النص المفهرس
صفحات 1-20
تاريخ الإسلام وَوَفيارت المشاهير والأيام لَِيخِ الإِسْلام ◌َِّالّذِين ◌َبِ عَبِّدِالله مَنْ أَخْصَدَبْعُثَازُ الذَّهَبِّ المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ المَجَلّدُ الرَّابع عَشَرَ ٦٣١ - ٦٦٠ هـ حَقِّقِه، وَضَطَنَصَّهِ، وَعَلََّعَلَّه الدكتور بشار عواد معروف دَار الغرب الإسلامي 1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص . ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأيام يُؤَدِيجِ الإِسْلام ◌َِّ الّذِينِ أَرْ عَبْدِالله ◌َّبِأَخْتَبْ عُم ◌َانُالذّهَيّ للتوفى ٥٧٤٨ - ١٣٧٤م المجَلّد الرابع عَشَرَ ٦٣١ -٦٦٠ هـ ٠٠ الطبقة الرابعة والستون ٦٣١ - ٦٤٠ هــ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ (الحوادث) سنة إحدى وثلاثين وست مئة فيها جاء الكاملُ، واجتمع بإخوته وبصاحب حِمْص الملك المجاهد شيركوه، وساروا ليَدْخُلوا الرُّومَ من عند النَّهر الأزرق، فوجدوا عساكرَ الرُّوم قد حفظوا الدَّرْبَند ووقفوا على رؤوس الجبال، وسَدُّوا الطُّرُق بالحجارة. وكان الأشرفُ ضَيِّق الصَّدْر من جهة الكامل؛ لأنه طلب منه الرَّقَّة، فقال الكاملُ: ما يكفيه كُرسي بني أمية؟ فاجتمع شيركوه بالأشرف، وقال: إنْ حَكَمَ الكاملُ على الرُّوم أخذ جميع ما بأيدينا، فوقع التقاعد منهما. فلما رأى الكاملُ ذلك عَبَرَ الفُرات ونزلَ السُّويداء، وجاءهُ صاحبُ خَرْتَ بِرْت(١) الأرتقي، فقال: عندنا طريق سهلة تدخل منها، فجهّزَ الكاملُ بين يديه ابنَهُ الملكَ الصالح، وابن أخيه الملكَ الناصر داود، وصوابًا الخادم، فلم يَرُعهم إلا وعلاءُ الدين صاحبُ الروم بالعساكر، وكان صوابٌ في خمسة آلاف، فاقتتلوا، وأُسِرَ صوابٌ وطائفةٌ، منهم الملكُ المظفر صاحبُ حماة، وقُتْلَ طائفةٌ، وهرب الباقون. فتقهقرَ الكاملُ ودخل آمدَ، ثم أطلقَ علاءُ الدين صوابًا، والمظفرَ والأمراء، مُكْرمين. وأعطى الكاملُ إذ ذاكَ ولدَهُ الصالحَ حصنَ كَيْفا، واستناب صوابًا بآمدَ، ورجعَ إلى الشام خائبًا . وفيها تَسَمَّى لؤلؤٌ صاحبُ المَوْصل بالسَّلْطنة، وضربَ السكة باسمه؛ قاله أبو الحسن علي بن أنجب ابن السَّاعي. (١) وتكتب متصلة أيضًا ((خرتبرت)) قَيَّدها ياقوت بالفتح ثم السكون، وفتح التاء المثناة، وباء موحدة مكسورة، وراء ساكنة، وتاء مثناة من فوقها، وهو حصن يُعرف بحصن زياد، في أقصی دیار بکر . ٧ قال: وفيها تكاملَ بناءُ المدرسة المُستنصرية ببغداد(١)، ونُقلَ إليها الكتبُ وهي مئةٌ وستون حِمْلاً، وعدة فقهائها مئتان وثمانية وأربعون فقيهًا من المذاهب الأربعة، وأربعةٌ مُدرِّسون، وشيخُ حديث، وشيخُ نحوٍ، وشيخُ طِبٍّ، وشيخُ فرائضٍ. فرُتِّب شيخُ الحديث أبو الحسن ابن القَطِيعي(٢). ورقِّب فيها الخبزُ والطبيخُ والحلاوةُ والفاكهةُ. فأنبأني محفوظ ابن البُزُوري، قال(٣): تكاملَ بناءُ المستنصرية وجاءت في غاية الحُسن ونهايته، وخُلعَ على أُستاذ الدار العزيزة مُتولِّي عمارتها (٤)؛ وعلى أخيه علم الدين أبي جعفر ابن العَلْقَمي، وعلى حاجبه، وعلى المِعْمار، وعلى مُقَدَّم الصُّنَّاع. ونُقلَ إلى خزانة الكتب كثيرٌ من الكتب النفيسة، فبلَغَني أنه حُملَ إليها ما نقله مئة وستون حَمَّالاً سوى ما نُقل إليها فيما بعدُ، وأُوقفت، وجُعل الشيخُ عبدالعزيز شيخَ الصُّوفية برباط الحريم وخازنَ كتب دار الخلافة، هو وولده ضياء الدين أحمد ينظران في ترتيبها، فرتَّبا الكتبَ أحسنَ ترتيب. وفي بعض الأيام اتفقَ حضورُ أمير المؤمنين عندهما لينظرَ، فسلَّم عليه عبد العزيز وتلا قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (٠﴾ ﴾ [الفرقان] فخَشَعَ المستنصرُ بالله أميرُ المؤمنين، ورَدَّ عليه السلام، وكلّمه، وجَبَرَ قَلْبهُ. وشُرطَ لكل مُدرِّس أربعةٌ مُعيدين، واثنان وستون فقيهًا، وأن يكون بالدار المتصلة بالمدرسة (٥) ثلاثون يتيمًا يَتَلَقَّنون. قلتُ: رأيتُ نُسخة كتاب وقفها في خمسة كراريس، والوَقف عليها عدة رباع وحوانيتُ ببغداد، وعدةُ قرى كبار وصغار ما قيمتُه تسعُ مئة ألف دينار فيما يُخال إليَّ، ولا أعلمُ وقفًا في الدينا يقاربُ وقفها أصلاً سوى أوقاف جامع (١) ما زالت آثارها قائمةً شاخصة، وانظر الكتابَ النفيس الذي كتبه عمي العلامة الدكتور ناجي معروف - رحمه الله - عنها ((تاريخ علماء المستنصرية)) في مجلدين (بغداد، الطبعة الثانية ١٩٦٥، والطبعة الثالثة بالقاهرة ١٩٧٥). (٢) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٦٣٤ من هذا الكتاب. (٣) في كتابه الذي ذيَّل به على ((المنتظم)) لابن الجوزي، ولم يَصل إلينا، وقد عُدم أكثره في الوقعةِ الغازانية ونهب الصالحية سنة ٦٩٩ هـ. (٤) هو الخائنُ المشهورُ مؤيّدُ الدين ابن العلقمي الذي ساعَدَ المَغُول - فيما بعد - على احتلال بغداد . (٥) يعني: دار القرآن المستنصرية . ٨ دمشق؛ وقد يكون وقفُها أوسعَ. فمن وقفها بمعاملة دُجَيل: قصرُ سُمَيكة(١)، وهي ثلاثة آلاف وسبع مئة جريب، والجَمَد (٢) وضياعه كلها، ومساحتُه ستة آلاف وأربع مئة جريب، والأجَمَةِ (٣)كلها، وهي خمسة آلاف جريب وخمسون، ومن نهر الملك بَرَفْطا (٤)كلُّها، وهي خمسة آلاف وخمس مئة جريب، وناحيةُ البدو(٥)، وهي ثلاثة آلاف وتسع مئة وتسعون جريبًا، وقوسنيئا (٦)، وهي ثلاثة آلاف جريب ونَيِّق، وقريةُ يزيد (٧)كلُّها، وهي أربعة آلاف جريب ومئة وثمانون جريبًا، ومن ذلك ناحيةُ طَبسنى(٨)، ومساحتُها ثمانية آلاف ومئة جريب، ومن ذلك سُستا(٩)، وهي ثلاثةُ آلاف جَرِيبٍ وزيادة، وناحيةُ الأرْحاء(١٠)، وهي أربعةُ آلاف جَريب، ومن ذلك ناحيةُ البِسطامية (١١)، وهي أربعةُ آلاف جريب، والفَرَاشة(١٢)، ألفُ جَرِيب، وقريةُ حَد النهرين (١٣)، وهي ألفُ جَرِيب ومئتا جَرِيب، والخَطَّابيةُ(١٤)، وهي أربعةُ آلافٍ وثمان مئة جَريب، وناحيةُ بزندي(١٥)، وهي ستةُ آلاف وخمس مئة جريب، ومن ذلك الشدادية(١٦) ومبلغُها عشرون (١) تُسمى اليوم سُميكة أيضًا، وهي في شمالي بغداد، تبعد عنها قرابة أربعين ميلاً. (٢) من ناحية دجيل أيضًا، ذكرها ياقوت في معجم البلدان. (٣) من أراضي الحلة اليوم. 3222 (٤) لم يَذْكُرُها ياقوت، وهي قريةٌ من قرى نهر الملك، وانظر معجم الأدباء ٦/ ٢٣٩١. (٥) لم يذكرها ياقوت. لم يذكرها ياقوت، وجَوَّد المؤلف كتابتها بخطه. (٦) (٧) كذلك. (٨) كذلك. (٩) كذلك. (١٠) لعلَّها ((الأرحاء)) التي بالقرب من واسط. (١١) لم يذكرها ياقوت. (١٢) لعلها هي ((فَرَاشا)» القرية المشهورة من أعمالِ نهر الملك، والتي ذكرها ياقوت في معجمه للبلدان . (١٣) لم يذكرها ياقوت. (١٤) قريةٌ على جانب الصراة، كانت في موضع المحلة التي تسمى الكبش والأسد، بالقرب من بغداد، وبها قبر إبراهيم الحربي. معجم البلدان. (١٥) غير منقوطة في الأصل، فلعلها كذلك. (١٦) لم يذكرها ياقوت. ٩ ألفَ جريب ومئتان وخمسون جريبًا، وحصنُ بقية(١)، وهو أربعةُ آلاف جريب وثمان مئة [جَرِيب](٢)، ومن ذلك فرهاطيا(٣)، ستةُ آلاف جَريب، ومن ذلك حصن خُراسان(٤)، وهي خمسة آلاف جَريب وتسع مئة جَريب، وما أضيف إلى ذلك، وهو سبعة آلاف جَرِيب ومئتا جَريب. ومن أعمال نهر عيسى قريةُ الجديدة(٥)، وهي ألفا جَريب وست مئة جَريب، والقُطْنيةُ (٦)، وهي ستة آلاف وأربع مئة جَريب، وقريةُ المنسل(٧)، وهي خمسة آلاف وخمس مئة جَريب، وميثا (٨)، وهي ألفان وخمس مئة جريب، وقريةُ الدِّينارية (٩) وهي أربعة آلافٍ وستُّ مئة جريب، والنَّاصريّة(١٠) كلها، وهي تسعة عشر ألف جريب. فالمرتزقةُ من أوقاف هذه المدرسة على ما بلغني نحوٌ من خمس مئة نفس؛ المُدرِّسون فمَنْ دونَهم، وبلغني أنَّ تِبْنَ الوقف يكفي الجماعة ويبقى مُغَلُّ هذه القُرى مع كَرْي الرِّباعِ فَضْلةٌ، فكذا فليَكُن البرّ وإلا فلا. وحدَّثني الثقةُ أن ارتفاع وقفها بلغَ في بعض السنين وجاءَ نَيِّفًا وسبعين ألف مثقال ذَهَبٍ. وفي خامس رجب يومَ الخميس فُتحت، وحضر سائرُ الدولة والقُضاةُ والمُدرِّسون والأعيانُ وكان يومًا مشهودًا . وفيها سار ركبُ العراق، فبلَغَهم أنَّ العربَ قد طَمُّوا المياه، وعَزَموا على (١) هكذا في الأصل، ولعله بَقَّة - بالفتح وتشديد القاف واحدة البق: اسم موضع، قريب من الحِيرةِ، وقيل: حصن كان على فَرْسخين من هيت، كان ينزلُه جذيمة الأبرش - كما ذكرَ ياقوت في معجم البلدان. (٢) إضافة من عندنا . جَوَّدَ المؤلف تقييدها، ولم يذكرها ياقوت. (٣) (٤) لم يذكرها ياقوت. (٥) كذلك. (٦) كذلك. (٧) كذلك. (٨) كذلك. (٩) كذلك. (١٠) كذلك، ولعلها منسوبةٌ إلى الخليفة الناصر لدين الله. وهذه القُرى والمواضع المذكورة أعلاه أماكن محلية، لذلك قلما نجد لها ذكرًا في معجمات البلدان. ١٠ أخذ الرَّكْبِ، فرَدَّ بالناس قيران الظاهري أميرهم ووصل أوائلُهم في ذي الحِجَّة إلى بغداد، وماتَتِ الجمالُ والناسُ. وكانت سنةً عجيبةً. وكان معهم تابوتُ مظفر الدين صاحب إرْبل ليُدْفن بمكة، فعادوا به ودَفْنُوه بمشهد علي رضي الله عنه . وفيها أُقيمت بمسجد جَرَّاحِ الجُمُعة بالشَّاغور. وفيها أمر وزيرُ دمشق، وابن جرير أن يُعَلَّق بباب الجامع حبلٌ، فمن دخل من أصحاب الحريريٍّ، عُلِّقَ فيه . سنة اثنتين وثلاثين وست مئة فيها شَرَعَ الملكُ الأشرفُ في بناءِ جامع العُقَيْبة، وكان قبلَ ذلك خانًا يُقال له: خان الزنجاري، فيه الخمورُ والخواطىَءُ، فأنفقَ عليه أموالاً كثيرةً . وفيها في صفر وَصَلَ إلى الديوان العزيز رسولٌ من الأمير عُمر بن رسول أنه استولى على بلاد اليَمَن، وأرسل تقادُمَ وتُحفًا . وفيها خَتَمَ القرآنَ عبدالله ابن المستنصر بالله، وهو المستعصمُ الذي قتلته التتار، ختم على مؤدِّبه أبي المظفر علي ابن النَّيَّار(١)، فعُملت دعوةٌ هائلة غُرمَ عليها عشرةُ آلاف دينار، وأعْطَى ابن النيّار شيئًا كثيرًا، من ذلك: ألف دينار، وخِلَعٌ عديدةٌ . وفيها جلسَ الوزيرُ نصير الدينِ ابن الناقد، واستحضر الولاةَ والتُّجَّارَ والصيارف، ثم فُرشت الأنطاع، وأُفْرِغَ عليها الدراهمُ التي ضُربت بأمر المستنصر بالله، فقام الوزيرُ والدولة خدمةً لرؤيتها، ثم قال: قد رسم مولانا أمير المؤمنين بمُعاملتكم بهذه الدراهم عِوَضًا عن قُراضة الذهب، رِفْقًا بكم، وإنقاذًا لكم من التعامل بالحرام من الصَّرف الرِّبوي فأعلنوا بالدُّعاء والطاعة . ثم سُعِّرت كلُّ عشرة بدينارٍ إمامي، وأُديرت بالعراق، فقال الموفقُ أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد: لا عَدِمْنا جَميلَ رَأيكَ فينا أنْتَ باعَدتَنا عن التطفيفِ ورَسَمتَ اللّجَينَ حتى ألِفْناهُ وما كان قبلُ بالمألوفِ (١) قَتَلَه المغولُ صبرًا عند احتلالهم بغداد سنة ٦٥٦ . ١١ ليس للجمع كان منعُكَ للصَّرْ فِ ولكن للعَدْلِ والتَّعْرِيف وفي ربيع الأول كانت وقعة أهل سَبْتَةً مع الفِرَنْج، وذلك أن مُتولِّيها الْيَتَشْتي (١) كان قد بالغ في تألُفهم، فكانوا يأتون بالتِّجارات، فَكَثُرُوا إلى الغاية بسَبْتَةَ بحيث إنهم صاروا بها أكثر من أهلها، فطمعت الفِرَنْج وراموا تملُّكَ البلد، وأعملُوا الحيلةَ. وكان لأبي العباس اليَنَشْتي ابنان؛ أحدهما قائدُ البحر، والآخر قائدُ البَرِّ. فخرجَ قائدُ البرِّ نوبةً بجيشه لأخذ الخراج من القبائل، فعزَمَ الملاعينُ على أمرهم، ولَبِسُوا أسلحتَهم وخرجوا، فطلبوا من سَقَّاءٍ ماءً، فأبى، فقتلوه وشَرَعُوا في القتال. وثار المسلمون إليهم، والتحم الحربُ، فقتلوا من أهل الرَّبَض خَلْقًا، وسَدَّ أهلُ البلد البابَ في وُجوههم ورِمَوْهم بالتُّشَّاب من المرامي، وأسرعَ الصَّريخ إلى قائد البَرِّ؛ فكرَّ بالجيشِ رَكْضًا، والإفرنجُ قد مَلَكُوا الرَّبَض، وسَدُّوا بابهُ الواحد، وهم على أن يغلقوا الثاني، فحمل الجيشُ عليهم حملةً صادقةً، فدخلوا عليه، فلم يُفْلت منهم إلا الشريدُ، ففَرُّوا إلى البحر هاربين، وغَنمَ المسلمون من الأموال ما لا يُوصف. فذهب المُنهزمون واستنجدوا بالفِرَنْج، ثم أقبلوا في هيئة ضخمة من الرجال والمراكب وآلات الحصار والمجانيق، ونازلوا سَبْتَةَ، واشتدَّ الأمرُ، فطلب المسلون المُصالحة، فقالوا: لا نُرَدُّ حتى يَغْرَموا لنا جميعَ ما أُخذَ لنا في العام الماضي. فأُعطوا جميعَ ذلك؛ التزمَ اليَّنَشْتِيُّ لهم بذلك، وعَجَزَ عن البعض، فشَرَعَ في مُصادرة العامة، فتوغَّلت صدورهم عليه، وقال له الأعيانُ: الرأيُ يا أبا العباس أن نصالح صاحب المغرب، فكأنه أحسَّ منهم القيام عليه فأجاب على كُرْهِ، فكاتبوا الرشيد عبدالواحد؛ فبعث جيشًا مع وزيره، وفتح أهل سَبْتَة له البلد، وأُسِرَ اليَنَشْتي هو وابنُه الواحد ثم قُتلا بالشُّمِّ بمَرَّاكُش، وهرب ابنُه الآخر في البحر، فما استقرَّ إلا بعَدَن. وأما الفِرَنْج فنازلوا على إثر ذلك بَلَنْسية، فأخذوها . (١) منسوب إلى يَنَشْتَهُ من أعمال بَلَنْسِية. ١٢ سنة ثلاث وثلاثين وست مئة في المحرَّم دخل بغداد الناصرُ داود بن المُعَظّم، وتلقَّاه الموكبُ وخُلعَ عليه قَباءٌ أطلس وشربوش، وأُمطيَ فرسًا بسَرْج ذَهَب، وأُقيمت له الإقامات. ولما مرَّ بالحلَّة عَملَ له زعيمُها (١) سماطًا عظيمًا، فقيل: إنه غَرمَ على الدَّعْوة اثني عشر ألف دينار، ولما أراد التوجُّه، خُلعَ عليه قباءٌ أسود، وفَرَجيّة ممزج، وعمامة قصبٍ كُحْليَّةٌ مُذهبةٌ، وأُعطي فرسًا بمشدةِ حريرٍ، يعني الحزام الرقبة، وأُعطي علمًاً، وخَفْتاتين(٢) وخيمًا وكُراعًا (٣) وآلاتٍ وعدَّة أرؤس من الخيل ويُقجَ قماشٍ وخمسةً وعشرين ألف دينار، وذلك بعد الصُّلح بينه وبين عَمَّيْه الكامل والأشرفِ. وأُرسل في حقه رسولٌ إلى الكامل، وسافر في رمضان. وفي ربيع الأول جاءت فرقةٌ من التتار إلى إرْبل فواقعوا عَسْكَرها فقُتلَ جماعةٌ من التتار، وقُتْلَ من الأرابلة نفرٌ يسيرٌ. ثم إن التتار ساقوا إلى الموصل ونهبُوا وقتلوا، فاهتمَّ المستنصرُ بالله وفَرَّقَ الأموال والسلاح. فرجع التتارُ ودخلوا الدَّرْبَندَ، وردّ عسكرُ بغداد وكان عليهم جمال الدين قشتمر. وفيها عُزلَ أبو المعالي بن مُقْبل عن قضاء القُضاة، وتدريس المُستنصرية. ووَليَ التدريسَ أبو المناقب محمود بن أحمد الزَّنْجاني الشافعي. ثم وَلَيَ قضاءَ القضاة أبو الفضل عبدالرحمن ابن اللَّمغاني. وفيها وصل سراجُ الدين عبدالله بن عبدالرحمن الشَّرْمَساحيُّ(٤) المالكيُّ إلى بغداد بأهله، فوَلَيَ تدريس المالكية بالمستنصرية، وبانَتْ فضائله. وفيها وَصَلَ إلى بغداد أيضًا شهاب الدين أحمد بن يوسف ابن الأنصاري الحَلَبِي الحَنَفي، ووَليَ تدريس المستنصرية . وفيها عَدَّى الكاملُ والأشرف الفرات إلى الشرق، واستعاد الكاملُ حَرَّان والرُّها من صاحب الرُّوم، فأخرب قَلْعة الرُّها. ثم نَزَلَ على دُنَيْسر فأخربها. (١) الزعيم: المتولي. (٢) هكذا مجودة بخط المؤلف، ولعلَّه يُريدُ: ((خَفاتين)) جمع: خَفْتان، وهو القفطان (راجع الترجمة العربية من معجم دوزي: ١٤٧/٤ - ١٤٩ الحاشية ٣٧٤). (٣) في الأصل: ((وخيم وكراع)) ولا يستقيم. (٤) منسوب إلى ((شرمساح)) من نواحي مكة المكرمة. ١٣ فجاءه كتابُ صاحب المَوْصل أنَّ التتار قد قَطَعوا دِجْلة في مئة طَلَبٍ(١)، ووصلوا إلى سِنْجار، فخرج إليهم معينُ الدين ابن كمال الدين ابن مُهاجر فقتلوه. فردّ الكاملُ والأشرف إلى الشام. فأتت عساكر الرُّوم والخُوارزمية إلى ماردين فنزل إليهم صاحبها، وأتوا إلى نَصِيبين، فأخربوها، وبَدَّعوا، وعَملوا فيها أعظمَ مما فعل الكامل بدُنَيْسر، فلا حول ولا قُوَّة إلا بالله . قال سَعْدُ الدين ابن شيخ الشيوخ - وأجازه لنا (٢) -: فيها وصلت الأخبارُ من مصر بأن فيها وباءً عظيمًا، بحيثُ إنه مات في شهر نَيَّقٌ وثلاثون ألف إنسان. ثم ساق كيفية حصار الكامل لحَرَّان. وقُتلَ عليها عَددٌ من المسلمين. وزَحَفَ عليها الكامل والأشرف مرات، وجُرحَ خلقٌ كثيرٌ. ثم أخذها بالأمان من نُوَّاب صاحب الرُّوم وأخذهم في القيود، وجرت أمورٌ قبيحة جدًا. وفي رمضان كان الملكُ الكامل بدمشق نازلاً في دار صاحب بَعْلَبك التي داخلَ باب الفَرَاديس، فأعطى آمريَّة مئة فارس للصاحب عماد الدين عُمر ابن الشيخ . وفي آخر السنة حَشَّدَ صاحبُ الرُّومِ وجمع ونازل حَرَّان وآمِد، وتَعَثَّرت الرعيةُ بينه وبين أولاد العادل، نسالُ الله اللَّطف. ثم جرت أمورٌ. وفيها أخذت الفِرَنْج - لعنهم الله - قُرطبة بالسيف، واستباحوها فقال لنا أبو حيَّان(٣): تُوفي ابن الربيع (٤) بإشبيلية بعد استيلاء النصارى على شرقي قُرْطُبة سنة ثلاث وثلاثين. وقال ابن الأبَّار(٥): استولت الرُّوم على قُرطبة في شوال سنة ثلاث وثلاثين . (١) الطلب: مجموعة من الجيش، وجمعها: أطلاب. (٢) هو سعد الدين مسعود بن عبدالسلام بن حَمُّويه المعروف بابن شيخ الشيوخ المُتوفى سنة ٦٧٤، والآتية ترجمته في هذا الكتاب. وتاريخه هذا سمَّاه الذهبي ((جريدة)) وذكر أنه في مجلدين، ولم يصل إلينا (انظرِ كتابنا الذهبي ومنهجه ٤٠٧). (٣) يعني: أثير الدين أبا حيَّان الغَرْناطي النحوي المفسر المشهور. ومن الجدير بالذكر أنه كتب للذهبي كتابًا جوابًا عن أسئلته سمَّاه: ((الدُر الحبي في جواب اسئلة الذهبي)) والظاهر أن المؤلف ينقل هنا من هذا الكتاب. (٤) هو أبو سليمان ربيع بن عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن بن ربيع القُرْطبي الآتية ترجمته في وفيات سنة ٦٣٣ من هذا المجلد. (٥) التكملة ٢٦٠/١ في ترجمة ابن الربيع المذكور. ١٤ ٠ قلتُ: هي أكبرُ مدائن الأندلس وما زالت دارَ إسلام من زمن الوليد بن عبدالملك إلى أن استولت النصارى الآن عليها بالأمان . سنة أربع وثلاثين وست مئة في المُحرَّم قصد جماعةٌ عيادةَ مريضٍ ببغداد، فطلعوا وجَلَسُوا عنده على مَشْرقة (١)، فانخَسَفَت بهم، فماتوا جميعًا سوى المريض، وكانوا سبعةً. وفيها صَرَعَ الطيرَ الأميرُ ركنُ الدين إسماعيل ابن صاحب المَوْصلِ، فاذُعيَ لشرف الدين إقبالِ الشَّرابي، وبُعثَ بالطير إلى بغداد، فقبله، وعُلِّق ببغداد، ونَثَر عليه ألفَ دينار فالتقَطَّها رُمَاةُ البُنْدُق. ولم يَحُجَّ أحدٌ هذا العام من العراق. وجَرَى على ركب الشام نكبةٌ شديدةٌ من العطش قبلَ ثَجْر (٢) وهي على دَرْب خَيْير. وفيها وَقَعَ الصُّلحُ بأمر الخليفة بين الكامل وبين صاحب الرُّوم في شهر المُحرَّم. وفيها جاء بدمشق سيلٌ عَرم قدر قامةٍ وبَسْطة، خَرَّبَ الخاناتِ، والدورَ التي بالعُقَيْبة من شماليِّ بابِ الفرج، وذهب للناس شيءٌ كثيرٌ. وفيها مات صاحب حلب الملكُ العزيز، وصاحبُ الرُّوم علاء الدين. وفيها كان عُرس مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير على بنت بدر الدين صاحب المَوْصل. وكان عُرْسًا ما شُهدَ مثلُه. وخَلَعَ عليه الخليفةُ، وأعطاهُ، ونَوَّهَ باسمه، ومشى في ركابه الأمراءُ، ووراءه ألويةُ الملك. وأُعطي أنواعًا كثيرةً وتُحفًا، واستمرَّ دخوله إلى دار الخلافة في كل يوم. وفيها نَزَلَ التتارُ على إرْبل وحاصروها، ونَقَبُوا السورَ وأخذوها عَنوةً، وقَتَلُوا وسَبوا، وجافَتْ إِرْبل بالقَتْلى. وكان باتكينُ نائبَ البلد بالقَلْعة فقاتَلَهم. ثم إِنَّ التتار نَقَبُوا القَلْعةَ، وجعلوا تحتها سَرَبًا وطُرُقًا، وقَلَّت المياهُ على أهل القَلْعة، ومات بعضُهم من العطش، ولم يبق إلا أخْذُ القَلْعة، ثم لطفَ الله بمن بَقِيَ بالقَلْعة، ورحلت التتارُ بمكاسب لا تُحصى. (١) المشرقة، مثلثة الراء: موضع القعود في الشمس بالشتاء. (٢) انظر المادة في معجم البلدان و((ثجر)) من القاموس المحيط. ١٥ وفيها وقع بين الكامل والأشرف، لأنَّ الأشرفَ طَلَبَ من أخيه الرَّقَّةَ فامتنع، وأرسل إليه عشرة آلاف دينارٍ عِوَضَها، فردَّها. فغضب الكاملُ وقال: يكفيه عِشْرتُه للمغاني، فتَتَمَّرَ الأشرفُ، وبعث إلى حلب والشرق، فاتَّفقوا معه. وأما الكاملُ فإنَّه خاف ومضى إلى مصر، فلما دخل باسَ الأرض شُكرًا، وقال: رأيتُ روحي في قَلْعتي؛ أنبأني بذلك سَعْدُ الدين: أن ابن عَمِّه فخر الدين حَكَى له ذلك. وفي ذي القَعْدة احتاط الأشرفُ على ديوان الكامل الذي بدمشق، وأمر بنفي نُوَّابه. وختم على الحواصل من غير أن يتصرف فيها . سنة خمس وثلاثين وست مئة فيها اختلفت العساكرُ الخُوارزميةُ الذين من حيثُ(١) الصالح نجم الدين أيوب عليه، وهَقُّوا بالقبض عليه، فهرب إلى سِنْجارَ، وترك خزائنه فنهبتها الخُوارزمِيَّةُ. فلما صار في سِنْجار، سار إليه بدرُ الدين صاحبُ المَوْصل وحاصَرَه. فطلب منه الصُّلْح فأبى. فبعث الملكُ الصالحُ قاضي سِنْجارِ بدرَ الدين وحَلَقَ لحيتهُ ودَلاَهُ من الشُّور، فاجتمع بالخُوارزمية وشَرَطَ لهم كُلَّ ما أرادوا. فساقوا من حَرَّان بسرعة فكبسوا بدر الدين، فهرب على فرس الثَّوبة، وانتهبوا خزائنهُ وثِقْله، واستَغْنَوا. وفيها أخَذَ أسدُ الدين صاحب حِمْص عانةَ من صاحبها صُلْحًا، واحتوى عليها، وجعل له بها واليًا من البلد. وفيها وَصَلَ إبراهيمُ بن الأمير خَضر بن السُّلطان صلاح الدين إلى بغداد في ست مئة فارس؛ لأنَّ الخليفة كان قد سيَّر إلى الشام مالاً يستخدم به جيشًا لحرب التتار، فدخلها في شؤَّال، ودخل بعده الملك المظفر عُمر، والملك السعيدُ غازي ابنا الملك الأمجد صاحب بَعْلَبك، ومعهما عساكر نَفَّذَهم الكاملُ . (١) هكذا بخط المؤلف مجودة، ولعلَّ الصواب ((من جيش))، والخبر في مرآة السبط ٨/ ٧٠٤. ١٦ وفيها كَثُرت الصَّواعقُ ببغداد في تشرين الأول، فوقَعَت صاعقةٌ على راكب بغلٍ ظاهر السور فأهلكَتْهُما وأخرى في بيت يهوديٍّ، وأخرى على نخلة بالمُحَوَّل، وأخرى في ساحة المستنصريَّة، الكُلُّ في ساعة . وفيها قَدِمَ بغداد الرسولُ من مَلكة الهند بنت السُّلطان شمس الدين أيتامش مملوك السُّلطان شهاب الدين الغُوري. وسببُ مِلكها أنَّ أخاها ركنَ الدين تملّكَ في السنة الماضية بعد والده، فلم يَنْهض بتدبير الرعية، وتفرَّقَتْ عليه عساكرُه. فقبَضَت عليه أختُهُ هذه، ومَلَكَت، وأطاعها الأمراءُ، ولُقِّبت رضیةَ الدُّنیا والدین . وفيها وَلَيَ قضاء دمشق شمسُ الدين أحمد الخُوبي، وهو أول قاضٍ رَّبَ مراكزَ الشهود بالبلد. وكان قبل ذلك يذهب الناسُ إلى بيوت الْعُدول ◌ُشَهِّدُونهم. ولم يحجَّ أحدٌ أيضًا في العام من العراق بسبب كسرة التتار لعسكر الخليفة، وأخذ إرْبل في السنة الماضية. ومات السلطانان الأخَوان الأشرفُ والكاملُ. ولما انقضى عزاءُ الأشرف تسلطنَ(١) أخوه الصالح إسماعيل أبو الخِيش، وركبَ، وعن يمينه صاحبُ حِمْص الملك المجاهد أسد الدين، وحَمَلَ الغاشية عز الدين أيبك المُعَظَّمي. وفيها وَصَلت التتارُ إلى دَقُوقا، وقَلقَ الناسُ، خصوصًا أهل العراق. وأخذ أبو الخيش في مُصادرة الرُّؤَساء بدمشق، فصادر العَلمَ (٢) تعاسيفَ، وأولادَ ابن مُزهرٍ، وابن عُريف البَدَوي(٣). وأخذَ أموالهم وحَبَسَهم. وأخرج الحريريَّ من قَلْعة عزتا، لكنه مَنَعه من دخول دمشق . ثم جاء عسكرُ الكامل صاحب مصر إلى قريب دمشق، فحَصَّنَها أبو الخيش، وقَسَم الأبرجةَ على الأمراء. وجاءَ عزّ الدين أيبك من صَرْخَد، فأمرَ يفتح الأبواب. وجاء لأجل الكامل الناصر داود صاحبُ الكرك فَنَزَلَ المِزَّة، ونَزَلَ مجيرُ الدين، وتقي الدين ابنا العادل بالقابُون، وقَدِمَ الكامل، فنزل عند (١) كتب المؤلفُ فوقها بخطه: ((حكم)). (٢) هو علم الدين يوسف، وقد اتَّهمه بممالأة الملك الكامل. (٣) وَقَعَ في المطبوع من المرآة (٧١٦/٨): ((البدري)) خطأ. تاريخ الإسلام ١٤ / م ٢ ١٧ مسجد القَدَم، وقُطعت المياهُ عن المدينة ووقع الحصارُ، وغَلَت الأسعارُ، وسُدَّ أكثرُ أبواب البلد. ورَدَّ الكاملُ ماء بَرَدى إلى ثَوْرَى وغيره. وأحرق أبو الخِيش العُقَيْية والطَّواحين لئلاَّ يحتمي بها المصريون. وزَحَفَ الناصرُ داودُ إلى باب تُوما، ووصلت النقوبُ ولم يبقَ إلاَّ فتحُ البلد. ثم تأخّر الناصر إلى وطاة بَرْزة؛ جاءه أمرُ الكامل بذلك لئلاّ يفتح البلد على يده، وأحرق قصر حَجَّاج والشاغور، وتَعَثَّرَ الناسُ وتمَّت قبائحُ. ثم آلَ الأمرُ إلى أن أُعطي الصالح إسماعيل بَعْلَبَك وبُصرى، وأُخِذت منه دمشقُ. ودخل الكاملُ القَلْعة في نصف جُمادى الأُولى(١) وما هَنَّأْهُ الله بها؛ بل مات بعد شهرين بدمشق. فبُهتَ الخَلْقُ ولم يَتَحَزَّنوا عليه لجَبَرُوته. ثم اجتمَعَ عزّ الدين أيْبك، وسيفُ الدين عليّ بن قليج، وعمادُ الدين وفخرُ الدين ابنا شيخ الشيوخ، والركنُ الهكاري، وتَشَاورُوا، فانفصلوا على غير شيء. وكان الناصرُ داود بدار سامة، فجاءه الركنُ الهكاري فبيَّن له الطريقَ، ونَفَّذَ إليه عزَّ الدين أيبك يقول: أخرج الأموالَ، وأنفق في مماليك أبيك، والعوامُ معك، وتَمْلكُ البَلَدَ، ويبقواً محصورين في القَلْعة فلم يَصر حالٌ(٢)، فأصبحوا واجتمعوا في القَلْعة، وذكروا النَّاصر وذكروا الجواد، فكان أضَزَّ ما على الناصر عماد الدين ابن الشيخ لأنَّه كان يُتَمُّ في مجالس الكامل مباحثاتٍ، فيُخَطِّتُه الناصرُ ويَسْتجهله، فحقَدَ عليه، وكان أخوه فخرُ الدين يَميلُ إلى الناصر، فأشار عماد الدين بالجواد فوافقه الباقون. وأرسلوا أميرًا إلى الناصر داود في الحال، فقال: أيشٍ قعودُك في بلد القَوْم؟ فقام وركِبَ وازدحم الناسُ من بابه إلى القَلْعة، وما شَكُّوا أنَّه تَسَلْطنَ، وساق، فلما تعدَّى مدرسة العماد الكاتب، وخَرَجَ من باب الزقاق، انعطف إلى باب الفَرَج، فصاحت الناسُ: لا لا لا، وانقلب البَلدُ، فذهب إلى القابون، ووقع بعضُ الأَمراء في الناس بالدبابيسِ، فَهَرَبُوا، وسَلْطُنُوا الجوادَ، وفتح الخزائن وبذل الأموالَ. قال أبو المظفر ابن الجَوْزي(٣): فبلغني أنه فَرَّقَ ست مئة ألف دينار، وخلَعَ خمسة آلاف خلعةً. (١) انظر المرآة ٧١٦/٨ - ٧١٨. (٢) يعني: لم يَتَّفَقوا على شيء من ذلك. (٣) المرآة ٨/ ٧٠٨. ١٨ وقال سَعْدُ الدين بن حَقُّوية: بلغت النفقةُ تسع مئة ألف دينار وضيَّعوا الخزائن، وأساءوا التدبير. وكانت النفقةُ في الطواشي عشرين دينارًا، وثلاثين دينارًا، وللأمير نصفُ ما لأجناده. وبُطِّلَت الخمورُ والقحابُ والمكوسُ، وهَمُّوا بالقبض على الناصر، فراح من القابون، ووصل إلى عَجْلون، ثم نَزَلَ غَزَّة، واستولى على الساحل، فخرج إليه الجوادُ في عسكر مصر والشام، وقال للأشرفية: كاتبُوه وطَمِّعوه. ففَعَلُوا، فاغتَرَّ، وساق إلى نابُلُسَ بخزائنه ومعه سبع مئة فارس، فأحاطت بهم الجيوشُ، فانهزم جريدةً، وحازوا خزائنه وجنائبه وذخائره، وكانت خزائنه على سبع مئة جملٍ، واستغنَوْا غَناءً للأبد وافتقَرَ هو . قال أبو المظفر: فبلَغَنَي أنَّ عمادَ الدين ابن الشيخ وقَعَ بسَفَطِ جوهرٍ وفُصوصٍ، فاستوهبه من الجواد فأعْطَاهُ إيّاه. وتوجَّه فخرُ الدين ابن الشيخ، وعدَّهُ أمراء إلى مصر. وفيها سُلْطن بمصر الملكُ العادلُ وَلَد الملك الكامل، وانضَمَّ إليه حاشية أبيه . وفي ذي القَعْدة كانت الوقعةُ بين التتار وبين الأمير جمال الدين بكلك، وعدَّة جيشه سبعةُ آلافٍ فارس. وعدَّة العدوِّ عشرةُ آلاف، فانكسر المسلمون من بعد أن أنْكَوْا وقَتَلُوا خَلْقًا من التتار، وكادُوا يَنْتصرون عليهم، ووصل المنهزمون إلى بغداد، وهَلَكَ الأكثرُ، وعُدمَ في الوقعة مُقدَّمُهم بكلك. ويقال: إنه قُتلَ في الوقعة قريبٌ من خمسين أميرًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكانت التتارُ يَعْتُون في الشرق، والأمرُ شديدٌ بهم. سنة ست وثلاثين وست مئة في أولها قَبَضَ الملك الجوادُ صاحب دمشق على الوزير صفي الدين ابن مرزوق، وأخَذَ منه أربع مئة ألف درهم، وسُجنَ بقلعة حِمْص، فبقي ثلاث سنين لا يرى الضَّوْءَ. وقيل: حُبسَ اثنتي عشرة سنةً، ولكنَّ أسدَ الدين شيركوه أظهر موته . ١٩ وفيها تَمَهَّنَ الجوادُ وضَعُف عن سَلْطَنة دمشق، وقايَضَ الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بدمشق سِنْجارَ وعانةَ. وكان الجوادُ قد سَلَّطَ على أهل دمشق خادمًا يقال له: الناصح، فصادَرَهم، وضرب، وعَلَّقَ . (وأما(١) عمادُ الدين ابن الشيخ، فإنَّه سار إلى مصر، فلامَهُ الملك العادل ابن الكامل، وتَوَعَّده، لكونه قام في سلطنة الجواد، فقال: أنا أمضي إلى دمشق، وأنزلُ بالقَلْعة، وأبعثُ إليك بالجواد. فقَدِمَ دمشق، ونزل بالقَلْعة، فأمَرَ ونهى وقال: أنا نائبُ السُّلطان، وقال للجواد: تسير إلى مصر. فاتفق الجواد والمجاهد شيركوه على قَتْل عماد الدين . قال أبو المظفر ابن الجَوْزي(٢): ذكر لي سَعْد الدين مسعود ابن تاج الدين شيخ الشيوخ قال: خَرَجْنا من القاهرة في ربيع الأول، فوَذَّعَ عمادُ الدين إخوته فقال له أخوه فخر الدين: ما أرى رواحَكَ رأيًا(٣)، ورُبما آذاك الجوادُ. فقال: أنا مَلَّكْتُه دمشقَ فكيف يُخالفني؟ قال: صَدَقْتَ، أنت فارقتهُ أميرًا، وتعود وقد صار سُلطانًا، فكيف يسمحُ بالنزول عن السَّلْطنة؟ وأما إذا أبيتَ، فانزل على طَبَرِيَّة وكاتبه، فإنْ أجاب، وإلا فتقيمُ مكانك، وتُعَرِّفُ العادل. فلم يلتفت إلی قول فخر الدين، وسار. قال سَعْد الدين: فنزلنا المُصَلَّى، وجاءَ الجوادُ فتلقَّانا وسار معنا، وأنزل عماد الدين في القَلْعة. وقَدِمَ أسدُ الدين شِيْركُوه من حِمْص، وبعث الملك الجواد لعماد الدين الذهب والخِلَعَ، فما وصلني من رشاشها مطرٌ مع مُلازمتي لعماد الدين في مرضه، فإنه ما خرج من القاهرة إلا في محفةٍ. ثم إن الجوادَ رسم عليه في الباطن ومَنَعَه الرُّكوبَ، واجتمع به وقال: إذا أخذتُم مني دمشقَ وأعطيتموني الإسكندرية، فلابُدَّ لكم من نائبٍ بدمشق فاحسبُوني ذلك النائبَ، (١) كتبَ الذهبيُّ في هذا الموضع بخطّه: ((من هنا إلى آخر قصة عماد الدين ذُكر في ترجمته)» وكتب في أول النص كلمة ((لا)) ثم في آخره كلمة ((إلى)) ومعنى ذلك أنه طالبَ النساخَ بحذفها. على أننا أبقينا هذا النص بين عضادتين لما فيه من زوائد على ما ورد في أصل الترجمة المذكورة في وفيات سنة ٦٣٦، لئلاّ نحرم منها المؤرخ المستفيد، مع علمنا بضرورة مراعاة رغبة المؤلف في حذفها . (٢) مرآة الزمان ٨/ ٧٢١ فما بعد. (٣) في الأصل: ((رأي)) والوجه ما أثبتنا . ٢٠