النص المفهرس
صفحات 681-700
فَيصر المَوْصلي، والخانقاه التي فيها زين الدين الصُّوفي، وكنيسة اليهود، فنجا من القتل في هذه الأماكن أكثرُ من خمسين ألفًا، واستتر أيضًا جَمعٌ كثيرٌ، وقُتل أُممِّ لا يحصيهم إلا الله. وبَقِيَ القَتل والأسر والحريق والبلاء إلى يوم الجُمُعة الرابع عشر من صفر، ثم نُودي برَفع السَّيف، وأَذَّن المُؤذِّنون يومئذٍ بالجامع، وأُقيمت الخُطبة والصلاة. ثم أحاطوا بالقَلعة وحاصروها وبها الملك المُعظّم . ووصل الخبر بأخذ حلب إلى دمشق يوم السبت فهرب الملك الناصر من دمشق وزال مُلكه. وكانت رُسُل التَّار يومئذٍ بحَرَستا فدخلوا دمشق، وقُرىء فَرَمان الملك بأمان أهل دمشق وما حولها. ووصل نائب هولاكو على دمشق في ربيع الأول فلَقِيَه كُبراء البلد بأحسن مَلْقى. وقُرىء الفَرَمان، وجاءت التَّار من جهة الغُوطة مارِّين من شَرقها إلى الكسوة. وبعد أيام وصل منشور من هلاوون للقاضي كمال الدين عُمر التِّفْليسي بقضاء الشام، ومارِدين، والموصل، وبَنَظر الأوقاف والجامع. وكان نائبًا للقاضي صَدر الدين ابن سَنيِّ الدولة . وأما حماة فكان صاحبها المنصور قد تَقَهقر إلى دمشق فنزل بَرْزة. فجاء إلى حماة بطاقة برواح حلب، فوقع في البلد خَبطةٌ عظيمةٌ، وخرج أهلها على وجوههم، وسافر بهم الطَّواشي مُرشد. ثم بَقِيَ بها آحاد من الأعيان، فتوجهوا إلى حلب بمفايتح البلد، وطلبوا عَطف هولاكو عليهم وأنْ يُنفذ إليهم شِحنة، فسيَّر إليهم خُسْرُوشاه؛ رجلٌ أعجميٌّ، فقدِمها وآمنَ الرَّعية. وكان بقَلْعتها الأمير مُجاهد الدين قَيماز، فدخل في طاعته. وسار الملك الناصر ومعه صاحب حماة والأمراء إلى نحو غَزَّة، ثم سار إلى قَطْية، فتقدَّم صاحب حماة بجَمهرة العساكر والجُفَّال ودخل مصر. وبَقِيَ الناصر في عسكر قليلٍ، منهم أخوه الملك الظاهر، والملك الصالح ابن صاحب حمص، والأمير شهاب الدين القَيْمري، فتوجَّهوا إلى تيه بني إسرائيل، وخاف من المصريين. ووصلت عساكر التَّار إلى غَزَّة واستولوا على الشام إلا المعاقل والحصون، فإن بعضها لم يستولوا عليه. وحاصروا قلعة حلب أيامًا، واستعانوا بمن بَقِيَ من أهل البلد يتترَّسون بهم، ثم تسلّموها بالأمان. وأما قَلعة دمشق فشَرَعوا في حصارها وبها الأمير بدر الدين محمد بن ٦٨١ قريحا، وأحاط بها خَلْقٌ من التَّار، وقطعوا الأخشاب، وأتوا بالمجانيق معهم، ونصبوا عليها أكثر من عشرين منجنيقًا، وأصبحوا يُلُون بها على برج الطارمة، فطلب أهلها الأمان في آخر النهار لما تشقَّقِ البُرج، وخرجوا من الغد. ثم أخذت التَّار جميع ما فيها، وسكنها النائب كُتْبُغا، وخرّبوا شُرُفاتها ثم ساروا إلى بَعْلَبك فتسلَّموها وحاصروا قَلعتها فأخذوها أيضًا، ثم ساروا إلى بانیاس . وأما الفِرقة التي طلبت حَوران أولاً فامتدُّوا إلى نابُلُس وتلك النَّواحي، فأهلكوا الحَرث والنَّسل، وبذلوا السَّيف في نابلس، وقدموا إلى دمشق بالسَّبي، فكان الناس يشترونهم ويَسْتفكُّونهم منهم بالذَّراهم المَعدودة لكثرة من في أيديهم من السَّبي. ثم ظفروا بالملك الناصر، وسَلَّم نفسه إليهم بالأمان، فمُّوا به على دمشق، ثم ساروا به إلى هولاكو، فأحسنَ إليه وأكرمه، ورَعَى له مجيئه إليه، وبَقِيَ في خِدمته هو وجماعةٌ من آله. وفي جمادى الأولى طافوا بدمشق برأس الشَّهيد الملك الكامل صاحب ميافارقين الذي حاصره التَّار سنةً ونصفًا، وما زال ظاهرًا عليهم إلى أن فَنِيَ أهل البلد لفناء الأقوات. وأما القاضيان محيي الدين يحيى ابن مجير الدين ابن الزكي، وصَدر الدين ابن سَنيِّ الدولة فذهبا إلى هولاكو ثم رجعا، وانقطع الصَّدر بِبَعْلبك مريضًا ومات. ودخل ابن الزكي فقُرىء فَرَمانه بدمشق في جمادى الآخرة تحت النَّسر بقضاء القُضاة، وأن يكون نائبهُ أخوه لأُمِّه شهابُ الدين إسماعيل بن حبش. وحضر قراءة الفَرَمان إيسبان نائب التَّار وزوجته تحت النَّسر على طرَّاحة وُضعت لها، وهي بين زوجها وبين ابن الزَّكي. قال قُطب الدين في ((تاريخه)) (١): توجه محيي الدين وأولاده وأخوه لأُمِّه شهاب الدين وابن سَنيٍّ الدولة إلى هولاكو فأدركوه قبل أن يقطع الفُرات، ثم عادوا على بَعْلبك، ودخل محيي الدين في مِحَفَّة وهو في تجمُّلٍ عظيم، ومعه من الحَشَم والغِلْمان ما لا مزيد عليه، وصَلَّى الجُمُعة في شُباك الأمينية، وأحضر مِنبرًا قبالة الشباك فقُرىء تقليده، وهو تقليدٌ عظيمٌ جدًّا قد بالغوا في تفخيمه بحيث لا يُخاطب فيه إلا بمولانا، وفيه أنه يشارك التُّوَّاب في الأمور، (١) ذيل مرآة الزمان ٣٥٦/١. ٦٨٢ وعليه الخِلْعة فَرجية سَوداء منسوجة بالذَّهب، قيل: إنها خِلعة الخليفة على صاحب حلب، أُخذت من حلب. وعلى رأسه بُقيار صوف بلا طَيْلسان. قال أبو شامة(١): ثم شرع ابن الزَّكي في جرِّ الأشياء إليه وإلى أولاده مع عدم الأهلية، فأضافَ إلى نفسه وأقاربه العَذْراوية، والناصرية، والفَلَكية، والرُّكنية، والقَيْمرية، والكلّسة. وانتزعَ الصالحية وسلَّمها إلى العماد ابن العربي، وانتزع الأمينية من عَلَم الدين القاسم وسلَّمها إلى ولده عيسى، وانتزع الشُّومانية من الفخر النَّقْشُواني وسلَّمها إلى الكمال ابن النَّجَّار، وانتزع الرَّبوة من محمد اليمني وسلَّمها إلى الشِّهاب محمود بن محمد بن عبدالله ابن زين القُضاة، وولَّى ابنه عيسى مشيخة الشُّيوخ. وكان مع الشِّهاب أخيه لأُمِّه تدريس الرّواحية، والشامية البَرَّانية(٢). وبَقِيَ على الأمور إلى أن زالت دولة الطَّاغية هولاكو عن الشام، وجاء الإسلام فبذل أموالاً كثيرةً على أن يُقَرَّ القضاء والمدارس في يده فأُقرَّ على ذلك شهرًا، ثم سافر مع السُّلطان إلى مصر مَعْزولاً، ووَليَ القضاء في ذي القَعدة نجم الدين أبو بكر ابن صدر الدين ابن سَنيِّ الدولة. وفي جُمادى الأولى أو نحوه استولت التَّار على عَجْلُون، والصَّلت، وصَرْخَد، وبُصرى، والصُّبَيبة، وخُرِّبت شُرُفات هذه القلاع، ونُهب ما فيها من الذخائر. وأرسلوا كمال الدين عُمر التَّفْليسي إلى الكَرَك يأمرون المُغيث بتسليمها، فأرسل إليهم ولده مع التَّفْليسي، والملك القاهرِ ابن المُعظّم، والمنصور ابن الصالح إسماعيل. فسار الجميع صُحبة المُقدَّم كُتُبُغا(٣) وقد ظفر بالملك الناصر وهو على عَجْلُون، فهرب الملك القاهر وردَّ إلى الكَرَك، وقال للمُغيث: ما القوم شيء، فقوِّ نفسَكَ واحفظ بلدك. ثم سار إلى مصر، فحرَّض الجيش على الخروج، وهوَّن شأن التّار، فشَرَعوا في الخروج. وسار كُتْبُغا بمن معه إلى صَفَد، وهي للفِرَنج، فأنزلوا الإقامات، ونُصبت لكُتْبُغا خَيمةٌ عظيمةٌ، ووصل إليه الزَّين الحافظي والقاضي محيي الدين وعليه الخِلْعة (١) ذيل الروضتين ٢٠٥ - ٢٠٦. (٢) كل ما تقدم أسماء لمدارس معروفة بدمشق، ينظر عنها كتاب ((الدارس)) للنعيمي. (٣) هكذا وجدناه مقيدًا بضم الكاف بخط المصنف. ٦٨٣ السَّوداء. ثم إنهم دخلوا دمشق في رجب. ثم سار طائفةٌ بالناصر وابنه وأخيه الظاهر إلى هولاكو . وفي شعبان أُحضر والي دمشق بدر الدين محمد بن قَرْبجا(١)، ونقيب القَلعة الجمال الحَلَبي المعروف بابن الصَّيرفي، ووالي فَلعة بَعْلَبك، فضُربت أعناقُهم. ووصل الملك الأشرف ابن منصور ابن المُجاهد صاحب حمص فنزل في داره، وقُرىء فَرَمانُه بتسليم نَظَره في البلاد وأن يكون نائبًا للملك على الشام جميعه. وسُلِّمت إليه حمص، وتَدْمُر، والرّحبة(٢) . وفي رمضان وصل الخبر باستيلاء التَّار على صَيدا من بلاد الفِرَنج ونَهَبها(٣) . وأما هولاكو فإنه عدَّى الفُرات بأكثر الجيش ومعهم من السَّبي والأموال والخيرات والدَّوابِّ ما لا يُوصف ﴿إِنَّمَا نُمْلِىِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]. ومرض الملك السَّعيد صاحب مارِدين مرضًا شديدًا، ثم عُوفي، وبعث إلى هولاكو يطلب منه سابق الدين بَلَبان، فبعثه إليه، وقد استماله هولاكو في مدة مُقامه عنده. فلما اجتمع بمَخْدومه أخبره بما تمَّ على أهل حلب. ثم أرسل السَّعيد إليه بهدية سَنِيَّة، وأخبروه بعافية السَّعيد. فسأل عن فَلعة ماردين، فأخبروه أن فيها من الأموال والذَّخائر والأقوات كفاية أربعين سنة. فكتب إليه يُعفيه من الحضور، وأرسل إليه ولده الملك المظفَّرِ ليطمئنَّ قَلبُه. وعاد سابق الدين إلى هولاكو يَرُدُّ الجوابَ، ثم قَصَدَ أُستاذُه الملك السَّعيد أن يردّه من دُنَيسر ويُمسكه، فلم يتّفق، واتَّصل بهولاكو ولم يرجع. وعلم السَّعيد أن التَّتار لابُدَّ لهم منه ومن حصاره، فنقل ما في البلد من الذّخائر إلى القلعة. ثم بعد أربعة أيام وَصَلتهُ رُسُلُ هولاكو بهديةٍ، ووصل عقيب ذلك طائفةٌ من التَّار فنازلت ماردين في ثالث جُمادى الأولى، فلم يقاتلوا، وبقوا ستة عشر (١) هكذا وجدته مقيدًا بخط المصنف. وفي السلوك للمقريزي ٤٢٦/٢/١: ((قرمجاه))، وفي ذيل مرآة الزمان ٣٥١/١ و٣٥٤ و٣٥٥: ((فريجار))، وفي ٢٣٨/٢: ((قزلجا»، وفي البداية والنهاية ٣١٩/١٣: ((قراجا))، وكله تحريف. (٢) من ذيل الروضتين ٢٠٦ - ٢٠٧ . (٣) كذلك. ٦٨٤ يومًا، وقيل: إن هولاكو كان معهم. ثم التمسوا فَتح أبواب البلد ليدخلوا لشراء الأقوات وغيرها ويرحلون. ففتح لهم، فتردَّدوا في الدُّخول والخروج ثلاثة أيام، ثم صَعِدوا على سور ماردين، ودَقُوا الطَّبل، وهَجَمُوا البلد بالسيف، فقاتلهم أهله ودَرَّبُوا الشَّوارعِ وطردوهم، فدام القتال شهرين إلى أن فتحَ لهم بعض مُقدَّمي البلد دَربًا فمَلَكوه، ودخلوا منه إلى الجامع، وصَعِدوا المنائر، ورموا منها بالتُّشَّاب، فضَعُفَ الناس، واحتموا بالكنائس، وصَعِدَ بعضهم إلى القَلعة، وملكت التَّار البلد، ونصبوا المجانيق على القَلعة، وهي ستة، فلم يصل إلى القَلعة منها إلا ثلاثة أحجار. واستمرّ الحصار إلى آخر السنة، ووقع الوَبَاء في القَلعة، فمات الملك السَّعيد فيمن مات، وهلك الخَلق. ورَمَى رجلٌ نفسه من القلعة وأخبر التَّار بموت السُّلطان، فبعثوا إلى ابنه الملك المظفَّر وطلبوا منه الدُّخول في الطاعة. وفي وسط العام قُرىء بدمشق كتابُ هولاكو بسبب الناصر، وذلك قبل أن يصل إليه. وهو: ((أما بعدُ، فنحن جنود الله، بنا ينتقم ممن عتا وتجبَّر، وطَغَى وتكبّر، وبأمر الله ما ائتمَر، إنْ عُوتب تنمَّر، وإن رُوجع استمر. ونحن قد أهلكنا البلاد، وأبدنا العباد، وقتلنا النسوان والأولاد. فأيها الباقون، أنتم بمن مَضَى لاحقون، ويا أيها الغافلون أنتم إليهم تُساقون. ونحن جيوش الهَلَكة، لا جيوش الملكة، مقصودنا الانتقام، ومُلكنا لا يُرام، ونزيلنا لا يُضام، وعَدلُنا في مُلكنا قد اشتُهر، ومن سيوفنا أين المَفَر؟ أين المَفَرُّ ولا مَفَزَّ لهاربٍ ولنا البسيطان الثَّرَى والماءُ ذَلَّت لهَيبتنا الأسودُ وأصبحت في قَبْضتي الأمراء والخُلفاء ونحن إليكم صائرون، ولكم الهَرَب، وعلينا الطَّلَب. ستعلم ليلى أيَّ دَينٍ تَدَيَّنت وأيَّ غريمٍ بالتقاضي غريمُها دمَّرنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأهلكنا العباد، وأذقناهم العذاب، وجعلنا عظيمهم صغيرًا، وأميرَهم أسيرًا. تحسبون أنكم منا ناجون أو مُتخلِّصون، وعن قليلٍ سوف تعلمون على ما تقدمون، وقد أعْذَرَ من أنْذَر)). وأما رُكن الدين بَيْبَرس البُنْدُقداري فإنه فارق الملك الناصر من الرَّمل، واتَّفق هو والشَّهْرِزُورية بغَزَّة، وتزوَّج ببنت بركة خان أحد ملوكهم، ثم بعث ٦٨٥ علاء الدين طَيبرس الوزيري إلى صاحب مصر ليحلف له على ما اقترحه عليه. فأجابه فساق ودخل مصر في الثاني والعشرين من ربيع الأول، فأكرمه الملك المظفَّر واحترمه، وقَوَّى هو جنان المظفَّر على حَرْب التََّار. ثم جاء بعدُ الملكُ القاهرُ من الكَرَك فهوَّنَ أمر التَّار. وكان شروع المصريين في الخروج إلى التَّار في نصف شعبان. قلتُ: وكان الناس في دمشق آمنين من أذية التّتار بالنِّسبة، وذلك لهَيبة هولاكو، لأنه بَلَغَنا أن مفاتيح دمشق لما أتته على حلب وهو فرحان بفتوح البلاد رَمَى بسراقوجه وقال للمُغل: دوسوا عليه. فضربوا جُوك وقالوا: العفو. فقال: هذا دمشق، من آذى دمشق أو أهلها يموت. فلقد كان التَّري يغمس مقرعته في القنبريس أو الدِّبس ويمصُّها، فيَسُبُّه الفامي ويصيح فيه وهو لا ينطق، ونحو هذا. لكن انتُهكَت الحُرُمات، وظهرت الفواحش والخُمُور، ورفعت النَّصارى رؤوسها. وكان التََّار بين كافرٍ أَو نَصراني أو مَجُوسي، وما فيهم من يتلفَّظُ بالشَّهادة إلا أن یکون نادرًا. قال ابن الجَزَري(١): حدثني أبي قال: خرجتُ من الصلاة في الجُمُعة الثانية من رمضان، فوجدتُ دكاكين الخضراء وفيها النَّصارى يبيعون الخَمر، وبعض الفُسَّاق معهم وهم يشربون ويَرُشُّون على المُصَلِّين من الخَمر، فبكيتُ بُكاءً كثيرًا إلى أن وصلتُ إلى دُكَّاني بالرَّمَّاحين. وقال أبو شامة(٢): كانت النَّصارى بدمشق قد شَمَخوا بدولة الشَّار، وتردّدَ إيسبان المُقدَّم إلى كنيستهم، وذهب بعضهم إلى هولاكو فجاء بفَرَمان بأن يرفع دينهم، فخرجت النَّصارى يتلقَّونه، ودخلوا رافعي أصواتهم ومعهم الصَّليب مرفوع، وهم يَرُشُّون الخَمرَ على الناس، وفي أبواب المساجد، ودخلوا من باب تُوما، ووقفوا عند رباط البيانية، ونادوا بشِعَارهم، ورَشُّوا الخَمر في باب الرباط، وباب مسجد درب الحجر، وألزموا الناس من الدَّكاكين بالقيام للصَّليب، ومن لم يفعل ذلك أخْرَقُوا به وأقاموه غَصبًا، وشَقُّوا القَصَبة إلى عند القَنطرة في آخر سُويقة كنيسة مريم، فقام بعضهم على الدُّكَّان الوسطي (١) المختار من تاريخ ابن الجزري ٢٥٧ . (٢) ذيل الروضتين ٢٠٨ . ٦٨٦ وخطب، وفَضَّل دين النَّصارى وصَغَّر من دين الإسلام، ثم عطفوا من خَلف السُّوق إلى الكنيسة التي أخربها الله . قلت: قيل: إنهم كانوا ينادون: ظَهَرَ الدين الصَّحيح دين المسيح، وذلك في الثاني والعشرين من رمضان. فصَعِدَ المسلمون مع القُضاة والعُلماء إلى إيل سبان(١) بالقَلعة في ذلك، فأهانوهم، ورفعوا قِسِّيسِ النَّصارى عليهم، وأخرجوهم من القلعة بالضَّرْب والإهانة. ثم نزل إيل سبان من الغد إلى الكنيسة. وأقبل الملك المظفَّر بالجيوش حتى أتى الأُردُنَّ. وسار كُتْبُغا بالمغول، فنزل على عين جالوت من أرض بَيسان. وكان شاليش المسلمين ركن الدين بَيْبَرس البُنْدُقداري، فحين طلع من الثَّلِّ أشرف على التَّار نازلين، ووقعت العين في العين، وكان بينه وبين السُّلطان مرحلة. فجَهَّز البريدية في طلب السُّلطان وقلق وقال: إنْ ولينا كَسَرنا الإسلام. فجعلوا يُقَهقرون رؤوس خيلهم حتى نزلوا عن الثَّلِّ إلى خَلف. وضربت التَّتار حَلقةً على الثَّلِّ وتحيَّز البُنْدُقداري بعسكره فلم تَمضِ ساعةٌ حتى جاءته خمس مئةٍ مُلبسةً من أبطال الإسلام، ثم بعد ساعة أخرى لَحِقَتها خمس مئة أخرى. وأما التَّار فاشتغلوا أيضًا بأخذ أُهْبَتهم للمَصَافِّ. وتلاحَقَ الجيشُ ثم وقع المَصَافُّ. قال أبو شامة(٢): لما كان ليلة سبع وعشرين من رمضان جاءنا الخبرُ بأن عَسكر المسلمين وقع على عسكر التَّارَ يوم الجُمُعة الخامس والعشرين من الشهر عند عين جالوت، وهزموهم وقتلوا فيهم، وقتلوا ملكهم كُتْبُغا، وأُسر ابنُه فانهزم من دمشق النائب إيل سبان ومن عنده من التتار، فتبِعَهُم أهلُ الضَّياع یتخطّفونهم . وقال الشيخ قُطب الدين(٣): خرج الملك المظفَّر بجيش مصر والشام إلى لقاء التَّتَر، وكان كُتْبُغا بالبقاع، فبلغه الخبر، فطلب الملك الأشرف، يعني الذي استنابه هولاكو على الشام والقاضي محيي الدين، واستشارهم، فمنهم من أشار بعدم المُلْتقى، وبأن يندفع بين يدي المظفَّر إلى أن يجيئه المَدَد من (١) هكذا بخط المصنف، وكتبه قبل قليل: ((إيسبان)). (٢) ذيل الروضتين ٢٠٧ . (٣) ذي مرآة الزمان ٣٦٠/١ - ٣٦٣. ٦٨٧ هولاكو، ومنهم من أشار بغير ذلك وتفرقت الآراء، فاقتضى رأيه هو المُلْتقى، وسار من فَوره فالتقوا يوم الجُمُعة، فانكسرت مَيْسرة المسلمين كَسرةً شنيعة، فحمل الملك المظفَّر في التَّار، وحمل معه خَلْقٌ فكان النَّصر. قُتل كُتْبُغًا ومُعظم أعيان التَّار، وقُتلَ منهم مَفْتلةٌ عظيمةٌ، وهرب من هرب. وقيل: إن الذي قتل كُتْبُغا الأمير آقُش الشَّمسي، ووَلَّت الشَّتر الأدبار، وطَمِعَ الناس فيهم يتخطَّفونهم وينهبونهم. وعند الفراغ من المَصَافِّ حضر الملك السَّعيد بن عثمان ابن العادل صاحب الصُّبَيبة إلى بين يدي السُّلطان فلم يقبله وضرب عُنُقه. وجاء كتاب المظفَّر بالنَّصر، فطار الناس فَرحًا، وثار بعضهم بالفخر الكَنْجي فقتلوه بالجامع، لكونه خالَطَ الشمس القُمي، ودخل معه في أخذ أموال الجُفَّال، وقُتل الشمس ابن الماكسيني، وابن البُغَيل، وغيرهم من الأعوان. وكان المسلمون يجرعون الثكل على النَّصارى لَعَنَهم الله من أول أمس، لرَفعهم الصَّليب وغير ذلك، فأسرعوا إلى دُورهم ينهبونها ويُخرِّبونها، وأخربوا في كنيسة اليعاقبة، وأحرقوا كنيستهم الكُبرى؛ كنيسة مريم، حتى بَقِيَت كَومًا، وبقيت النار تعمل في أخشابها أيامًا. وقُتل منهم جماعة، واختفى سائرهم. ونُهب قليلٌ من اليهود، ثم كَقُوا عنهم لأنهم لم يصدُر منهم ما صدر من النَّصارى. وعيَّد المسلمون على خيرٍ عظيم، ولله الحمد. ودخل السُّلطان الملك المظفَّر القلعة مُؤيَّدًا منصورًا، وأحبَّهُ الخَلق غاية المَحبَّة. وعَبَرَ قبله البُنْدُقداري على دمشق، وساق وراء التَّتر إلى بلاد حلب، وطَرَدهم عن البلاد. ووعده السُّلطان بحلب، ثم رجع عن ذلك فتأثَّر رُكن الدين البُندُقداري من ذلك، وكان ذلك مبدأ الوَحشة. وسَيَّرَ الملك الأشرف ابن صاحب حِمص يطلب من السُّلطان أمانًا على نفسه وبلاده، وكان قد هرب مع التَّار من دمشق، ثم انملَسَ منهم وقصد قلعة تَدمُر، فأمَّنه وأعطاه بلاده، فحضر إلى الخِدمة، ثم توجه إلى حِمص وتوجه صاحب حَمَاة إلى حَمَاة. واستعمل السُّلطان على حلب علاءَ الدين ابن صاحب الموصل. واستعمل على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي والأمير مجير الدين ابن حبرون ورتب أمور الشام وشنق حُسينًا الكُردي طبردار الملك الناصر الذي خَدَعه وأوقعه في أسر التَّار، وعزل عن خطابة دمشق ابن الحَرَستاني، ووَلِيَها أصيل الدين الإسْعردي إمام السُّلطان قُطُز، وقُرىء تقليده، ثم عُزل بعد شهر وأُعيد ٦٨٨ عمادُ الدين ابن الحَرَستاني. وأقام المظفر نحو الشهر، وسار إلى الدِّيار المصرية . ونقل الصاحب عزّ الدين ابن شَدَّاد أن المظفَّر لمَّا مَلَكَ دمشق عَزَم على التوجّه إلى حلب لينظّف آثارَ التَّتار من البلاد، فوَشَى إليه واشٍ أن رُكن الدين البُنْدُقداري قد تنكَّر له وتغيَّرَ عليه، وأنه عاملٌ عليك. فصَّرَفَ وجهه عن قَصده، وعَزَم على التوجُّه إلى مصر وقد أضمر الشَّرَّ للبُنْدُقداري. وأسرَّ ذلك إلى بعض خَوَاصه، فاطَّلَع على ذلك البُنْدُقداري. ثم ساروا والحُقُود ظاهرة في العيون والخُدود، وكل منهما مُتحرِّس من صاحبه. إلى أن أجمع رُكن الدين البُنْدُقداري على قَتل المظفَّر. واتَّفق معه سيف الدين بَلَبان الرشيدي، وبهادُر المُعزِّي، وبيدغان الرُّكني، وبكتوت الجوكندار، وبَلَبان الهاروني، وأنس الأصبهاني الأمراء. فلما قارب القُصَير الذي بالزَّمل عرج للصَّيد، ثم رجع، فسايره البُنْدُقداري وأصحابه، وحادثه، وطلب منه امرأةً من سَبي التّار، فأنعم له بها، فأخذ يده ليُقبِّلها، وكانت تلك إشارةً بينه وبين أولئك، فبادَرَه بدر الدين بكتوت الجوكندار المُعزِّي، فضربه بالسيف على عاتقه فأبانه، ثم رماه بهادر المُعزِّي بسَهم قضى عليه، وذلك يوم سادس عشر ذي القَعدة. ثم ساروا إلى الدِّهليز وضربوا مشورة فيمن يملكوه عليهم، فاتفقوا على رُكن الدين البُنْدُقداري. وتقدم الأمير فارس الدين أقطاي المعروف بالأتابك فبايعه، ثم تلاه الرشيدي. ولُقِّب بالملك القاهر. ثم ساق هو والأتابك، وقلاوون الذي تسلطن، والبَيْسَري، وجماعة، وقصد قلعة مصر، ورتب آقوش النَّجيبي أستاذ داره، وعز الدين الأفرم أمير جُندار. فخرج نائب الملك المظفَّر على القاهرة للقائه، وهو الأمير عز الدين الحلي، فصادف هؤلاء فأخبروه بما وقع، فحلف لركن الدين، ورد إلى القلعة ووقف على بابها ينتظره. وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفَّر وهم في فَرحة، فلما طلع الضوء لم يشعروا إلا والمنادي يقول: مَعْشر الناسَ، ادعوا لسلطانكم الملك القاهر رُكن الدُّنيا والدين. ووعدهم بالإحسان وإزالة المُؤن لأن الملك المظفَّر رحمه الله كان قد أحدث على المصريين حوادث كثيرة، منها تصقيع الأملاك تاريخ الإسلام ١٤/م٤٤ ٦٨٩ وتقويمها وزكاتها، وأخذ ثُلث الزكاة، وثُلُث التّركات، وعن كل إنسانٍ دينار واحد مضاعف الزكاة، فمبلغ ذلك في العام ست مئة ألف دينار، فأطلق ذلك لهم. وجلس على تخت المُلك يوم الأحد، وذلك اليوم الثاني من قَتله المظفر، فأشار عليه الوزير زين الدين ابن الزُبير وكان مُنشئًا بليغًا، بأن يغير هذا اللَّقب وقال: ما لُقِّبَ به أحد فأفلح. لُقِّب به القاهر ابن المعتضد فسُمل بعد قليل وخُلع، ولُقِّب به الملك القاهر ابن صاحب الموصل فسُم. فأبطل السُّلطان هذا اللقب وتلقَّب بالملك الظاهر. وأما نائب دمشق الحلبي فبلغه قَتل المظفَّ، فَحَلَّف الأمراء بدمشق لنفسه، ودخل القلعة وجَدَّد عمارتها، وتسلطن، وتلقَّب بالملك المجاهد، وخُطب له بدمشق في سادس ذي الحجة مع الملك الظاهر، وأمر بضرب الدراهم باسميهما. وغلت الأسعار وبقي الخبز رِطلٌ بدرهمين، ووقية الجُبن بدرهم ونصف. وأما اللحم فكاد يُعدم، وبلغ الرطل بخمسة عشر درهمًا. ولما استقر الملك الظاهر في السلطنة أبعد عنه الملك المنصور علي بن المُعز أيْيَك وأُمّه وأخاه قاءان إلى بلاد الأشكري، وكانوا معتَقَلين بالقلعة . وفي ذي القَعدة أمر الأمير عَلم الدين الحَلَبي بعمارة قلعة دمشق وإصلاحها، وركب بالغاشية والسيوف المجرّدة، وحمل له الغاشية ابن الملك العادل والزَّاهر ابن صاحب حِمص والقُضاة والمدرسون حوله. ففرح الناس وعَمِلوا في بنائها. وكان المظفَّر قد استناب على حلب الملك السعيد علاء الدين ابن صاحب المَوْصل، وقصد بذلك استعلام أخبار العدو، لأنَّ أخاه الصالح كان بالموصل، وأخاه المجاهد كان بالجزيرة، فتوجه السعيد إلى حلب بأمرائها وعسكرها، فأساء إليهم، وأراد مصادرة الرعية، فاجتمعت الأمراء على قَبضه، وعوضوا عنه بالأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي ثم بلغهم أنَّ التتار قد قاربوا البيرة، وكانت أسوار حلب وأبراجها قد هُدمت وهي سائبة كما هي الآن، فانجفل الناس منها، ثم جاءت التتار فاندفع الجوكندار بالعسكر نحو دمشق، ودخلت التتار حلب، فأخرجوا من فيها من الناس بعيالهم إلى قرنبيا وداروا حولهم ووضعوا فيهم السيف، ثم ساقوا إلى حماة ونازلوها فأخرجوا ٦٩٠ إليهم إقامة ومأكولاً فرحلوا عنهم وطلبوا العسكر. وفي شوال دَرَّس ناصر الدين محمد ابن المقدسي بالتُربة الصالحية بعد والده؛ ولاه المنصور ابن الواقف. وقُرىء تقليد قاضي القضاة محيي الدين بولايته القضاء والمدارس من جهة المظفَّر. ثم عُزل بعد أيام بنجم الدين ابن سَني الدولة. ودرس بالأمينية قَطبُ الدين ابن عصرُون. وشرعوا في عمارة ما وَهَى من قلعة دمشق . وعمل أهل البلد وأهل الأسواق، وعَظُم الشُّرور، وعُملت المغاني والدَّبادب لذلك، بلغ اللَّحم في ذي القَعدة الرطل بتسعة دراهم، ورطل الخبز بدرهمين ورطل الجُبن باثني عشر درهمًا. وأسعار الأقوات من نسبة ذلك بدمشق. وبلغ صرف الدينار إلى خمسةٍ وسبعين درهمًا. وأبيع في عيد النَّحر رأس الأضحية بست مئة درهم، وتزايد الأمر؛ نقل ذلك التاج ابن عساكر. وفيها رافعَ(١) بهادُر الشِّحنة والعماد القَزْويني صاحبَ الدِّيوان علاء الدين(٢)، فأمر هولاكو بقَتله، فطلب العَفو فعفا عنه، وأمر بحَلق لحيته فخُلقت، فكان يجلس في الديوان مُلَثَّمًا(٣). ثم عظُم بعدُ، وقدم أخوه الوزير شمس الدين وظهرت براءته، وقال لبهادر: الشَّعر إذا حُلق يَنْبُت، والرأس إذا قُطع لم ينبت. ثم دَبر في قتله وقَتل العماد القزويني. سنة تسع وخمسين وست مئة استهلَّت وما للناس خليفةٌ، وصاحب مكة الشريف أبو نُمَيّ الحَسنيُّ وعمُّه، وصاحب المدينة عزّ الدين جَمَّاز بن شِيحَة الحُسينيُّ، وصاحب مصر الملك الظاهر رُكن الدين بَيْبرس الصالحيُّ، وصاحب دمشق الملك المُجاهد عَلَم الدين سَنْجَر الحلبيُّ، وصاحب الموصل الملك الصالح إسماعيل بن لؤلؤ، وصاحب الجزيرة أخوه المُجاهد إسحاق، وصاحب ماردين المظفَّ قُرا أي رفعوا عليه شكاوى، وأنه خان فى الأموال. (١) (٢) هو علاء الدين عطا ملك الجويني حاكم العراق. (٣) الخبر في الحوادث الجامعة ٣٧٣ وكلاهما نقل من مصدر واحد. ٦٩١ رسلان ابن السَّعيد، وصاحب الرُّوم ركن الدين قِليج رسلان ابن غياث الدين كيخسرُوا ابن علاء الدين وأخوه عزّ الدين كيكاوس، وصاحب الكَرَك والشَّوْبك المُغيث عُمر ابن العادل ابن الكامل، وصاحب حماة المنصور محمد ابن المظفَّر، وصاحب حِمص والرَّحبة وتَدْمُر الأشرف موسى بن إبراهيم بن شيركوه، والمُستولي على حُصُون الإسماعيلية الثمانية رَضيُّ الدين أبو المَعَالي ابن نجم الدين إسماعيل ابن الشَّعْراني، وصاحب مَرَّاكُش المرتَضَى عُمر بن إبراهيم بن يوسف، وصاحب تونس أبو عبدالله محمد بن يحيى بن أبي محمد ابن الشيخ أبي حَفص عُمر بن يحيى، وصاحب اليمن الملك المظفَّر يوسف ابن الملك المنصور، وصاحب ظَفَار موسى بن إدريس الحضرميُّ، وصاحب دِلَّة(١) ناصر الدين محمود ابن شمس الدين أيتمش، وصاحب كِرمان تُركان خاتون زوجة الحاجب بُراق وابنا أخي بُرَاق، وصاحب شيراز وفارس أبو بكر ابن أتابك سَعد، وصاحب خُراسان والعراق وأذربيجان وغير ذلك هولاكو بن قاءان بن جنكزخان، وصاحب دَشْت القفجاق وتلك الدِّيار بركة ابن عمّ هولا وو . وقعة حِمْص وكانت في خامس المحرَّم، اجتمع عددٌ من التّتار الذين نَجَوا من عين جالوت، والذين كانوا بحَرَّان والجزيرة. وكانوا قد هلكوا من القَحط فأغاروا على حلب، وقتلوا أهلها بقرنبيا، ثم ساقوا إلى حمص لمَّا عَلِموا بقَتلة الملك المظفَّر، وأن العساكر مختلفة، فوجدوا على حمص الأمير حُسامَ الدين الجوكندار ومعه العسكر الذين كانوا بحلب، والملك المنصور صاحب حماة، والملك الأشرف صاحب حمص، وعِدَّتهم ألف وأربع مئة، فحملوا على التَّتار وهم في ستة آلاف فارس حَمْلةً صادقةً فكَسَروهم وركبوا أقفِيتهم قَتلاً قَتْلاً حتى أتى القَتل على مُعظمهم، وهرب مُقدَّمهم بَيدرا في نَفَرٍ يسير بأسوأ حال . وكانت الوقعة عند تُربة خالد بن الوليد رضي الله عنه، وتُسمَّى وقعةُ (١) هكذا مجودة بخط المصنف. ٦٩٢ حمص ((القيقان))(١)، لأن غير واحد حدث أنه رأى قِيقانًا عظيمةً قد نزلَت وقت المَصَافِّ على التَّار تضرب في وجوههم. وحَكَى بدر الدين محمد ابن عِزّ الدين حسن القَيْمري، وكان صدوقًا، قال: كنتُ مع صاحب حماة فوالله لقد رأيتُ بعيني طيورًا بَيضاء وهي تضرب في وجوه التَّار يومئذٍ؛ نقله عنه الجَزَري في ((تاریخ)))(٢). وقال أبو شامة(٣): جاء الخبر بأن التَّار كُسروا بأرض حِمص كَسرةً عظيمةً وضُربت البَشَائر، وكانت الوقعة عند قبر خالد إلى قريب الرَّسْتن، وذلك يوم الجُمُعة خامس المحرَّم، وقُتل منهم فوق الألف، ولم يُقتل من المسلمين سوی رجلٍ واحد. ثم جاءت رؤوسهم إلى دمشق . قلتُ: حكى أبي أنهم جابوها في شرائح، وكنا نتعجَّب من كبر تلك الرُّؤوس لأنها رؤوس المُغل. قال أبو شامة(٤): وجاء الخبر بنزول التَّار على حماة في نصف الشهر، فقدم صاحب حماة وصاحب حمص في طلب النَّجدة والاجتماع عل قتالهم، فنزل الملك المُجاهد عَلَم الدين عن سَلْطنة دمشق . قلتُ: بل اتَّفقوا على خَلْع الحلبي، وحصروه بالقَلعة، وجَرَى بينهم شيءٌ من قتال، وخرج إليهم وقاتلهم، ثم رجع إلى القلعة. فلمَّا رأى الغَلَبة خرج في الليل بعد أيام من دمشق من باب سرٍّ قريب من باب توما، وقصد بَعْلَبك، فعَصَى في قَلْعتها، وبَقِيَ قليلاً، فقدم علاء الدين طَيْبرس الوزيري وأمسك الحلبي في قَلعة بَعْلبك، وقَيَّدِه وسَيَّره إلى مصر. وفيها، في أواخر المحرَّم، وقع على دمشق ثَلْجٌ عظيمٌ لم يُعهَد، فَبَقِيَ يومين وليلتين، ويَقِيَ على الأسطحة أعلى من ذراع، ثم رُميَ وبَقِيَ كأنه جبال في الأزقّة وتضرَّر الخَلْقُ به. وذلك في أول كانون الأصم. وأما التَّار فقال قُطْبُ الدين أبقاه الله (٥): ولما عاد من نجا من التَّتار إلى (١) القيقان: جمع قاق، وهو نوع من الغربان. (دوزي ٤١٢/٨). (٢) المختار من تاريخ ابن الجزري ٢٥٩ - ٢٦٠. (٣) ذيل الروضتين ٢١١ . (٤) نفسه . (٥) ذيل مرآة الزمان ٤٣٥/١ - ٤٣٧. ٦٩٣ حلب أخرجوا من فيها، ثم نادوا: كل من كان من أهل البلد فليعتزل. فاختلط على الناس أمرهم ولم يفهموا المُراد، فاعتزل بعضُ الغُرباء مع أهل حلب، فلمَّا تميَّز الفريقان أخذوا الغُرباء وذهبوا بهم إلى ناحية بابَلاً(١) فضربوا رقابهم، وكان فيهم جماعة من أقارب الملك الناصر رحمهم الله. ثم عَدُّوا من بَقِيَ، وسلَّموا كل طائفة إلى رجلٍ كبيرٍ ضَمَّنوه إياهم. ثم أحاطوا بالبلد أربعة أشهر، فلم يدخلها أحدٌ ولا خرج منها أحدٌ، فغَلَت الأسعار وهلكوا، وتعثَّروا، وبلغ رِطل اللَّحم سبعة عشر درهمًا، ورِطل السَّمَك ثلاثين درهمًا، ورِطل اللَّبن خمسة عشر درهمًا، ورِطل الشُّكَّر خمَسين درهمًا، وأُكِلَت الميتات . وأما الجُوكندار فدخل مصر ثم عاد إلى حلب. وفي سابع صفر ركب السُّلطان الملك الظَّاهر في دَست السَّلطنة من قَلعة الجبل وهو أول ركوبه. قال قُطب الدين(٢): وكتب إلى الأمراء يُحرِّضهم على القبض على الحلبي، فخرجوا عن دمشق ونابَذُوه وفيهم علاء الدين البندقدار، يعني أُستاذ الملك الظاهر، وبهاء الدين بُغدي فتَبِعهم الحلبيُّ وحاربهم، فحملوا عليه فهزموه، ودخل القَلعة فأغلقها في حادي عشر صفر. ثم خرج من القلعة تلك الليلة، وأتى بَعْلَبك في عشرين مملوكًا. واستولى البُنْدُقدار على دمشق، وناب فيها عن الملك الظَّاهر، وجَهَّز لمحاصرة بَعْلَبك بدر الدين ابن رحال(٣)، فحال وصوله دخل بَعْلَبك وراسَلَ الحلبي، ثم تقرَّرَ نزوله ورواحه إلى خدمة الملك الظاهر، فخرج من القلعة على بَغْلة، وسار فأُدخل على الملك الظاهر ليلاً، فقام إليه واعتنقه وأكرمه، وعاتبه عتابًا لطيفًا، ثم خَلَعَ عليه ورَسَمَ له بخَيل ورَخْت (٤). قلتُ : ثم حَبسه . وقال أبو شامة(٥): ثم رجعت التَّار، فنزل صاحب صهيون وتخطّف (١) هكذا بخط المصنف بفتح الباء الموحدة الثانية، والمعروف بكسرها كما قيدها ياقوت في ((معجم البلدان))، وهي قرية بظاهر حلب بينهما نحو ميل. (٢) ذيل مرآة الزمان ١/ ٤٣٨ . (٣) جود المصنف إهمال الحاء. (٤) الرخت: هو جلُّ الفرس وعدته الكاملة. (دوزي ١١٣/٥). (٥) ذيل الروضتين ٢١١ - ٢١٢ . ٦٩٤ منهم جماعةً، وقتلت الفداوية الخشيشية صاحبَ سِيس، لَعَنه الله. ووقع السيف بين الشَّر وبين ابن صاحب سِيس. وفيها دَرَّس(١) القاضي نجم الدين ابن سَنيِّ الدولة بالعادلية وعُزل الكمال التَّفْليسي، واعتُقِلَ بسبب الحياصة الناصرية التي تسلّمها التَّار. وكانت رَهنا بمخزن للأيتام على المال الذي اقترضه الملك الناصر. قال(٢): وفيه، يعني ربيع الأول، خرج الفِرَنج في تسع مئة قنطارية، وخمس مئة تركبلي، ونحو ثلاثة آلاف راجل؛ فأُخذ الجميع قَتلاً وأسرًا، ولم يفلت منهم سوی واحدٍ . قلتُ: انتدب لقتالهم الغاجرية التُّركُمان، فأخْلَوا لهم بيوتهم وهربوا، وكَمَنوا لهم، ثم نزلوا عليهم وبَيَّتوهم، وأراح الله منهم. وكان خروجهم من عَكَّا وصَيدا. وفي جمادى الأولى عُقد العَزَاء بجامع دمشق للملك الناصر؛ جاء الخبر بأنه ضُربت رقبتُه مع جماعةٍ لمَّا بلغهم أن المصريين كَسَروهم على عين جالوت . وفيه ورد دمشق أولاد صاحب الموصل، وهما صاحب الجزيرة يومئذٍ وصاحب الموصل بعيالهم وأموالهم، ومعه طائفةٌ من أهل البلاد، فمَضَوا إلى مصر. ثم رجعوا في أواخر السنة مع السُّلطان، ومَضَوا إلى بلادهم. وفي رجب أُقيم في الخلافة بمصر المستنصر بالله أحمد، ثم قدم دمشقَ هو والسُّلطان، فعُملت لقدومهما القِبَاب، واحتفل الناس لزينتها. وعُدم في الشرق في آخر العام كما في ترجمته . وفي ذي الحجة عُزل عن قضاء الشام نجم الدين ابن سَنيِّ الدولة، ووَليَ شمس الدين ابن خَلَّكان الذي كان نائبَ الحُكم بالقاهرة، ثم وُكِّل بالمَعْزول وأُلزِمِ السَّفَر إلى مصر. قال أبو شامة(٣): كان جائرًا، فاجرًا، ظالمًا، وشاعٍ عنه أنه أُودع كيسًا فيه ألف دينار، فردَّ بدله كيسًا فيه فلوس. وفُوِّضَ إلى ابن خَلِّكان (١) الكلام لا يزال لأبي شامة، وهو في ذيل الروضتين ٢١٢ . (٢) ذيل الروضتين ٢١٢ . (٣) ذيل الروضتين ٢١٤ . ٦٩٥ نَظَر الأوقاف وتدريس سبع مدارس كانت بيد المَعْزول: العادلية، والعَذْراوية، والناصرية، والفَلَكية، والرُّكنية، والإقبالية، والبَهْنَسية. وفي نصف ذي الحجة رجع السُّلطان إلى مصر. وفيها أقام الأمير شمس الدين آقوش البرلي المُسَمَّى برلو بحلب خليفةً، ولَقَّبه بالحاكم بأمر الله، وخطب له، ونقش اسمه على الدَّراهم، فلمَّا قدم السُّلطان الشامَ تزلزل أمْرُه، وطلب العراق، ثم اجتمع بالإمام المُستنصر بالله، ودخل في طاعة المُستنصر. وفي آخرها وقع المَصَافُّ بين المُستنصر وبين التََّار بالعراق، فعُدم المُستنصر، وقُتل عددٌ من أصحابه وهَرَبَ الحاكم في جماعةٍ وسَلِمَ. وممن عُدم فيها كمال الدين ابن السِّنْجاري، ويحيى ابن العُمري، وعبدالملك ابن عساكر. وقد ذكرنا الوقعة في ترجمة المُستنصر . واستعمل السُّلطان على حلب الأمير عَلَم الدين سَنْجَر الحلبي، وبعث معه عسكرًا لمُحاربة برلو، وكان قد غلب على حلب. فلمَّا قَرُب الحلبي قصد البرلي الرَّقة، ودخل الحلبي حلب، وجَهَّز عسكرًا وراء البرلي، فأدركوه بالبَرِّية فقال: أنا مملوك السُّلطان. وخدعهم، ثم وصل إلى حَرَّان، ثم أتى البِيرة فتسلَّمها، وقَوِيَ أمْرُه، وقصد حلب، فقفّز إليه جماعة من عسكر حلب، فخاف الحلبي وهرب، فدخل البرلي حلب. فلمَّا بلغ السُّلطان خرج من مصر بالجيش، ثم جَهَّز علاء الدين أيدكين البُنْدُقدار نائبًا على حلب ومُحاربًا للبرلي، فسار من دمشق في نصف ذي القَعدة، فخرج البرلي عن حلب، وقصد قَلْعة القرادي وحاصرها، وأخذها من التََّار ونهبها . وفيها كاتَبَ الملك المُغيث صاحب الكَرَك الملك الظاهر يستعطفه فرَضيَ عنه . وفي شوال وَلَيَ قضاء مصر برهان الدين السِّنجاري، وعُزل تاج الدين ابن بنت الأعزّ . وفي شوال تزوَّج بيليك الخَزندار الظاهري ببنت صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، فأعطاه السُّلطان الصُّبَيبة، وبانياس. ٦٩٦ وقدم على السلطان وهو بدمشق الملك الأشرف صاحب حمص، فخَلَعَ عليه وأعطاه ثمانين ألف درهم، وزاده تلَّ باشِر. وفي ذي الحجة سار الرَّشيدي في عسكرٍ إلى أرض أنطاكِيَة فأغار عليها . قال قُطب الدين(١): وفي رمضان وقع الصُّلْح بين التَّار وبين الملك المظفَّر ابن السَّعيد صاحب ماردين، فتوجه إليهم ومعه هدية سَنِيّة من جُملتها باطية مُجَوهرة قيمتها أربعة وثمانون ألف دينار، فأكرموه، ثم قتلوا أصحابه، وكانوا سبعين نفسًا بلا ذَئْب ولا جُرم، بل أرادوا قصَّ جناحه. وفي رمضان وقع المَصَافُّ بين الأخوين رُكن الدين صاحب الرُّومِ، وأخيه عزّ الدين بقُرب قُونية، فانتصر رُكن الدين لأنه كان معه نَجدة من التَّتَر، وقُتل من عسكر عزّ الدين خَلْقٌ، وأُسر جماعة فشنقوا. وأقام عزّ الدين بأنطاكِيَة . سنة ستين وست مئة في أولها دخل البرلي إلى حلب مرةً أخرى، فخرج البُنْدُقدار عنها، وأظهر البرلي طاعةَ السُّلطان. وكان شُجاعًا مذكورًا لا يُصْطَلَى بناره. وقال ابن خَلِّكان رحمه الله(٢): في أثنائها توجه عسكر الشام إلى أنطاكِيَة، فأقاموا قليلاً عليها، ثم رجعوا، فأخبرني بعضهم بغريبةٍ، وهي أنهم نزلوا على جَرُود وهي بين دمشق وحِمص فاصطادوا حُمُرَ وَحش كثيرةً، فذبح رجلٌ حمارًا وطبخ لَحمه، فَبَقِيَ يومًا يُوقد لا ينضُجُ لَحمُه ولا يتغيَّر ولا قارَبَ التُّضج، فقام جُنديٌّ فأخذ الرأس فوجد على أُذنه وَسمًا، فقرأه، فإذا هو بهرام جُور. فلما أتوا أحضروا تلك الأُذُن إليَّ، فوجدتُ الوَسم ظاهرًا وقد رَقَّ شَعر الأُذُن، وموضع الوَسم أسود، وهو بالقلم الكوفي. وبهرام جُور من ملوك الفُرس كان إذا كثُرَ عليه الوَحش وَسَمهُ وأطلقه. وحُمُر الوَحش من الحيوانات (١) ذيل مرآة الزمان ١ / ٤٥٧ - ٤٥٨. (٢) وفيات الأعيان ٣٥٤/٦. ٦٩٧ المُعمَّرة، وهذا لَعَله عاش ثمان مئة سنة أو أكثر. انتهى قوله. وفي ربيع الآخر قدم القاهرة الحاكم بأمر الله ومعه ولدُه وجماعةٌ، فأكرمه الملك الظاهر وأنزله بالبُرج الكبير، وهو أحمد بن أبي علي القُبِّي(١) ابن علي ابن أبي بكر ابن أمير المؤمنين المُسترشد بالله ابن المُستظهر. وفيها عُزل النَّجيبي عن الأستاذ دارية ووَلِيها عزّ الدين أيدمر الظاهري الهاشمي العباسي، اختفى وقتَ أخذٍ بغداد ونجا، ثم خرج منها وفي صُحبته زين الدين صالح بن محمد ابن البنَّاء الحاكمي، وأخوه محمد، ونجم الدين ابن المشَّاء، فقصد حُسين بن فلاح أمير بني خفاجة، فأقام عنده مدةً، ثم توصَّل مع العرب إلى دمشق، وأقام عند الأمير عيسى بن مُهَنَّا والد مُهَنَا مدةً، فطالَعَ به السُّلطان الملك الناصر، فأرسل يطلبه، فبَغَته مجيء التَّتار. فلما مَلَكَ الملك المظفَّر دمشق سيَّرَ أمير قليج البغدادي إلى ناحية العراق وأمره بتطلُّب الحاكم، فاجتمع به وبايعه على الخلافة، وتوجه في خدمته الأمير عيسى والأمير علي بن صَقر ابن مخلول وعُمر بن مخلول، وسائر آل فَضْل، سوى أولاد حُذَيفة. فافتتح الحاكم بالعرب عائَةً، والحديثة، وهِيت، والأنبار، وضرب مع القراوول رأسًا بقرب بغداد في أواخر سنة ثمانٍ وخمسين، فانتصر عليهم، وقُتل من التَّار خَلْقٌ، ولم يُقتل من أصحابه غير ستة، فيُقال والله أعلم: قُتل من التَّار نحو ألفٍ وخمس مئة فارس، منهم ثمانية أُمراء. فجاء جيش للتَّار عليهم قرابُغا، فردَّ المسلمون على حَمِيَّة، فَتَبِعهم قرابُغا إلى هِيت وردَّ. وأقام الحاكم عند ابن مُّهَنا، فكاتَبَه علاءُ الدين طَيبرس نائب دمشق يومئذٍ للملك الظاهر يستدعيه، فقدم دمشقَ في صفر، فبعثه إلى السُّلطان، في خِدمته الثَّلاثة الذين خرجوا معه من بغداد. وكان المُستنصر بالله قد تقدَّمه بثلاثة أيام إلى القاهرة، فما رأى أن يدخل على إثره خوفًا من أن يُمسك، فهرب راجلاً وصُحبته الزَّين صالح البَنَّاء، وقَصَدا دمشق، ودَلَّهما بَدَويٌّ من عرب غَزية، فاختفيا بالعُقَيبة، وحَصَّلا ما يركبان، وقَصَدا سَلَمْيَّة(٢)، وصَحِبهما جماعةٌ أتراك، فوجدوا أهل سَلميَّة (١) جود المصنف تقييده بخطه . (٢) جود المصنف تشديد الياء بخطه . ٦٩٨ مُتحصِّنين خوفًا من الأمير آقُش البرلي، فوقع بينهم مُناوشة من حَرب، ونجا الحاكم وصاحبه، وقصد البرلي فقبَّلَ البرلي يده، وبايعه هو وكل من بحلب، وتوجَّهوا إلى حَرَّان، فبايعه الشيخ شهاب الدين عبدالحليم ابن تيمية والد شيخنا وأهل حَرَّان. وجَمَعَ البرلي للحاكم جَمعًا كثيرًا نحو الألف فارس من الثُّركمان، وقصدوا عائَةً، فوافاهم الخليفةُ المُستنصرُ، فأعمل الحيلة، وأفسد التُّركمان على الحاكم، ودخل الحاكم في طاعته وانقاد له، ووقع الاتِّفاق. فلما عُدم المُستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرَّحبة، وجاء إلى عيسى بن مُهَنَّا، فكاتَبَ الملك الظاهر فيه، فطلبه، فقدم إلى القاهرة، فبايعوه وامتدَّت أيامه، وكانت خلافته نيِّفًا وأربعين سنة . قال أبو شامة(١): وفيها جاء الخبر بالتقاء التّتر الذين بالموصل بعسكر البرلي، وجرت بينهم وَقعةٌ قُتل فيها مَقتلةٌ عظيمةٌ، وقُتل عَلمُ الدين سَنْجر المعروف بجَكَم الأشرفي، وابنه، وبكتوت الحَرَّاني. قال(٢): وفيها وَلَيَ ولاية دمشق ونظر الجامع والمساجد الأمير الافتخار الحَرَّاني، وكان شيخًا كبيرًا خَيِّرًا، ألزم أهل الأسواق بالصلاة وعاقب عليها، ومنع جماعة من الأئمة الاستنابة، ورجع على بعضهم بما تناوله منهم التاج الشُّحرور، والجمال المُوقاني، والشمس ابن غانم، والشمس ابن عبدالسلام. ونقَّص كثيرًا من جامكياتهم المُقرَّرة. وأما أولاد صاحب الموصل فلما فارقوا المُستنصر في العام الماضي أقاموا بسِنجار، وكتب كبيرهم الملك الصالح إلى الموصل يستشير أهلها، فأشاروا عليه بالمَجيء، فقدم عليهم في العشرين من ذي الحجة ومعه ثلاث مئة فارس، وكان في الموصل أربع مئة فارس، فدخلها، وترك إخوته بسنجار. فلما بلغهم قَتل المُستنصر ونزول التَّار على الموصل لحصار أخيهم رجعوا، فأعطاهم الملك الظاهر أخبارًا، وأعطى الملك المُجاهد إسحاق مبلغًا من المال لخاصِّه، ولعلاء الدين مبلغًا لخاصِّه. (١) ذيل الروضتين ٢١٨. (٢) ذيل الروضتين ٢١٨ . ٦٩٩ وأما التَّار فنازلوا الموصل ومعهم صاحب ماردين، ونصبوا عليها المجانيق وضايقوها، ولم يكن بها سلاحٌ ولا قُوتٌ كثيرٌ، فَغَلا السِّعر، واستنجد الملك الصالح بالبرلي، فَنَجَده من حلب، فسار إلى سِنجار، فعزمت التََّار على الهَرَب، فوصل إليهم الكَلب الزَّين الحافظي وأخبرهم بأن البرلي في طائفةٍ قليلةٍ، وشَجَّعهم، فسارت إليه التّتار وهم في عشرة آلاف، والبرلي في ألفٍ من الثُّرْكمان والعرب، فتوقَّفَ في لقائهم، ثم برز إليهم في رابع عشر جُمادى الآخرة، فكسروه وقُتل جماعةٌ من وجوه أصحابه، وانهزم جريحًا، وأُسر طائفةٌ من أصحابه بعد أنْ أبْلَوا بلاءً حسنًا. ووصل البرلي إلى البِيرة، ففارقه أكثر من معه، وقصدوا الدِّيار المصرية. وجاءت رُسُلٌ من هولاكو إلى البرلي يطلبه إليه، فلم يُجبه إلى ذلك، وكاتَبَ الملك الظاهر فأمَّنه، فسار إلى مصر، فأعطاه السُّلطان إمرية سبعين فارسًا، وخَلَعَ عليه . وأما التَّار فأخذوا الأسرى فأدخلوهم من التُّقوب إلى الموصل ليُعَرِّفوهم بكَسرة البرلي. واستمرَّ الحصار إلى شعبان من سنة ستين، ثم طلبوا ولد الملك الصالح، فأخرجه إليهم، ثم خَلَّوه أيامًا، وكاتبوه بأن يسلّم الموصل وهدَّدوه، فجمع الأكابر وشاوَرَهم، فأشاروا عليه بالخروج فقال: تُقْتُلُون لا محالة. فصَمَّموا على الخروج، فخرج إليهم يوم نصف شعبان وقد وَدَّعَ الناس، ولبس البياض، فلما وصل إليهم رسموا عليه. وكان الحصار قد طال جدًا، وعلى سور البلد ثلاثون منجنيقًا ترمي العَدُوَّ وعلى المغول سنداغو، وقد خندقوا على نفوسهم، وبالغوا في الحصار، حتى كَلَّ الفريقان. ثم سُلِّمت الموصل، ونُودي في الموصل بالأمان فاطمأنَّ الناس، فشرع التَّار في خَرَاب السُّور. فلما طمَّنوا الناس دخلوا البلد وبذلوا السيف تسعة أيام إلى أوائل رمضان. ووَسَّطوا علاءَ الملك ولد الملك الصالح، وعلَّقوه على باب الجَسر، ثم رحلوا في آخر شوال بالصالح فقتلوه في الطريق رحمه الله . وأما علاء الدين والملك المُجاهد فاستقلُّوا أُمراء بمصر. وأما ابن صاحب الرُّوم عزّ الدين فإنه اختلَّ أمره وضايقته التََّر، فقصد الأشكري وسأله العَون فقال: إن تنصَّرْتَ أعنْتُك. فَهَمَّ أن يفعل لينال غرضه من ٧٠٠