النص المفهرس

صفحات 681-700

أثنائها(١). ولم يكن له بَصَرٌ بالحديث، وسَمِعَ النَّاسُ منه. وتُوفي في شوَّال،
ودُفِنَ بداخل إشبيلية، وله ثلاثٌ وثمانونَ سنةً. تفقَّه به جماعة .
٥٣- محمدُ بنُ محمد بن محمد، الفقيه أبو الفتوح السَّمَرْ قنديُّ ثم
البَغْداديُّ الحنفيُّ.
وُلِدَ سنةَ إحدى وأربعين، وسَمِعَ من أبي الفتح ابن البَطي، وغيره،
ومات في ربيع الآخر. روى عنه ابنُ الدُّبَيثيّ(٢)، وابنُ النجار.
٥٤- محمدُ بنُ محمد بن أبي الفَتْح، أبو عبدالله المَقْدِسِيُّ.
حَدَّث بـ ((نسخة)) أبي مُسْهِرٍ(٣).
٥٥- محمد بنُ هِبَةِ الله بن المُكَرَّم(٤) بن عبدالله، أبو جعفر البَغْداديُّ
الصُّوفيُّ.
ولِدَ في حدود سنةٍ سبعٍ وثلاثين وخمسٍ مئة، وسَمِعَ مِن أبيه أبي نصر،
وأبي الفضل الأرموي، وابنَّ ناصر، وأبي الوَقْت، وأبي المُعَمَّر بن أحمد
الأنصاري، والمُظَفَّرِ بنِ أردَشِير العبادي، وغيرهم.
وكان أبوه يروي عن نصرٍ بن البَطرِ. وأخوه المكرَّم بنُ هِبَةِ الله، من
شيوخ الضِّياء، وابن عبدالدائم. وهو فحدَّث بـ ((صحيح البخاري))، باربل؛
روى عنه الدُّبَيْئِيُّ(٥)، وابنُ النجار، والبِرْزاليُّ، والجمالُ محمدُ ابنُ الدّبَّاب
الواعظ، والقاضي شمسُ الدين ابنُ خَلِّكَان؛ (٦) وأخوه البهاءُ محمد قاضي
بعلبك .
وكان صوفياً، ديناً، توفي في خامس المحرّم ببغداد.
(١) قوله: ((وكان أهل بلده ... )) إلى آخر العبارة لم نجدها في المطبوع من التكملة
الأبارية ولا وجدنا معناها.
(٢) وترجمه في تاريخه، الورقة ١١٦ (شهيد علي). وتنظر تكملة المنذري ٣/ الترجمة
١٩٧٣.
(٣) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ١٩٩١.
(٤) قيده المنذري بتشديد الراء (التكملة ٣/ الترجمة ١٩٦١).
(٥) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٧١ - ١٧٢ (باريس ٥٩٢١).
(٦) سمع منه صحيح البخاري بإربل في بعض شهور سنة ٦٢٠ انظر تعليقنا على سير
أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٤٦ .
٦٨١

٥٦- محمدُ بنُ يحيى بن يحيى الأنصاريُّ، أبو عبدالله الأندلسيُّ
المقرىء المحقق .
أخذ القراءات عن يحيى، وأخذ بعضَ السَّبْع عن ابن خَيْرٍ، وعاش نَيّفاً
وسبعينَ سنةً. أقرأ الناسَ بِسَبْتَةَ .
لقيه ابن مَسْدِي .
٥٧- محمدُ بن يَخْلفْتن بن أحمد بن تَنْفِليت، أبو عبدالله الجفثيُّ
البربريُّ الفازازيُّ التِّلِمْسَانِيُّ الفقيه.
قال الأبَّار(١): سَمِعَ من أبي عبدالله التُّجِيبي. وكان فقيهاً، أديباً، مقدَّماً
في الكتابة والشعر. ولي قضاءَ مُرْسِيَةَ، ثُمَّ قضاء قُرطبة. وكان حميدَ السيرة،
جميلَ الهيئة، شديدَ الهيبة. حُدِّثْتُ: أنه كان يحفظ ((صحيح البخاري))، أو
معظمه، توفي بقُرطُبَةَ.
٥٨- محمدُ بنُ أبي الفرج بن أبي المعالي معالي، الشيخ فخر الدين
أبو المعالي المَوْصِليُّ المُقرىء الشَّافعيُّ، معيدُ النِّظامِيّة.
قرأ القراءاتِ على الإمام يحيى بنِ سعدون القُرطبي، وسَمِعَ منه ومن
خطيبِ المَوْصل أبي الفضل. وقَدِمَ بغدادَ سنةَ اثنتين وسبعين وخمسٍ مئة؛
فتفقَّه بها. وقرأ العربية على الكمال عبد الرحمن الأنباري.
وأعاد بالنِّظامِيَّةِ، وأقرأ القِراءاتِ، وحَدَّث. وَوُلِدَ سنةَ تسع وثلاثين
وخمس مئة .
قرأ عليه القراءاتِ الشيخُ عبد الصمد بن أبي الجيش، والكمالُ
عبدالرحمن المُكَبِّر، وطائفة .
قال ابنُ النجار: لَهُ معرفةٌ تامّة بوجوه القراءات وعِللها وطرقها، وله في
ذلك مصنفات. وكان فقيهاً، فاضلاً، حَسَنَ الكلام في مسائلِ الخلاف، ويَعْرِفُ
النَّحوَ معرفةً حسنةً. وكان كيِّساً، متودِّداً، متواضِعاً، لطيفَ العِشرة، صدوقاً.
توفي في سادس رمضان(٢).
(١) التكملة ٢ / ١٦٤.
(٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٨٢ (باريس ٥٩٢١)، وتكملة المنذري ٣/
الترجمة ١٩٩٥ .
٦٨٢

٥٩- المُظفَّر بن المبارك بن أحمد بن محمد، القاضي أبو الكَرَم
الحَنَفَيُّ البغداديُّ العَدْلُ، عُرِفَ والِدُه بِحَرِّكْهَا (١).
وُلِدَ سنةَ ستٍّ وأربعين، وسَمِعَ من أبيه، ومن أبي الوَقْت، وابن البَطي،
وَوَلِي الحِسْبَةَ ببغداد، والقضاءَ برُبع الثلاثاء(٢). وكانت له حلقةُ إشغال بجامع
القصر. وكان أبوه أبو السعادات مِن كبار الحنفية.
توفي أبو الكرم في حادي عشر(٣) جُمادى الآخرة.
وروى ((المئة الشُّريحية)). أخذ عنه الطَّلَبَةُ.
٦٠ - المظفَّرُ بنُ أبي الخير بن إسماعيل بن علي، الإمام أمين الدين
أبو الأسعد التِّبريزيُّ الوارانيُّ الشَّافعيُّ.
تفقَّه ببغداد على أبي القاسم بن فَضْلان، وغيره. وأعاد بالنِّظامِيَّة مُدَّة،
وتخرَّج به جماعةٌ. وسَمِعَ من ابن كليب، ثم حَجَّ، وقَدِمَ مصر، ودرَّس بها
بالمدرسة الناصريّة المجاورة للجامع العتيق. ثم توجّه إلى العراق ثم إلى
شيراز، وأقام بها إلى حين وفاته.
وحَدَّث بالبصرةِ ومصرَ؛ روى عنه الزَّكِيُّ المُنذريُّ، وغيرُه(٤).
٦١ - مِقْدامٌ، الوزير فخر الدين أبو الفوارس ابن القاضي الأجل أبي
العبَّاس أحمد بن شُكْرٍ، المصريُّ.
وُلِدَ سِنَةَ إحدى وسِتين، وتفقَّه على مذهب مالكِ. وسَمِعَ من أبي
يعقوب بنِ الطَّفيل، وغيره. وكان فيه بِزّ وإيثارٌ.
وهو عمُّ الشيخ أبي الحسن علي بن شُكْرٍ المحدِّث، الذي مات سنةً ست
عشرَة (٥) .
٦٢ - موسى بنُ عيسى بن خليفة، أبو عِمران اللَّخمِيُّ القُرطبيُّ،
(١) انظر تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٩٧٩.
(٢) يعني: سوق الثلاثاء ببغداد وهو موضع مشهور.
(٣) ذكر المنذري في التكملة (٣/ الترجمة ١٩٧٩) وفاته في الخامس من جمادى
الآخرة .
(٤) من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢٠٠٨.
(٥) تنظر التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ١٩٩٢.
٦٨٣

ويُعرف بابن الفَخَّار، الناسخ المقرىء.
أخَذ القراءاتِ عن أبي إسحاق بن طلحةَ، وأبي القاسم الشَّرَّاط، وسَمِعَ
مَن أبي القاسم بن بَشْكُوال، وغيرهِ. وصَحِبَ الصَّالِحِينَ، وأقرأ القرآن، وكان
یکتبُ المصاحِفَ.
قال الأبّار(١): توفي في رجب.
٦٣ - هارونُ بنُ أبي الحسن بن بَرَكة الصَّحْراويُّ (٢).
سَمِعَ من أبي الحُسين عبدالحق اليوسُفي، وحَدَّث، ودُفِنَ بمقبرة
معروف(٣).
٦٤ - يحيى بنُ أبي نَصْر عُمَرَ، أبو زكريا البَغْداديُّ المُشا، المعروف
بالصَّحْراويِّ.
سمع من أبي الفتح بن البَطي، وأبي القاسم بن هلال الذَّقاق، وأبي
المعالي بن حنيفة. وحَدَّث.
والمُشا: بضم الميم وتخفيف الشين (٤).
٦٥ - يوسفُ بنُ أحمدَ بنِ عِبَّاد، أبو الحَكَم التَّمِيمِيُّ المَلْيَانِيُ(٥) .
تجوَّل في الأقاليم، ولقي السُّهْرَوَرْدِي الفيلسوف بِمَلَطْيَةَ، وأخذ عنه.
وسكن دَانيَةَ، ونُوظِرَ علیه بها .
قال الأبّار(٦): أخذ عنه أبو إسحاق ابن المناصف، وأبو عبدالرحيم(٧)
ابن غالب، ورأيتُه مراراً. وكان شاعراً، مجوّداً، غالياً في التشتِّع. توفي بِدَانيَةَ
ليلةَ عاشوراء.
قلتُ: له عقيدة خبيثة، وفيه اتّحادٌ ظاهر.
(١) التكملة الأبارية ٢ / ١٨١.
(٢) تقال هذه النسبة لمن يخدم البساتين.
من التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢٠٠٣ .
(٣)
(٤) وهو مقصور، ونقل الضبط من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٩٩٠.
(٥) جوّد المصنف تقييده بالباء الموحدة، وفي المطبوع من التكملة: عياد، بالياء آخر
الحروف، ولم تذكره كتب المشتبه فيمن اسمه ((عياد)» بالياء آخر الحروف.
(٦) التكملة ٤/ ٢٢٧.
(٧) الذي في نسخة الأزهر من ((التكملة)): ((عبدالرحمن)).
٦٨٤

٦٦ - أبو طالب بن أبي طاهر بن أبي الغنائم النجار.
سَمِع من يحيى بن ثابت جزءاً.
مات في ربيع الأول.
وفيها وُلِدَ :
رضيُّ الدين جعفر بن القاسم الرَّبَعِي ابن دَبوقا المقرىء بحرَّان، والعزّ
عُمَرُ بنُ محمد ابن الأستاذ بحلب، وقاضي حماة الكمالُ عبدالوهَّاب ابن
المحيي حمزة البَهراني، والشمس محمد ابن المحدِّث الشاهد ولد عز الدين
عبدالرزَّاق الرَّسْعَنِي، والجمالُ محمد بن حسن ابن البُوني، بالإسكندرية،
والعمادُ إسماعيل بنُ علي ابن الطبّال في صفر، والبهاءُ عمر بن محمد بن
عبدالعزيز بن باقا روى عن جدِّه، والركن يونُس بنُ علي بن أفْتَكِينَ، والعِمادُ
المَوْصِلي صاحب ((التجويد)) علي بن أبي زهران، وسليمان بن قايماز النُّوري
الحَلَبِيُّ، ويونُس بنُ خليل الحموي الشاهد، نزيل مصر، والمؤيَّد عليُّ ابن
خطيب عقربا إبراهيم بن يحيى، والتَّقيُّ أحمد بن عبدالرحمن ابن العُنَيْقَة
العطار، وشيخنا أبو الحسن عليُّ ابن الفقيه اليُونيني. والبدرُ أحمدُ بن عبد الله
ابن عبدالملك المقدسي، والنفيسُ عبدالرحمن بن سليمان بن طرخان
المشهديُّ المصريُّ، وفي حدودها وُلِدَ الشيخ المعمَّر أبو العباس أحمدُ بن أبي
طالب ابن الشِّحنة الحجار الصالحي، أو بعدَها بعام.
٦٨٥

سنة اثنتين وعشرين وست مئة
٦٧ - أحمدُ أمير المؤمنين الإمام الناصر لدين الله، أبو العباس ابن
الإمام المُستضيء بأمرِ الله أبي محمد الحسن ابنِ الإمام المُستنجد بالله أبي
المظفر يوسف ابن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبدالله محمد ابنِ الإمام
المُستظهر بالله أحمد ابنِ المُقتدي بأمر الله أبي القاسم، الهاشميُّ العباسيُّ
البغداديُّ.
وُلِدَ يوم الاثنين عاشِرَ رجب سنةَ ثلاث وخمسين وخمس مئة. وبُويع
أوَّل ذي القعدة سنةً خمس وسبعين .
وكان أبيضَ اللون، تركيَّ الوجه، مليحَ العَيْنَيْنِ، أنورَ الجبهة، أقنى
الأنف، خفيفَ العارضين، أشقرَ اللحية، مليحَ المحاسن. نَقْشُ خاتمه ((رجائي
مِن الله عفوه)).
أجاز له أبو الحُسين عبدُالحق اليُوسفي، وأبو الحسن عليُّ بنُ عساكر
البَطائحي، وشُهْدةُ، وجماعةٌ. وأجاز هو لجماعةٍ من الكبار، فكانُوا يُحدِّثون
عنه في حياتِه، ويتنافسُون في ذلك، وما غَرَضُهم العُلوَّ ولا الإسْنَادَ، بل
غرضُهم التفاخُرُ، وإقامة الشعار والوَهْم.
ولم تكن الخلافةُ لأحد أطولَ مُدَّةً منه، إلا ما ذُكِرَ عن الخوارج
العُبيديين، فإنه بقي في الأمر بديار مصر المُسْتَنْصِرُ نحواً من ستين سنة. وكذا
بقي الأميرُ عبدُالرحمن صاحبُ الأندلس خمسين سنةً.
وكان المُستضيء أبوه قد تخوّف منه، فاعتقله، ومالَ إلى أخيه أبي
منصور. وكان ابنُ العَطَّار وأكثرُ الدَّوْلة مع أبي منصور، وحظيةُ المُستضيء
بنفشا والمجدُ ابنُ الصاحبِ ونفرٌ يسير مع أبي العباس. فلما بُويعَ أبوٍ العباس،
قَبِضَ على ابن العَطَّار وسَلَّمه إلى المماليك. وكان قد أساء إليهم، فأَخْرِجَ بَعْدَ
أيَّام ميتا، وسُحِبَ في شوارع بغدادَ. وتمكَّن المجدُ ابنُ الصاحب فوق الحد
وطَّغا، وآلت به الحالُ إلى أن قُتِلَ.
قال الموفَّقُ عبدُاللطيف: وكان الناصِرُ لدين الله شاباً مَرِحاً، عنده مَيْعةُ
الشباب. يَشُقُّ الدروبَ والأسواق أكثرَ الليل والناسُ يتهيَّون لقاءَه. وظهر
٦٨٦

التشيعُ بسبب ابن الصاحب، ثم انطفى بهلاكه. وظهر التَّستُّنُ المُفْرِطُ ثم زال.
وَظَهَرَتِ الفتوةُ والبُنْدِق والحَمَام الهادي، وتفنَّن الناسُ في ذلك. ودخل فيه
الأجلاءُ ثم الملوك، فألبسوا الملكَ العادِلَ وأولادَه سراويلَ الفتوة، وكذا
ألبسوا شهابَ الدين الغوري ملك غَزْنة والهند، وصاحب كميش، وأتابَك سَعْد
صاحب شيراز، والملكَ الظاهر صاحب حلب، وتخوَّفوا من السُّلطان طَغريل.
وجرت بينهم حروبٌ. وفي الآخر استدعوا تِكش لحربه، وهو خوارزم شاه،
فخرج في جحفل لَجِبٍ، والتقى معه على الرَّيِّ، واحتَزَّ رأسَه، وسيَّره إِلى
بغداد. ثم تقدَّم تِكش نحو بغداد يلتمسُ رسومَ السلطنة، فتحرَّكت عليه أُمَّةُ
الخَطَا، فَرَجَعَ إلى خُوارزم، وما لَبِثَ أن مات. وكان الناصرُ لدين الله قد خطب
لولده الأكبرِ أبي نصر بولاية العهد، ثُمَّ ضيَّق عليه لما استشعر منه، وعيّن
أخاه، ثم ألزم أبا نصر بأن أشهدَ على نفسه أنه لا يَصْلُح، وأنه قد نزل عن
الأمر. وأكبر الأسباب في نفور الناصر من ولده هو الوزير نصير الدين ابن
مهدي العلوي فإنَّه خَيَّلَ إلى الخليفة فسادَ نيةِ ولدِهِ بوجوه كثيرة. وهذا الوزيرُ
أفسد على الخليفة قلوبَ الرَّعية والجُند، وبَغَّضَهُ إليهم وإلى ملوكِ الأطراف،
وكاد يُخلي بغداد عن أهلها، بالإرهاب تارةً وبالقتل أُخرى، ولا يَقْدِرُ أحد أن
يكشِفَ للخليفة حالَ الوزير، حتى تمكَّنَ الفَسادُ وظهر، فقبض عليه برفق.
وفي أثناء ذلك، ظهر بخراسان وما وراءَ النهر خوارزم شاه محمد بن تكش
وتَجَبَّرَ وطوى البلادَ، واستبعد الملوكَ الكِبارَ وفَتَكَ بكثيرٍ منهم، وأباد أمماً
كثيرةً مِن التُّرك، فأباد أُمَّة الخَطَا وِأُمَّة الترك، وأساء إلى باقي الأمم الذين لم
يصل إليهم سَيْفُه. ورَهِبَه النَّاسُ كُلُّهم. وقَطَعَ خطبة بني العباس من بلاده،
وصرَّح بالوقيعة فيهم. وقَصَدَ بغداد فوصل إلى هَمَذَانَ وبوادِرُه إلى حُلْوان فوقع
عليهم ثَلْج عظيمٌ عشرين يوماً، فغطاهم في غير إيَّانِهِ، فأشعره بعضُ خواصِّه أن
ذلك غَضَبٌ مِن الله، حيث نقصِدُ بيتَ النبوة. والخليفة مع ذلك قد جَمَعَ
الجُموعَ، وأنفق النفقاتِ، واستعدَّ بكُلِّ ما تصل المُكنةُ إليه، لكن الله وَقَى شرَّه
وردَّه على عقبه. وسَمِعَ أن أُمم الترك قد تألَّبوا عليه وطَمِعُوا في البلاد لِبُعده
عنها، فقصدهم، فقصدُوه، ثم كايدوه، وكاثروه إلى أن مزَّقوه في كل وِجهة،
وبَلْبَلوا لُبَّه، وشتَّتوا شملَهُ، وملكوا عليه أقطارَ الأرض، حتى ضاقت عليه بما
رَحُبَتْ، وصار أین توجَّه، وَجَدَ سیوفهم مُتحگّمة فيه، فتقاذفت به البلادُ حتى
٦٨٧

لم يجد موضعاً يحويه، ولا صديقاً يُؤويه، فشرَّق وغرَّب، وأنجد وأسهل،
وأصحرَ وأجبل، والرُّعْبُ قد ملك لُبَّه. فعند ذلك قضى نحبه.
قال: وكان الشيخ شهاب الدين(١) لما جاء في الرسالة خاطبه بِكُلِّ قول
ولاطَفَه، ولا يزدادُ إلا طغياناً وعُتوّاً، ولم يزل الإمامُ الناصر مُدَّة حياته في عِزّ
وجلالةٍ، وقَمْع للأعداء، واستظهارٍ على الملوك، لم يجد ضَيْماً، ولا خرج
عليه خارجي إلَّّ قمعه، ولا مخالفٌ إلا دَمَغه، وكل مَنْ أضمر له سوءاً رماه الله
بالخِذْلان، وأبادَهُ. وكان مع سعادة جَدِّه شديدَ الاهتمام بمصالح الملك،
لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارِهم وصغارِهم. وأصحابُ أخباره في
أقطار البلاد يُوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة حتى يُشاهد جميعَ
البلادِ دفعة واحدة. وكانت له حيلٌ لطيفةٌ، ومكايدُ غامضةٌ، وخدعٌ لا يَفْطَنُ لها
أحد. يُوقِعُ الصداقةَ بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون، ويُوقع العداوةَ بين
ملوكٍ متفقين وهم لا يَفْطَنُونَ .
قال: ولو أخذنا في نوادِر حكاياته، لاحتاجت إلى صُحُفٍ كثيرةٍ.
ولما دخل رسولُ صاحب مازندران بغدادَ، كانت تأتيه ورقةٌ كُلَّ صباح
بما عَمِلَ في الليل، فصار يُبالغ في التكتم، والورقة تأتيه، فاختلى ليلةً بامرأةً
دخلت من باب السِّرِّ، فصبحته الورقة بذلك، وفيها كان عليكم دواجٌ فيه صُورة
الأفيلة فتحيَّر، وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الخليفة يَعْلَمُ الغيب؛ لأن
الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل، وما وراء
الجدار.
وقيل: إنَّ الناصر كان مخدوماً من الجِنِّ(٢).
وأتى رسولُ خوارزم شاه برسالةٍ مخفية وكتابٍ مختوم، فقيل: ارجع،
فقد عرفنا ما جئتَ به، فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب.
ووصل رسول آخر فقال: الرسالة معي مشافهة إلى الخليفة، فحُبِسَ،
(١) يعني: عمر السُّهروردي المتوفى سنة ٦٣٢هـ.
(٢) كذا قال، وهو تفسير ساذج، فكأن الذهبي لم يُدرك شدة عناية الخليفة الناصر
بالمخابرات وإكثاره من الجواسيس.
٦٨٨

ونُسِيَ ثمانية أشهر، ثم أخرج وأعطي عشرة آلاف دينار، فذهب إلى خوارزم
شاه، وصار صاحبَ خبرٍ لهم، وسيَّر جاسوساً يُطلِعُه على أخبار عسكر خوارزم
شاه لما وجَّه إلى بغداد، وكان لا يقدِرُ أحدٌ أن يَدْخُلَ بينهم إلا قتلوه، فابتدأ
الجاسوسُ وشوَّ خِلْقته وأظهر الجُنونَ، وأنه قد ضاع له حمار فأنِسُوا به،
وضَحِكُوا منه، وتردد بينهم أربعين يوماً، ثم عاد إلى بغداد، فقال: هم مئة
وتسعون ألفاً إلا أن يزيدوا ألفاً أو يَنْقُصُوا ألفاً.
وكان الناصرُ إذا أطْعم أَشْبع، وإذا ضَرَبَ أوْجع، وله مَواطِنُ يُعطي فيها
عطاءَ مَنْ لا يخاف الفقر. ووصلَ رجلٌ معه بَبْغاء تقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾
[الإخلاص ١] تُحفةً للخليفة من الهند، فأصبحت ميتةً، وأصبح حيرانَ،
فجاءه فَرَّاش يطلُب منه الببغاء، فبكى، وقال: الليلة ماتت، فقال: قد عرفنا
هاتِها ميتة، وقال: كم كان في ظَنِّكَ أن يُعطيَك الخليفة؟ قال: خمسُ مئة
دينار، فقال: هذه خمسُ مئة دينار خُذها، فقد أرسلها إليك أميرُ المؤمنين،
فإنه علم بحالك مذ خرجتَ من الهند!
وكان صَدْر جهان قد صار إلى بغداد ومعه جمعٌ من الفقهاء، وواحد
منهم لما خرج مِن داره مِن سمرقند على فرسٍ جميلة، فقال له أهلُه: لو تركتَها
عندنا لئلا تُؤْخَذَ منك في بغداد؟ فقال: الخليفةُ لا يقدر أن يأخذها مني، فأمر
بعض الوقادين أنه حين يَدْخُلُ بغداد يَضْرِبُه، ويأخُذُ الفرس ويهرب في
الزَّحمة، ففعل، فجاء الفقيهُ يستغيثُ فلا يُغاث، فلما رجعوا من الحجِّ خُلِعَ
على صَدْرِ جهان وأصحابه سوى ذلك الفقيه، وبعدَ الفراغ منهم، خُلِعَ عليه،
وأخرج إلى الباب وقُدَّمَتْ له فرسُه وعليها سرجٌ من ذهب وطوق، وقيل له:
لم يأخذ فَرَسَك الخليفةُ، إنما أخذها أتونيٌّ، فخرَّ مغشياً عليه، وأسجل
بکراماتھم.
قلتُ: يجوز أن يكون للخليفة أو لبعض خَوَاصِّه رئي من الجن، فيخبره
بأضعاف هذا، والخَطْبُ في هذا سَهْلٌ، فقد رأينا أنموذجَ هذا في زماننا بل
وأكثر منه(١).
قال الموفقُ عبداللطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث،
(١) انظر تعليقنا قبل قليل.
تاريخ الإسلام ١٣ / م ٤٤
٦٨٩

واستنابَ نُوَّاباً في ذلك، وأجرى عليهم جِراياتٍ، وكتبَ للملوك والعلماءِ
إجازات. وجَمَعَ كتاباً سبعينَ حديثاً ووصل على يد شهاب الدين إلى حَلَب،
وسمعه الملكُ الظَّاهر وجماهيرُ الدولة، وشرحتُهُ شَرْحاً حَسَناً، وسيَّرتُه صُحبة
شهاب الدين. وسببُ انعكافه على الحديث أن الشريفَ العباسي قاضي القضاة
نُسِبَ إليه تزوير، فأحضر القاضي وثلاثةُ شهود، فعُزِّزَ القاضي بأن حركت
عِمامته فقط، وعُزِّزَ الثلاثة بأن أُرْكِبوا جِمالاً وَطِيفَ بهم المدينة يُضربون
بالدِّرَّةِ، فمات واحد تلك الليلة، وآخر لَبِسَ لُبْسَ الفُسَّاق ودخل بيوتهم،
والثالث لَزِمَ بيتَه واختفى وهو البَنْدنيجي المحدِّث رفيقنا. فَبَعْدَ مَّةٍ احتاج،
وأراد بيعَ كتبه، ففتش الجُزازَ، فوجد فيه إجازة للخليفة من مشايخ بغداد،
فرفعها، فَخُلِعَ عليه، وأعطِيَ مئة دينار، وجُعِلَ وكيلاً عن أمير المؤمنين في
الإجازة والتسميع(١).
قلتُ: أجاز الناصرُ لجماعة من الأعيان فحدَّثوا عنه، منهم أبو أحمد بن
سُكَيْنَةَ، وأبو محمد ابن الأخضر، وقاضي القضاة أبو القاسم ابن الدَّامغاني،
وولدُه الظاهر بأمرِ الله، والملك العادلُ، وبنوه المعظّم والكامِلُ والأشرفُ.
قال ابنُ النَّجَّار: شَرَّفني بالإجازة، فرويتُ عنه بالحرمين، وبيتِ
المقدس، ودمشقَ، وحلبَ، وبغدادَ، وأصبَهَان، ونَيْسَابُورَ، ومَرْوَ، وهَمَذَانَ .
ثم روى عنه حديثاً بالإجازة التي أذن له بخطُّه.
وقال الموفق عبداللطيف: وأقام سنین یُراسِلُ جلال الدین حسن صاحب
ألموت يُراوِدُه أن يُعيدَ شعارَ الإسلام من الصلاة والصيام وغير ذلك مما رفعوه
في زمان سِنان، ويقولُ: إنكم إذا فعلتم ذلك كنا يداً واحدةً، ولم يتغيّرْ عليكم
من أحوالكم شيءٌ، ومَنْ يروم هذا من هؤلاء، فقد رام منال العَيُّوق(٢). واتفق
أن رسول خُوارزم شاه بن تِكش ورد في أمرٍ من الأمور، فزُوِّر على لسانه كُتُبٌ
في حقِّ الملاحِدَةِ تشتمل على الوعيدِ، وعَزْم الإيقاع بهم، وأنه سيُخَرِّبُ
(١) وهذا تفسيرٌ ساذج من الموفق لسبب عناية الناصر لدين الله برواية الحديث، وما
نشك أن وراءَها مقاصد سياسية أعظمُها كسبُ الرأي العام، وتثبيت قدسية الخلافة
في نفوس الناس، وملوك الأطراف.
(٢) العيوق: نجم أحمر في طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدمها.
٦٩٠

قِلاعَهم، ويطلبُ من الخليفة المعونةَ في ذلك، وأحْضِرَ رجل منهم كان قاطناً
ببغدادَ، ووُقِّفَ على الكتب، وأخْرِجَ بها وبكُتب أخرى على وجه النصيحةِ
نصفَ الليلِ على البريد، فلما وصل ألمُوتَ أرهبهم، فما وجدوا مَخْلَصاً إلا
التَّظاهُرَ بالإسلام، وإقامة شِعاره، وسيَّروا إلى بغداد رسولاً ومعه مئتا شابٍ
منهم، ودنانيرَ كباراً في مخانق، وعليها ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))،
وطافُوا بها في بغداد، وجميعُ مَنْ حولها يُعلِنُ بالشهادتين(١).
وكان الناصرُ لدين الله قد ملأ القلوبَ هيبةً وخيفة. فكان يَرْهَبُهُ أهلُ الهند
ومصر كما يَرْهَبُهُ أهلُ بغدادَ، فأحيى هيبةَ الخِلافة وكانت قد ماتت بموت
المعتصم، ثم ماتت بموته. ولقد كُنْتُ بمصر والشام في خلواتِ الملوكِ
والأكابرِ، فإذا جرى ذِكْرُهُ، خفضوا أصواتَهم هيبةً وإجلالاً .
وورد بغدادَ تاجرٌ معه متاع دمياط المُذهب، فسألوه عنه، فأنكر، فأعطي
علاماتٍ فيه من عدده وألوانه وأصنافِه، فازداد إنكارُه، فقيل له: مِن العلامات
أنَّك نَقَمْتَ على مملوكك التركي فلان، فأخذتَه إلى سِيْفٍ (٢) بَحْرِ دِمياط خلوةً،
وقتلتَه ودفنتَه هناك، ولم يشعر بذلك أحد.
قال ابنُ النَّجَّار في ترجمة الناصر: دانت له السلاطينُ، ودخل تحتَ
طاعته مَنْ كان من المُخالفين، وذَلَّتْ له العُتاة والطُّغاة، وانقهرت بسيفه
الجبابرةُ والبُغاة، واندحضَ أضدادُه وأعداؤه، وكَثُرَ أنصارُه وأولياؤهُ، وفَتَحَ
البلادَ العديدة، وملك من الممالك ما لم يملِكْه مَنْ تقدمه من الخلفاء والملوك
أحد وخُطِبَ له ببلادِ الأندلس وبلاد الصين، وكان أسدَ بني العباس، تتصدَّع
لهيبته الِجِبال، وتَذِلُّ لسطوته الأقيال. وكان حَسَنَ الخَلْقِ، لَطِيفَ الخُلُق،
كاملَ الظُرْفِ، فصيحَ اللسان، بليغَ البيان، له التوقيعاتُ المُسَّدة، والكلماتُ
المُؤيَّدة، كانت أيامُه غُرَّةً في وجه الدهر، ودُرَّةً في تاج الفخر. وقد حدثني
الحاجب أبو طالب عليٌّ بنُ محمد بن جعفر، قال: برز توقيعٌ من الناصر لدين
(١) جلال الدين الإسماعيلي هذا نعته الذهبي في غير ما موضع من كتبه ((ضلال
الدين)). ولا شك أن ما يُسمى بإقامة شعائر الإسلام إنما كان لأغراض سياسية
وأثبتت الأحداث التالية صحة ذلك.
(٢) السَّيف: شاطىء البحر.
٦٩١

الله إلى جلال الدين ابن يونس صدر المخزن: ((لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن
يُقْدِمُوا على أمر لم ينظروا في عاقبته، فإن النظرَ قبل الإقدام خيرٌ من الندمَ بعد
الفوات، ولا يؤخذ البُرَآء بقول الأعداء، فلكلِّ ناصح كاشح، ولا يُطالب
بالأموال من لم يَخُنْ في الأعمال، فإن المصادرة مكافأةً للظالمين وليكن
العفافُ والتقى رقيبان عليك)). قال الحاجبُ أبو طالب: وبرز توقيعٌ آخر منه
إلى ابن يونس: ((قد تكرر تَقَدُّمنا إليك مِما افترضه الله علينا، ويلزمنا القيامُ به؛
كيف يُهمَلُ حالُ الناس حتى تمَّ عليهم ما قد بُيِّن في باطنها، فتنصف الرجل،
وتقابل العامل إن لم يُفلج بحجة شرعية)).
وقال القاضي ابن واصل(١): كان الناصرُ شَهماً، شُجاعاً، ذا فكرة صائبةٍ
وعقلٍ رصينٍ، ومَكْرٍ ودَهاءٍ، وكانت هيبتُه عظيمةً جداً، وله أصحابُ أخبار في
العراق وسائر الأطراف، يُطالعونه بجزئيات الأمور(٢)، حتى ذُكِرَ أن رجلاً
ببغداد عَمِلَ دعوةً، وغسل يَده قبل أضيافه، فطالع صاحبُ الخبر الناصر
بذلك. فكتب في جواب ذلك: ((سوءُ أدبٍ من صاحب الدار، وفضول من
كاتب المطالعة)).
قال(٣): وكان مع ذلك رديءَ السِّيرة في الرعية، مائلاً إلى الظُلْم
والعَسْفِ، فخرِبَتْ في أيامه العراق، وتفرَّق أهلُها في البلاد، وأخذ أموالهم
وأملاكَهم، وكان يفعل أفعالاً متضادة، إلى أن قال(٤): وكان يتشيَّعُ، ويميل
إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه، إلى أن قال: وبلغني أن شخصاً كان يرى
صحة خلافةِ يزيد، فأحضره الخليفةُ لِيعاقبه، فقيل له: أتقولُ بصحة خلافة
يزيد؟ فقال: أنا أقولُ: إن الإمام لا ينعزِلُ بارتكاب الفِسْقِ، فأعرض الناصرُ
عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف المُحاقَقَة.
قال(٥): وسئل ابنُ الجَوْزي، والخليفة يسمع: مَن أفضلُ الناسِ بعد
(١) مفرج الكروب ٤/ ١٦٣ بتصرف، على عادة الذهبي.
(٢) ((وكلياتها)) كما في مفرج الكروب.
(٣)
مفرج الكروب ٤ / ١٦٣.
(٤)
مفرج الكروب ٤ / ١٦٦ .
(٥) مفرج الكروب ٤ / ١٦٦ - ١٦٧ .
٦٩٢

رسول الله وَ ل﴾؟ فقال: أفضلُهم بعده من كانت ابنتُه تحته، وهذا جوابٌ محتمل
لأبي بكر وعلي رضي الله عنهما .
وكتب إلى الناصر خادمٌ له اسمه يُمن ورقة فيها يعتب، فوقع فيها: ((بِمَن
يَمُنُّ يُمْن، ثمنُ يُمنِ ثُمْنِ))(١) .
وقال أبو المظفر الجَوْزي(٢): قَلَّ بَصَرُ الخليفة في الآخر، وقيل: ذهب
جُمْلَةٌ. وكان خادمُه رشيقٌ قد استولى على الخلافة، وأقام مدَّة يُوقِّعُ عنه. وكان
بالخليفة أمراضٌ مختلفة، منها عُسْرُ البول، والحَصى، ووجدَ منه شدةً وشُقَّ
ذكره مراراً، ومازال يعتريه حتى قتله. وغسله خالي محيي الدين يوسف.
وقال الموفق: أما مرضُ موته، فسهو ونسيان، بقي به ستةَ أشهر ولم
يشعر أحد من الرعية بِكُنْهِ حاله، حتى خَفِيَ على الوزير وأهلِ الدار. وكان له
جاريةٌ قد علَّمها الخطَّ بنفسه، فكانت تكتُبُ مثل خطّه، فتكتب على التواقيع
بمشورة قَهْرَمَانَةِ الدار. وفي أثناء ذلك نزل جلال الدين محمد خوارزم شاه على
ضواحي بغداد هارباً منفضاً مِن المال والرجال والذَّواب، فأفْسَدَ بقدر ما كانت
تَصِلُ يدُه إليه. وكانوا يُدارونه ولا يُمضون فيه أمراً لِغيبة رأي الخليفة عنهم،
إلى أن راح إلى أذْرَبِيجَانَ، ونهب في ذهابه دَقُوقا واستباحها وكانت خلافتُه
سبعاً وأربعين سنة. تُوفي في سَلْخ رمضان، وبُويعَ لِولده أبي نَصْر ولُقِّب
بالظَّاهر بأمر الله؛ فكانت خلافتُه تسعة أشهر.
وذكر العَدْلُ شمسُ الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجَزَرِي،
قال(٣): حدثني والدي، قال: سمعتُ الوزيرَ مؤيّد الدين ابن العَلْقَمي لما كان
(١) اضطربت العبارة في مفرج الكروب (٤/ ١٧٠) بسبب المحققين، وهي في الوافي
بالوفيات (٦ / ٣١٥) ويضيف إليها صورة أخرى فتكون ((ثُمن ثمن)) بدل ((اليمن)).
وقد كتب الخليفة التوقيع من غير نقط، وهذا هو المقصود من الحكاية، لأنها
استعصت على جماعة بسبب تشابه الصورة وعدم النقط .
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٦٣٥.
(٣) في كتاب ((حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه)) وقد اختصر
الذهبي هذا القسم من تاريخه، ووصل إلينا هذا المختصر بخطه، وحققه بأخرة
أحدُ طلبة الماجستير بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة بغداد.
٦٩٣

على الأستاذداريّة(١) يقول: إنَّ الماء الذي يشربه الإمام الناصر كانت تجيء به
الذَّوابُ من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويُغلى سبعَ غلوات، كُلَّ يومٍ غَلْوة، ثم
يُحبس في الأوعية سبعةَ أيَّام، ثم يشرب منه، وبعدَ هذا ما مات حتى سُقي
المُرقِّدَ ثلاثَ مرار وشُقَّ ذَكرُه وأخرج منه الحصى .
وقال ابنُ الساعي: فأصبح الناسُ يوم الأحدِ - يعني يوم الثلاثين من
رمضان - وقد أُغلقت أبوابُ دارِ الخلافة، وتَوَلَّى غَسْلَه محيي الدين ابنُ
الجَوْزي، وصَلَّى عليه ولدُه الظاهر بأمر الله بعد أن بُويع، بايعه أولاً أقاربُه، ثم
نائبُ الوزارة مؤيّد الدين محمد القُمي وولده فخر الدين أحمد، والأستاذ دار
عَضُدُ الدَّولة أبو نَصْر ابن الضَّخَّاك، وقاضي القضاة محيي الدين ابنُ فَضْلان
الشافعي، والنقيبُ قِوامُ الدين أبو علي الموسوي. ودُفِنَ بصَحْن الدار، ثم نُقِلَ
بعد شهرين إلى التُّرَبِ (٢)، ومشى الخَلْقُ بَيْنَ يدي جنازته. وأما بيعةُ الظاهر،
فهي في سنة اثنتين(٣) في الحوادث.
وقال ابنُ الأثير(٤): بقي الناصرُ ثلاث سنين عاطلاً عن الحركة بالكُلِّية
وقد ذهبت إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دُو سنطاريا(٥) عشرين يوماً، ومات
ولم يُطلِقْ في طول مرضه شيئاً مما كان أحدثه من الرسوم. وكان سيىء السِّيرة
خَرِبَ في أيَّامه العراقُ، وتفرَّق أهلُه في البلاد، وأخذ أموالَهم وأملاكَهم. قال:
وكان يفعلُ الشيءَ وضِدَّه، جعل همَّه في رمي البُنْدق والطُّور المناسيب،
وسراويلات الفتوة.
ونقل الظهير الكازروني في ((تاريخه)) وأجازه لي (٦) أن الناصر في وسط
خلافته هَمَّ بترك الخِلافة، والانقطاع إلى التعبّد. وكتب عنه ابنُ الضَّحَّاك
(١) تشبه عندنا رئاسة الديوان الملكي أو الجمهوري.
(٢) كانت تُرَبُّ الخلفاء بالجانب الشرقي من بغداد، في منطقة الأعظمية اليوم عند
ساحة عنتر مما يلي نهر دجلة.
(٣) يعني: وعشرين وست مئة.
(٤) الكامل ١٢ / ٤٤٠ .
(٥) وهو المعروف الآن بالدزانتري.
(٦) الظاهر أن الذهبي نقل ذلك من تاريخه الكبير، وليس من ((المختصر)) الذي حققه
الدکتور مصطفى جواد - رحمه الله (بغداد ١٩٧٠) فما وجدناه فيه.
.
٦٩٤

توقيعاً(١) فقُرِىءَ على الأعيان، وبنى رباطاً للفقراء(٢)، وأنَّخذ إلى جانب الرِّباط
داراً لنفسه كان يتردّدُ إليها، ويحادث الصوفية وعَمِلَ له ثياباً كثيرةٌ بزي
الصوفية .
قلتُ: ثم تركَ ذلك، ومَلَّ، الله تعالى يُسامِحُه ويَرْحَمُهُ.
٦٨ - أحمدُ بنُ عبدالقادر بن أبي الجيش القُطَفْتَيُّ، والد الشيخ
عبدالصَّمد المُقرىء.
مات في رجب، وقد روى عن أحمد بن طارق الكَرْكي(٣).
٦٩ - أحمدُ بنُ محمد بن طَغَان(٤) بن بدر بن أبي الوفاء، الفقيهُ أبو
العباس المصريُّ.
سَمِعَ من عبدالله بن بَرِّي النَّحْوي، وعبد الرحمن بن محمد السّبْبي. وأَمَّ
بمسجد سوق وردان مدة. وتوفي بمدينة سَمَنُّود(٥) من الغربية في المحرم.
٧٠- أحمدُ بن محمد بن إسماعيل، أبو القاسم الأمينيُّ الطّرَسُونِيُ(٦)
ثم المُرْسيُّ.
سمع أبا القاسم بن حُبيش، وأبا عبدالله بن حَمِيد. وأجاز له من مصر
عبد الله بن بَرِّي النَّحوي .
قال الأبار(٧): كان فقيهاً، مُدرِّساً. حدَّث، واستُشْهِدَ في وقعة بنوط (٨)
(١) قال العبد أبو محمد البُنْدار بشار بن عواد: قد وقفتُ على هذا التوقيع في كتاب
((أخبار الزهاد)) لتاج الدين ابن الساعي الذي عثرت عليه في دار الكتب المصرية
سنة ١٣٨٥/ ١٩٦٥ ونشرت عنه بحثاً في مجلة ((المورد)) العراقية (العدد الثالث
من السنة الثالثة: ١٩٧٤).
(٢) هو رباط المرزبانية .
(٣) تنظر التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢٠٥٧.
(٤) قيده المنذري في التكملة ٣/ الترجمة ٢٠١٢ حينما ترجمه فيها.
(٥) معجم البلدان ٣/ ١٤٥ .
(٦) نسبة إلى طَرَسونة: مدينة بالأندلس بينها وبين تطيلة أربعة فراسخ كما في ((معجم
البلدان)» .
(٧) التكملة ١/ ١٠٠ .
(٨) في المطبوع من التكملة: ((نبوط)) مصحف.
٦٩٥

من أعمال مُرسية، مُقْبِلاً غيرَ مُذْبِر، في رجب وله بضعٌ وسِتُّون سنةً .
وقال ابن مَسْدِي: كان بارعاً في فنونٍ نقليةٍ وعقليةٍ، وغَلَبَ عليه الفقهُ
على طريقةِ السَّلَفِ فاجتهدَ وللقياس اعتمد، فكثيراً ما كان يميلُ إلى رأي
الكوفيين. وله يدٌ في الطَّبِّ، ومعرفةٌ بالحديث، ومجلسٌ عامٌ للعامة .
وقال ابنُ فرتون: هو أديبٌ بارعٌ، روى عن ابن هُذيل، وابن النِّعمة.
قال: وأجاز لي.
٧١- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رُشْد، أبو
القاسم القُرطيُّ.
روى عن جدِّه أبي القاسم، وأبيه أبي الوليد، وأبي القاسم بن بَشْكُوال.
وتُوفي في رمضان(١) .
٧٢- أحمد ابن الشيخ كمال الدين أبي الفَتْح موسى ابنِ الشيخ رضي
الدين أبي الفَضْل يونس بن محمد بن مَنْعَة بنِ مالك بن محمد بن سَعْد بن
سعيد بن عاصم، الإمام شَرَف الدين أبو الفضل ابن يونس، الإربليُّ الأصلِ
المَوْصِلِيُّ الفقيه الشافعيُّ.
وُلِدَ سنةَ خمسٍ وسبعين وخمس مئة، وتفقَّه على والده، وبَرَعَ في
المذهب. وكان إماماً فقيهاً، مُفتياً، مُصنِّفاً، عاقلاً، حَسَنَ السَّمْت. شَرَحَ كتاب
((التنبيه)) فأجاد، واختصر كتابَ ((الإحياء)) للغَزَّالي مرتين. وكان يُلْقي ((الإحياء))
دروساً من حِفْظه.
قال ابنُ خَلِّكان(٢): كان إماماً، كثيرَ المحفوظات، غزيرَ المادة، من بيت
الرياسة والفَضْل. نسج على منوالِ والده في التفتُّن في العلوم، وتخرَّج عليه
جماعةٌ كبيرةٌ، ووَلِيَ التدريسَ بمدرسةِ الملك المعظم مظفَّرِ الدين ابن صاحب
إربل بإربل - بعد والدي - في سنة عشر بعدَ موت والدي، وكنت أحْضُرُ
دروسَه، وأنا صغير، وما سمعتُ أحداً يُلْقي الدروسَ مثلَه. ثم حجَّ وقَدِمَ،
وأقامَ قليلاً، وانتقل إلى المَوْصل سنةَ سبعَ عشرةَ، وفُوِّضَتْ إليه المدرسةُ
القاهرية إلى أن تُوفي في الرابع والعشرين من ربيع الآخر. ولقد كان من
(١) في التكملة لابن الأبار ١/ ١٠١: ((في عقب رمضان)).
(٢) وفيات الأعيان ١ / ١٠٨ - ١٠٩.
٦٩٦

محاسن الوجودِ، وما أذكُرُه إلا وتَصْغُرُ الدنيا في عيني، ولقد فكرتُ فيه مرَّةً
فقلتُ: هذا الرجلُ عاشَ مدّة خلافة الإمام الناصر لدين الله .
قلتُ: شَرْحُه ((للتنبيه)) يَدُلُّ على توسُّطه في الفقه، رحمه الله .
٧٣ - أحمدُ بنُ يونس بن حسن، أبو العباس المقدسيُّ المَرْداويُّ.
هاجر مِن مَرْدا إلى دمشق بأولاده. وسَمِعَ من أبي المعالي بن صابر،
وغيرِه.
روى عنه الضياءُ، وقال: كان ممن يُضرب به المَثَلُ في الأمانة، والخير،
والمروءةِ، والدِّين، والعقل، والصَّلاح. تولَّى عِمارة الجامع بالجبلِ، فأحسن
فيها. تُوفي في سابع عشر ذي الحِجَّة.
٧٤- أحمدُ بنُ أبي المَكارم، الخطيب أبو العبّاس المقدِسيُّ المَرْدَاويُّ.
تُوفي بمَرْدا في شعبانَ. وقد رحل، وروى عن أبي الفَتْح بن شَاتِيل،
وغيرِه(١).
٧٥ - إبراهيمُ بن إسماعيل بن خليفة الحَرْبيُّ.
روى عن يحيى بنِ ثابت، وغيرِهِ. ومات في رَجَبَ.
روى عنه ابنُ النَّجَّار، وقال: لا بأس به(٢).
٧٦- إبراهيمُ بنُ إسماعيل بن غازي، أبو إسحاق الحرَّانيُّ الكَخَّال
الصَّائغِ الشَّاعر، المعروف بالنَّقَيب.
له معرفةٌ حَسَنةٌ بالطِّبِّ والكُحْلِ. وكان طريفاً، كَيِّساً، مطبوعَ العِشْرَةِ.
ذكره الصاحِبُ أبو القاسم في ((تاريخ حلب))، وقال: دخل حلب غيرَ
مرَّةٍ، وروى عن أبيه يسيراً. روى لنا عنه أبو محمد بن شُحانة الحَرَّاني،
وسُليمانُ بن بُنيمان. وأنشدني أبو محمد عبدُالرحمن بن عُمر بن شُحانة
بحران، قال: أنشدني إبراهيم النقيب لنفسه:
فَشَفَّ ولَمْ يَشْفِ الغَليلَ مِنَ الظَّما
خيالٌ لِسَلْمی زَارَ وَهْناً فَسَلَّما
علَى نَعْسَةٍ كَانَتْ لِلُقْيَاهُ سُلَّمَا
وما زَارَني إلا خِدَاعاً وعَاتِباً
خَيَالٌ إلى مِثْلِ الخَيَالِ وأسْقَما
وأعجبُ ما في الأمْرِ أنَّى اهْتَدَى لَهُ
(١) تنظر التكملة المنذرية ٣/ الترجمة ٢٠٦٧.
(٢) تنظر التكملة أيضًا ٣/ الترجمة ٢٠٥٤.
٦٩٧

أظُُ أنِيني دَلَّه أيْنَ مَضْجَعِي
ولَوْلا انطِبَاقُ الجَفْنِ بِالجَفْنِ لَم يَذُرْ
أيا رَاكِباً يَطْوي الفَلاَ لِشِمِلَّةِ
لَكَ اللهِ إنْ جُزْتَ العَقِيقَ وبابَه
فقِفْ برُبى نجدٍ لعلك مُنْجِدِي
وسَلِّم وَسَلْ لِمْ حَلَّلُوا قَتْلَ عَاشِقٍ
أَيَجْمُلُ أنْ أَقْضِي وَلَمْ يُقْضَ لي شِفَا
لَئِن كَانَ هَذا في رِضَى الحُبِّ أو قَضَى
ودَلَّهَهُ حَرُ الهَوى فَتَضَرَّمَا(١)
ولكِنَّنِي وَهَّمْتُه فَتَوهَّما
أمُونٍ تُبَارِي الرِّيحُ في أَفُقِ السَّمَا (٢)
وشَارِفْتَ أعلى الواديينِ مُسَلِّما
ورُمَ رَامَةً ثُمّ الوِهَا بِلوى الحِمَى
على جَفْنِه أضْحَى الرُّقَادُ مُحَرَّمَا
وأُظْلم لا ظَلْماً رَشَفْتُ ولا لَما (٣)
بهِ الحُبُّ صَبْراً لِلِقَضَاء ونعْمَ مَا
قال لي ابنُ شحانة: تُوفي إبراهيم النقيب بحَرَّان في سنة إحدى
وعشرين .
وقرأتُ في ((تاريخ)) أبي المَحاسن بن سلامة المَكْشوف: وفي سابع
جمادى الآخرة مات الحكيمُ الأجل الشاعرُ الكخَالُ الصائغ للذهب والفضةَ
والكلام أبو إسحاق إبراهيمُ ابن الحكيم إسماعيل بن غازي النقيب، وكان رجلاً
كريماً، سخيًّا، شُجاعاً، ذكيًّا، طَيِّبَ الأخلاق، حَسَنَ العِشرة، مليحَ الشمائل،
له شعرٌ رقيقٌ يُغَنَّى به(٤).
٧٧- إبراهيمُ بنُ عبدالرحمن بن الحُسين بن أبي ياسر، أبو إسحاق
القَطِيعيُّ المواقيتيُّ الخَيَّاط الأزَجِيُّ، مِن أهل قطيعة العَجَم بباب الأَزَجِ.
سَمِعَ أبا الوَقْت السِّجْزِي، وأبا المكارم البَاذْرَائي، وغيرهما. روى عنه
ابنُ نُقطة، والدُّبيثي(٥)، وابنُ النَّجَّار، ومحمدُ بنُ أبي الفرج ابن الدَّبَّاب، وأبو
المعالي الأبَرْقُوهي، وغيرُهم.
(١) يقال: دلهه الحب، أي حَيَّرَهُ وأدهشه.
(٢) الشِّملَّة: الناقة الخفيفة السريعة. والأمون: الأمينة الوثيقة الخَلْق.
(٣) الظَّلْم: الماء الذي يجري ويظهر على الأسنان من صفاء اللون. واللُّمى: سمرة
الشفتين واللثات، تُستحسن.
(٤) وترجمه كمال الدين ابن الشعار في عقود الجمان ١ / الورقة ١٥ - ١٧ .
(٥) وترجمه في تاريخه، الورقة ٢٦٠ - ٢٦١ (باريس ٥٩٢١). وتنظر التكملة للمنذري
٣/ الترجمة ٢٠١٠.
٦٩٨

وكان ثقةً، صالحاً، فاضلاً، عارفاً بالمواقيتِ والمنازِل. وحَدَّث بـ((صحيح))
البخاري مراتٍ. ومات في خامس شعبانَ.
سمعتُ من طريقه ((الدُّعاء)) للمَحَاملِي.
٧٨- إبراهيمُ بنُ عثمان بن عيسى بن دِرباس المَارَانيُّ، الفقيه
المُحدِّث جلال الدين أبو إسحاق .
وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وخمس مئة، وأجاز له السِّلَفي، وتفقَّه على
مَذْهب الشافعي، ثم أحبَّ الحديثَ. وسَمِعَ فاطمةَ بنتَ سَعْد الخَيْرِ،
والأرتاحِيّ، وطبقتَهما. ورحل رحلةً كبيرةً؛ فسمعَ بدمشق من ابن طَبَرْزَد،
والكِنْدي، والطبقة. وسمع بِنَيْسَابُور من المؤيَّد، وزينب الشَّعرية، وبِهَرَاة من
أبي روح. وکتب الكثيرَ. وله شعر حسن.
روى عنه الزَّكيُّ المنذري(١)، وغيرُه. وتوفي في هذه السنة فيما بينَ الهند
واليمن.
وكان مائلاً إلى الآخرة، مُتقلِّلاً من الدنيا جدًّا، صالحاً، زاهداً، رحمه الله.
وكان أبوه(٢) مِن كبار الشافعية، وعقُّه(٣) كان قاضي ديار مصر.
٧٩- إبراهيم بن المُظفَّر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ، الواعظَ
الإِمامُ أبو إسحاق ابن البَرْنيِّ البغداديُّ الأصل المَوْصليُّ.
وُلِدَ سنةً ست وأربعين وخمس مئة، وتفقَّه على مذهب أحمدَ ببغداد.
وسَمِعَ من ابن البَطِّي، وأبي علي ابنِ الرَّحَبِي، وشُهْدَةَ، وأحمدَ بنِ علي
العَلَوي، وأبي بكر ابن النَّقُور، وأخذَ الوَعْظَ عن أبي الفرج ابن الجوزي.
وحَدَّث بالمَوْصِلِ وسِنجار، وَوَعَظَ، ووَلِي مَشْيخةِ دارِ الحديث التي لابنِ
مُهاجر بالمَوصل. وكان صالحاً، فاضلاً.
روى عنه الدُّبَيْئِي(٤)، والزينُ ابن عبدالدائم، وإبراهيمُ بن علي
(١) وترجمه في التكملة ٣ / الترجمة ٢٠٨١.
(٢) مرت ترجمته في وفيات سنة ٦٠٢ .
(٣) صدر الدين أبو القاسم عبدالملك، ومرت ترجمته في وفيات سنة ٦٠٥ .
(٤) وترجمه في تاريخه، الورقة ٢٢٢ - ٢٢٣ (شهيد علي). وتنظر التكملة للمنذري
٣/ الترجمة ٢٠١٠.
٦٩٩

العَسْقلاني، ومحمد بن منصور بن دُبَيْس المَوْصلي، والشيخ عبدالرحيم ابن
الزَّجاج - فيما أُرى -. وروى لنا عنه بالإجازة أبو المَعالي الأبَرْقُوهي.
وتُوفي في غُرَّة المحرَّم.
وقد قرأ عليه بالروايات ركنُ الدين إلياس بن عُلْوان.
قال ابن نُقطة (١): كان فيه تساهلٌ في الرواية، يُحدِّث مِن غير أصوله،
سمعتُ منه بالموصل.
٨٠- أسعد بن علي بن علي بن محمد بن صُعْلُوك، أبو القاسم
البغداديُّ.
وُلِدَ سنةَ سبع وثلاثين وخمس مئة. وسمع من أبي الوَقْت، وأبي الكَرَم
المُبارك بن الحسن الشَّهْرَزُوري، وابن البَطِّي. روى عنه الدُّبيئي، وابنُ النَّجَّار،
وغيرهُما؛ وأورداه في ((تاريخيهما))(٢).
تُوفي في المحرَّم.
٨١- أسعدُ بنُ يحيى بن موسى، الشيخُ بهاء الدين أبو السَّعادات
السُّلَمِيُّ السَّنْجاريُّ الفقيهُ الشافعيُّ الشاعِرُ.
طَوَّفَ البلادَ، ومدحَ الكِبارَ والملوكَ، وأخذَ جوائزَهُم، وطال عُمُرُهُ،
وعاش بضعاً وثمانين سنة. ذكره العماد في ((الخريدة))(٣).
ومن شعره:
ولأنْتَ أدْرَى في الغَرامِ بِحالِهِ
وَهَوَاكَ مَا خَطَرِ السُّلُؤُ بِبَالِهِ
سالٍ هَوَاكَ فَذَاكَ مِنَ غُذَّالِهِ
وفتى وَشَى شَخْصٌ إِلَيْكَ بأنَّه
منْ حَالِه يُغْنيك عن تَسْآلِهِ
أَوَلَيْسَ لِلْكَلِفِ المُعَنَّى شَاهِدٌ
ـرَ غَرَامِه وصَرَمْتَ حَبْلَ وِصَالِهِ
جَذَّدْتَ ثَوْبَ سَقَامِهِ وَهَتَكْتَ سَتْ
يفْدي الطَّلِيقَ بِنَفْسِهِ وَبِمَالِهِ
يَا لِلعَجائِبِ مِنْ أسيرٍ دَأَبُه
(١) إكمال الإكمال ١/ ٣٧٦.
(٢) لم تصل ترجمة ابن النجار له إلينا، وترجمة ابن الدبيثي في تاريخه، الورقة ٢٥٦
(باريس ٥٩٢١).
(٣) الخريدة (قسم الشام) ٢ / ٤٠١.
٧٠٠