النص المفهرس

صفحات 761-780

فلأنْتَ أعلى رُتْبَةً من سنجرٍ أبداً يَدِينُ لَكَ الوَرَى يا سنجرُ
وله :
وطَيبُ أوقاتي على حَاجِرٍ
الله أيَّامي على رَامَةٍ
أوَّلُها يَعْثُرُ بِالْآخِرِ
تكادُ لِلشُّرعَةِ في مرِّها
ويُقال: بَلَغَ تسعين سنة، ووزر لصاحب حَمَاة. ونُفذ رسولاً.
٢٢٥- إسماعيل بن إبراهيم بن محمد، أبو محمد الشَّهرستانِيُّ ثم
البغداديُّ الصوفيّ المقرىء.
سَمِعَ من أبي الفتح ابن البَطِّي، ويحيى بن ثابت، وأبي بكر ابن النَّقُور،
وجماعةٍ. وحدَّث ببغداد والمَوْصِل وإرْبِل.
تُوفي ليلة عاشوراء(١).
وقد سمع منه الجمال محمد ابن الدَّبَّاب ((جزء أخبارٍ وحكاياتٍ)) للُّبير
ابن بگَّار.
أخبرنا يحيى بن ثابت عن أبيه عن ابن رِزْمَة عن السِّيرافي عن ابن أبي
الأزهر عنه. وسَمِعَ منه ابن الدَّبَّاب السابع من ((فَوائد الحُرْفي))، بسماعه من ابن
البَطِّي، عن حَمْزة الزُّبيري، عنه.
٢٢٦- إسماعيل بن الحُسين، أبو منصور الدَّلاَل، ابن النَّرْسِيِّ.
روى عن جدِّه عبدالله بن أحمد ابن النَّرْسِي. روى عنه ابنُ النَّجَّار.
٢٢٧- إسماعيل ابن قاضي القضاة أبي القاسم عبد الملك بن عيسى
ابن دِرْباس، القاضي عمادُ الدين المارانيُّ الشافعيُّ .
وُلِدَ بالقاهرة سنةَ سبعين وخمسٍ مئة، وتفقَّه مدَّة، وسَمِعَ من
البُوصِيري، وجماعةٍ. وحدَّث، وناب عن والده في القضاء. ودرَّس بالسَّيفية
بالقاهرة. وأقبلَ على صُحبة أهل الآخرة، ولزوم طريقهم. وتُوفي في
رمضان(٢).
(١) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٤٠. وينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٠١
(باريس ٢١٣٣).
(٢) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٦٤.
٧٦١

٢٢٨- جعفر بن أحمد بن عبدالرحيم بن تُركي، أبو الفضائل
الإسكندرانيُّ العَدْل.
حدَّث عن السِّلَفِيّ، ومات في رجب(١).
٢٢٩ - جعفر بن عبدالله بن محمد بن سيد بونه، أبو أحمد الخُزَاعيُّ
الأندلسيُّ الزَّاهد، من أهل قسطنطانية عَمل دانية.
ذكره الأبَّار، فقال(٢): أخذ القراءات عن أبي الحسن بن هُذيل، وسَمِعَ
منه ومن أبي الحسن بن النِّعمة ببَلَنْسِيَة. وحجَّ في حياة السِّلَفي، ورجع مائلاً
إلى الزُّهد والتَّخَلِّي، وكان شيخَ الصوفية في زمانه. علا ذِكْرُهُ وبَعُدَ صِيتُه في
العبادة، إلا أنه كانت فيه غَفْلَةٌ، وقد رأيتُه. وتُوفي في ذي القَعْدة عن عُلُوّ سنٍّ
نحو المئة سنة، وقد شيَّعَهُ بَشَرٌ كثيرٌ، وانتابَ الناسُ زيارَة قَبْرِهِ.
وقال بن مَسْدي في ((مُعجمه)): غلق المئةَ إلا ما يسقط أو يزيد من شهر.
وأخذ القراءاتِ عن خاله يحيى، وابن هُذَيل، وابن نمارة، وابن النِّعمة. وسمِعَ
بمكة من عليّ بن عَمّار وليسَ من ابن الرفاعي، احتَلْتُ في السماع منه، فإنَّهُ
كانَ قد خرجَ عن هذا الفن.
قلتُ: وقد سَمِعَ ((التَّيْسير)) من ابن هُذَيل في ذي القَعْدة سنة ستين
وخمس مئة بقراءة خاله الحسن بن أحمد بن سيد بونه الخُزاعي.
٢٣٠ - جِنكزخان، طاغية التتار ومَلِكُهم الأول.
الذي خَرَّب البلادَ، وأبادَ العباد. وليس للتتار ذِكرٌ قبلَه، إنما كانوا ببادية
الصِّين، فمَلَّكُوه عليهم، وأطاعُوه طاعةَ أصحابِ نبيِّ لنبي، بل طاعة العِباد
المُخلصين لِرب العالمين.
وكان مبدأُ مُلْكِهِ في سنة تسع وتسعين وخمس مئة، واستولى على بُخارى
وسمرقَتْد في سنة ستَّ عشرةَ، واستولى على مُدُن خراسان في سنة ثمان عشرة
وآخر سنة سبعَ عشرة. ولما رجع مِن حَرْب السُّلطان جلال الدين خُوارزم شاه
على نهر السِّنْد وصل إلى مدينة تَنْكُت من بلاد الخَطَا، فمرض بها، ومات في
رابع رمضان من سنة أربع وعشرين. وكانت أيامُه خمساً وعشرين سنة. وكان
(١) من التكملة أيضًا ٣/ الترجمة ٢١٦٠.
(٢) التكملة ١ / ١٩٧ .
٧٦٢

اسمُه قبل أن يلي الملك تمرجين. ومات على دينهم وكفرهم.
وبلغنا أنه خلف من الأولاد الذين يصلحون للسَّلْطنة ستةً، وفوض الأمرَ
إلى أوكتاي أحدِهم بعد ما استشار الخَمْسة الآخرين في ذلك، فأجابوه. فلما
هلك جِنْكزخان، امتنع أوكتاي من الملك وقال: في أخوتيِ وأعمامي مَنْ هو
أكبرُ مني، فلم يزالوا به نحواً من أربعين يوماً حتى تملّك، وحَكَم على
الملوك، ولقّبوه قاآن الأعظم - ومعناه: الخليفة فيما قيل - وبثَ جيوشَهُ،
وفتح فتوحاتٍ، وطالت أيامُه. وولي بعده الأمرَ مَوْنْكُوْكا(١) وهو القاآن الذي
كان أخوه هولاوو من جُملةٍ مُقدَّميه ونُوابِه على خُراسان. ووَلِيَ بعد مَوْنْكُوكا
أخوه قُبْلاي وقد طالت خلافة قُبلاي، وبقي في الأمر نَيِّفاً وأربعين سنة كأخيه،
وعاش إلى سنة ثلاث وتسعين وست مئة، ومات سنة خمس بمدينة خان بالق
التي هي كرسيُّ المملكة، وهي أمُّ الخَطا.
وأما تَنْكُت: فهو اسم جبلِ بتلك الدِّيار، وهو حدٌّ بين بلاد الهند وبين
بلاد الخَطا .
فقُبلاي هذا وَموْنُكوكا وهولاوو إخوة، وهم أولاد تُولي بن جِنْكزخان.
وقد قُتِل تُولي في مَصافٍّ عظيمٍ بينَهُ وبين السُّلْطان جلال الدين خوارزمشاه سنةً
ثماني عشرة وست مئة بخراسان من ناحية غَزْنَةً .
٢٣١- حسن ابن الوزير أبي العباس أحمد بن محمد بن موسى
الأنصاريُّ البَلَنسيُّ.
صحِبَ وهبَ بن نذير، وتفقَّه به، وأخذَ القراءاتِ عن أبي علي بن
زلال، وعالجَ الشُّرُوط.
عاش نَيِّفاً وسبعين سنة (٢).
٢٣٢- حَمَّاد بن أحمد بن محمد بن صُدَيق، أبو الثناء الحَرَّانيُّ.
سَمِعَ من أبي الفتح أحمد بن أبي الوفَاء. وحَدَّث. وهو أخو حَمْد.
(١) جَوَّد الذهبي تقييده، ويقال فيه ((مونكوقا)) أيضاً، انظر سير أعلام النبلاء ٢٤٣/٢٢
والتعليق عليه.
(٢) من التكملة لابن الأبار ١/ ٢١٤ - ٢١٥.
٧٦٣

مات في شؤَّال(١).
٢٣٣ - داود بنُ مَعْمَر بن عبدالواحد بن الفاخر، أبو الفتوح القُرَشيُّ
الأصبهانيُّ.
وُلِدَ فِي رَمَضان سنةَ أربع وثلاثين وخمس مئة. وسَمِعَ من غانم بن خالد
البَيِّع، وغانم بن أحمد الجُلُودي، وفاطمة بنتِ محمد بن أحمد البَغْدادي،
ونَصْر بن المُظفَّ البَرْمكي، وإسماعيل بن علي الحَمامي، وأبي الخير محمد بن
أحمد البَاغَبَان، وأبي الحسن بن غَبْرَة، وابن البَطِّي، وجماعةٍ.
قرأتُ بخطٌّ ابن نُقطة، قال(٢): ذكرَ لي غيرُ واحدٍ من الطَّلَبة أنه سمع
((صحيح البُخاري)) من غانم الجُلُودي وفاطمة بنت البغدادي؛ قالا: أخبرنا
سعيدُ بن أبي سعيد العَيَّار، ومن أبي الوَقْت عن أبي الحسن الداودي. وسَمِعَ
بالكوفة من ابن غَبْرة كتاب ((الدُّعاء)» لمحمد بن فُضَيْل. سَمِعْتُ منه بأصبهان،
وحكى لي عن شيخه أبي محمد عبدالقادر الجيلي، وغيره. قال: وهو شيخُ
الناس بأصبهان، واسعُ الجاه، رفيعُ المنزلة، مُكْرِمٌ لأهلِ العِلْم وغيرِهم. بلغنا
أنه تُوفي بأصبهان سنة أربع وعشرين .
قلتُ: وسمع منه الزكي البِرْزالي، والصَّدْر البكري ((جزء البيتوتة))
بسماعه من فاطمة بنت محمد البغدادي بسماعها من العَيَّار وهو بسماع علي ابن
المُظفَّر الكاتب من البَكْري، وسماعه من بنت البغدادي حضور، فإنَّه في سنة
سبع وثلاثين، لهذا ((الجزء)) وكذا روايته عنها ((للبخاري)) حضور(٣)، فإنه في
سنة ست وثلاثين. وسماعه من ابن غانم في الخامسة .
وروى عنه أيضاً الحافظُ الضياء، وقال: تُوفي في رجب أو شعبان. وكذا
قال المُنذريُّ (٤). وروى عنه ابنُ النَّجَّار، وآخرون.
٢٣٤- صدقةُ بنُ عبدالله بن أبي بكر بن فتوح، أبوِ القاسم اللَّخْميُّ
الجَرِيريُّ الحُسَينِيُّ. وبنو حُسين: بَطْن من بني جرير اللّخْميين، ويُعْرف
(١) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٦٦ز
(٢) التقييد ٢٦٦.
(٣) أي: كان طفلاً، فأحضر إلى مجلس السماع، وأدرج اسمه في الطبقة.
(٤) التكملة ٣ / الترجمة ٢١٦٢.
٧٦٤

هذا بابن الكَيَّال، الإسكندرانيّ.
وُلِدَ سنةَ سبع وثلاثين وخمسٍ مئة. وسَمِعَ من السِّلَفي، وأبي محمد
العُثماني، وأبي طالبَ اللَّخْمي. وحدَّث. وله شِعْرٌ، وفَضِيلة، ومروءة.
تُوفي في سَلْخ المحرَّم(١).
٢٣٥- صفيةُ بنت أبي طاهر عبدالجبار بن أبي البقاء هِبَةِ الله بنِ
القاسم ابن البُنْدار الحَرِيمِيِّ، أمُّ الخَيْرِ.
سمعت من ابن البَطِّي، وكرم بن أحمد بن قُنَيَّة(٢) .
وكانت صالحة قانِتَةً، عابِدةً. سَمِعوا منها مراتٍ؛ وروى عنها
الدُّبَيْئِيُّ(٣)، وابن نُقْطَةَ، وروى لنا عنها الأبَرقُوهي ((جزء البانياسيّ)). وماتت في
سابع صَفَر .
وكَرَم: فمن طلبة الحديث، يَرْوي عن أبي غالب ابن البَنَّاء.
٢٣٦- عبدالله بن أحمد بن أبي بكر، أبو القاسم الهَمَذَانيُّ ثم
البَغْدادِيُّ الظَّفَرِيُّ الخَيَاطَ المقرىء.
سَمِعَ من أبي الفتح ابن البَطِّ. وحدَّث. ومات في ذي الحِجَّةِ (٤).
٢٣٧ - عبد الله بن جَمِيل(٥) بن أحمد بن محمد، أبو إبراهيم وأبو موسى
البَرَدانيُّ(٦) الفِيْچِيُ (٧) .
مات بالفِيْجَة. وحدَّث عن أبي نَصْر عبدالرحيم اليُوسُفِيِّ بـ((جزء ابن
عرفة)). وكان صالحاً، خَيِّراً.
(١) من التكملة ٣/ الترجمة ٢١٤٥.
(٢) قيده المنذري في التكملة ٣/ الترجمة ٢١٤٨ فقال: بضم القاف وفتح النون
وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها وبعدها تاء تأنيث .
(٣) وترجمها في تاريخه، كما في المختصر المحتاج إليه ٣/ ٢٦٥.
(٤)
من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٧٤ .
(٦) قيدها المنذري، وهو منسوب إلى وادي بردى الموضع المعروف بدمشق.
(٥)
قيده المنذري كما قيدناه التكملة ٣/ الترجمة ٢١٥٦ .
(٧) قيدها المنذري، وهو منسوب إلى الفيجة، من قرى وادي بردى في الغوطة الغربية
تبعد عن دمشق عشرين ميلاً تقريباً، وبها النبع الصافي الغزير الذي يصل إلى كل
بيت من بيوت دمشق وضواحيها عذباً زلالاً بارداً.
٧٦٥

روى عنه الضِّياءُ؛ وأثنى عليه، وعُمر ابن الحاجب. وحذَّثنا عنه العزّ
أحمدُ ابن العِماد، والشمس محمد ابن الواسطي.
قرأتُ وفاتَه بخطُّ الضياء: في ربيع الأول. وقال المنذري(١): في رابع
جمادى الأولى.
٢٣٨- عَبْدُالله بن عُثمان بن يوسف المَقْدِسِيُّ.
قال الضياءُ: كان فيما علمنا من عباد الله الصالحين، لم تُعرف له صَبْوَةٌ
ولا زَلَّةٌ. وكان صابراً على الفَقْر والقِلَّة، مُتَوَرِّعاً، يقرأ القرآن قراءةً حَسَنة،
وقرأ عليه جماعةٌ. وحذَّثني إبراهيمُ بن أبي الفرج جارُهُ، قال: لم يترك القراءة
إلا ليلةً واحدةً، وكان يقرأ الليل والنهار رضي الله عنه.
مات في خامس عشر المحرَّم بالجَبَل(٢).
٢٣٩- عبدالله بن نصر بن أبي بكر بن محمد الحَرَّانِيُّ، قاضي حَرَّان
أبو بكر الفقيه الحنبليُّ المقرىء.
رحل إلى بغدادَ وتفقَّه بها على غير واحدٍ. وسَمِعَ من شُهْدَة الكاتبة،
وعبدِالحقِ اليُوسُفِي، وعيسى بن أحمد الدُّوشابي، وتَجَنِّي الوَهْبانية. وانحدرَ
إلى واسط، فقرأ بها القراءات على أبي طالب الكَثَّانِي، وأبي بكر الباقلاني،
وابن قشام القاضي. ووَلِي القضاءَ ببلده، وأقرأ القراءاتِ، وحُمِدَت سيرتُهُ.
وفي ذُريته قضاةٌ وفُضلاء. وقد صَنَّف في القراءات، وسَمِعَ منه جماعةٌ.
وَولِدَ سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
روى عنه الضياءُ، وابنُ الحاجب، وأخبرنا عنه سِبْطُه أبو الغنائم بن
محاسن، والشهاب الأبَرْقُوهي .
وقال الضياءُ: أخبرني بعضُ أقاربه أنه تُوفي سنة أربع وعشرين(٣).
٢٤٠- عبدُالله بن يحيى بن أبي البركات، أبو محمد القُرَشيُّ
المَهْدَويُّ ثم الإسكندرانيُّ.
(١) التكملة ٣/ الترجمة ٢١٥٦.
(٢) تنظر التكملة المنذرية ٣/ الترجمة ٢١٤١.
(٣) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١١١ (باريس ٥٩٢٢).
٧٦٦

شيخٌ صالحٌ، عابدٌ. وُلِدَ بعد الأربعين، وقَدِمَ الإسكندرية، وسكنها،
وسَمِعَ بها السِّلَفِي. وماتَ في صفر(١).
٢٤١- عبدالله بن يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن، السُّلْطان أبو
محمد، المُلقَّب بالعادل.
بُويع بالمغرب إثر خَلْع ابن عَمِّهم عبدالواحد سنةَ إحدى وعشرين. ولم
يستقِلَّ بالمملكة، بل كان أخَوَه المأمون أبو العُلى مُنازِعاً له، ثم قويَ المأمون
ودخَل قصر الإمارة بمَرَّاكُش، وقَبَضَ على العادل في عام أربعة هذا وأحسبه
قُتِلَ. فكانت دولتُه أقلّ من أربع سنين، آخرها في شوَّال .
٢٤٢- عبدُالبرِّ ابن الحافظ أبي العَلاء الحسن بن أحمد بن الحسن
الهَمَذانيُّ العَطَّار، أبو محمد.
سَمِعَ أباه وعلي بن محمد المُشْكاني راوي ((تاريخ البُخاري الصَّغير)»،
ونَصْر بن مُظفَّر البَرْمَكِي، وأبا الخير الباغبان، وأبا الوقت السِّجْزِيّ، وجماعةً.
روى عنه الضياء، والصَّدْر البَكْري، والزكي البِرْزالِي، وسائر الرَّحَّالة.
وقرأتُ بخط ابن نُقْطَةٍ (٢): أنَّه سمع من علي بن محمد المُشْكاني ((تاريخ
البخاري الصَّغير)). قال: وذكر لي إسحاق بن محمد بن المؤيّد المِصْري: أن
شيخنا عبد البرّ بن أبي العلاء تَغَيَّر بَعْدَ سنة عشر وست مئة، وبلغنا أنه ثاب إليه
عقلُهُ قبل وفاته بقليل، وحدَّث، وأنَّه تُوفِي بِرُوذْ رَاوَر في شعبان من سنة أربع
وعشرين.
قلتُ: وسَمِعْنا بإجازته من الشَّرَف أحمد ابن عَسَاكر.
٢٤٣- عبدُالجبّار بن عبدالغني بن عليّ بن أبي الفَضْل بن عليّ بن
عبدالواحد بن عبدالضيف الأنصاريُّ، ابن الحَرَستانيِّ، الشافعيُّ الفقيه
المُفْتِي کمال الدین أبو محمد.
نقلتُ ذلك كله من خطِّ ابن الدُّخْمَيْسي.
سَمِعَ أبا القاسم الحافظ، وأبا سَعْد بن أبي عَصْرون. وأجاز له خطيب
المَوْصل أبو الفَضْل، والحافظ أبو موسى المَدِينيّ.
(١) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٥٠.
(٢) التقييد ٣٩١.
٧٦٧

سَمِعَ منه الزكي البرْزالي، وخَرَّج له ((جزءاً))، وأبو حامد ابن الصابونيّ،
وابن الدُّخْمَيْسي، والفخر محمد بن محمد ابن التِّبْني. وأخبرنا عنه أبو الفضل
ابنُ عساكر .
تُوفي في شعبانَ سنةً أربع وعشرين وسِتِّ مئة.
وقال ابنُ الحاجب: مَوْلِدُه سنةَ تسع وأربعين وخمس مئة، ودرَّس
بالكلَّسَةِ، والأكزيّة، وهو من بيت ابن طُلَيْسَّ.
٢٤٤- عبدالرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبدالرحمن بن إسماعيل
ابن منصور، الإمام بهاءُ الدين أبو محمد المَقْدسيُّ الحَنبليُّ.
وُلِدَ بقرية السَّاويا من الأرض المُقدَّسَة في سنة خمس أو ست
وخمسين وخمس مئة. وكان أبوهُ يَؤُمّ بأهلها، وهي من عَمَل نابُلُس. وأُّه ستُ
النظر بنت أبي المكارم. هاجَرَ به أبوه نحو دمشق سرّاً وخفية من الفرنج والبلاد
لهم، ثم سافر أبوه إلى مصرَ تاجراً، فماتت أمُّهُ وكَفِلَتْهُ عَمَّتُه فاطمة زوجةٌ
الشيخ أبي عُمر، ولما قَدِم الحافظُ عبدُالغني من الإسكندرية دَرَّبَهُ على الكِتابة،
وأعطاه رِزْقاً، وخَتَمَ القرآن في نحو سنة سبعين. ثم رَحَلَ في سنة اثنتين
وسبعين في حلبة الشيخ العِماد، فسمِعَ بحرَّان من أحمد بن أبي الوفاء، وكان
بحرَّان سُليمان بن أبي عطاف، وغيرُه من المقادسة.
قال البهاءُ: فألفتهم وأشِيرَ عليَّ بالمَقام بها لأجَوِّد حفظَ الخَتْمةِ، فقعدتُ
بها في دار ابن عَبْدوس فأحسن إليَّ، وقرأتُ القرآنَ على جماعةٍ في ستة أشهر،
وصَلَّيتُ التراويحَ بهم وكنتُ أستحي كثيراً فأفْرُغُ وقدِ ابتلَّ ثوبي من العَرَق في
البَرْد، فجمعوا لي شيئاً من الفِطْرة من حيثُ لا أعلم، واشترى لي ابنُ عَبْدوس
دابَّةً وجَهَّزَني، وسافرتُ مع حُجَّاج حَرَّان إلى بغدادَ، وقد سبقني العِمادُ ومعه
ابنُ اخته عبدالله بن عُمر بن أبي بكر، والشهابُ محمد بن خلف، فسمعتُ
بالمَوْصِلِ على خطيبها ((جزءاً)). ثم دخلتُ بغدادَ وقد ماتَ الشيخُ علي
البطائحي فَحَزِنْتُ كثيراً، لأني كنتُ أريد أن أقرأ عليهِ الخَتْمَة. ثم سَمِعنا
الحديثَ، فأوَّلُ جزء كتبتُه (جزء)) من حديث مالك على شُهْدَة ولم نُدْرِكْ أعلى
سنداً منها، وسمعنا عليها ((معاني القرآن)) للزَّجاج، و((مصارع العُشَّاق))
للسَّرَّاج، و ((موطأ القَعْنَبِيّ)). وسمعتُ على عبدالحق بن يوسُف كثيراً؛ وكان
٧٦٨

من بيت الحديث فإنَّهُ روى عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، وكانَ صالحاً فقيراً،
وكان عَسِراً في السَّماعِ جدّاً. وسمعنا عليه ((الإبانة)) للسِّجْزِي بقراءة الحافظ
عبدالغني، ومرضتُ ففاتني مجلسٌ، وكان يمشي معي من بيته إلى مكي الغَزَّاد
فيُعيد فَوْتِي(١)، ورُزِقتُ منه حظاً، لأنَّه كان يراني مُنْكَسراً مواظباً، وكان يُعيرني
الأجزاءَ، فأكتبها، وألْهِمَ في آخر عُمُره القرآن فكان يقرأ كُلَّ يوم عشرين جزءً أو
أكثر. وسَمِعْتُ على أبي هاشمِ الدُّوشابي، وكان هَرَّاساً يُربي الحَمَامِ، فقلتُ
لرفيقي عبدِ الله بن عُمر: أريدُ أَفاتحه في الطيور عسى يَلْتَفِتُ علينا، فنقرأ عليه
هذين الجزءين فقال: لا تَفْعَلْ. فقلتُ: لابُدَّ من ذلك، فقلتُ: ياسيدي إن كان
عندكَ من الطيور الجياد تُعطينا وتُفيدنا، فألتفتَ إليَّ وقال: يابني عندي الطيرة
الفُلانية بنت الطيرة الفُلانية، ولي قَنْصٌ من فُلان، وانبسط، فسمعنا عليه
الجزءين ولم نَعُدْ إليه. وسمعنا على ابن صِيْلا، وأبي شاكر السَّفْلاطُونِي،
وتَجَنِّي، وابن يَلْدرَك، ومنوجهر، وابن شاتيل. وكان له ابنٌ شيخٌ إذا جَلَسنا
تبيَّنَ كأنَّه الأَبُ، وعَميَ على كِبَرٍ، وبَقِيَ سبعينَ يوماً أعمى، ثم برىءَ وعادَ
بصرُهُ - يعني الابن - فسألنا الشيخَ عن السبب فذكر لنا: أنه ذهب به إلى قبر
الإمام أحمد وأنه دَعَا وابتهل، وقلتُ: يا إمام أحمد أسألُك إلاّ شفعت فيه إلى
ربِّك، ياربِّ شَفِّعه في وَلَدي، وولدي يُؤَمِّن، ثم مضينا. فلما كان الليلُ
استيقظ وقد أبصر. ثم أخذنا في سماع الدَّرْس(٢) على ناصح الإسلام أبي
الفتح(٣)، وكنتُ قليلَ الفَهْمِ لِضيق صَدْري، وكنتُ أحب كتابةَ الحديث فلو
كتبتُ النهارَ كُلَّهُ لم أضجرَ، وربما سَهرْتُ من أول الليل، فما أشعر إلا
بالصباح. وأشار عليَّ الحافظ عبدالغني بالسَّفَر معه إلى أصبهان، فاتفق سفره
وأنا مريض. ثم تُوفي أبي سنةَ خمس وسبعين. ثم اشتغلتُ في مسائل الخلاف
على الشيخ أبي الفتح اشتغالاً جيِّداً، وكنتُ إذ ذاك فقيراً ليس لي بُلْغَةٌ إلا من
الشيخ أبي الفتح - يعني ابن المَنِّي - واتفقَ غلاءٌ كثيرٌ فأحسنَ إليَّ، ثم وقَعَ
المرضُ، فخافَ عليَّ فجهَّزَني وأعطاني، واتفقتُ أنا وعلي ابن الطالباني
(١) يعني ما فاته من السماع.
(٢) الدرس: الفقه، هذا هو اصطلاحُهم.
(٣) ابن المَنِّي الفقيه الحنبلي المشهور.
تاريخ الإسلام ١٣ / م ٤٩
٧٦٩

ويحيى ابن الطََّّاخ، فترافقنا إلى المَوْصِلِ، ثم ذهبنا إلى مَرَاغَةَ في طلب عِلْم
الخلاف، فاكتريتُ إلى حَرَّان وصبرَ عليَّ الجَمَّالُ بالأجرة إلى حَرَّان، وكنتُ
أقترِضُ من الثُّجَّار ما أتبلَّغُ به. ثم أقمتُ بحرَّان نحوَ سنة أقرأ على شمس الدين
ابن عَبْدوس كتاب ((الهِداية)) لأبي الخَطَّاب، ثم مضيتُ إلى دمشق، وتزوجتُ
ببنت عَمِّي زينب بنت عبدالواحد، وأنفقَ عليَّ عَمِّي، وساعدني الشيخ أبو
عُمر، فكنتُ في أرغد عَيْشٍ إلى أن سافرتُ إلى بغداد سنة تسع وسبعين ومعي
أخي أبو بكر، وابنُ عَمِّ أحمد - يعني: الشمس البُخاريَ - وهما دونَ
البلوغ. وتركتُ زوجتي حاملاً بابني محمد، فأقمنا بحرَّان، وصمنا رمضان،
وسافرنا مع الحُجاج، وجَهَّزَنا ابنُ عَبْدُوس بالكَري والنفقة، ولم تكن لي هِمَّةٌ
إلا عِلْمَ الخِلاف. فشرعتُ في الاشتغال على الشيخ أبي الفَتْح، وكان معيدُه
الفخر إسماعيلَ الرَّفَّاء، ثم سافرتُ سنةً ثلاث وثمانين، وخلفت ببغداد أخي،
وابن عَمِّي. فسافر ابن عَمٍِّ إلى بُخارى، ولَحِقَني أخي (١).
نقلتُ هذا كله من خطَّ السيف ابن المجد .
وقد سمع البهاء بدمشق - قبل أن يرحل - من عبدالله بن عبدالواحد
الكناني في سنة سبع وستين، ومن القاضي كمال الدين محمد بن عبدالله
الشَّهر زوريِّ، ومحمد بن بَرَكة الصِّلْحِيِّ، وأبي الفَهْم عبدالرحمن بن أبي
العَجائز، وجماعةٍ. وسَمِعَ ببغداد أيضاً من أحمد بن مسعود الهاشمي، وأحمد
ابن أحمد بن حَمْدي العَدْل، وأبي بكر أحمد ابن النَّاعم، وأحمدَ بنِ الحسن بن
سلامة المَنْبِجِيّ، والحسن بن علي بن شيروية، وسَعْد الله ابن الوادي(٢)،
وعبدالمُحسن بن تُرَيك، وعبدِ المُغيث بن زُهير، ومحمد بن نَسيم العَيْشُوني،
ونَصْر الله القَزَّاز، وأبي العز محمد بن محمد بن مواهب، وأبي الثناء محمد بن
محمد الزَّيْتُونِي، ومسعودٍ بن علي بن النَّادر، والمُباركِ بن المبارك بن الحكيم،
وسمِعَ من خلق بدمشق وبغداد.
(١) هذا مثل رائع لطلبة العلم في ذلك العصر ومالاقوه من فقر ومشقة، فليعتبر طلبة
هذا العصر، وليحمدوا الله على ما أنعم عليهم من نعمه وآلائه وتيسير سُبُلِ العلم.
(٢) سعد الله بن نجا بن محمد بن فهد، أبو صالح ابن الوادي، كان دلالاً في الدور،
وتوفي في ذي الحجة سنة ٥٧٤، كما في تاريخ ابن الدبيثي وغيره.
٧٧٠

وأجازَ له طائفةٌ كبيرة، وروى الكثيرَ. وكان ينفق حديثه، فحدَّث بقطعةٍ
كبيرةٍ منه ببعلبكَ، وبنابُلُس، وبجامع دمشق.
وكان إماماً في الفقه، لا بأسَ به في الحديث.
قال الضياءُ في البهاء: كان إماماً فقيهاً، مُنَاظراً، اشتغل على ابن المَنِّي،
وسَمِعَ الكثيرَ، وكتبَ الكثيرَ بخَطِّهِ، وأقامَ بنابُلُس سنين كثيرةٍ - بعد الفُتُوح(١) -
يؤثُّ بالجامع الغربي منها، وانتفعَ به خَلْقٌ كثيرٌ من أهل نابُلُس وأهل القَرَايا.
وكان كريماً، جواداً، سَخياً، حَسَنَ الأخلاق، مُتواضِعاً. ورَجَعَ إلى دمشق قبلَ
وفاته بيسير، واجتهدَ في كتابة الحديث وتسميعه، وشَرَحَ كتاب ((المُقْنِع))
وكتاب ((العُمْدة)) لشيخنا موفّق الدين، ووقف من كتبه ما هو مسموع.
وقالِ أبو الفتحِ عُمر بن الحاجب: كان أكثر مقامه بنابُلُس، وكان مليحَ
المَنْظَرِ، مُطَّرحاً للتكلُّف، كثيرَ الفائدة، ذا دينٍ وخَيْرِ، قَوَّالاً بالحق لا يخافُ
في الله لومة لائم، راغباً في التحديث. كان يدخل من الجَبَل(٢) قاصداً لمن
يسمع عليه، وربما أتى بغدائه فيطعمه لمن يقرأ عليه. تفرَّدَ بعدَّةٍ كتب وأجزاء،
وانقطعَ بموته حديثٌ كثير - يعني بدمشق -. وأما رفقاؤه ببغداد، فتأخروا، ثم
قال: وُلِدَ سنةَ سِتٍّ وخمسين، وتُوفي في سابع ذي الحجة سنةً أربع .
قلتُ: روى عنه الضياء، والبِرْزالي، والسَّيْف(٣)، والشرف ابن
النابُلُسي، والجمال ابن الصَّابوني، والشمس ابن الكَمَال، وخَلْقٌ كثير. وحدَّثنا
عنه ببعلبك التاجُ عبدالخالق، وعبدالكريم بن زيد، ومحمد بن بلغزا، وأبو
الحُسين شيخُنا، وستُّ الأهل بنت عُلْوان، وداودُ بن محفوظ. وبدمشق العزّ
إسماعيل ابن الفَرَّاء، والعزّ ابن العماد، والشمس ابن الواسطي، والتقيُّ أحمد
ابن مُؤمن، وأبو جعفر محمد ابن المَوازيني، وإسحاق بن سُلْطان. وبنابُلُس
العِمادُ عبد الحافظ، وغير هؤلاء. وخُتِمَ حديثُهُ بموت ابن المَوازيني، وبَيْنَ
موتهما أربع وثمانون سنة (٤).
(١) يعني فتوح السلطان المجاهد صلاح الدين يوسف رضي الله عنه، وكان الفتح سنة
٥٨٣ کما هو معروف مشهور.
(٢) جبل قاسيون حيث دور المقادسة - رحمهم الله - فكانوا زينة أهل الشام وخيارهم.
(٣)
يعني: ابن المجد .
(٤) تنظر التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٧٣.
٧٧١

٢٤٥- عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد، أبو عَمْرو الكتاميُّ الإشبيليُّ
الفقيه .
سمع أبا عبدالله بن زَرْقُون وتفقَّه به ولازَمَهُ، وأبا محمد بن جُمهور، وأبا
عبدالله ابن المُجاهد الزَّاهد. وتفقّه قديماً بأبي محمد بن مؤجوال، وأخذ
القراءات عن أبي بكر بن صاف.
قال الأبَّار(١): وكان حافظاً لمذهب مالك، بعيداً عن الانقيادِ للسماع
منه(٢). وتُوفي في شوَّال وله ثلاث وثمانون سنة.
٢٤٦- عبدُالرحمن بن عبدالعليِّ بن علي، قاضِي القُضاة عمادُ الدين
أبو القاسم المِصْريُّ الشافعيُّ، المعروف بابن السُّكَّري، جَدُّ شيخِنا عمادِ
الدين عليّ بن عبدالعزيز.
وُلِدَ سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة. وسَمِعَ إبراهيم بن سمَاقا، وعليَّ
ابن خلف بن مَعْزوز. وصَحِبَ الصالحين، وتفقَّه على الشهاب محمد الطُّوسي،
وبرعَ في العلم، وولي قضاء القاهرة وخطابتها، وحدَّثَ، وأفتَى، ودَرَّسَ.
تُوفي في ثامن عشر شؤَّال، وله إحدى وسبعون سنة(٣).
٢٤٧- عبدالرحمن بن عُمر بن سَلْمان، أبو الفَرَج الأَزَجِيُّ المعروف
بابن حدید.
تُوفي في جمادى الأولى عن نحو من ثمانين سنة. وحَدَّث عن عليٍّ بن
أبي سَعْد الخَبَّاز(٤).
٢٤٨- عبدُالرحمن بن محمد بن حَمْدان، الفقيه صائنُ الدين أبو
القاسم الطَّيْيِيُّ، مُصَنَّ ((شَرْح التنبيه))، ومُعيد النظاميّة.
كان سديد الفتوى، مُتْقِناً، فَرَضِيًّا، حاسِباً، فاضلاً.
٢٤٩- عبدُالسَّلام بن أبي بكر بن عبدالملك بن ثابت، أبو محمد
(١) التكملة ٣ / ٤٦.
(٢) يعني: كان عسراً في الرواية.
(٣) تنظر التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٦٨.
(٤) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٥٧.
٧٧٢

البَغْدَادِيُّ الجَمَاجميُّ، كان يعمل الجَمَاجِم(١).
وهو رجلٌ صالحٌ. حدَّث عن أبي طالب بن خُضَيْرِ (٢).
٢٥٠- عبدُالصمد بن الحسن بن يوسف بن أحمد، أبو محمد
الأصْبَحِيُّ المِصْريُّ الشافعيُّ، المعروف بالمقاماتي؛ لأنه حفظ ((مقامات
الحريري» .
وُلِدَ سنةَ أربع وخمسين وخمس ومئة. سَمِعَ من السِّلَفِيِّ أبياتَ شِعْرٍ
وحَدَّث بها، وكتبَ الكثيرَ بعد ذلك. وسَمِعَ من الأرْتَاحِيُّ، وأبي يعقوب بن
الطُفيل، وجماعةٍ. وكان أخباريًّا كثيرَ المحفوظ.
تُوفي في رمضان.
روى عنه المُنذريُّ(٣).
٢٥١- عبدالعزيز بن سخْنُون بن عليّ، برهانُ الدين أبو محمد
الغُمَارِيُّ (٤) النَّبِيُّ(٥) النَّحْوِيُّ العَدْل.
وُلِدَ سنةَ أربع وخمسين. وقَدِمَ مصرَ سنةً ثمانٍ وستين، وحدَّث عن
السِّلَفِيّ، وعبدِ الله بن بَرِّي، وجماعةٍ بعدهما. وتصدَّرَ لإقراء العَرَبية بجامع
مِصْرَ، وانتفعَ الناسُ به.
روى عنه الزَّكيُّ المُنذريُّ، وغيرُه. وتُوفي في ثامن عشر ذي الحجة.
٢٥٢ - عبدُالعزيز بن علي بن عبدالعزيز بن زَيْدان(٦)، أبو محمد وأبو
بكر السُّمَاتيُ(٧) القُرْطَبيُّ، نزيلُ فاس.
روى عن أبي إسحاق بن قَرْقُول، ونَجَبَة بن يحيى، وأخذ بفاس عن أبي
الحسن بن حُنَين، وهو أكبرُ شيوخه.
(١) وهي الأقداح من الخشب.
(٢) وتوفي في الرابع من المحرم على ماذكر المنذري في التكملة ٣/ الترجمة ٢١٣٩.
(٣) انظر التكملة ٣/ الترجمة ٢١٦٣ ومنه نقل المؤلف.
قيده المنذري، وقال: نسبة إلى غمارة القبيلة المشهورة (التكملة ٣/ الترجمة
(٤)
٢١٧٥).
(٥) قيده المنذري أيضاً.
(٦) جوّد المصنف تقييده بالزاي في أوله.
(٧) جود المؤلف تقييده بخطه بضم السين المهملة.
٧٧٣

قال الأبّار(١): سَمِعَ منه ((الموطأ)) في سنة خمس وستين وخمس مئة،
عن ابن الطَّلَّع محمد، و ((الشِّهاب)) للقُضَاعي عن أبي الحسن العَبْسي سماعاً.
وأجازَ له جماعةٌ. وكان مِن أهل الفقه، والحديث، والنحو، واللغة،
والتاريخ، والأخبار، وأسماءِ الرجال، متصرفاً في فنونٍ كثيرةٍ، أديباً، نحوياً،
شاعراً، معلماً بالعربيةِ، مُتقدماً في صناعتها. سمِعَ منه جِلَّةٌ، وسماه التجيبي
في ((مشيخته)) وقال: سَمِعتُ منه وسَمِعَ عليَّ.
قال الأبَّارُ: مولد ابن زَيْدان بقُرطُبَةَ سنةً تسع وأربعين وخمس مئة،
وتُوفي بفاس في خامس رجب سنة أربع وعشرين.
وقال ابن مَسْدي: أخبرني ابنُه يحيى أنَّه مات في سنة ثلاث وعشرين في
ثالث رجب .
قال ابن مَسْدي: هو عَلَّمة زمانه، ورئيسُ أقرانه، كان آخر من حدَّث
بفاس عن الكِناني. وذكر لي أنه سَمِعَ بعضَ كتاب الجنابة من ((الموطأ)» من أبي
عبدالله ابن الرَّمّامة. خَرَّج لنفسه ((مشيخةً)) ولم يكن بفاس أنبلُ منه، قَدِمَها وهو
ابنُّ ثماني سنين، وعاش أربعاً وسبعين سنة.
قلتُ: هذا مِن أعيان الرُّواة بالمغرب، ومِن طبقة شيوخه سَمِيُّه عبدالعزيز
ابن عليّ بن محمد السُّمَاتي المقرىء من أهل إشبيلية. وقد مَرّ(٢).
٢٥٣- عبدالمُحسن بن أبي العَمِيد بن خالد بن عبدالغَفَّار بن
إسماعيل، الإمامُ حجةُ الدين أبو طالب الخَفِيفِيُّ الأبْهَرِيُّ الشافعيُّ
الصوفيّ.
وُلِدَ في رجب سنةَ سِتٍّ وخمسين وخمس مئة. وتفقَّه بهَمَذَانَ على أبي
القاسم بن حيدر القَزْويني، وعَلَّق ((الثَّعلِيقة))(٣) عن الفَخْرِ النُّوقاني.
وسَمِعَ بأصبَهان من الحافظ محمد بن عبدالجليل كُوتاه، وأحمدَ بنِ يَنَال
التُّرك، وأبي موسى المَدِيني. ويبغداد من أبي الفتح بن شاتيل، وأبي السَّعادات
(١) التكملة ٣/ ٩٩ - ١٠١.
(٢)
توفي نحو سنة ٥٦٠ وهناك ترجمه المؤلف.
(٣) التعليقة: الكتاب المقرر في الفقه الذي يُؤهل الطالب للتخرج، وهي تشبه ما يكتبه
الأساتذةِ من ((محاضرات)) في عصرنا.
٧٧٤

القَزَّاز. وبأبْهَر من أبي الفتوح عبدالكافي الخطيب. وبهَمَذَان من أبي المحاسن
عبدالرزاق بن إسماعيل القُومساني، وعبدالمنعم الفُرَاويّ. وبدمشقَ من
عبدالرحمن بن علي اللّخْمي، وإسماعيل الجنزوي. وبمصر من هبة الله البُوصيريّ .
وبالإسكندرية من القاضي محمد بن عبدالرحمن الحَضْرمي. وبمكة مِن
محمود بن عبدالمنعم القَلانسي الدِّمشقي. وبواسط من أبي بكر ابن الباقلاني.
وكان كثيرَ الأسفار والحجِّ، صاحِبَ صلاة وتَهَجُّد وصيام وعِبادةٍ. وله
قَدَمٌ في الفقه، والتَّصوُّف، وجاورَ مُدَّةً، وحَضَر حِصار عَكّا مع السلطان صلاح
الدين، ثم أقامَ ببغداد، وأمَّ بالصوفية برباط الخَلِيفة .
وسُمِعَ الكثير بقراءته على ابن كُلَيب، ويحيى بن بَوْش، وطبقتهما. وكان
يحجُّ كل سنة على السَّبيل الذي لِلجهة(١).
قال ابنُ النجّار: كان كثير المجاهدة، والعبادة، دائم الصيامِ سفَراً
وحضَراً، عارفا بكلام المشايخ، وأحوال القوم. وكانت له معرفة، حفظ
وإتقان. كتبنا عنه، وكان ثقةً صدوقاً ثم حج، وجاورَ، وصار إمام المقَام إلى
أن توفي في ثامن صفر(٢).
قلتُ: روى عنه ابنُ النَّجَّار، والضياءُ، وابن الحاجب، وأبو عبدالله
الدُّبَيثي(٣)، وأبو الفرج بن أبي عُمر، وقُطْبُ الدين القَسْطلاني، وغيرُهم.
قرأتُ على أبي المعالي بِمصْر: حدثكم أبو طالب عبدالمُحسن بن فرامرز
(١) الجهة: من تعابير ذلك العصر، ويُراد بها امرأة الخليفة أو أمه، وجمعها: جهات،
ولابن الساعي كتاب ((جهات الأئمة الخلفاء من الحرائر والإماء)) طبعه العلامة
الدكتور مصطفى جواد - رحمه الله - ولعله يقصد بالسبيل هنا: السبيل الذي سَبَّلته
السيدة شُجاع أم الخليفة المتوكل على الله المتوفاة سنة ٢٤٨هـ وكانت ذات مال
عظيم مشهورة بالبر والإحسان .
(٢) بمكة، لذلك ترجمه التقي الفاسي في العقد الثمين ٥/ ٤٩٣ - ٤٩٥. والأصح أنه
توفي ليلة السابع من صفر كما ذكر المنذري في التكملة ٣ / الترجمة ٢١٤٧
والقطب القسطلاني الذي حضر دفنه في مقابر الصوفية في اليوم السابع، على ما
نقله عنه الفاسي في العقد الثمين .
(٣) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٨٤ (باريس ٥٩٢٢). وتنظر تكملة المنذري
٣/ الترجمة ٢١٤٧.
٧٧٥

الخفيفي، وأخبركم محمد بن الحُسين؛ قالا: أخبرنا أحمدُ بنُ يَنال، قال:
أخبرنا محمدُ بنُ عبدالواحد، قال: حذَّثنا أبو بكر بن مَرْدُوية، قال: حدَّثنا
أحمد بن محمدُ بن نُصَير، قال: حدَّثنا أحمد بنُ عِصام، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن
هشام، قال: حدَّثني أبي عن قَتَادة عن أنَس أن نبي الله وجَّه قال: ((يَخْرُجُ مِنَ
النَّارِ مَنْ قَالَ لا إلهَ إلاّ الله وكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً)). أخرجهُ
مُسلَم (١) عن محمد بن مثنى، عن مُعاذ مثله.
وأخبرنا أبو المجد العُقَيلي إجازةً، قال: أخبرنا عبدُالمُحسن الخَّفِيفي
بِمِنى، قال: أخبرنا عبدالمنعم، فذكر حديثاً.
٢٥٤- عليٌّ بنِ عبدالوَهَّاب بن محمد بن أبي الفَرَج، الرئيس موفقُ
الدين أبو الحسن الجُذَاميُّ الإسكندرانيُّ المالكيُّ، صَدْرُ الإسكندرية وعَيْنُها .
وُلِدَ سنةَ سبع وثلاثين وخمس مئة. وحَدَّث عن السِّلَفيّ، وعن أبي
الفتوح نصرٍ بن فَلاقسَ الأزْهَرِي.
تُوفي في سادس ربيع الآخر(٢).
٢٥٥- عليّ بن يُونِس بن أحمد بن عُبيد الله، الأجَل عمادُ الدين أبو
الحسن البغداديُّ.
حَدَّث عن أبي الفتح ابن البَطِّي، وخديجةَ النَّهْروانيَّة. ومات في شهر ذي
الحِجة .
وهو أخو الوزير عُبيد الله بن يُونُس(٣).
٢٥٦- عُمر بن أبي الحارث أعَزُّ(٤) بن عُمر بن محمد بن عَمُّوية (٥)،
أبو حفص القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ السُّهْرَ وَرْدِيُّ ثم البَغْدادِيُّ الصُّوفيُّ.
(١) الصحيح ١ / ١٢٥، والحديث في صحيح البخاري أيضاً ١٧/١ و١٤٩/٩ من
طريق هشام، به وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على جامع الترمذي (٢٥٩٣).
(٢) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢١٥٥.
(٣) ينظر تاريخ ابن النجار، الورقة ٧٩ (باريس)، والتكملة للمنذري ٣/ الترجمة
٢١٧٦ .
(٤) قيّده المنذري كما ضبطناه. التكملة ٣/ الترجمة ٢١٥٢ .
(٥) قيده المنذري بالحروف أيضاً.
٧٧٦

وُلِدَ سنةً اثنتين وأربعين وخمس مئة، وسَمِعَ من أبي الوَقْت ((المئة
الشُّريحيّة)».
وهو أخو محمد وقد ذكِرَ(١)، وكذا أبوهما تقدَّمَ يروي عن أبي عليٍّ بن
نَبْهان .
تُوفي هذا في ثالث عشر ربيع الأول.
٢٥٧- عيسى، السُلطانُ الملك المُعَظِّم شرفُ الدين ابنُ السُّلطان
الملك العادل سيفِ الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذِي، صاحب
دمشق الفقيهُ الحنفيُّ الأديب.
وُلِدَ بالقاهرةِ في سنة ستٍّ وسبعين وخمس مئة، ونشأ بالشام، وحَفِظَ
القرآن، وتفقّه وبَرَعَ في المَذْهبِ، واعتنى (بالجامع الكبير)) فشرَحَهُ في عِدَّةِ
مُجَلَّدات بمعاونة غيرِهِ. ولازمَ تاجَ الدين الكِنْدي مدَّةً، وكان ينزلُ إلى داره
بدرب العَجَم من القَلْعة والكتابُ تحت إبطهِ، فأخذ عنه ((كتاب سيبوية)) وشَرْحَهُ
للسِّيرافي، وأخذَ عنه ((الحُجَّة في القراءات)) لأبي عليٍّ الفارسي، و((الحَمَاسة))
وغير ذلك من الكُتُب المُطَوَّلَة، وحَفِظَ ((الإيضاح)) في النَّحو، وسمعَ ((المُسْنَد))
من خَنْبَل المُكَبِّر، وسمِعَ من عُمر بن طَبَرْزَد، وغيرِهِ. وله ديوان شعر.
قال القُوصِيُّ: سمعتُ منه ديوانَهُ، وصنَّفَ في العَرُوض ومع ذلك فما
يُقيم الوزن في بعض الأوقات. وكان مُحِباً لمذهبهِ، مُتغالياً فيه، كثيرَ الاشتغال
مع كثرة الأشغال، وكان مُحِبًَّ للفضيلة، قد جعل لمن يعرض ((المُفَصَّل))
للزمخشري مئة دينار، ولمن يحفظ ((الجامع الكبير)) مئتي دينارٍ، ولمن يحفظ
((الإيضاح)) ثلاثين ديناراً، سوى الخِلَع. وقد حجَّ في أيام والده سنةً إحدى
عشرة وست مئة. وجَدَّدَ البرك والمَصَانِعِ، وأحسن إلى الحُجَّاج كثيراً. وبَنَّى
سُورَ دمشق والطارمة التي على باب الحَدِيد والخان الذي على باب الجابية،
وبنى بالقُدس مدرسةً، وبنى عند جعفر الطََّّار- رضي الله عنه - مسجداً (٢).
وعَمِلَ بمُعان دارَ مَضِيف وحَمَّامين. وكان قد عزم على تسهيل طريق الحاجِّ وأن
يبني في كل منزلة. وكان يتكلّم مع العُلماء، ويُناظر، ويبحث. وكان مَلِكاً
(١) في وفيات سنة ٦٠٦ .
(٢) يعني: بمؤتة، وهي تقع جنوب عمان.
٧٧٧

حازِماً، وافرَ الحُرمةِ، مشهوراً بالشَّجَاعة والإقدام، وفيه تواضعٌ وكَرَمٌ وحياءٌ.
وقد ساقَ على فرس واحدٍ من دمشق إلى الإسكندرية في ثمانية أيام في حدودٍ
سنةٍ سبع وست مئة إلى أخيه الملك الكامل محمد، فلما التقيا، قال له الكامل
بعد أن اعتنقه والتزمَهُ: اطلع اركب، فقال:
فِظُهورُهُنَّ على الرُّكَّابِ حَرَامُ
وإذا المَطِيُّ بِنَا بَلَغْنَ مُحمَّداً
فطرب الكامل وأعجبه.
وكان قد أعدَّ الجواسيسَ والقُصَاد، فإن الفِرَنْج كانوا على كَتِفِه، فلذلك
كان يَظْلِمُ، ويَعْسِفُ، ويُصادِر. وأخربَ القُدس، لعجزه عن حِفْظه من الفِرَنْجِ،
وأدارَ الخُمور، وكان يَمْلِكُ من العَرِيش إلى حِمْص والكَرَك والشّوبك وإلى
العُلى .
وكان عديمَ الالتفات إلى مايرغبُ فيه المُلوكُ من الأبَهَة والتَّعظيم،
وينهى نُوَّابَه عن مُزَاحمة الملوك في طلوع العَلَم على جبل عَرَفات. وكان يركب
وحدَه مِراراً عديدة، ثم يتبعه غِلْمانُه يتطاردون خَلْفه. وكان مُكرماً لأصحابه
كأنَّهُ واحدٌ منهم، ويُصَلِّي الجُمُعة في تربة عَمِّه صلاح الدين ويمشي منها إلى
تُربة أبيه.
تُوفي في سَلخ ذي القَعْدة سنةَ أربع، ودُفن بالقَلْعة، ثم نُقِلَ إلى تُربته
ومدرسته بقاسيون، سامحه الله .
ونقلتُ من خطِّ الضياء، قال: كان شُجاعاً، فَقِيهاً، وكان يشرب
المُسْكِرَ(١) ويجوِّزْ شُرْبَهُ!، وكان ربما أعطى العَطاء الكثير لمن لا يشرب حتى
يشربه. وأسَّسَ ظُلماً كثيراً ببلاد الشام، وأمَرَ بخراب بيت المقدس، وغيرها من
الحُصون(٢).
وقال ابن الأثير(٣): كان عالماً بعدَّة علوم، فاضلاً فيها، منها الفقه ومنها
(١) يعني المختلف فيه، لا المتفق على تحريمه.
(٢) لكن الملك المعظم عيسى أبلى بلاءً حسناً، وجاهد الصليبيين جهاداً عظيماً في نَوْبة
دمياط التي كانت مِن أشد الحملات خطراً على الأمة، فنسأل الله سبحانه أن
يتجاوزَ عنه بعضَ ما أخطأ، فجهاد العدو له منزلةٌ عظمى عند الله تعالى.
(٣) الكامل ١٢ / ٤٧٢ .
٧٧٨

عِلْمُ النحو، وكذلك اللغة. نَفَقَ العِلْمُ في سُوقِهِ وقصدَهُ العُلماء من الآفاق
فأكرَمَهُم وأعطاهم، إلى أن قال: لم يسمع أحدٌ منه ممن يصحبه كلمةً نزقة .
وكان يقول كثيراً: اعتقادي في الأصول ما سطَّره أبو جعفر الطحاوي(١).
وأوصى أن يُدفن في لحدٍ، وأن لايُبنَى عليه بناءٌ، بل يكون قبره تحتَ السماء،
وكان يقول في مرضه: لي عند الله في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني به(٢).
وقال ابنُ واصل(٣): كان جند المُعَظّم ثلاثة آلاف فارس لم يكن عند أحد
من إخوته جند مثلهم في فرط تَجَمُّلِهم، وحُسْنِ زيِّهم، فكان بهذا العَسْكر
القليل يُقاوم إخوتَهُ، فكان الكاملُ يخافه لما يتوهّمهُ من مَيْلِ عَسْكر مِصْرَ إليه
لما يعلمونه من اعتنائه بأمر أجناده. وكان المُعظّمُ يخطب لأخيه الكامل في
بلاده، ويضرب السكَّةَ باسمه، ولا يذكر اسمَه مع الكامل. وكان مع شهامته،
وعِظم هيبته قليلَ التكلف جداً، لا يَرْكَبُ في السَّنَاجق السلطانية في غالب
أوقاته، بل في جَمْع قليل وعلى رأسه كلوتة صفراء بلا شاش(٤)، ويَتخَرَّقَ
الطُرق، ولا يُطَرِّق لهُ أحدٌ. ولقد رأيتُه بالبيت المُقَدَّس في سنةٍ ثلاث وعشرين
والرجالُ والنِّساءُ يُزاحمونه ولا يردُّهم. ولما كَثُر هذا منه، ضُرِبَ به المَثَلُ،
فمن فعلَ فِعْلاً لا تَكَلُّف فيه قيل: ((فعله بالمُعَظَّمي)). وكان شيخُه في الفقه
جمال الدين الحَصِيرِيّ، تَرَدَّدَ إليه وإلى الكِنْدي كثيراً. وكان قد بحث ((كتاب
سيبوية)) وطالعه مرات. بلغني أن أباه قال له: كيف خالفتَ أهلك وصِرت
حنفياً؟ قال: يا خوند ألا تَرْضَوْنَ أن يكونَ منا واحِدٌ مُسلم؟ قاله على سبيل
المُداعبة .
٢٥٨- فاطمة بنت يونس .
وأخوها هو الوزيرُ أبو المظفر عُبيد الله بن يُونُس .
روت بالإجازة عن أبي الحسن بن غَبْرَةِ(٥).
(١) ونعم الاعتقاد.
(٢) إن شاء الله تعالى، فانظر ما علقنا قبل قليل.
مفرج الكروب ٤ / ٢٠٩ - ٢١٠ بتصرف.
(٣)
(٤) يعني بلا عمامة. وانظر صبح الأعشى ٤/ ٥.
(٥) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ٢١٥٨.
٧٧٩

٢٥٩- الفَتْح بن عبدالله بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبدالسلام
ابن يحيى، عميدُ الدين أبو الفرج بن أبي منصور بن أبي الفتح بن أبي
الحسن، البغداديُّ الكاتب.
وُلِدَ يومَ عاشوراء سنةً سبع وثلاثين وخمس مئة. وسمع من جدِّه أبي
الفتح، ومحمد بن أحمد الطرائِفيّ، ومحمد بن عُمر الأرْمَوِيِّ، وأبي غالب
محمد بن علي ابن الدَّاية، وأحمد بن طاهر المِيْهَني، وقاضي القضاة علي بن
الحُسين الزَّيْنَبِيّ، وهبةِ الله بن أبي شَرِيك الحاسِب، وأبي الكَرَم الشَّهْرَزُري،
وسعيد ابن البنَّاء، وأبي الوَقْت، ونُوشتكِين الرِّضْوانيّ، وأبي بكر ابن
الزَّاغُوني، وأحمد بن محمد ابن الإخوة المُخَلَّطي، وجماعةٍ .
روى عنه خَلْقٌ كثيرٌ منهم البِرْزالي، وعُمر ابن الحاجب، والسيفُ ابن
المَجْد، والقاضي شمس الدين ابن العِماد، وتقي الدين ابن الواسطي،
والشمس ابن الزَّين، والكمال عبدالرحمن المُكَبِّر، والجمال محمد ابن
الدََّّاب، والشهابُ الأَبَرْقُوهِي. وكان أسندَ من بقي بالعِراق.
قال المُنذري(١): كان شيخاً حسناً، كاتباً، أديباً، له شعرٌ، وتصرَّفَ في
الأعمال الدِّيوانية، وأضرَّ في آخر عُمُره، وانفردَ بأكثر شيوخه ومَرْویاتِهِ. وهو
مِن بيت الحديث، هو، وأبوه، وجدُّه وجدُّ أبيه .
وقال ابنُ الحاجب: هو من محلة الدِّينارية بباب الأزَج، وكان قديماً
بسكن بمنزل أسلافه بدار الخلافة. وهو بقيةُ بيتهِ صارت الرِّحلةَ إليه من البلاد
وتكاثرَ عليه الطَّلبةُ، واشتُهِرَ اسمُهُ. وكان من ذوي المناصب والولايات، فَهْماً
بصنعته، ترك الخدمةَ وبقي قانعًا بالكَفَاف، وأضَرَّ بأخَرَةٍ وكان كثيرَ الأمراض
حتى أُفْعِدَ. وكانَ مجلسُهُ مجلسَ هيبةٍ ووَقار، لايكاد يَشِذُ عنه حَرْف، مُحقِّق
لسماعاته إلا أنَّه لم يكن يُحب الرِّواية لمرضه واشتغاله بنفسه. وكان كثيرَ الذِّكْر
ذا هيبةٍ ووَقار، وكان يتوالى(٢) ولم يظهر لنا ما نُنكره عليه، بل كان يترحمُ على
الصحابة، ويَلْعن مَن يسبُّهم. وكان يَنْظِمُ الشعرَ في الزُّهد والنَّدَم على ما فات،
وكان ثقةً صحيحَ السَّماعِ، ولم يكن مُكثراً، لكنه تَفَرَّدَ بعدة أجزاء - ثم سمى
(١) التكملة ٣/ الترجمة ٢١٤٣.
(٢) أي: يتشيع، وهو مِن تعابير العصر.
٧٨٠