النص المفهرس
صفحات 801-820
توفي مُجرَّدًا بالنواحي القِبْلية، ودخل غِلْمانُه وأعلامه مُنَكسة والسُّرُوج مُقلَّبة، ويُقال: إن ابن وداعة سَمه في بِطَّيخة. ومنذ توفي وقع الخَللُ وتغيَّرت أحوال الملك الناصر يوسف(١). ٢٥٣- حاضر بن محمد بن حاضر، أبو العلاء البلنسيُّ الحكيم المُحدِّث. سمع ببَلَنسية من الحافظ أبي الربيع بن سالم الكَلَّاعي؛ وبتونس من جماعة، وبالإسكندرية وديار مِصر من أصحاب السِّلَفي. ومن ابن المُقَيَّر. وحدَّث. ومات في هذه السنة. ٢٥٤- الحسن بن أبي العباس أحمد بن أبي طاهر الحسن بن عبدالله ابن الحُسين، شَرَف الدين أبو طاهر التَّميميُّ المَعَرِّيُّ ثم الدِّمشقيُّ الطبيب. سمع من أبي سعد عبدالواحد بن علي بن محمد بن حَقُّوية، وأبي طاهر الخُشُوعي. روى عنه الدِّمياطي، والعفيف إسحاق، والشمس ابن الزَّرَّاد، ومحمد ابن المُحِبِّ، وغيرهم وحدَّث بدمشق ومِصر. ومات في ثامن عشر ربيع الآخر وله ثمانون سنة، ودفن بقاسيون. یروي ((مشیخة وجیە))(٢). ٢٥٥- الحسن بن كُر، الأمير الكبير فتح الدين البغداديُّ. من أكبر الزُّعماء. كان مَوصوفًا بالشَّجاعة والكَرَم وأصالة الرَّأي. قيل: إنه ما أكل شيئًا إلا وتصدَّق بمثله. وكان يحبُّ الفُقراء. استُشهِد في مُلْتقى هولاكو؛ نقله الظَّهير الكازروني. ٢٥٦- الحسن بن محمد بن أبي الفتوح محمد بن أبي سعد محمد ابن محمد بن عَمْرُوك بن محمد بن عبدالله بن حسن بن القاسم بن عَلقمة ابن النَّضر بن مُعاذ بن عبدالرحمن بن القاسم بن محمد ابن الصِّدِّيقِ أبي بكر رضي الله عنه، الشريف الحافظ صَدر الدين أبو علي القُرشيُّ التَّميُّ البكريُّ النَّسابوريُّ ثم الدِّمشقيُّ الصُّوفيُّ. وُلد بدمشق في سنة أربع وسبعين وخمس مئة. وسمع بمكة من جَدِّه، (١) من ذيل مرآة الزمان ١/ ١٢٣ - ١٢٤. (٢) هو وجيه الشَّخَامي، وتنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٢١. تاريخ الإسلام ١٤/م٥١ ٨٠١ ومن أبي حَفص عُمر بن عبدالمجيد المَيَانشي. وبدمشق من ابن طَبَرْزد، وحنبل، وجماعة. وبنيسابور من المؤيد الطُّوسي، وزينب، والقاسم ابن الصَّفَّار. وبهَرَاة من أبي رَوح، وجماعة. وبمَرو من أبي المظفّر ابن السَّمعاني. وبأصبهان من أبي الفُتُوح محمد بن محمد بن الجُنيد، ومحمد بن أبي طالب بن شَهْريار، وعين الشمس الثقفية، وحَفصة بنت حَمكا، ومحمد بن أبي طاهر بن غانم، وداود بن مَعْمر، وجماعةٍ. وبهَمَذان من أبي عبدالله محمد بن أحمد الزُّوذراوري. وببغداد من عبدالعزيز ابن الأخضر، ومن الحُسين بن شُنَيف، وأحمد بن الحسن العاقولي، وجماعةٍ. وبإربل من عبداللطيف بن أبي النَّجيب السُّهْرَوردي. وبالموصل من محمد بن عبدالرحمن الواسطي. وبحلب من الافتخار عبدالمُطلب. وبالقُدس من أبي الحسن علي بن محمد المَعَافري. وبالقاهرة من أبي القاسم عبدالرحمن مَولى ابن باقا، وطائفةٍ من أصحاب ابن رفاعة، والسِّلَفي. وعُنيَ بهذا الشأن أتمَّ عناية، وكتب العالي والنَّزل، وخَرَّج وصَنَّف. وشَرَعَ في جَمع تاريخ ذيلاً («لتاريخ دمشق)»، وحَصَّل منه أشياء حَسَنة، وعُدم بعد موته. وروى الكُتُب الكبار ((كالأنواع» لابن حِبَّان، و((الصحيح)) لأبي عَوَانة، ((والصحيح)) لمسلم، وخَرَّج ((الأربعين البَلَدية)). وسمع منه الشيخ تَقِيِّ الدين ابن الصَّلاحِ بخُراسان أحاديث عن أبي رَوح. وحمل عنه خلقٌ كثير منهم الدِّمياطي، والقُطب القَسْطلاني، والمُحبُّ عبدالله بن أحمد، وأخوه محمد بن أحمد، والشَّرَف عبدالله ابن الشيخ، والضِّياء محمد ابن الكمال أحمد، والشمس محمد ابن الزَّرَّاد وهو راويته، والتاج أحمد بن مُزَيز، وأبو عبدالله محمد بن عبدالواحد ابن الدَّقاق، والجمال علي ابن الشاطبي، والعماد ابن البالسي، وأخوه عبدالله، والزَّين أبو بكر بن يوسف المقرىء، والبدر محمد ابن التُّوزي، وعبدالعزيز بن يعقوب الدِّمياطي، وأبو الفتح القُرشي. ووَليَ مَشيخة الشيوخ بدمشق وحِسْبتها، ونَفَقَ سُوقُهُ في دولة المُعظّم . وكان جَدُّهم عَمروك بن محمد من أهل مدينة طيبة فدخل نيسابور و سکنها . وأصاب الفالج أبا علي قبل موته بسنين. وانتقل في أواخر عُمُره إلى مِصر فتوفي بها في حادي عشر ذي الحجة. ٨٠٢ وليس هو بالقَوِيِّ؛ ضَعَّفه عُمرابن الحاجب فقال: كان إمامًا، عالمًا، لَسنًا، فصيحًا، مليحَ الشَّكل، أحدَ الرَّحالين في الحديث، إلا أنه كان كثيرَ البهت، كثيرَ الدَّعَاوى، عنده مُداعبةٌ ومُجُونٌ. داخل الأمراء ووَلَيَ الحِسْبة ثم وَلَه المُعظّم مَشيخة الشُّيوخ، وقُرىء مَنشورُهُ بالسُّمَيساطية، ودام على ذلك مدةً. ولم يكن محمودًا جَدَّدَ مظالم. وكان عنده بذاذة لسانٍ. سألتُ الحافظَ ابن عبدالواحد عنه فقال: بَلَغني أنه كان يقرأ على الشيوخ، فإذا أتى إلى كَلِمة مُشكلة تَرَكها ولم يُبيِّنها. وسألتُ البِرْزالي عنه، فقال: كان كثيرَ التَّخليط(١). ٢٥٧- الحُسين بن إبراهيم بن الحُسين بن يوسف، الإمام شَرَف الدين أبو عبدالله الهَذَبانيُّ الإربليُّ الشافعيُّ اللَّغويُّ. وُلد سنة ثمانٍ وستين وخمس مئة بإربل، وقَدِمَ الشام، فسمع من الخُشُوعي، وعبداللطيف بن أبي سعد، وحنبل، وابن طَبَرزد، ومحمد ابن الَّنف، والكِندي، وطائفةٍ. ورحل وهو كَهل، فسمع ببغداد من أبي علي ابن الجَوَاليقي، والفتح ابنِ عبدالسلام، وعبدالسلام الدَّاهري. وقد عُنيَ عنايةً وافرةً بالأدب، وحَفِظَ (ديوان المُتنبِّي)) و((الخُطب التُّباتية)) و((مَقَامات الحَرِيرِي)). وكان يعرف هذه الكُتُب ويحلُّ مُشكلها ويُقرئها. وتخرَّج به جماعةٌ من الفُضلاء. وكان دَيَّنَا، ثقةً، جليلاً. روى عنه الدِّمياطي، والخطيب شَرَف الدين، والمُخرِّمي، ومحمد ابن الزَّرَّاد، وعبدالرحيم بن قاسم المؤذِّن، وأبو الحُسين اليُونيني، وأخوه قُطب الدين، وأبو علي ابن الخَلَّل، وجماعةٌ. وتوفي في ثاني ذي القَعدة بدمشق(٢). ٢٥٨- الحُسين بن محمد بن الحُسين بن عُلوان، المَولى الكبير عِزُّ الدين، أخو شيخ الشيوخ صدر الدين ابن النیار. كان وكيل أولاد المُستعصم بالله، وكان يدري الجَبر والمُقابلة. قال لنا الظَّهير الكازَرُوني في ((تاريخه)): لما شاهدَ القَتْل فَدَى نفسه بعشرة آلاف دينار فأُطلق، وأوى إلى مدرسة مَجد الدين. ثم أدركتهُ المَنيَّة في (١) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٢٩ - ١٣٠. (٢) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٢٦ . ٨٠٣ ربيع الأول، يعني بعد شهرٍ، رحمه الله. ٢٥٩- حمزة بن علي بن حمزة بن علي بن حمزة بن أحمد بن أبي الجَحجاح، أبو يَعْلى العَدَويُّ الدِّمشقيُّ المُعدَّل. حدَّث عن الخُشُوعي. روى عنه الدِّمياطي، والأبِيوَردي، وتوفي في صفر (١) بدمشق(١). ٢٦٠ - داود بن عُمر بن يوسف بن يحيى بن عُمر بن كامل، الخطيب عماد الدين أبو المَعَالي وأبو سُليمان الزُّبيدي المَقدسيُّ ثم الدِّمشقيُّ الشافعيُّ، خطيب بيت الآبار وابنُ خطيبها . وبها وُلد في سنة ستٍّ وثمانين وخمس مئة. وسمع من الخُشُوعي، وعبدالخالق بن فيروز الجَوهري، وعُمر بن طَبَرزد، وحنبل، والقاسم ابن عساكر، وجماعةٍ. روى عنه الدِّمياطي، وزين الدين الفارقي، والعماد ابن البالسي، والشمس نقيب المالكي، والخطيب شَرَف الدين، والفخر ابن عساكر، وولده الشَّرَف محمد بن داود وطائفةٌ من أهل القَرية . وكان دَيَّنًا، مُهذَّبًا، فصيحًا، مليحَ الخطابةِ، لا يكاد أن يسمع موعظته أحدٌ إلا ويبكي. خطب بدمشق ودَرَّسَ بالزَّاوية الغَزالية في سنة ثمانٍ وثلاثين بعد الشيخ عِزِّ الدين ابن عبدالسلام لمَّا انفصل عن دمشق. ثم عُزل العماد بعد ست سنين ورجع إلى خطابةِ القَرية . توفي في حادي عشر شعبان، ودفن ببيت الآبار، وحضره خَلقٌ من المدينة، رحمه الله(٢). ٢٦١- داود، السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المَفَاخر وأبو المُظفَّر ابن السُّلطان الملك المُعظّم شَرَف الدين عيسى ابن العادل محمد ابن أيوب بن شاذي بن مروان. وُلد بدمشق في جمادى الآخرة في سنة ثلاث وست مئة. وسمع ببغداد من أبي الحسن القَطِيعي، وغيره. وبالكَرَك من ابن اللَّتي. وأجاز له المؤيد الطُّوسي، وأبو رَوح عبدالمُعز. وكان حنفيَّ المذهب، عالمًا، فاضلاً، مُناظرًا، (١) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١١٨ . (٢) تنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٢٣، وذيل مرآة الزمان ١٢٦/١. ٨٠٤ ذَكيًّا له اليد البيضاء في الشِّعر والأدب، لأنه حَصَّل طَرَفَا جَيِّدًا من العلوم في دولة أبيه . ووَلَيَ السَّلطنة في سنة أربع وعشرين بعد والده، وأحبَّهُ أهلُ دمشق. ثم سار عَمُّه الملك الكامل من الدِّيار المصرية لأخذ المُلك منه، فاستنجد بعمِّه الأشرف فجاء لنُصرته ونزل بالدَّهشة، ثم تغيَّرَ عليه ومال إلى أخيه الكامل، وأوْهَمَ الناصر أنه يُصلح قضيتَهُ، فسار إلى الكامل، واتَّفقا على الناصر وحاصراه، كما ذكرنا في الحوادث، أربعة أشهر، وأخذا منه دمشق، وسار إلى الكَرَك، وكانت لوالده، وأُعطي معها الصَّلْت ونابُلُس وعَجْلون وأعمال القُدس. وعُقدَ نكاحه على بنت عَمِّه الكامل سنة تسع وعشرين. ثم تغيَّرَ عليه الكامل تغيُّرًا زائدًا، ففارَقَ ابنته قبل الدُّخول. ثم إن الناصر بعد الثلاثين قصد الإمام المُستنصر بالله وقدَّمَ له تُحفًا ونفائس، وسار إليه على البَرِّية، والتمس الخُضُور بين يديه كما فُعِلَ بصاحبٍ إربل، فامتنعوا عليه، فَنَظَمَ هذه(١): ودان ألمّت بالكثيب ذوائبُهُ وجنحُ الدُّجى وَجِفٌ تجولُ غياهِبُهُ تُقهقهُ في تلك الزُّبوع رُعُودُه وتبكي على تلك الطُّلول سحائبُهُ وحُلَّت عزاليه، وأُسبلَ ساكبُه أرقتُ له لمَّا توالت بروقُه إلى أن بَدَا من أشقر الصُّبح قادمٌ يراعُ له من أدهم اللَّيل هاربُه وأصبح ثَغرُ الأُقحوانةِ ضاحكًا تدغدغُهُ ريحُ الصَّبا وتُلاعبُه وهي قصيدةٌ طويلةٌ طنَّانةٌ يقول فيها: ألا يا أمير المؤمنين، ومن غَدَت على كاهل الجوزاء تَعلُو مراتبُه أيَحسُنُ في شَرع المَعَالي ودينها وأنت الذي تُعزى إليه مذاهبُه سباريته مُغبرةٌ وسباسبُه(٢) بأني أخوض الدَّوَّ والدَّؤُّ مُقفرٌ فكلُّهم نحوي تَدُبُّ عَقَاربُه وقد رَصَدَ الأعداء لي كلَّ مَرصدٍ طريرٌ شباهُ، قانياتٌ ذوائبُه وآتيك والعَضبُ المُهَند مُصْلَتٌ وأُنزلُ آمالي ببابك راجيًا بوَاهر جاهِ يبهرُ النَّجم ثاقبُه (١) القصيدة في ذيل مرآة الزمان ١٣٣/١ - ١٣٥. (٢) الدو: الفلاة. وسباريته: أي قفارهُ، والسباسب: المفازات. ٨٠٥ فتقبلُ مني عبدَ رِقِّ فيَغتدي له الدَّهر عبدًا طائعًا لا يغالبُه وتُنعم في حَقِّي بما أنت أهلُهُ وتُعلي محلِّي فالسُّها لا يقاربُه وتُلبسني من نَسج ظِلِّك حُلَّةً يشرِّفُ قَدْرَ النَّيِّرَين جلائبُه وتُركبُني نُعمى أياديك مركبًا على الفَلَكِ الأعلى تسيرُ مراكبُه وتَسمحُ لي بالمال، والجاهُ بُغيتي وما الجاهُ إلا بعضُ ما أنتَ واهبُه له الأمنُ فيها صاحبٌ لا يجانبُه ويَحْظى ولا أحظى بما أنا طالبُه فيرجع والنُّورُ الإماميُّ صاحبُه وصِدْقِ وَلاءٍ لستُ فيه أصاقبُه وكنتُ أذودُ العَين عما تُراقبُه ويأتيك غيري من بلادٍ قريبةٍ فيَلقى دُنُوًّا منك لم ألقَ مثلهُ وينظر من لألاءِ قُدسك نظرةً ولو كان يَعْلوني بنفسٍ ورُتبةٍ لَكُنتُ أُسَلِّي النَّفسَ عما ترومُهُ ولكنَّهُ مِثْلي ولو قلت: إنني أزيدُ عليه لم يعِب ذاك عائبُه وما أنا ممن يملأ المالُ عَينهُ ولا بسوى التَّقريب تُقضى مَآربُه ولا بالذي يرضيه دون نظيرهِ ولو أُنعلت بالنيرات مراكبُه وبي ظَمأُ رُؤياكَ مَنهلُ ريِّهِ ولا غَرْوَ أن تصفو لي مشاربُه ومن عَجَبٍ أنِّي لدى البَحر واقفٌ وأشكو الظَّمأ، والبَحر جمٌّ عجائبُه وغيرُ مَلُوم من يؤمُّكَ قاصدًا إذا عَظُمت أغراضُه ومذاهبُه فوقعتَ هذه القصيدة من المُستنصر بمَوقع، وأدخله عليه ليلاً، وتكلَّمَ معه في أشياء من العلوم والأدب، ثم خرج سِرًّا. وقصد المُستنصر بذلك رعاية الملك الكامل. ثم حضر الناصر بالمدرسة المُستنصرية، وبَحَثَ واعترض واستدلَّ، والخليفة في رَوْشَن بحيث يسمع، وقام يومئذٍ الوجيه القَيْرواني ومدح الخليفة، فمن ذلك : لو كنتَ في يومِ السَّقيفة حاضرًا كنتَ المُقدَّمَ والإمامَ الأوْرعا فقال الناصر: أخطأتَ، قد كان حاضرًا العباس جَدُّ أمير المؤمنين، ولم يكن المُقدَّم إلا أبو بكر، رضي الله عنه. فخرج الأمر بنَفي الوجيه، فذهب إلى مِصر، ووَلَيَ بها تدريس مدرسة ابن شُكر. ثم إن الخليفة خَلَعَ على الناصر ٨٠٦ داود خلعة مذهبة وخلع على أصحابه، وأعطاه جملة من المال وبعث معه رسولاً إلى الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته للناصر وإبقاء بلاده عليه، فقدما دمشق وبها الكامل، فخرج لتلقيهما إلى القابون، وأقبل على الناصر، ثم سافر الناصر إلى الكرك ومعه رسول الخليفة، فألبسه الخِلْعة بالكرك، وركِبَ بالأعلام الخليفَتِية وزيد في ألقابه: ((الولي المُهاجر)). ثم وقع بين الكامل والأشرف، وطلب كلٌّ منهما من الناصر أن يكون معه، فرجح جانب الكامل، وجاءه من الكامل في الرُّسلية القاضي الأشرف ابن الفاضل. ثم سار الناصر إلى الكامل، فبالَغَ الكامل في تَعظيمه وأعطاه الأموال والتُّحف. ثم اتَّفْقَ موتُ الملك الأشرف وموت الكامل، وكان الناصر بدمشق في دار أُسامة، فتشوَّفَ إلى السَّلْطنة، ولم يكن حينئذٍ أحدٌ أميَزَ منه، ولو بَذَلَ المال لحَلَفوا له. ثم سَلْطنوا الملكَ الجوادَ، فخرج الناصر عن البلد إلى القابون، ثم سار إلى عَجْلون ونَدِمَ، فَجَمَعَ وحَشَدَ ونزل على السَّواحل فاستولى عليها. فخرج الجواد بالعساكر، فوقع المَصافُّ بين نابُلُس وجينين، فانكسر الناصر واحتوى الجواد على خزائنه وأمواله، وكان ثَقلُ الناصر على سبع مئة جَمَلٍ، فافتقر ولَجأ إلى الكَرَك، ونزل الجواد على نابُلُس، وأخذ ما فيها للناصر . وقد طوَّلَ شيخُنا قُطبُ الدين ترجمة الناصر وجَوَّدها(١)، وهذا مُختارٌ منها . ولما مَلَك الصالح نجمُ الدين أيوب دمشقَ وسار لقَصد الدِّيار المصرية جاء عمّه الصالح إسماعيل وهجم على دمشق فتملَّكها. فَتَسخَب جيش نجم الدين عنه، وبقي بنابلس في عسكرٍ قليل، فنفذ الناصرُ من الكَرَك عسكرًا قبضوا على نجم الدين وأطلعوه إلى الكَرَك، فبقي معتَقَلاً عنده في كرامة. وكان الكامل قد سَلَّم القدس إلى الفرنج، فعمروا في غربيه قلعةً عند موت الكامل واضطراب الأمور واختلاف الملوك، فنزل الناصر من الكَرَك وحاصرها، ونصب عليها المجانيق فأخذها بالأمان وهدمها، وتَمَلَّك القدس، وطرد من به من الفرنج إلى بلادهم، فعمل جمال الدين ابن مطروح: (١) في ذيل مرآة الزمان ١٢٦/١ فما بعد. ٨٠٧ المسجدُ الأقصى له عادةٌ سارت فصارت مَثلاً سائرا إذا غدا بالكُفر مُستوطَنًا أنْ يبعث الله له ناصرا فناصرٌ طَهَّرَهُ أولاً وناصرٌ طهره آخرا ثم إنه كلَّم الصالح نجمَ الدين وقال له: إنْ أخرجتك ومَلَّكتك الديار المصرية، ما تفعل معي؟ قال: أنا غلامُك وفي أسرك، قُل ما شئتَ. فاشترطَ عليه أنْ يُعطيه دمشق ويعينَهُ على أخذها وأن يُمكِّنه من الأموال، وذكر شروطًا يتعذَّر الوفاء بها. ثم أخرجه وسارَ معه وقد كاتبه أمراءُ أبيه الكامل من مصر، وكرهوا سَلطنة أخيه العادل. فلما مَلَكَ الدِّيار المصرية وقع التَّسويف من الصالح والمغالطة، فغضب الناصر ورجع، وقد وقعت الوحشة بينهما. وزعم الصالح أنه إنما حَلَف له مُكرهًا وقال: كنتُ في قبضته. وحكى ابن واصل عن صاحب حماة المنصور أن الملكَ الصالح لما استقرَّ بمصرَ قال لبعض أصحابه: امضٍ إلى الناصر وخوِّفهُ مني بالقبض عليه لعله يرحل عنا. فجاء ذلك وأوهمه، فسَارعَ الخروجَ إلى الكَرَك. ثم إنَّ الصالح أساءَ العِشرة في حق الناصر وبعث عَسكرًا فاستولوا على بلاد الناصر، ولم يزل كل وقت يُضايقه ويأخذ أطراف بلاده حتى لم يبق له إلا الكَرَك. ثم في سنة أربع وأربعين نازله فخر الدين ابن الشيخ. وحاصره أيامًا ورحل . وأما الناصر فقَلَّ ما عنده من الأموال والذَّخائر، واشتدّ عليه الأمر، فعمل هذه يعاتب فيها ابن عمه الملك الصالح: عَمِّي أبوكَ ووالدي عمٌّ، به يعلو انتسابُك كلَّ ملكِ أصْيدٍ دَعَ سيفَ مِقْوليَ البليغِ يذب عن أعراضكم بفِرِندِهِ المتوقّدِ بمفصل من لؤلؤ وزبرجدِ فهو الذي قد صاغ تَاجَ فَخَاركم لولا مقالُ الهُجر منك لما بدا مني افتخارٌ بالقَرِيض المُنشدِ (١) ثم أخذ يفتخر ويذكر جُوده وجلالته، ويُعَرِّض باعتقاله للصالح وإخراجه . (١) الأبيات في مفرج الكروب ٣٦٣/٥، وذيل المرآة ١/ ١٦١. ٨٠٨ وفي سنة ستٍّ وأربعين قدم العلامةُ شمسُ الدين الخُسروشاهي على الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو بدمشق رسولاً من الناصر، ومعه ولد الناصر الأمجد حسن، ومضمون الرسالة: إن تتسلَّم الكَرَك وتعوضني عنها الشَّوبك وخُبزًا بمصر. فأجابه ثم رحل إلى مصر مريضًا. ثم انثنى عزمُ الناصر عن ذلك لما بلغه مَرَضُ الصالح وخروج الفرنج. ثم دخلت سنة سَبع، وضاقت يدُ الناصر وعليه كُلَف السَّلطنة، فاستناب ابنه الملك المعظّم عيسى بالكَرَك، وأخذ ما يعز عليه من الجواهر، ومضى إلى حلب مستجيرًا بصاحبها كما فعل عمُّه الصالح إسماعيل، فأكرمه. وسار من حلب إلى بغداد، فأودع ما معه من الجواهر عند الخليفة، وكانت قيمتها أكثر من مئة ألف دينار، ولم يصل بعد ذلك إليها . وأما ولداه الظاهر والأمجد، فإنهما تألما لكونه استناب عليهما المعظّم، وهو ابن جارية، وهما ابنا بنت الملك الأمجد ابن الملك العادل، فأُمُّهما بنت عمه وبنت عمّ الصالح، وكانت مُحسنة إلى الصالح لما كان معتقلاً بالكَرَك غاية الإحسان، وكان ولداها يأنسان به ويلازمانه، فاتَّفقا مع أمهما على القبض على الملك المعظّم فقبضا عليه، واستوليا على الكَرَك، ثم سار الأمجد إلى المنصورة فأكرمه الصالح وبالغَ، فكلَّمه في الكَرَك، وتوثق منه لنفسه وإخوته، وأن يعطيه خُبزاً بمصرَ، فأجابه، وسيّر إلى الكَرَك الطواشي بدر الدين الصَّوابي نائبًا له. فجاء إلى السُّلطان أولادُ الناصر وبيتُه فأقطعهم إقطاعات جليلةٌ، وفرح بالكَرَك غاية الفرح مع ما هو فيه من المرض المَخوف، وزُيِّنت مصرُ لذلك. وبلغ الناصرَ داودَ ذلك وهو بحلب، فعَظُم ذلك عليه. ثم لم يَلبث الصالح أنْ مات، وتملك بعده ابنُه تورانشاه قليلاً، وقُتل فعمدَ الصوابي فأخرج الملكَ المِغِيثَ عُمرَ ابن الملك العادل ابن السُّلطان الملك الكامل من حَبس الكَرَك، ومَلَّكه الكَرَك والشَّوْبِك. وجاء صاحب حلب فتملك دمشق، ثم مرض بها مرضًا شديدًا، ومعه الصالح إسماعيل والناصر داود، فقيل: إن داود سعى في تلك الأيام في السَّلطنة. فلما عُوفي السلطان بَلَغه ذلك، فقبضَ عليه وحبسه بحمص، ثم أفرج عنه بعد مدةٍ بشفاعة الخليفة، فتوجه إلى العراق فلم يؤذَن له في دخول بغداد، فطلب وديعته فلم تحصل له. ثم رد إلى دمشق. ثم سار إلى بغداد في ٨٠٩ سنة ثلاثٍ وخمسين بسبب الوديعة وليحج ، وكتب معه الناصر صاحب الشام كتابًا إلى الخليفة يشفع فيه في رد وديعته، ويخبر برضاه عنه، فسافَرَ ونزل بمشهد الحسين بكربلاء وسيَّر إلى الخليفة قصيدةً يمدحه ويتلطفه، فلم ينفع ذلك، وهذه القصيدة: مقامُكَ أعلى في الصدور وأعظمُ وحِلمُكَ أرجى في التُّفُوس وأكرمُ فلا عجبٌ إنْ غُصَّ بالشِّعر شاعرٌ وفُوهَ مصطكُ اللهاتين مُفْحِمُ بوجهِ رجاءٍ عنده منكَ أنعُمُ إليكَ أميرَ المؤمنين تَوَجُّهي عظيمٍ ولا يرجوه إلا معظِّمُ إلى ماجدٍ يرجوه كل مُمجدٍ ركبتُ إليه ظَهرَ شَمَّاء قفرةٍ وأشجارها يَنعٌ، وأحجارُها ظِبّى رميتُ فَيَافيها بكل نجيبةٍ تُجاذبُنا فضلَ الأزمَّة بعدما بها تُسَرجُ الأعداءُ خيلاً وتُلجمُ وأعشابُها نبلٌ، وأمواهُها دمُ بنسبتها تعلُو الجذيلُ وشَدْقِمُ براهُنَّ موصولٌ من السَّير مبرمُ تسَاقَينَ من خمر الذَّلال مُدامةً فلاهُنَّ أيقاظٌ، ولا هُنَّ نُوَّمُ يطسنَ الحصى في جَمرة القَيظ بعدما غدا يتبعُ الجبارَ كلبٌّ ومِرْزمُ بأخفافها منه فصيحٌ وأعجمُ تلوح سباريت الفَلا مُسطرًا تخالُ ابيضاض القاع تحتَ احمرارها قراطيسَ أوراق علاهنَّ عَندمُ تلَفَّتُ نحوَ الدارِ شَوقًا وتُرزمُ فلما توسَّطن السماوةَ واغتَدَت وأصبحَ أصحابي نَشاوى من السُّرِى تدورُ عليهمٍ كَرمُه وهو مفحمُ تنكَّرَ للخريت بالبِيدِ عُرفُهُ فلا عَلمٌ يَعلُو ولا النَّجمُ ينجَمُ وإنْ كان لا يُجدي الأسى والتَّدُّمُ ومن بالرُّغام يهتدي فهو يُرغَمُ فلا يسمعُ النَّجْوى، ولا يتكلّمُ وإذ مدت الغبراء، فهي جهنّمُ فظلَّ الإفراط الأسى متندمًا يشوف الرُّغامَ ضَلة لهدايةٍ يُناجي فِجاجَ الدوِّ، والدؤُّ صامتٌ على حين قال الظبيُّ، والظلُّ قالصٌ ووسَّع ميدانُ المنايا لخيلِهِ وضاقَ مَجالُ الريقِ والتحمَ الفمُ فوحشُ الرَّزايا بالرزيَّة حُضَّرٌ وطيرُ المنايا بالمَنِيَّةِ حُوَّمُ ٨١٠ فلما تبدَّت كربلاء وتبيّنت قبابٌ بها السِّبطَ الشهيدُ المكرَّمُ و كما يفعل المستشفعُ المُتَحرِّمُ ولذتُ به مُسْتَشفعًا مُتحرمًا فأصبح لي دون البرية شافعًا بباب أميرِ المؤمنين مُخَيمُ إلى من به مُعوجُّ أمري مُقومُ أنختُ ركابي حيث أيقنتُ أنني بحيث الأماني للأمان قسيمةٌ وحيثُ العطايا بالعواطفِ تَقْسَّمُ منها : عليك أمير المؤمنين تَهَجُّمي بنفسٍ على الجَوزاء لا تتهجَّمُ تَلَوَّمِ أنْ تغشى الملوكَ لحاجةٍ ولكنها بي عنكَ لا تتلوَّمُ مصُونٌ يصوناه الحياءُ والتكزُّمُ فصُن ماءَ وجهي عن سِواكَ فإنه له عندكم عهدٌ تقادَمَ مُحكمٌ ألستُ بعيدٍ حُزتني عن وراثةٍ ومثلي يُحبُّ للفُتُوق ورتقها إذا هُزَّ خطيٌّ، وجُرَّدَ مِخذَمُ فلا زلتَ للآمال تبقى مُسلّمًا وتنتابك الأملاك وهي تُسلمُ فحج وأتى المدينة وقام بين يدي الحجرة منشدًا قصيدة بديعة يقول فیھا : إليكَ انتطينا اليعملاتِ رواسمًا يجُبنَ الفَلا ما بين رضوى ويذبُلِ فصدَقها نصُّ الكتاب المُنَزَّلِ إلى خير من أطْرَتهُ بالمدح ألسُنٌ وقد كل عن نقل البلاغةِ مِقولي إليك - رَسولَ الله - قمتُ مُجمجمًا وأدهشني نورٌ تألَّقَ مُشرقًا يلوحُ على سامي ضريحكَ من علٍ يراعٍ لها قلبي ويرعد مفصلي ثَنَتني عن مدحي لمجدك هيبةٌ وعِلمي بأنَّ الله أعطاك مدحةً مفصَّلُها في مُجْملاتِ المُفَصَّلِ ثم أحضرَ شيخَ الحَرَم والخُدَّام، ووقف بين يدي الضريح متمسكًا بسَجَف الحُجرة، وقال: اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله بَّهُ قد دخلتُ عليه مُتَشفِّعًا به إلى ابن عمه أمير المؤمنين في رد وديعتي. فأعظم الناس هذا وبكوا، وكُتب بصورة ما جرى إلى الخليفة . ولما كان الرَّكب في الطريق خرج عليهم أحمد بن حَجي بن بُريد من آل مُري يريد نهبَ الرَّكب، فوقع القتال وكادوا يظفرون بأمير الحاج، فجاء ٨١١ الناصر يشق الصفوف، وكلَّم أحمد بن حَجي، وكان أبوه حجي صاحبًا للناصر وله عليه أيادٍ، فانقاد له. ثم جاء الناصر ونزل بالحلة، وقُرِّرَ له راتبٌ يسير، ولم يحصل له مقصود. فجاء إلى قرقسياء ومنها إلى تيه بني إسرائيل، وانضمَ إليه عُربان، وذلك في أوائل سنة ستٍّ هذه، أو قُبيل ذلك، فخافَ المغيثُ منه فراسله وأظهرَ له المَوَدة، وخدعه المغيث إلى أن قبض عليه وعلى من معه من أولاده، وحبسه بطور هارون، فبقي به ثلاث ليالٍ. واتفق أن المستعصم بالله دهمه أمرُ التتار فنفذ إلى صاحب الشام يستمدُّه، ويطلب منه جَيشًا يكون عليهم الناصر داود، فبعث صاحب الشام الملك الناصر يطلب الناصر من المغيث، فأخرجه المُغيث، فقدم دمشقَ ونزل بقرية البُوَيضا بقرب البَلَد، وأخذ يتجهز للمسير، فلم يَنْشَب أنْ جاءت الأخبار بما جرى على بغداد، فلا قوة إلا بالله. وعرض طاعونٌ بالشام عقيب ما تم على العراق، فطُعن الناصر في جنبه . قال ابن واصل: وكثُر الطاعون بالشام مع بُعد مسافة بغداد؛ حكى جالينوس أنه وقعت ملحمة في بلاد اليونان فوقع الوباء بسببها في بلاد النوبة مع بُعد المسافة . قال ابن واصل: حكى لي عبدالله بن فضل أحد ألزام الناصر داود قال: اشتدَّ الوباء فَتَسخَّطنا به، فقال لنا الناصر: لا تفعلوا، فإنه لما وقع بعَمَواس زمن عمر رضي الله عنه قال بعض الناس: هذا رِجز. فذكر الخبر بطوله، وأن مُعاذًا قال: اللَّهم أدخل على آل مُعاذ منه أوفى نصيب. فمات مُعاذ وابُه. ثم ابتهل الناصر وقال: اللَّهم اجعلنا منهم وارزقنا ما رزقتهم. ثم أصبح من الغد أو بعده مَطعونًا. قال عبد الله: وكنت غائبًا فجئتُ إليه وهو يشكو ألمًا مثل طعن السيف في جنبه الأيسر. قال ابن واصل: وحكى لي ولدهُ المظفَّر غازي أنَّ أباه سكنَ جنبُه الأيسر فنامَ، ثم انتبه فقال: رأيت جَنبي الأيسر يقول للأيمن: أنا صبرت لنوبتي، والليلة نوبتك، فاصبر كما صَبَرت. فلما كان عشيةً شكا ألمًا تحت جَنبه الأيمن، وأخذ يتزايد، فبينما أنا عنده بين الصَّلاتين وقد سقطت قواه، إذْ أخذته سنةٌ فانتبه وفرائصُه ترعد، فقال لي: رأيت النبي ◌َّ والخضِر عليه السلام، فدخلا إليَّ، وجلسا عندي، ثم انصرفا. فلما كان في آخر النهار قال: ما بقي فيَّ رجاء، فتهيأ في تجهيزي. فبكيتُ وبَكَى الحاضرون، فقال: لا تكن ٨١٢ إلا رجلاً، لا تعمل عمل النساء. وأوصاني بأهله وأولاده، ثم قُمت في الليلة في حاجةٍ، فحدثني بعضُ من تركتُه عنده من أهله أنه أفاق مرعوبًا فقال: بالله تقدَّموا إليَّ فإني أجد وحشةً. فسُئل: مِمَّ ذلك؟ فقال: أرى صفًا عن يميني فيهم أبو بكر وسعد وصُورهُم جميلة، وثيابهم بيض، وصفًا عن يساري صُورهم قبيحة فيهم أبدانٌ بلا رؤوس وهؤلاء يطلبوني، وهؤلاء يطلبوني، وأنا أريد أروح إلى أهل اليمين. وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت: والله ما أجيء إليكم، خلوني. ثم أغفى عنه إغفاءةً، ثم استيقظ وقال: الحمد لله خلصت منهم . قلت: وذكر أنه رأى النبي و ل﴿ قد جاء وجلسَ عنده، ثم قال: ما بقي فيَّ رجاءٌ وقال لابنه شهاب الدين غازي: تهيأ في تجهيزي فبكى فثبتهُ وقال: لا تغيّر هيئتك. وتوفي ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى. وركب السلطان إلى البُويضا، وأظهر التأسُّف عليه والحُزن، وقال: هذا كبيرنا وشيخنا. ثم حُمل إلى تُربة والده بسفح قاسيون. وكانت أمه خُوارزمية عاشت بعده مدة. وكان جوادًا مُمَدَّحًا. ولم يزل في نَكدٍ وتعب لأنه كان ضعيفَ الرأي فيما يتعلق بالمملكة. وكان مُعتنيًا بتحصيل الكُتُب النفيسة، وتفرَّقت بعد موته. وقد وفد عليه راجح الحلي الشاعر وامتدحه، فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم؛ أعطاه على قصيدةٍ واحدةٍ ألف دينار. وأقام عنده الخُسروشاهي، فوصله بأموالٍ جمَّة . قال أبو شامة(١): تملك الناصر دمشق بعد أبيه نحوًا من سنة، ثم اقتُصِرَ له على الكَرَك وأعماله. ثم سُلِبَ ذلك كله - كما سُلبه الإسكندر بن فیلبس - وصار متنقلاً في البلاد، موكَّلاً عليه، وتارةً في البراري إلى أن مات موكَّلاً عليه بالبُوَيَضا قبلي دمشق، وكانت لعمه مُجير الدين ابن العادل. صُلِّي عليه عند باب النصر، ودفن عند أبيه بدَیر مُرَّان. قلت: وقد روى عنه الدمياطي حديثاً وقصيدة، فقال: أخبرنا العلامة الفاضل الملك الناصر. (١) ذيل الروضتين ٢٠٠. ٨١٣ وقال ابن واصل: عُمُرُهُ نحو ثلاثٍ وخمسين سنة، وكان قد استولى عليه الشَّیب استيلاءً كثيرًا. ٢٦٢- رُكن الدين ابن الدُّويدار الكبير. من كبار دولة المستعصم، واسمه عبدالله بن ألطبرس. كان شابًّا مليحًا، شجاعًا، كريمًا. استشهد في مُلتقى جيش هولاكو في المحرَّم . ٢٦٣- زُهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر، الأديب البارع الصاحب بهاء الدين أبو الفضل وأبو العلاء الأزديُّ المُهَلَّبيُّ المكيُّ ثم القوصيُّ المِصريُّ الشاعرُ الكاتبُ. وُلد سنة إحدى وثمانين وخمس مئة بمكة. وسمع من علي بن أبي الكرم البَناء، وغيرِه. له ((ديوان)) مشهور. تقدَّم عند الملك الصالح نجم الدين وكتب له الإنشاء . ذكره قُطب الدين فقال(١): وُلد بوادي نخلة بالقُرب من مكة، ورُبي بالصعيد، وأحكم الأدب. وكان كريمًا فاضلاً، حسن الأخلاق، جميل الأوصاف. خدم الصالح، وسافرَ معه إلى الشرق، فلما مَلَك الصالح ديارَ مصر بَلَّغه أرفع المراتب، ونفذه رسولاً إلى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه أن يسلم إليه عمَّه الصالح إسماعيل، فقال: كيف أُسيرُه إليه وقد استجار بي وهو خال أبي ليقتله؟ فرجع البهاء زُهير بذلك، فعظُم على الصالح نجم الدين، وسكت على حنق. ولما كان مريضًا على المنصورة تغيَّر على البهاء زُهير وأبعده، لأنه كان كثير التخيُّل والغضب والمعاقبة على الوَهم، ولا يقيل عَثرة، والسيئة عنده لا تغفر . واتصل البهاء بعده بخدمة الناصر بالشام، وله فيه مدائح، ثم رجع إلى القاهرة ولزم بيته يبيع كُتُبه وموجوده. ثم انكشف حاله بالكُلية، ومرض أيام الوباء ومات. وكان ذا مروءةٍ وعصبيةٍ ومَكارم. قلت: روى عنه الشهاب القُوصي عدة قصائد، والدِّمياطي، وغيرهما. (١) ذيل مرآة الزمان ١٨٤ فما بعدها. ٨١٤ وقد استعمل الأغاني شعره، وهذه الأبيات له : أغُصنَ النقا لولا القوامُ المُهَهفُ لما كان يهواك المُعَنىِ المُعَنَّفُ ويا ظبيُّ لولا أنَّ فيك محاسنًا حكَين الذي أهوى لما كنتَ توصفُ وله : يا من لعبت به شمول ما أحسن هذه الشَّمائل وهي أبيات سائرة. ومن شعره(١): كيفَ خَلاصي من هَوَى مازَجَ روحي فاختلَط وتائهٌ أُقبضُ في يا بدرُ إنْ رُمتَ تشبُّهَا ودَعهُ يا غصنَ الثَّقا الله أيُّ قَلَـ حبي له وما انبَسَط به رُمت شَطَط ما أنتَ من ذاك النَّمط لواو ذاك الصُّدغ خَـط في خده كيفَ نَقط فهل رأيتَ الظَّبي قط فتُور عينيه فقَط نجمي لديه قد هَبَط ومانحي مُزَّ السَّخَط ويا لهُ من عَجبٍ يمرُّ بي مُلتفتًا ما فيه من عيب سوى يا قمَرَ السَّعدِ الذي ومانعي حُلو الرِّضا حاشاك أنْ ترضى بأنْ أموتَ في الحُبِّ غَلَط ومن شعره : رُوَ يدك قد أفنيتَ يابَينُ أدمُعي وحَسبُك قد أحرقتَ يا شوقُ أضلُعي إلى كم أقاسي فرقة بعد فرقةٍ وحتى متى يا بَينُ أَنتَ مَعِي مَعِي لقد ظلمتني واستطالت يدُ النَّوى وقد طمعت في جانبي كلَّ مطمعٍ لما راعني من خَطبه المتسرع فيا راحلاً لم أدرِ كيف رحيلُهُ يُلاطفُني في القول عند وداعهِ ليُذهب عني لوعتي وتفجّعي ولما قضى التوديعُ فينا قضاءهُ رجعتُ ولكن لا تَسَل كيف مرجعي (١) ديوانه ١٩٠ . ٨١٥ جَزَى اللهُ ذاك الوجه خير جزائه وحيته عني الشمسُ في كل مَطلع لحى الله قَلبي هكذا هو لم يزل يحنُّ ويَصبُو ولا يفيق ولا يعي وله : قل الثقات فلا تركن إلى أحدٍ فأسعد الناس من لا يعرف الناسا لم ألقَ لي صاحبًا في الله صحبتُهُ وقد رأيتُ وقد جربتُ أجناسا توفي البهاء زهير في خامس ذي القعدة بالقاهرة، وكان أسود صافيًا، ومن شعره: تعالوا بنا نطوي الحديثَ الذي جرى فلا سَمعَ الواشي بذاك ولا دَرَى ولا تذكروا الذَّنب الذي كان في الهوى على أنه ما كان ذَنبًا فيُذكر! وما طال ذاك الشُّرحُ إلا ليَقصُرا لقد طال شرحُ القيل والقال بيننا عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى من اليوم تاريخ المودة بيننا فكم ليلة بتنا وكم بات بيننا من الأنس ما يُنسى به طيبُ الكَرَى أحاديث أحلى في النفوس من المُنى وألطف من مَر النسيم إذا سرى وقال: ذهبت في الرُّسلية عن الصالح إلى المَوْصل، فجاء إليَّ شرف الدين أحمد ابن الحَلاوي ومدحني بقصيدةٍ، فأجاد ومنها: تُجيزُها وتجيز المادحيك بها فقُل لنا: أزُهير أنت أم هَرمُ عنى زُهير بن أبي سُلمى وممدوحه هَرم بن سنان المُزَني. ولزهير فيه مدائح سائرة، وكان أحد الأشراف . ٢٦٤- سعد، ويقال: محمد، بن عبدالوهاب بن عبدالكافي ابن شَرَف الإسلام عبدالوهاب ابن الشيخ أبي الفَرَج عبدالواحد بن محمد ابن الحنبلي، أبو المعالي الأنصاريُّ الشِّيرازيُّ الأصل الدمشقيُّ الحنبليُّ الواعظ الأطروش . وُلد في صَفَر سنة ثمانٍ وسبعين وخمس مئة بدمشق. وسمع من يحيى الثقفي، وأجاز له أبو العباس التُّرك، والحافظ أبو موسى المَدِيني، وجماعة، وخَرَّج له جمال الدين ابن الصابوني جزءًا عنهم. روى عنه القُدماء، ولا أعلم أحدًا روى لي عنه. وكان عالي الإسناد، ٨١٦ لكنه يُغرب. وتوفي ببلبيس في ثاني عشر ذي الحجة، ويُكنى أيضًا أبا ٥ الیُمن(١). ٢٦٥- سُليمان بن عبدالمجيد بن الحسن بن أبي غالب عبدالله بن الحسن بن عبدالرحمن، الأديب البارع عونُ الدين ابن العَجَميِّ، الحَلبيُّ الكاتب . وُلد سنة ستٍّ وست مئة، وسمع من الافتخار الهاشمي، وجماعة. روى عنه الدمياطي، وفتحُ الدين ابن القَيْسراني، ومجد الدين العُقَيلي الحاكم . وكان كاتبًا مترسلاً، وشاعرًا محسنًا، ولي الأوقاف بحلب، ثم تقدَّم عند الملك الناصر، وحظي عنده، وصار من خواصه. ووَليَ بدمشق نَظَر الجيش. وكان متأهلاً للوزارة، كامل الرياسة، لطيف الشمائل. ومن شعره: بضامرٍ لم يكن في السير بالواني يا سائقًا يقطعُ البَيداء مُعْتَسفًا تعدل، بلغتَ المُنى، عن ديرِ مُراٍ إِنْ جُزتَ بالشام شِم تلك البُرُوق ولا واقصد عوالي قصور فيه تلق بها ما تشتهي النّفسُ من حُورٍ وولدان من كل بيضاءَ هَيفاءَ القوام إذا ماسَت فوا خَجلة الخَطِّي والبانِ وكل أسمرٍ قد دان الجمالُ لهُ وكملَ الحُسنُ فيه فَرطَ إحسانِ ورُبَ صُدغ بدا في الخد مُرسله في فترة فَتَنَت من سحر أجفانٍ ياليت وجنته وردي وريقته وردي ومن صُدغه آسي وريحاني مات في نصف ربيع الأول بدمشق، وشيعه السُّلطان والأعيان، وكان فيه سوء سيرة (٢). ٢٦٦ - سيفُ الدين ابن صَبْرة، والي دمشق. مات في جمادى الأولى(٣). (١) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٣٠. (٢) من ذيل مرآة الزمان ٢٤٠/١ - ٢٤٣. وتنظر صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٢٠. (٣) من ذيل الروضتين لأبي شامة ٢٠٠. تاريخ الإسلام ١٤/م٥٢ ٨١٧ ٢٦٧- عباس بن أبي سالم بن عبدالملك، الفقيه أبو الفضل الدمشقيُّ الحنفيُّ. سمع من حنبل، والافتخار الهاشمي. روى عنه الدِّمياطي، وغيرُه. ومات في جمادى الأولى بدمشق. ويروي عنه علاء الدين علي ابن الشاطبي، ورفيقه علي المَعَرِّي، عاش ثمانين سنة(١). ٢٦٨- عبدالله ابن الرِّضى عبدالرحمن بن محمد بن عبدالجبار، أبو محمد المقدسيُّ الحنبليُّ، والد شیختنا زينب. روى عن داود بن ملاعب، وغيره. ومات كهلاً في ربيع الأول(٢). ٢٦٩- عبدالله ابن قاضي القضاة زين الدين علي بن يوسف بن عبدالله ابن بُدار، كمال الدين أبو بكر الدِّمشقيُّ ثم المِصريُّ الشافعيُّ. وُلد سنة سَبع وتسعين بالقاهرة. وروى شيئًا يسيرًا. وهو أخو المُعين أحمد، والشَّرَف يوسف، توفي في ثالث عشر شَوَّال(٣) . ٢٧٠- عبدالله المستعصم بالله، أبو أحمد، أمير المؤمنين الشهيد، ابن المستنصر بالله أبي جعفر منصور ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن الناصر لدين الله أحمد الهاشمي العباسيُّ البعداديُّ، رحمه الله تعالى، آخر الخلفاء العراقيين. وكان مُلْكهم من سنة اثنتين وثلاثين ومئة إلى هذا الوقت . وُلد أبو أحمد سنة تسع وست مئة، وبُويع بالخلافة في العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين، والأصح أنه بويع بعد موت والده في عاشر شهر جمادى الآخرة. وكان مليح الخط، قرأ القرآن على الشيخ علي ابن النيارِ الشافعي، وعُملت دعوةٌ عظيمةٌ وَقت خَتمه، وخُلع على الشيخ، وأعطي من الذَّهب العين ستة آلاف دينار. ويوم خلافته بلغت الخِلَع ثلاثة عشر ألف خِلْعة وسبع مئة (١) جل الترجمة من صلة الحسيني، الورقة ١٢١ . (٢) تنظر صلة الحسيني، الورقة ١١٩. (٣) من صلة التكملة للحسيني، الورقة ١٢٥ . ٨١٨ وخمسين خِلعة. وأجاز له على يد ابن النجار: المؤيد الطُّوسي، وأبو رَوح الهَرَوي، وجماعة . سمع منه شيخه الذي لقنه القرآن أبو الحسن علي ابن النيار، وحدَّث عنه. وروى عنه الإجازة في خلافته: محيي الدين يوسف ابن الجَوْزي، ونجم الدين عبدالله الباذَرائي. وروى عنه بمَرَاغة ولدهُ الأميرُ مبارك. وكان كريمًا حليمًا، سليمَ الباطن، حسن الدِّيانة . قال الشيخ قُطب الدين(١): كان متدينًا متمسكًا بالسُّنَّة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن على ما كان عليه أبوه وجده الناصر من التيقُّظ والحَزْم وعُلُو الهمة. فإن المستنصر بالله كان ذا همةٍ عالية، وشجاعةٍ وافرةٍ، ونَفسٍ أبية، وعنده إقدام عظيم. استخدم من الجيوش ما يزيد على مئة ألف. وكان له أخ يُعرف بالخَفَاجي يزيد عليه في الشَّهامة والشجاعة، وكان يقول: إنْ مَلَّكني الله الأمر لأعبرنَّ بالجيوش نهر جَيحُون وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم. فلما توفي المستنصر لم يرَ الدُّويدار والشَّرابي والكبار تقليدَ الخَفَاجي الأمرَ، وخافوا منه، وآثروا المستعصم لما يعلمون من لينه وانقياده وضعف رأيه، ليكون الأمر إليهم. فأقاموا المستعصم، ثم رَكَنَ إلى وزيره ابن العَلْقمي، فأهلك الحَرَث والنَّسل، وحَسَّنَ له جمع الأموال، والاقتصار على بعض العساكر، وقَطع الأكثر. فوافقه على ذلك. وكان فيه شٌّ، وقلة معرفة، وعدم تدبير، وحبٌّ للمال، وإهمال للأمور. وكان يتكل على غيره، ويُقْدِمُ على ما لا يليق وعلى ما يُستقبحُ. ولو لم يكن إلا ما فعله مع الناصر داود في أمر الوديعة . قلت: وكان يلعب بالحَمَام، ويُهمل أمر الإسلام، وابن العَلْقمي يلعب به كيف أراد، ولا يُطلعه على الأخبار. وإذا جاءته نصيحةٌ في السر أطلعَ عليها ابن العَلْقمي ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً . فحكى جمال الدين سُليمان بن عبدالله بن رِطلين قال: جاء هولاوو في نحو مئتي ألف، ثم طلب الخليفة، فطلع ومعه القُّضاة والمدرسون والأعيان في نحو سبع مئة نَفس، فلما وصلوا إلى الحربية جاء الأمر بحضور الخليفة ومعه (١) ذيل مرآة الزمان ١/ ٢٥٤ فما بعد. ٨١٩ سبعة عشر نَفسًا، فاتفق أن أبي كان أحدهم، فحدثني أنهم ساقوا مع الخليفة، وأنزلوا من بقي عن خيلهم، وضربوا رقابهم. ووقع السيف في بغداد، فعمل القتلُ أربعين يومًا. وأنزلوا الخليفة في خيمةٍ صغيرة، والسبعة عشر في خيمة. قال أبي: فكان الخليفة يجيء إلى عندنا كل ليلةٍ ويقول: ادعوا لي. قال: فاتفق أنه نزل على خيمته طائرٌ، فطلبه هولاوو وقال: أيش عملُ هذا الطائر؟ وأيش قال لك؟ ثم جرت له محاوراتٌ معه ومع ابن الخليفة أبي بكر. ثم أمر بهما فأُخرجا، ورفسوهما حتى ماتا، وأطلقوا السبعة عشر، وأعطوهم نشابة، فقُتل منهم رجلان وطلب الباقون بيوتهم فوجدوها بلاقع. فأتوا المدرسة المُغِيثِيَّة، وقد كنتُ ظهرتُ فبقيتُ أسأل عن أبي، فدُللت عليه، فأتيتُه وهو ورفاقه، فسلمت عليهم، فلم يعرفني أحدٌ منهم، وقالوا: ما تريد؟ قلت: أريد فخرَ الدين ابن رطلين. وقد عرفتُه، فالتفت إليَّ وقال: ما تريد منه؟ قلت: أنا ولده. فنظر إليَّ وتحقَّقني، فلما عَرَفني بكى، وكان معي قليل سِمْسِم فتركته بينهم. وأقمنا هناك إلى صَفَر، إلى أن رُفع السيف، فأتيا دارَ فخر الدين أحمد ابن الدامغاني صاحب الديوان، وقد أراد ابن العَلْقمي أن يضره فنفعه، فقال لهولاكو: هذا يعرف أموال الخليفة وذخائره وأموره، وهذا كان يتولاها. فقال: إذا كان الخليفة اختاره لنفسه فأنا أولى أن أوليه. وكتب له الفَرَمان، وقال الوزير: لا تفعل شيئًا إلا بموافقته. ثم إن ابن العَلْقمي عَمِلَ على أن لا يخطب بالجوامع، ولا تُصَلَّى الجماعة، وأن يبني مدرسةً على مذهب الشيعة فلم يحصل له أملُه، وفُتحت الجوامع، وأقيمت الجماعات. وحدثني أبي فخر الدين، قال: كان قد مشى حال الخليفة بأن يكون للتتار نصف دَخل البلاد، وما بقي شيء أن يتم ذلك، وإنما الوزير ابن العَلْقمي قال: ما هذا مصلحة، والمصلحة قتله، وإلا ما يتم لكم مُلك العراق. قلت: توفي الخليفة في أواخر المحرَّم أو في صَفَر، وما أظنه دفن، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان الأمر أعظم من أن يوجد مؤرخ لموته، أو مُوارٍ لجسده. وراح تحت السيف أُممِّ لا يحصيهم أحدٌ إلا الله، فيقال إنهم أكثر من ألف ألف، واستَغْنتِ التتار إلى الأبد، وسبوا من النساء والولدان ما ضاق به الفَضَاء. وقد بينا ذلك في الحوادث. وقتلوا الخليفة خنقًا، وقيل: غَمُّوه في ٨٢٠