النص المفهرس

صفحات 661-680

وصاحبُ صِهْيَون وبُرزبة مظفَّر الدين عثمان بن منكورس، وصاحب حماة
الملك المنصور، وصاحب تلِّ باشر والرَّحْبة وتَدمُر وزلوبيا الأشرف موسى ابن
الملك المُجاهد إبراهيم ابن صاحب حمص، وصاحب مكة قَتَادة الحَسَني،
وصاحب ماردين الملك السَّعيد إيل غازي الأُرتُقيُّ، وصاحب اليمن الملك
المظفَّر يوسف بن عُمر، وصاحب الرُّومُ رُكن الدين وأخوه عز الدين، وصاحب
خُراسان وما وراء النهر والخَطا القاءان ملك التَّار.
ظهور النَّار بالمدينة
قال أبو شامة(١): جاء إلى دمشق كُتُبٌّ من المدينة بخروج نارٍ عندهم في
خامس جُمادى الآخرة، وكُتبت الكُتُب في خامس رجب، والنار بحالها بعدُ.
ووصلت إلينا الكُتُب في شعبان. فأخبرني من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه
بلغه أنه كُتب بتَيْماء على ضوئها الكُتُب. قال: وكنا في بيوتنا بالمدينة تلك
الليالي، وكأنَّ في دار كل واحدٍ سِراجًا. ولم يكن لها حَرٍّ ولا لَفحٌ على
عِظَمها، إنما كانت آيةً .
قال أبو شامة(٢): وهذه صورة ما وقفتُ عليه من الكُتُب: لما كانت ليلة
الأربعاء ثالث جُمادى الآخرة ظهر بالمدينة دَويٌّ عظيمٌ ثم زلْزلةٌ عظيمةٌ فكانت
ساعةً بعد ساعة إلى خامس الشهر، فظهرت نارٌ عظيمة في الحَرَّة قريبًا من
قُرَيظة نبصرها من دُورنا من داخل المدينة كأنها عندنا. وسالت أوديةٌ منها إلى
وادي شظا مسيل الماء، وقد سدَّت مسيل شظا وما عاد يسيل. والله لقد طلعنا
جماعةً نُبصرُها فإذا الجبال تسيل نيرانًا، وقد سَدت الحَرَّة طريق الحاج
العراقي، فسارت إلى أنْ وصلت إلى الحَرَّة، فوقفت ورجعت تسير في الشرق
يخرج من وسطها مُهود وجبال نار تأكل الحجارة، فيها أُنموذج ما أخبر الله:
﴿ إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَدٍ كَالْقَصْرِ كَنَّهُ جِمَلَتُ صُفْرُجَ﴾ [المرسلات] وقد أكلت
الأرض. ولها الآن شهر وهي في زيادة، وقد عادت إلى الحِرَار في قُريظة طريق
الحاج إلى بُحيرة العراقي كلها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها
(١) ذيل الروضتين ١٩٠.
(٢) نفسه .
٦٦١

مشاعل، وأما أُم النيران الكبيرة فهي جبال نيران حُمر، وما أقدر أصف هذه
النار .
ومن كتاب آخر (١): ظهر في شرقي المدينة نارٌ عظيمة بينها وبين المدينة
نصف يوم انفجرت من الأرض، وسال منها وادٍ من نار حتى حاذت جبل أُحُد،
ثم وقفت. ولا ندري ماذا نفعل. ووقت ظهورها دخل أهلُ المدينة إلى نبيهم
ۇ مستغفرین تائبین إلى ربهم.
وفي كتابٍ آخر (٢): في أول جمادى الآخرة ظهر بالمدينة صوت كالزَّعد
البعيد، فبَقِيَ يومين، وفي ثالث الشهر تعقبه زلازل فتقيم ثلاثة أيام، يقع في
اليوم والليلة أربع عشرة زلزلة. فلما كان يوم خامسه انبجست الأرض من الحَرَّة
بنارٍ عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله بَّه، وهي برأي العين من
المدينة تُشاهد، وهي ترمي بشَرَرٍ كالقصر. وهي بموضع يقال له أُحلين(٣) وقد
سال من هذه النار واد يكون مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعُمقه
قامةً ونصفًا، وهو يجري على وجه الأرض وتخرج منه أمهاد وجبال صغار،
ويسير على وجه الأرض، وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك فإذا خمدَ
صار أسود، وقبل الخمود لونه أحمر. وقد حصل إقلاعٌ عن المعاصي وتقرُّبٌ
بالطاعات. وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة.
ومن كتاب قاضي المدينة سِنان الحُسيني يقول في التاريخ(٤): ((لقد والله
زلزلت مرة ونحن حول الحُجرة النبوية، فاضطرب بها المِنبر والقناديل. ثم
طلع في رأس أُحلين (٥) نارٌ عظيمة مثل المدينة العظيمة، وما بانت لنا إلا ليلة
السبت وأشفقنا منها. وطلعتُ إلى الأمير وكلَّمتُهُ وقلتُ: قد أحاط بنا العذاب،
ارجع إلى الله. فأعتقَ كل مماليكه ورد على جماعةٍ أموالهم. فلما فعل ذلك
قلت: اهبط معنا إلى النبي بَّهَ. فهبط وبتنا ليلة السبت، الناسُ جميعُهم
(١) ذيل الروضتين ١٩٠ - ١٩١ .
(٢) نفسه ١٩١ .
(٣) في المطبوع من ذيل الروضتين: ((أجلين)) مصحف، وما هنا جَوَّده المصنف بخطه ووضع
حاء مهملة تحت الحاء علامة الإهمال ثم كتب في الحاشية: ((أُحَيْليين)) أي يقال فيها
کذلك أيضًا.
(٤). نفسه ١٩١ - ١٩٢ .
(٥) كتب المصنف في الهامش: ((أحيليين)) مثلما تقدم.
٦٦٢

والنسوانُ وأولادهم، وما بقي أحدٌ لا في النَّخلِ ولا في المدينة إلا عند النبي
وَلجر، وأشفقنا منها، وظهر ضؤوها إلى أن أُبصرت من مكة، ومن الفَلاة
جميعها. ثم سال منها نهرٌ من نارٍ، وأخذ في وادي أحلين وسد الطريق، ثم
طلع إلى بحرة الحاج، وهو بحرُ نارٍ يجري وفوقه حَرَّة تسير إلى أن قطعت
وادي الشَّظاة، وما عاد يجيء في الوادي سَيلٌ قط لأنها حَرة، تجيء قامتين
وثُلُثْ عُلُوُّها. والله يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدرة، والمدينة قد تاب أهلُها ولا
بقي يُسمع فيها رَبَابٌ ولا دُف ولا شُرب. وتمت تسير إلى أن سَدَّت بعض
طريق الحاج، وكان في الوادي إلينا منها قَتِير(١)، وخفنا أن تجيئنا، واجتمع
الناس وباتوا عند النبي ◌َّ ليلة الجُمُعة وقد طُفىء قَتِيرُها الذي يلينا بقُدرة الله،
وإلى الساعة ما نَقَصت بل ترمي مثل الجمال حجارةً من نار، ولها دَوي، ما
تدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب، وما أقدر أصف لك عِظَمها ولا ما فيها من
الأهوال. وأبصرها أهلُ يَنْبُعِ، ونَدَبُوا قاضيهم ابن أسعد، وجاء وغدا إليها،
وما أصبح يقدر يصِفُها من عِظَمها. وكتب يوم خامس رجب، والشمس والقمر
من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسِفَين .
ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني يقول(٢): جرى عندنا أمرٌ عظيم.
إلى أن قال في النار: ظهر دخان عظيمٌ في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب
الأبيض إلى آخر النهار ظهر للنار ألسنٌ تَصَّعَّد في الهواء حمراء كأنها العَلَقة،
وعَظُمت ففزع الناس إلى المسجد، وابتهلوا إلى الله، وغطَّت حُمرةُ النار
السماءَ كلها حتى بقي الناس في مثل ضوء القمر، وأيقنا بالعذاب. وصعد
القاضي والفقيه إلى الأمير يعِظُونه فطرح المُكس، وأعتق رقيقَهُ كلَّهم، ورد
علينا كلَّ ما لنا تحت يده، وعلى غيرنا. وبقيت كذلك أيامًا، ثم سالت في
وادي أُحلين تتحدر مع الوادي إلى الشَّظاة، حتى لحق سَيَلانُها ببَحرة الحاج،
والحجارةُ معها تتحرَّك وتسير حتى كادت تقارب حَرَّة العراض(٣). ثم سَكَنْت
ووقفت أيامًا، ثم عاد يخرج منها ترمي بحجارةٍ من خلفها وأمامها حتى بَنَت
جبلين خلفها وأمامها، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين، لسانٌ لها أيامًا.
(١) القتير: دخان فيه نار.
(٢) ذيل الروضتين ١٩٢ - ١٩٣.
(٣) لعله هو: عُريض، واد بالمدينة، ذكره ياقوت في معجم البلدان.
٦٦٣

ثم إنها عَظُمت الآن وشباها (١) إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون. ولها كل
يوم صوتٌ عظيمٌ من آخر الليل إلى ضَحوة، والشمس والقمر كأنهما منكسفان
إلى الآن. وکتب هذا ولها شهر.
قلتُ: أمر هذه النار متواتر، وهي مما أخبر به المصطفى صلوات الله
عليه وسلامه حيث يقول: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تَخْرُجَ نارٌ من أرض الحِجَاز
تُضيءُ لها أعناق الإبل بِيُصرى))(٢). وقد حكى غيرُ واحدٍ ممن كان يُبُصرى في
الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها.
قال أبو شامة(٣): وفي ليلة السادس عشر، كذا قال، من جمادى الآخرة
خُسف القمر أول الليل، وكُسفت الشمس في غَدِهِ، كذا قال، وقال: احمرّت
وقت طلوعها وغروبها. وبقيت كذلك أيامًا متغيرة ضعيفة النور، واتضح بذلك
ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد.
قلت: هذا الكلام فيه بعض ما فيه، وقوله: ((كُسفت الشمس في الغد))
دَعْوى ما عَلمتُ أحدًا وافقه عليها ولا ورَّخها غيره. ثم بين مُسْتنده باحمرار
الشمس وضَعف نورها، وهذا لا يُسمَّى كسوفًا أبداً. ولقد كنتُ في رحلتي إلى
الإسكندرية وأنا في المركب أنظر إلى الشمس قبل غُروبها بساعة، وهي كأنها
نحاسةٌ حَمراء ما لها من النور شيء أصلاً إلى أنْ تتوارى، وذلك لكثافة
الأبْخِرة الأرضية. ومثل هذا إذا وقع لا تُصلَّى له صلاةُ الكسوف. والنبي ◌ِّ لم
نسمعه سَمَّى ذلك كسوفًا في وصف ليلة القدر بالآية التي ميّزها بها فقال: ((إن
الشمس تَطْلُعُ من صبيحتها ولا شُعَاعَ لها))(٤). وأما كسوف الشمس والقمر
فشيءٌ ظاهر يبدو قليلاً قليلاً في القُرص إلى أن يذهب نورُهما ولونُهما، وتظهر
الكواكب بالنهار. وقد يكون كسوفًا ناقصًا فيبقى شَطرٌ من الشمس كاسفًا،
وشَطرٌ نَيِّرًا .
وأما حساب أهل الهيئة لذلك فشيء ما علِمتُهُ يخرِم أبدًا، وهو عندهم
(١) أي: ضوؤها.
(٢) حديث صحيح متفق عليه من حديث أبي هريرة (البخاري ٩/ ٧٣، ومسلم ١٨٠/٨).
(٣) ذيل الروضتين ١٨٩ - ١٩٠ .
(٤) حديث صحيح من حديث أبي بن كعب. أخرجه مسلم ١٧٣/٢ و١٧٤ و١٧٨، وغيره.
وينظر تمام تخريجه في تعليقنا على جامع الترمذي (٧٩٣).
٦٦٤

حساب قَطعي، ومن نَظَرَ في مُستَنَدهم جَزَمَ به، بخلاف قولهم في تأثير
الكسوف في الأرض من موتِ عظيمٍ، أو حادثٍ كبيرٍ، فإن هذا من الإفك
والزُّور والهَذَيان الذي لا يحلُّ لمسلم أن يعتقده. وذلك التأثير عند المنجمين
ظٍّ وحَدْسٌ؛ والظَّنُّ أكذب الحديث. وهذا رسول الله بَّه يقول: ((إن الشمس
والقمر لا يُكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنهما آيتان يخوفُ اللهُ بهما
عباده))(١).
غرق بغداد
زادت دجلةُ زيادةً مهولةً إلى الغاية لم يُعهد مثلها إلا من زمان، فغرق
خَلْقٌ كثيرٌ من أهل بغداد. ومات خَلْقٌ تحتِ الهَدْم. وركبَ الناسُ في المراكب
واستغاثوا بالله تعالى وعاينوا الثَّلَف؛ فنقل أبو شامة، قال(٢): جاء كتاب من
المدينة النبوية من بعض بني الفاشاني يقول فيه: وصل إلينا من العراق نَجَّابةٌ
في جمادى الآخرة، وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غَرَقٌ عظيم حتى دخل الماءُ
من أسوار بغداد، وغرق كثيرٌ من البلد، وانهدمت دار الوزير، وثلاث مئة
وثمانون دارًا، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح،
وأشرف الناس على الهلاك، وعادت السُّفُن تدخل إلى وسط البلد وتتخرق أزقة
بغداد .
وقد وقع مثل هذا الغرق ببغداد في سنة أربع وخمسين وخمس مئة أيضًا.
وبعد ذلك غير مرة، فقد غرقت بغداد عدة مرات.
وفيها كانت فتنة الكرخ في ذي الحجة؛ قتل أهل الكرخ رجلاً من قَطُفتا
فحمله أهلُه إلى باب التُّوبي، ودخل جماعة إلى الخليفة وعظموا ذلك، ونسبوا
أهل الكَرخِ إلى كلِّ فسادٍ، فأمرَ بردعهم. فركب الجُند إليهم وتِبِعَهم الغوغاء
فُتُهب الكَرخِ وأُحرقت عدة مواضع، وسَبَوا العلويات وقُتِلَ عدة. واشتد
الخَطبُ ثم أُخمدت الفتنة بعد بلاءٍ كبير، وصُلب قاتل الأول .
ونُسب إلى مجاهد الدين الدُّويدار الصغير أنه عامَلَ على خَلْع المستعصم
وتولية ولده، فأسرع مجاهد الدين وحَلَف وسأل أن يُواقِف القائل عنه. ولبس
(١) حديث صحيح أخرجه مسلم ٢٩/٣ وغيره من حديث عائشة.
(٢) ذيل الروضتين ١٩٢ .
٦٦٥

اللأمة جُندُه واستوحش من الوزير، فهاشت العامةُ وعظُم الأمر. وقُتِلَ جماعةٌ
كثيرة وجُرح خلق. ثم كتب المستعصم أمانًا بخطه للدُّويدار فرضي.
حريق المسجد
وفي ليلة الجمعة مُسْتهل رمضان احترق مسجد الرسول ◌َّله، وكان ابتداء
حريقه من زاويته الغربية بشمال. دخل بعض القُوَّام إلى خزانةٍ ومعه مُسرجة
فعلقت في الآلات، ثم اتصلت بالسَّقف سريعًا، ثم دَبَّت في السقوف آخذةً نحو
القِبلة، وعجز الناس عن إطفائها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد
كلها، ووقعت بعض أساطينه وذاب رَصاصُها، وكل ذلك قبل أن ينام الناس.
واحترق سَقف الحُجرة النبوية، ووقع ما وقع منه في الحُجرة، وترك على حاله
لما شرعوا في عمارة سَقفها وسقف المسجد؛ نقل هذا أبو شامة(١) وغيره.
ومما قيل في ذلك:
لم يحترق حَرَمُ الرسول لحادثٍ نَخْشى عليه ولا دهاهُ العار
لكنَّما أيدي الرَّوافض لامَسَت ذاك الجناب فطهرته النار
وفيها كان خروج الطاغية هولاكو بن تولي بن جنكزخان، فسار في
المغول من الأُردو فملَكَ الألموت وقلاع الإسماعيلية التي بنواحي الري.
قال ابن الساعي: بعث هولاكو إلى مقدمة الباطنية رُكن الدين فبعثَ أخاه
في ثلاث مئة فقتلهم هولاكو وتهدد رُكن الدين، فنزل إليه بأمان، ثم قتله
وخَرَّب قلعته، ثم خرب الألموت وسائر قلاع الباطنية، ثم تَرَخَّل قاصدًا العراق
وسيَّر باجونُوين إلى الرُّوم فانهزم صاحبُها إلى بلاد الأشكري، فملكت التتار
سائر الروم، ونهبوا وقتلوا وفعلوا الأفاعيل.
وتوجه الملك الكامل محمد ابن شهاب الدين غازي صاحب مَيَّافارقين
إلى خدمة هولاكو، فأكرمه وأمنه وأعطاه فَرَمانًا ورجع إلى بلده.
وفيها فُتحت المدرسة الناصرية بدمشق عند الفراغ من بنائها، وحضر
الدرس يومئذٍ السلطان .
وفيها شرعوا في بناء الرِّباط الناصري، واحتفلوا له، وجابوا له الحَجَر
(١) ذيل الروضتين ١٩٤.
٦٦٦

الأصفر من بلد حلب.
وفيها تواترت الأخبار بوصول هولاكو بجيشه إلى أذَرْبيجان يقصدون
العراق، فوردت قُصَّاد الديوان العزيز على نجم الدين الباذَرَائي بدمشق بأن
يتقدم إلى الملك الناصر بمصالحة الملك المُعز، وأن يتَّفقا على حرب التتار،
فأجاب الناصر إلى ذلك، وردّ عسكره من غزة فدخلوا دمشق.
وفيها عُزل بدرُ الدين السِّنجاري عن قضاء ديار مصر، ووُلِّيَ تاجُ الدين
ابن بنت الأعز.
وكانت للملك الناصر داود ابن المعظّم وديعة عند الخليفة، فتوقف في
ردها واحتج بحُجج باردة. وجَرَت أمورٌ قبيحة لم يُعهد مثلها من أميرٍ فضلاً
عن أمير المؤمنين؛ وكان الناصر داود قد حج، وعاد على العراق بسببها فأنزل
بالحِلَّة وأُجري عليه راتبٌ ضعيف، فعمل قصيدةً تلطف فيها وعدَّد خِدَمه
وخِدَم آبائه فما نفع، بل سيروا إليه من حاسبه على جميع ما اتصل إليه من
النفقات والمأكول وما حملوه إليه من الهدايا في تردُّده، ثم أوصلوا إليه شيئًا
يسيرًا، وقالوا: قد وصل إليك قيمة وديعتك فهاتِ خطّك بوصوله، وأنك لم
يبق لك شيء. فكتب كارهًا. ولم يصل إليه من قيمتها العُشر. وسافر فاجتمع
عليه جماعةٌ من الأعراب وخدموه وأرادوا به التوصُّل إلى العَيث والفساد فأبى
عليهم، وأقام عندهم. فخاف من ذلك صاحب الشام الملك الناصر فأحضر
الملك الظاهر شاذي بن داود، وحلف له أنه لا يؤذي والده. فسار شاذي إلى
أبيه وعرفه، فقدم دمشق فوجد الملك الناصر قد أُوغِر صدرُهُ عليه فُزِّلَ بتُربة
والده بقاسيون، وشُرط عليه أن لا يركب فرسًا. ثم أُذن له في ركوب الخيل
بشرط أن لا يدخل البلد ولا يركب في الموكب. واستمر ذلك إلى آخر السنة.
وفيها انهدمت خانقاه الطَّاحون بظاهر دمشق، فمات تحت الهَدم شيخها
بدر الدين المراغي وآخر .
سنة خمس وخمسين وست مئة
في ربيع الأول مات الملك المُعز أيْك التُّركماني صاحبُ مصر، قَتَلته
زوجتُهُ شَجَرُ الدُّر، وسَلطنوا بعده ولده الملك المنصوري علي بن أيْبَك .
٦٦٧

وفيها تردّدت رُسُل التتار إلى بغداد، وكانت الفرامين منهم واصلة إلى
ناسٍ بعد ناس من غير تَحَاش منهم في ذلك ولا خيفة، والخليفة والناس في
غفلةٍ عما يُراد بهم ليقضيَ اللهُ أمرًا كان مفعولاً .
وفي رمضان توجه الملك العزيز ابن السلطان الملك الناصر يوسف،
وهو صبيٌّ مع الأمير الزّين الحافظي وجماعة بهدايا وتُحف إلى هولاكو.
وأما المصريون فاختلفوا وقُبض على جماعةٍ منهم وقُتل آخرون. ووَليَ
الوزارة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز.
وفيها كانت فتنةٌ هائلة ببغداد بين السُّنَّة والشيعة أدت إلى خرابٍ ونَهبٍ،
وقُتل جماعة من الفريقين، واشتد الأمر، ثم بعث الخليفة من سكَّن الفتنة.
وفي هذا الوقت ظهر بالشام طائفة الحَيْدرية، يَقُصُّون لِحاهُم ويلبسون
فراجي من اللُّباد وعليهم طراطير، وفي رقابهم حِلَقٌّ كبار من حديد. زعموا أن
الملاحدة أمسكوا شيخهم حيدر وقَصُّوا ذَقنه. وهم يصلون ويصومون،
ولكنهم قومٌ منحرفون. وكان أمر الدين ضعيفًا في أيام الناصر بدوران الخمر
والزنا وكثرة الظُّلم وعدم العدل، وظهور البِدَع، وغير ذلك.
وفيها وقعت وَحشةٌ في نفس الملك الناصر من البَحرية، وبَلَغه أنهم
عزموا على الفَتك به، فأمرهم بالانتزاح عن دمشق، ففارقوه مُغاضِبين له ونزلوا
غزّة، ثم انتموا إلى الملك المغيث صاحب الكَرَك، وخطبوا له بالقُدس،
وأخذوا حواصل غزة والقدس. ثم حصل الانتصار عليهم فانهزموا إلى البَلْقاء،
ثم طمَّعوا المغيث في أخذ مصر له، وأنفق فيهم الأموال، وساروا، فَجَرت لهم
وقعة مع المصريين فانكسروا وزُيِّنت مصر .
قال ابن واصل: انقاد المغيث للبحرية وأنزل إليهم بعض عسكره مع
أتابكه الطَّواشي بدر الدين الصَّوابي الذي مَلَّكه الكَرَك عند قتله الملك المعظم
ابن الصالح، وكان الصالح لما تملَّكها في آخر أيامه استنابَ بها الصَّوابي،
وسيَّر إليها خزانةً عظيمة من المال، فضيَّعَهُ المغيثُ على البحرية طمعًا في
الديار المصرية. ثم سار جيش المغيث إلى مصر فبرز لحربهم جُندها
فكثروهم، وجُرح سيف الدين الرشيدي وأُسر، فانهزم الصَّوابي ورُكن الدين
٦٦٨

البُندُقداري وطائفة، ودخل جماعةٌ منهم القاهرة مستأمنين، وكان قد جاء قبلهم
عز الدين الأفرم فأُكرم.
وفيها قدم الشيخ نجم الدين الباذرائي بالخِلْعة الخليفتية للملك الناصر
بالسَّلطنة فركب بها، وكان يومًا مشهودًا. فلما رجع توجه معه إلى العراق
الناصر داود في جماعةٍ من أولاده، وكان قد أباعه الناصر داره المعروفة بدار
سامة فصيَّرها مدرسةً؛ فلما وصلوا إلى قرقيسيا أشار الباذرائي عليه بالإقامة
حتى يستأذن له. فأقام ولم يجئه إذْنٌ، فردَّ إلى الشام، وتوجه في البرية إلى أن
وصل إلى تيه بني إسرائيل واجتمع إليه العُربان.
وفيها أغارت التتار على بلاد المَوْصل وفتكوا.
وفيها بَطَّل سعد الدين خضر بن حَقُّوية وترك الجُندية وزالت سعادته
والتجأ إلى التصوُّف؛ قال في ((تاريخه)): ولما عاندني الدَّهر في أموري، وباعَدَ
سُروري، وكدَّر مشاربي، وعسَر مآربي، وانقطعت الأرزاق، وانحل كيس
الإنفاق، خرجتُ من مصر، فلما حَلَلْتُ بدمشق مسقط رأسي، فوجدتُها وقد
صوَّح واديها، وخلا من الأنيس ناديها، وارتفعت منها البركات، وأحيط بها
الظُلم والظُّلُمات، والأسواق كاسدة، والرَّعايا فاسدة. عدم الحياء، وظهرت
الجنايات وسَفُل المعروف، وعَلَت المُنكرات، وأُحدث من الرسوم ما لم
يُعهد، وحُمِّلوا أثقالاً مع أثقالهم. إن استغاثوا بالملك أجابهم بالضَّرْب والرد،
وإن استنجدوا بالوزير عاملهم بالإعراض والصد، وإن سألوا الحاجب طلب
الرِّشا بلا حمد.
إلى أن قال: لا يحضر لهم أحدٌ على مائدة، ولا يرجع من عندهم
بفائدة. قومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم واستوسقوا من رتاج الباب والدار، يكذبون
ويحلفون، ويعدون ويخلفون، وعلى حريم أصحابهم بالفاحشة يُخْلفون. قد
قنع كلٌّ منهم بلؤمه، ولفَّ ذنبه على خيشومه. قيل لوزيرهم: إنا نُطيل
الجلوس، فلو جعلتَ علامةً لقيامنا. قال: إذا قلت يا غلام هاتِ الغداء
فانصرفوا. وقال صاحب ديوانهم لغلامه: هات غدائي وأغلقِ الباب. فقال: بل
أُغلق الباب وأجيء بالطعام. قال: أنت أحذق مني، فأنت حُرٍّ لوجه الله(١).
(١) كتب المصنف بخطه في الحاشية معلقًا: ((كان ينبغي أن يقول: فأنت حر لوجه الله بعد =
٦٦٩

وحضر شاعرٌ مائدةَ أكبر أُمرائهم فرمى لُقمةً للهر، فقال الأمير: لا تُطْعمها فإنها
هرَّة جيراننا .
ومن غرائب الظُّلم أن رجلاً جاء بحِمل عَسَلٍ، فأُخذ للخوشخاناه،
فطولب بمَكْس العسل، فقال: خذوا من تحت أيديكم. قالوا: ما نعرف ما
تقول. فذهب بالبغل يبيعه، فأخذه أمير الإصطبل، وطولب بحقه في السوق
فقال: ادفعوا لي ثمنه وخُذوا حقَّكم. قالوا: ما نعلم ما تقول، وحبسوه على
مَكسه، فكتب إلى أهله. نفّذوا لي دراهم حتى أستفك روحي، فقد راحِ العَسَل
والبَغل، وأنا محبوس على الحق. ومما يناسب هذه الحكاية أن امرأةً ذهب
منها حُليٍّ بخمسة آلاف فوجده منادي بسوق الرَّحبة فردّه عليها، فوهبته خمس
مئة درهم فتمنَّع وقال: إنما رَدَدْتُه للهِ، فألزمته فأخذ الدراهم، فسمع به الوالي
فأحضره وأخذ منه الدراهم وضربه وقال: ليش ما جبت الحُلي إلى عندنا؟ ثم
ذكر عُلاكًا (١) طويلاً في هذا النَّحو.
وفي سنة خمس سار هولاكو من هَمَذان قاصدًا بغداد، فأشار ابن
العَلْقَمي الوزير على الخليفة ببذل الأموال والتُّحف النفيسة إليه، فثناه عن ذلك
الدُّويدار وغيره، وقالوا: غرَضُ الوزير إصلاح حاله مع هولاكو. فأصغى إليهم
وبعث هديةً قليلةً مع عبدالله ابن الجوزي، فتنمَّر هولاكو وبعث يطلب الدُّويدار
وابن الدُّويدار وسُليمان شاه فما راحوا. وأقبلت المُغُل كالليل المُظلم، وكان
الخليفة قد أهمل حال الجُند وتَعَثَّروا وافتقروا، وقُطعت أخبارهم، ونُظم الشِّعر
في ذلك.
سنة ست وخمسين وست مئة
دَخَلَت والملك الناصر والبحرية والملك المغيث متفقون على قَصد
الديار المصرية وطمعوا فيها لأن سلطانها صبي، فنزل الملكُ المغيث على غزة
فخرجَ الأمير سيف الدين قُطُز بعسكر مصر، ونزل بالعباسة لقتال الشاميين. ثم
=
موتك)» .
(١) هكذا مجودة بخط المؤلف، وهو من العلك الذي يمضغ، فلعله يريد كلامًا مكررًا معادًا
مثل هذا.
٦٧٠

سار المغيث بالعساكر الشامية، فضرب مع المصريين رأسًا بالرمل، فانكسر
وأُسرَ طائفةٌ من أمرائه، وهم أيْبَك الرُّومِي، وأيْبَك الحَمَوي، وركن الدين
الصَّيرفي، وابن أطلس خان الخُوَارزمي، فُضربت أعناقُهم صبرًا بين يدي قُطُز،
ودخلوا بالرؤوس إلى القاهرة، وهرب المغيث وأتابكه الصَّوابي والبُنْدُقداري
في أسوأ حالٍ وأنحسه إلى الكَرَك.
كائنة بغداد
كان هولاكو قد قصد الألمُوت، وهو مَعْقل الباطنية الأعظم وبها المقدَّم
علاء الدين محمد ابن جلال الدين حسن المنتسب إلى نزار ابن المستنصر ابن
الظَّاهر ابن الحاكم العُبَيدي الباطني، فتُوفي علاءُ الدين وقامَ بعده ابنُه شمسُ
الشُّموس، فنزلَ إلى هولاكو بإشارة النَّصير الطُّوسي عليه، وكان النصير عنده
وعند أبيه من قبله، فقتل هولاكو شمس الشموس وأخذَ بلادهُ وأخذ الروم،
وأبقى بها رُكن الدين ابن غياث الدين كيْخُسرو صورةً بلا معنى، والحُكم
والتَّصَرُّف لغيره.
وكان وزير العراق مؤيد الدين ابن العَلْقمي رافضيًا جَلدًا خبيثاً داهيةً،
والفِتَن في استعارٍ بين السُّنة والرَّافضة حتى تجالدوا بالسيوف، وقُتل جماعة من
الرافضة ونُهبوا، وشكا أهل باب البصرة إلى الأمير ركن الدين الدُّويدار والأمير
أبي بكر ابن الخليفة فتقدَّما إلى الجُند بنَهب الكَرخ، فهجموه ونهبوا وقتلوا،
وارتكبوا من الشنعة العظائم، فحنق الوزير ونَوَى الشر، وأمر أهل الكَرخ
بالصَّبر والكفِّ.
وكان المستنصر بالله قد استكثر من الجُند حتى بلغ عدد عسكره مئة ألف
فيما بَلَغَنا، وكان مع ذلك يصانع التتار ويُهاديهم ويُرضيهم. فلما استخلف
المستعصم كان خليًا من الرأي والتَّدبير، فأُشير عليه بقطع أكثر الجُند، وأن
مصانعة التتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك.
وأما ابن العَلْقمي فكاتبَ التتار وأطمعهم في البلاد، وأرسل إليهم غلامَهُ
وأخاه، وسَهَّل عليهم فتحَ العراق، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك
وتأهبوا لقصد بغداد، وكاتبوا صاحب المَوْصل لؤلؤ في تهيئة الإقامات
والسِّلاح. فأخذ يكاتب الخليفة سرًا ويهيِّء لهم الآلات والإقامات. فكان
٦٧١

الوزير هو الكل، وكان لا يوصل مكاتبات صاحب المَوْصل ولا غيره إلى
الخليفة، وإنْ وصلت سرًا إلى الخليفة أطْلَعَ عليها ابن العَلْقمي ورد الأمر
إليه .
وكان تاج الدين ابن صَلايا نائب إربل يحذّر الخليفةَ ويحرك عَزمه،
والخليفةُ لا يتحرَّك ولا يستيقظ. فلما تحقق حركة التتار نحوه سيَّر إليهم شرفَ
الدين ابن محيي الدين ابن الجوزي رسولاً يعدُهم بأموالٍ عظيمة، ثم سيَّر مئة
رجل إلى الدَّرْبَند يكونون فيه ويطالعون بالأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبرٌ
لأن الأكراد الذين كانوا هناك دلوا التتار عليهم فقتلوهم أجمعين فيما قيل.
وركب هولاكو إلى العراق، وكان على تقدمته باجو نُوين وفي جيشه
خَلق من الكُرج ومن عسكر بركة ابن عم هولاكو، ومددٌ من صاحب الموصل
مع ولده الملك الصالح رُكن الدين إسماعيل. وأقبلوا من جهة البر الغربي عن
دجلة، فخرج عسكر بغداد وعليهم رُكن الدين الدُّويدار، فالتقوا يوم تاسوعاء
على نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديون بعد أن قتلوا عددًا كثيرًا من
العدو، وأخذتهم السيوف وغرق بعضهم في الماء، وهرب الباقون .
ثم ساق بايجو نُوين(١) فنزل القُريّة مقابل دار الخلافة وبينه وبينها دجلة.
وقصد هولاكو بغداد من جهة البر الشرقي، ثم إنه ضرب سورًا على عسكره
وأحاط ببغداد. فأشار الوزير على المستعصم بالله بمصانعتهم وقال: أخرج
إليهم أنا في تقرير الصُّلح. فخرج وتوثق لنفسه من التَّتَر ورد إلى الخليفة
وقال: إن الملك قد رغب في أن يزوِّج بنته بابنك الأمير أبي بكر ويُبقيك في
منصب الخلافة كما أبقى صاحبَ الروم في سلطنته، ولا يؤثر إلا أن تكون
الطاعة له كما كان أجدادك مع السَّلاطين السُّلجوقية، وينصرف عنك بجيوشه
فيجيبه مولانا إلى هذا فإن فيه حقنَ دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعلَ
ما تريد. والرأي أن تخرج إليه. فخرج في جمع من الأعيان إلى هولاكو فأُنزل
في خيمة. ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل، ليحضروا العقد يعني.
فخرجوا من بغداد فضُربت أعناقهم، وصار كذلك يخرج طائفةً بعد طائفة
فتُضرب أعناقهم. ثم مُدَّ الجَسر وبَكَّر بايجو ومن معه فبذلوا السيف في بغداد،
(١) هكذا بخط المؤلف ويكتبها في بعض الأحيان: ((باجو نوین)) من غير ياء.
٦٧٢

واستمر القتل والسَّبي في بغداد بضعةً وثلاثين يومًا، فلم ينجُ إلا من اختفى.
فَبَلَغْنا أن هولاكو أمر بعد ذلك بعدِ القَتْلى فبلغوا ألف ألف وثمان مئة ألف
وكَسر. والأصح أنهم بلغوا ثمان مئة ألف. ثم نودي بعد ذلك بالأمان، فظهر
من كان قد تخبأ وهم قليل من كثير.
فممن هلك في وقعة بغداد: الخليفة، وابناه أحمد وأبو بكر، وابن
الجوزي وأولاده الثلاثة، والزُّكن محمد بن محمد بن سُكَينة كَهْلاً، وكبير
الشافعية شهاب الدين محمود بن أحمد الزَّنجاني، والقُدوة الشيخ علي الخباز،
والأديب نحوي النظامية جمال الدين عبدالله بن خَنْفَر، وشيخ الخليفة صدر
الدين علي بن النيار، وقريبه عبدالله بن عُبيد الله، والعدل عُبيد الله بن عسكر
البَعْقُوبي، والشَّرف محمد بن سُكَينة أخو الرُّكن، والعدل عبدالوهاب ابن
الصَّدر عبدالرحيم بن عبدالوهاب بن سُكَينة وأخوه عبدالرحمن، ويحيى بن
سعد اليزدي العدل، ووالد الرشيد بن أبي القاسم، وعبدالقاهر بن محمد ابن
الفُوطي كاتب ديوان العَرْض .
وفيها مات علي بن الأخضر، والشاعر علي الرُّصافي، وحسين بن داود
الواسطي المحدث، وعمر بن دهجان المحدث قتلاً، وأحمد بن مسعود البَعْلي
الحنبلي، والعدل عبدالله بن ياسر البَعْلي، ووالد الشيخ علي البِنْدَنيجي العدل،
ومحمد ابن الهيتي، والعدل علي بن أبي البَدْر.
وأما الوزير ابن العَلْقمي فلم يتم له ما أراد وما اعتقدَ أنَّ التتر يبذلون
السيف مُطلقًا، فإنه راح تحت السيف الرَّافضة والسُّنة وأُمم لا يُحصون، وذاق
الهوانَ والذُّل من التَّتار، ولم تطُل أيامه بعد ذلك. ثم ضربَ هولاكو عنق بايجو
نُوين لأنه بلغه عنه أنه كاتبَ الخليفةَ وهو في الجانب الغربي.
وأما الخليفة فقُتل خَنقًا، وقيل: غُمَّ في بساط، وقيل: رَفَسُوه حتى
مات. وقتل الأمير مجاهد الدين الدُّويدار، والشَّرابي، والأستاذ الدار محيي
الدين ابن الجَوزي وولداه، وسائر الأمراء والحُجاب والكبار. وقالت الشُّعراء
قصائد في مراثي بغداد وأهلها وتُمثّل بقول سِبط التعاويذي.
بادت وأهلوها معًا فبيوتُهُم ببقاء مولانا الوزير خَرَابُ
وكانت كَسرةُ عسكر الخليفة يوم عاشوراء، ونزل هولاكو بظاهر بغداد في
تاريخ الإسلام ١٤ / م٤٣
٦٧٣

الرابع عشر من المحرَّم، وبقي السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يومًا.
وبَلَغَنا أن آخر جُمعة خَطَبَ فيها الخطيب ببغداد كانت الخطبة ((الحمد لله
الذي هدم بالموت مَشِيد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار)). وكان
السيف يعمل في الجمعة الأخرى، فإنا لله وإنا إليه راجعون. اللَّهُم آجرنا في
مُصيبتنا التي لم يُصب الإسلامُ وأهلُه بمثلها .
ولتقي الدين إسماعيل بن أبي اليُسر قصيدة مشهورة في بغداد، وهي:
لسائل الدَّمع عن بغداد أخبارُ فما وقوفُك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزَّوراء لا تفدوا فما بذاك الحمى والدار دَيَّارُ
تاجُ الخلافة والرُّبع الذي شرُفَت به المعالم قد عَفَّاه إقفارُ
أضحى لعَطف البِلَى في ربعه أثر وللدُّموع على الآثار آثارُ
شبَّت عليه ووافى الرَّبعَ إعصارُ
يا نارَ قلبي من نارٍ لحَربِ وَغَّى
علا الصَّليبُ على أعلى منابرها وقام بالأمر من يحويه زنَّارُ
وكم حريم سَبَتهُ التُّركُ غاصبةً وكان من دون ذاك السِّتر أستارُ
وكم بُدُور على البدرية انخسفت ولم يعد لبُدور منه إبدارُ
من التُّهَاب وقد حازته كُفَّارُ
وكم ذخائر أضحت وهي شائعةٌ
وكم حدود أُقيمت من سيوفهم
ناديت والسَّبيُّ مهتوكٌ تجرُّهم
وهم يساقون للموت الذي شهدوا
والله يعلم أن القوم أغفلهم
فأهملوا جانب الجَبَّار إذ غفلوا
يا للرِّجال بأحداثٍ تحدثنا
من بعد أسر بني العباس كلِّهم
ما راق لي قطّ شيءٌ بعد بَيْنهم
على الرِّقاب وحُطَّت فيه أوزارُ
إلى السِّفاح من الأعداء ذعَّارٌ
النار يارب من هذا ولا العار
ما كان من نِعَمِ فيهنَّ إكثارُ
فجاءهم من جنود الكُفر جَبَّارُ
بما غدا فيه إعذارٌ وإنذارُ
فلا أنارَ لوجه الصُّبح إسفارُ
إلا أحاديث أرويها وآثارُ
لم يبقَ للدين والدنيا وقد ذهبوا سوقٌ لمجدٍ وقد بانوا وقد باروا
وحدها حين للإقبال إدبارٌ
إن القيامة في بغداد قد وُجدت
آل النبيِّ وأهل العِلْم قد سُبيوا فمن ترى بعدهم تحويه أمصارُ
ما كنتُ آمُلُ أن أبقى وقد ذهبوا لكن أتى دون ما أختار أقدارُ
٦٧٤

في أبياتِ أُخر، وجُمْلَتُها ستةٌ وستون بيتًا .
قال ابن الكازروني وغيره: ما زالوا في قَتْلِ وسَبي وتعذيب عظيم
لاستخراج الأموال مدة أربعين يومًا، فقتلوا النِّساء والرجال والأطفال أهل البلد
وأهل سائر القُرى ما عدا النَّصارى، عُيِّن لهم شحاني حَرَسُوهم، وانضمَّ إليهم
خَلْقٌ مسلمون سَلِموا. وكان ببغداد عدةٌ من التُّجَّار سَلِموا بفرمانات والتجأ
إليهم خَلْقٌ، وسَلِمَ من بدار ابن العَلْقمي، ودار ابن الدَّامَغَاني صاحب الديوان،
ودار ابنِ الدَّوَّامي الحاجب، وما عدا ذلك ما سَلِمَ إلا من اختفى في بئرٍ أو
قناة، وأُحرق مُعظم البلد. وكانت القَتْلى في الطُّرُق كالثُّلُول. ومنِ سَلِمَ وظهر
خرجوا كالموتى من القبور خوفًا وجوعًا وبردًا. وسَلِمَ أهل الحِلَّة والكوفة؛
أمَّنهم القان، وبعث إليهم شحاني. وسَلِمَت البصرة وبعضُ واسط. ووقع
الوَبَاء فيمن تخلَّفَ.
وفيها كانت وقعة الملك المُغيث مع المصريين فانكسر كما ذكرنا،
وهرب هو وبدر الدين الصَّوابي والبُنْدُقداري الذي تسلطن، فوصلوا إلى أسوأ
حال .
وأما مصر فزيّنت في ربيع الآخر للنصر، وعائت البحرية بعد الكَسرة
وأفسدوا، فجهَّزَ لحربهم الملك الناصر مجير الدين ابن أبي زكري ونور الدين
علي بن الأكتع فالتقوا على غَزَّة، فانتصرت البحرية وأسروا الأميرين وحملوهما
إلى الكَرَك، وقَوِيَت شوكتُهُم، فبرز دهليز الملك الناصر، وعزم على قتالهم
بنفسه، فقَرُبَت البحرية من دمشق، فهجم ركن الدين البُنْدُقداري في بعض
الأيام على الدِّهليز وهو عند الجُسُورة، وقطع أطناب الدِّهليز.
ووَلَّى هولاكو على العراق نُوَّابِه. وعزم ابن العَلْقمِي على أن يُحسِّن
لهولاكو أن يقيم ببغداد خليفةً علويًّا فلم يتهيأ ذلك له، واطّرَحته التَّار، وبَقِيَ
معهم على صورة بعض الغِلْمان، ثم مات كَمَدًا، قولوا لا رحمه الله.
وسار هولاكو قاصدًا إلى أذربيجان فنزل إليه بدر الدين صاحب
الموصل، فأكرمه وردّه إلى الموصل، ونزل إليه تاج الدين ابن صلايا فقتله،
فقيل: إن صاحب الموصل كان في نفسه من ابن صلايا فقال لهولاكو: هذا
شريفٌ عَلَويٌّ، فربما تطاوَلَ إلى الخلافة، ويقوم معه خَلَقٌ. فلهذا قتله
٦٧٥

هولاكو. ولم تطُل لصاحب الموصل بعد ذلك حياة.
وفيها جاءت فرقة من التَّار فنازلت ميافارقين فحصروها.
وفيها جاءت رُسُل قاءان من بلاد ما وراء النهر ورُسُل هولاكو إلى
صاحب الشام، فصورة كتاب هولاكو: ((يعلم سُلطان ملك ناصر طال بقاؤه أنه
لمَّا توجهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم، فقتلناهم بسيف الله تعالى، ثم
خرج إلينا رؤساء البلد ومُقدَّموها، فكان قُصارى كلامهم سببًا لهلاك نفوسٍ
تستحقُّ الإذلال، فأعدمناهم أجمعين، ذلك بما قدَّمت أيديهم وبما كانوا
يكسبون. وأما ما كان من صاحب البلدة، فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت
عبوديتنا، فسألناه عن أشياء كذبنا فيها، فاستحقَّ الإعدام. وكان كذبُه ظاهرًا،
ووجدوا ما عملوا حاضرًا. أجب مَلِك البسيطة، ولا تقولنَّ: قلاعي المانعات
ورجالي المُقاتلات. ولقد بَلَغَنا أن شَذَراتٍ من العسكر التجأت إليك هاربةً،
وإلى جنابك لائذةً.
أين المَفُّ ولا مَفَزَّ لهاربٍ ولنا البسيطان الثَّرَى والماءُ
فساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشام سماءها أرضًا، وطولها
عَرضًا. والسَّلامُ.
ومن كتابٍ ثانٍ: «خِدمة ملك ناصر طال عُمُرُه، أما بعد، فإنا فتحنا بغداد
واستأصلنا مُلكها ومَلِكها، وكان ظنَّ وقد ضنَّ بالأموال، ولم ينافس في
الرجال أن مُلكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذِكره، ونما قَدرُهُ، فخُسف في
الكمال بَدره .
إذا تمَّ أمرٌ بدا نَقْصُهُ توَفَّع زوالاً إذا قيل تَم
ونحن في طلب الازدياد، على ممرِّ الآباد، فلا تكن كالذين نَسُوا الله
فأنساهم أنفسهم، وأبدِ ما في نفسك؛ إما إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان.
أجب دَعْوة مَلك البسيطة تأمَنْ شَرَّه، وتَنَل بِرَّه، واسْعَ إليه برجالك وأموالك،
ولا تعوّق رسولنا، والسلام».
وفي صفر قدم دمشق الملكُ الكامل ابن المظفَّر ابن العادل يستنجد
الإسلام على التَّار، فتباشَرَ الناس شيئًا، ودخل البلد وزار قبر جدِّه، ثم ردَّ إلى
بلاده ولم ينفر أحدٌ لِتَیَقُّن الناس بأخذ بغداد.
٦٧٦

ووصل نحو خمسة مئة فارس من عسكر العراق، ذكروا أن التَّار حالوا
بينهم وبين بغداد. ثم جاء بعدهم نحو الثلاث مئة إلى دمشق.
وفي أثناء السنة اشتدَّ الوَبَاء بالشام ومات خَلْقٌ بحيث إنه قيل: إنه خرج
من حلب في يوم واحدٍ ألفٌ ومئتا جنازة. وأما دمشق فكان فيها من المرض ما
لا يُحَدَّ ولا يُوصَّف، واستغنى العَطَّارون. ونَفِدَت الأدوية، وعَزَّ الأطباء إلى
الغاية، وأُبيع الفَرُوج بدمشق بثلاثة دراهم، وبحلب بعشرة دراهم. ومبدأ الوَبَاء
في جُمادى الأولى لفساد الهواء بمَلْحمة بغداد .
سنة سبع وخمسين وست مئة
في أولها سار الملك الناصر متَبعًا آثار البحرية، فاندفعوا بين يديه إلى
الكَرَك، فنزل بركة زيزا، وعزم على حصار الكَرَك، وفي خِدمته صاحب حَمَاة
الملك المنصور، فجاءت إليه رُسُل المُغيث مع الدَّار القُطبية، وهي ابنة الملك
الأفضل قُطب الدين ابن العادل يضرعون إليه في الرِّضا عن المُغيث، فَشَرَطَ
عليه أنْ يقبض على من عنده من البحرية، فأجاب ونَفَّذَهم إليه على الجمال،
فبعثهم إلى قلعة حلب فحُبسوا بها. وأما رُكن الدين البُنْدُقداري فهرب من
الكَرَك في جماعةٍ، وقدم على الملك الناصر، فأحسن إليهم وصَفَحَ عنهم،
ورجع وفي خدمته البندقداري.
وفيها نزل هولاكو على آمد، وبعث رُسُله إلى صاحب ماردين الملك
السَّعيد نجم الدين يطلبه، فسيّر إليه ولده الملك المظفَّر في خدمته الأمير
سابق الدين بَلَبَان، والقاضي مهذب الدين محمد بن مجلي، ومعهم تقادُم،
واعتذر بالمَرَض، فوافَقَ وُصُولهم إليه أخذه لقَلعة اليمانية وإنزاله منها حريمَ
المَلِك الكامل صاحب مَيَّافارقين، وولده الملك الناصر يوسف ابن الكامل،
والملك السَّعيد عُمر، وابن أخيه الملك الأشرف أحمد، والملك الصالح
أيوب ابن الملك المُشمِّر ابن تاج الملوك علي ابن العادل. فلما رآهم ابن
صاحب ماردين جزع وأدَّى الرَّسالة، فقيل له: ليس مرضه بصحيح وإنما هو
مُتمارض، مُحافظةً للملك الناصر صاحب الشام، فإن انتصرتُ عليه اعتذَرَ إليَّ
بزيادة المَرَض، وإن انتصر عليَّ بَقِيت له يدٌ بيضاء عند الناصر، فلو كان
٦٧٧

للناصر قوةٌ يدفعنِي لَمَا مَكَّنني من دخول هذه البلاد، وقد بَلَغَني أنه بعث حريمه
وحريم أمرائه وكُبَراء رَعِيَّته إلى مصر، ولو نزل صاحبكم إليَّ رعيتُ له ذلك.
ثم أمر بردِّ القاضي وحده، فعاد وأخبر مخدومه بصورة الحال، فتألَّمَ على
إرساله ولده، وبعث رسولاً إلى الملك الناصر يستحثُّهُ على الحركة، ويعرِّفه أنه
متى وصل إلى حلب قدم إليه برجاله وأمواله. وسيَّر في الظَّاهر إلى هولاكو
بهديةٍ، وفي الباطن إلى ولده يحرِّضه على الهروب. وسيّر إلى صاحبي الرُّوم
عز الدين ورُكن الدين يُنكر عليهما كونهما في خدمة هولاكو، ويقول: إنْ بَقَّى
عليكما فإنما ذلك ليُغزَّ الملك الناصر، فأعْملا الحيلة في الانفصال عنه،
والحَذَر منه.
وفي أواخر السنة وقعت الأراجيف بحركة التََّّار نحو الشام، فانجفل
لخَلْقِ.
وفي آخرها قبض الأمير سيف الدين قُطُز المُعزِّي على ابن أستاذه الملك
المنصور علي ابن المُعز، وتسلطن ولُّقِّبَ بالملك المظفر. وسبب ذلك قدوم
الصاحب كمال الدين ابن العَدِيم رسولاً يطلب النَّجدة على التَّّار، فجمع قُطُر
الأمراءَ والأعيان، فحضر الشيخ عزّ الدين ابن عبدالسلام والقاضي بدر الدين
السِّنْجاري، وجلس الملك المنصور في دَست السَّلْطنة، فاعتمدوا على ما يقوله
الشيخ عِزُّ الدين، فكان خُلاصته: إذا طرق العَدُوُّ البلادَ وَجَبَ على العالم كلِّهم
قتالُهُم، وجاز أن يُؤخذ من الرَّعية ما يُستعان به على جهادهم، بشرط أن لا
يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر
كلٌّ منكم على فَرَسه وسلاحه، ويتساووا في ذلك هم والعامة. وأما أخذ أموال
العامة مع بَقَاء ما في أيدي الجُند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ثم بعد أيام
يسيرة قبض على المنصور، وقال: هذا صبيٌّ والوَقتُ صَعْبٌ، ولابد من أن
يقوم رجلٌ شجاع ینتصب للجهاد.
وكان الأميران عَلَم الدين الغتمي وسيف الدين بهادر المُعِزِّيَّين حین جرى
هذا المجلس غائبين لرَمي البُنْدُق، فاغتنم قُطُز غيبتهما وتَسَلْطن، فلما حضرا
قَبَضَ عليهما، وسَيَّر القاضي برهان الدين السِّنْجاري مع ابن العَدِيم إلى الشام
يَعدُ الناصر بالنَّجدة.
٦٧٨

وبرز الملك الناصر والعساكر فنزلوا على بَرْزة شمالي دمشق، واجتمع له
عسكر كبير وتُركمان وأتراك وعجم ومُطَّوِّعة. ثم رأى تخاذل عسكره وأنه لا طاقة
له بالتَّار لكثرتهم فخاف وجَبْنَ. وكان قد صادَرَ الناس وجَبَى الأموال وما نفع.
وفيها عبر هولاكو بجيشٍ عظيم الفُرات بعد أن استولى على حَرَّان،
والرُّها، والجزيرة، وأول من عدَّى الفُرات أشموط بن هولاكو في ذي الحجة.
فجاء الخبر من البيرة إلى حلب والنائب بها الملك المُعظّم تورانشاه، فجفَّلَ
الناس منها، وعَظُمَ الخَطبِ، وعَمَّ البلاء. وكانت حلب في غاية الحصانة
وحُسن الأسوار المنيعة وقَلْعتها كذلك وأبلغ. فلما كان في العَشر الأخير من
ذي الحجة قصدت التَّار حلبَ ونزلوا على حَيْلان وتلك الناحية، ثم بعثوا
طائفةً من عسكرهم فأشرفوا على المدينة، فخرج إليهم عسكر حلب ومعهم
خَلْقٌ من المُطَّوِّعة، فساروا فرأوا التَّار، فلما تحقَّقوا كَثرتهم كَرُوا راجعين.
وأمر نائب حلب أن لا يخرج بعد ذلك أحد، وكتب يستحثُّ الملك الناصر في
الكَشف عنهم. فلما كان من الغد رحل التّار عن منزلتهم ونازلوا حلب،
واجتمع عسكر البلد بالبواشير وإلى ميدان الحصا، وأخذوا في إجالة الرَّأي،
فأشار عليهم نائب السَّلطنة أن لا يخرجوا، فلم يوافقه العسكر، وخرجوا
ومعهم العوامُ والشُّطَّار، واجتمعوا بجبل بانَقُوسا(١)، ووصل جَمع التَّتَر إلى
ذَيل الجبل، فحمل عليهم جماعةٌ من العسكر فانهزم الشََّر مكيدةً، فتَبعوهم
ساعةً، ثم كَرَّت التَّار عليهم، فهربوا إلى أصحابهم، ثم انهزم الجميع لما رأوا
التََّار مُقبلين، فرَكبت التَّار ظهورهم يقتلون فيهم. وقُتلَ يومئذٍ الأمير عَلَم
الدين زُرَيَقِ العزيزي ونازلت التَّار البلدَ ذلك اليوم، ثم رحلوا عنها طالبين
إعزاز، فتسلَّموها بالأمان.
وخرجت السنة والناس في أمرٍ عظيم من الخَوْف والجَلَاء والحَيرة.
سنة ثمان وخمسين وست مئة
استهلَّت والوقت خالٍ من إمام أعظم، وعلى الشام الناصر يوسف، فزال
مُلكه بعد أيام يسيرة، وصاحب مصرِ المُظفَّ قُطُز تملَّكَ في أوائلها، وصاحب
(١) هو جبل في ظاهر مدينة حلب، كما ذكر ياقوت في معجم البلدان.
٦٧٩

اليمن المُظفَّر يوسف بن عُمر، وصاحب ظَفَار موسى بن إدريس، وصاحب دله
وبعض الهند ناصر الدين محمد بن أيْتُمُش وصاحب كِرْمان خاتون زوجة
الحاجب بُراق، وصاحب شِيراز أبو بكر بن أتابك سَعد، وصاحب الموصل ابن
بدر الدين، وصاحب مارِدين السَّعيد غازي، وصاحب الرُّوم قلج رَسْلان
وكيكاوس ابنا الملك كَيْخُسرو من تحت أوامر التَّتَر، وصاحب الكَرَك المُغيث
عُمر، وصاحب مكة أبو نُميِّ محمد بن أبي سَعد وعَمُّه إدريس، وصاحب
المدينة جمَّاز، وصاحب حماة الملك المنصور محمد، وصاحب حِمْص
الأشرف موسى ابن المنصور إبراهيم، وصاحب تونس محمد بن يحيى،
وصاحب العراق وأذربيجان وخُراسان هولاكو بن تولي بن جنكزخان.
في المحرَّم قطع هولاكو الفُراتَ فنزل النَّيرب والمَلَّحة وتلك النَّواحي،
وأرسل إلى أهل حلب: إنكم تَضْعُفون عن لقائنا ونحن نقصد سُلطانكم،
فاجعلوا لنا عندكم شِحنةً بالقَلْعة وشِحنةً بالبلد، فإن انتصر علينا الملكُ الناصر
فالأمر إليكم؛ إن شئتم أبقيتم على الشِّحنتين، وإن شئتم قتلتموهما، وإنْ كانت
النُّصْرةُ لنا فحلب وغيرها لنا، وتكونون آمنين. فلم يُجبه الملك المُعظّم
تورانشاه إلى ذلك، وقال: ما له عندنا إلا السّيف. وكان الرسول بذلك صاحب
أَرْزَن، فما أعجبه جوابه وتألَّمَ للمسلمين، فلله الأمر. فنازَلَ هولاكو حلب
بجيوشه في ثاني صفر، وهَجَمَت التَّار البواشير وقتلوا أكثر من فيها. وقُتل
يومئذٍ أسد الدين ابن الزَّاهر داود ابن صلاح الدين، ولم يُصبح عليهم ثالث
صفر إلا وقد حفروا خندقًا في طول قامة، وفي عرض أربعة أذْرُع، وبنوا حائطًا
ارتفاع خمسة أذْرُع كالسُّور عليهم وعملوا فيه أبوابًا، ونَصَبوا على باب العراق
الذي للبلد أكثر من عشرين منجنيقًا، وألُّوا بالرَّمي بها ليلاً ونهارًا، وأخذوا
في نَقْب السُّور، فلم يزالوا إلى أن ظهروا أولاً من حمَّام حَمدان في ذيل قَلعة
الشَّريف، وركبوا الأسوار من كل ناحيةٍ في اليوم التاسع من صفر فهرب
المسلمون إلى جهة القَلعة، ورَمَى خَلْقٌ نفوسهم في الخندق، وبذلت التَّار
السَّيف في العالم، ودخل خَلْقٌ إلى القَلعة، وذاك يوم الأحد. وأصبحوا يوم
الاثنين وهم على ما أمسوا من القَتْل والسَّبي، وامتلأت الطُّرُقات بالقتلى.
وأحمي في البلد أماكن لفَرَماناتٍ كانت بأيديهم، فمن ذلك دار شهاب الدين
ابن عمرون، ودار نجم الدين ابن أخي مردکین، ودار البازيار، ودار عَلَم الدین
٦٨٠