُ الدين علي بن عيسى بن رمضان نيابة عن الصاحب فخر
الدين ابن حِنَّى(٢) وهذه المناصب كلها كانت بيد القاضي تاج الدين.
(١) كتب المصنف بعد هذا: ((وفيها افتتح السلطان يافا)). ثم ضرب عليها، ولكن بعض
النساخ نقلوها، فوهموا، وستأتي في سنة ٦٦٦ .
(٢) مجود بخط المصنف، وقيده في المشتبه ٢٦٠، وينظر توضيح ابن ناصر الدين ٣٩٦/٣.
تاريخ الإسلام ١٥ / م ٢
١٧

وفيها توجه الأمير عزالدين الحلي إلى الحج، وناب في السَّلْطنة
بدر الدين بيليك الظَّاهر ابن الخَزْنَدَار.
ودخل السلطان مصر في ذي الحجة، فأمر بتسمير جماعةٍ، منهم الملك
الأشرف ابن صاحب مَيَّافارِقين شهاب الدين غازي، والأمير آقوش القَفْجاقي
الصَّالحي الذي ادَّعى التُّبوةَ من نحو ثلاثة أشهر. ومنهم الناصح ضامن بلاد
واحات، وكان بإخميم، فأنهي إلى السُّلطان ما هو فيه من الأمر المُطاع، وأنه
يُخاف من خروجه بأرضه، وأُنَهيَ إليه أنه اتفق مع رجلٍ نَصْرانيٍّ ومع الملك
الأشرف وهم بخزانة البُنُود محبوسين، على أن ينقبوا خزانة البُنود ويخرجوا
إلى واحات، فيُسلْطَن فيها الملكُ الأشرفُ ابن غازي، ويكون النَّاصحُ وزیرَه،
والنصرانيُّ كاتِبَه، فسُمِّروا.
وفيها ورد كتاب قاضي القدس إلى السُّلطان يخبر بظهور الماء ببيت
المقدس؛ وسبب ذلك أن الماء انتُرِحَ من بئر السقاية وبقي الوَحْل، وعظمت
مَشَقَّة الناس لأجل الوضوء، وأنَّ القاضي حضرَ بنفسه إلى البئر، ثم نزل فأخبر
أنه شاهد قناةً مسدودة بالرَّدْم من عهد بُخْتَ نُصَّر الذي هدم بيت المقدس.
قال: فدخلتُ الصَّخْرة وأنا مهمومٌ بسبب إعواز الماء، فاجتمعت بالأمير علاء
الدين الرُّكْني الأعمى، فجرى الحديث، واتَّفق الرأي على إحضار بَنَّائين من
غزة، وكشف القناة السُّليمانية، فحضروا فكشفوا الرَّدْم أولا فأولاً ومشوا في
القناة، وكلَّما مشوا في السَّرْب عَلَّقوه بالعمد والبلاط، إلى أن وصلوا إلى
الجَبَل الذي تحت الصَّخْرة المباركة، فوجدوا بابًا مُقَنْطرًا، ففتحوا رَدْمه وإذا
هم بالماء، ففار على الجماعة بقوة كاد أن يُغَرِّقهم، فهربوا وصعدوا في
الحِبَالِ، وذلك في ذي الحجة من السنة. نقل هذا الكتابَ محيي الدين ابن
عبد الظَّاهر في ((سيرة الملك الظاهر))(١)، ثم قال: وجدتُ في كتاب ((دير يامين))
من تواريخ النَّصارى أن ملك المَوْصل لما قصد أوراشلم(٢)- يعني بيت
المقدس- في جيوشه اتفقَ حزقيا هو وجماعتُه على دَفْن المياه التي ببيت
(١) الروض الزاهر ٤٨٨.
(٢) هكذا بخط المصنف.
١٨

المقدس، فدفنوا جميعَ الينابيع التي بها، وعَفَّوا أثَرَها لئلا يتقوى عليهم ملك
المَوْصل سَنْحاريب بتلك المیاه.
قال ابن عبدالظاهر(١): وقرأت في نُبُوة زكريا أنه يخرج ماء عَذْبٌ فيه
حياةٌ من أوراشلم، نصفه إلى البحر الشَّرْقي، ونصفه إلى البَحْر الغربي، ويكون
ذلك في اعتدال الصَّيْف والشتاء. قال: فوقتَ ظهور الماء نزلت الشَّمْس برجَ
الميزان، وهو برج الاعتدال، في يوم نزولها بعينه. ثم وصل كتاب الأمير علاء
الدين الزُّكني يذكر أنه دخل الصُّناع فوجدوا سُدًّا معمولاً بالشيد والحجر،
فنقب فيه الحَجَّارون مدة أحد وعشرين يومًا، فوجدوا سقفًا بالشيد والكَتَّان
مُقَلْفطًا(٢)، فنقب طول مئة وعشرين ذراعًا، فخرج الماء، فلما قوي خروجُه
بحيث أنه ملأ القناةَ تركوه .
وفيها عَبَرَ جَيْحون يراق بنُ جَغْتاي بن القان قُبلاي، فسار لحربه أباقا،
فكان المصافُّ بناحية هَرَاة، فانتصر أباقا، وغَنِم جُنْدُه أشياء كثيرة، وغرق خَلْقٌ
من جیش یُراق.
وفيها أنشأ صاحب الديوان ببغداد قصرًا كبيرًا، وبُستانًا عظيمًا زرع فيه
حتى الفُسْتق. وأنشأ رِباطًا. وجَهَّز وَفْدًا من بغداد غرِمَ عليه أموالاً، فحَجُوا
وسلموا(٣). وأمر بقتل ابن الخشكري الشاعر لكونه فضَّل شعره على القرآن.
وقد كان مدح الصاحب بقصيدة فأنشده، فأذن المؤذن، فأنصت الصاحب،
فقال ابن الخَشْكري: يا مولانا اسمع الجديد ودَع العتيق. فقتله في سنة ستٍّ
.(٤)
وستين
٠
سنة ستٍّ وستين وست مئة
في صَفَر عُقِد مجلسٌ بين يدي السُّلطان للضِّياء ابن الفُقَّاعي، وجرى فيه
ما اقتضى ضربُه والحَوْطة عليه، وأُخِذ خَطُّه بجملةٍ عظيمة. ثم لم يزل يُضرب
(١) الروض الزاهر ٢٨٩.
(٢) أي مغلفًا.
(٣) كتب المصنف هذا الخبر والذي قبله بأخرة فجاء في حاشية نسخته، والظاهر لي أنه نقله،
كعادته، من تاريخ الظهير الكازروني، ولذلك تجده في الكتاب المسمى بالحوادث ٣٨٩،
لأنه ينقل من الكازروني أيضًا .
(٤) هذا أيضًا من الظهير، وهو في الكتاب المسمى بالحوادث ص ٣٩١ - ٣٩٢.
١٩

إلى أن مات؛ قال قُطْب الدين(١): أُحصيت السِّياط التي ضُربها فكانت سبعة
عشر ألفًا ونیق!
وفيها وصل رسولُ صاحب اليمن الملك المظفَّر شمس الدين يوسف بن
عمر بتقادُم، منها: فيل، وحمار وَحْش، وخيول، ومِسك، وعَنْبر، وصيني،
وأشياء، وطلب معاضدة السُّلطان له وأنه يخطب له في بلاده، فبعث إليه الأمير
فخر الدين إياز المقرىء ومعه خِلْعة وسَنْجَق وتقليدٌ بالسَّلطنة .
وفي جمادى الآخرة خرج السُّلطان إلى الشام واستناب بيليك الخَزْندار،
فأتته رُسُل صاحب يافا فاعتقلهم، وأمر العسكر بلُبْس السلاح ليلاً، وسار
فصَبَّح يافا، فهربوا إلى القَلْعة، ومُلكت المدينة بلا كُلْفة، وطلب أهلُ القلعة
الأمان، فأمَّنهم وعَوَّضهم عما نُهِبَ لهم أربعين ألف درهم، وركبوا في البحر
إلى عَكًّا، ثم هُدِمت يافا وقلعتها. ثم سار طالبًا الشَّقِيف فنازلها، وظفر بكتاب
من عَكَّا إلى الشَّقيف استفاد منه أشياء كَتَبها إليهم كانت سبب الخُلْف بينهم.
واشتد الحصارُ والزَّحف والمجانيق، فطلبوا الأمان، فتسلَّم السُّلطان الحصنَ،
وكان فيه نحو خمس مئة رجل، فساروا إلى صور. وكان الحصار عشرة أيام.
ثم سارَ السُّلطان جريدة فأغار على طرابُلُس، وخرَّب قُراها، وقَطَّعَ أشجارها،
وغوَّرَ أنهارها، ورحل، فنزل على حِصن الأكراد بالمَرْج الذي تحت الحِصْن،
فنزل إليه رسولٌ بإقامة وضيافة، فردَّها وطلب منهم دِية رجلٍ من أجناده قتلوه
مئة ألف دينار، ثم رحل إلى حِمْص وحماة، ثم إلى فامية. ثمّ رحل ليلاً، وأمر
العسكر بلُبْس العدة فنزل على أنطاكية في أول رمضان، فخرجوا إليه يطلبون
الأمان، وشَرَطوا أشياء لم يُجبهم إليها، وزحف عليها فافتتحها في رابع
رمضان، وصَمَّد غنائمها، ثم قَسَّمها على الجيش بحسب مراتبهم، وحصروا
من قُتِل فيها من النَّصارى، فكانوا فوق الأربعين ألفًا.
وأما ابن عبدالظاهر فقال(٢): ما رُفِع السيف عن رجلٍ بمدينة أنطاكية قط
حتى لو حَلَفَ الحالفُ ما سلِم منها أحدٌ لصَدَقَ. ثم قال: وكان بها على ما
يقال مئة ألف وثمانية آلاف من الذُّكور، وذلك حسبما عَدَّه نائب التتار الذي
(١) ذيل مرآة الزمان ٢/ ٣٧٤.
(٢) الروض الزاهر ٣٠٧ فما بعدها .
٢٠