النص المفهرس

صفحات 641-660

ولم يزالوا يستقصون في طلب الكُرِج إلى أن كادوا يُفنونهم. ثم نازل تفليسَ
وأخذها عَنوةً؛ وكانت دارَ مَلِكِ الكُرج، وقد أخذوها من المسلمين من سنة
خمس عشرة وخمس مئة، وخرّبوا البلاد، وقهروا العباد، فاستأصلهم الله في
هذا الوقت، ((ولكل أجل كتاب)).
سنة أربع وعشرين وست مئة
فيها جرت وقعةٌ بينَ جلال الدين الخوارزمي وبين التتار، وكان بتوريز(١)
فجاءه الخبرُ أن التتار قد قصدوا أصبهان، فجمع عسكره، وتهيَّأ للملتقى؛
لكون أولاده وحُرَمِهِ فيها، فلما وصلها، وأزاح عِلل الجند بما احتاجوا، جرَّد
منهم أربعة آلاف صوب الريِّ ودامغان يزكاً(٢)، فكانتِ الأخبارُ تَرِدُ من جهتهم
وهم يتقهقرون، والتتار يتقدّمون، إلى أن جاءه اليزكُ، وأخبروه بما في عسكر
التتار من الأبطال المذكورين مثل باجي نويل(٣)، وباقو نويل، وأسَرْ طَغَان،
ووصلت التتارُ، فنزلوا شرقي أصبهان. وكان المنجمون أشاروا على السلطان
جلال الدين بمصابرتهم ثلاثة أيام، والتقائهم في اليوم الرابع، فلزم المكان
مرتقبَ اليوم الموعود، وكان أمراؤه وجيشه قد انزعجوا من التتار، والسلطان
يتجلَّدُ، ويظهر قوَّة، ويشجع أصحابَه، ويُسهل الخطب، ثم استحلفهم ان لا
يهربوا، وحَلَفَ هو، وأحضر قاضي أصبهانَ ورئيسَها وأمرهما بعرض الرجالة
في السِّلاح. فلما رأى التتارُ تأخرَ السلطان عن الخروج إليهم، ظنُّوا أنه امتلأ
خوفاً، فجردوا ألفي فارس إلى الجبال يغارون (٤) ويجمعون ما يقوتهم مُدَّة
الحصار، فدخلوا الجبال وتوسّطوها، فجهز السلطانُ وراءهم ثلاثةَ آلاف
فارس، فأخذوا عليهم المضايق والمسالك، وواقعوهم، وقتلوا فيهم وأسروا.
ثم خرج في اليوم الموعود، وعبَّى جيشه للمصاف، فلما تراءى الجمعان خذله
أخوه غياث الدين وفارقه بعسكره، فتبعه جَهان بهلوان، لِوحْشَةٍ حدثت له ذلك
(١) وهي تبريز، هكذا تلفظ عند بعضهم.
(٢) اليزك: مقدمة العسكر وطلائعه.
(٣) هكذا بخط المصنف، ويرد في بعض المصادر: ((نوين)).
(٤) يعني : يُغیرون.
تاريخ الإسلام ١٣ / م٤١
٦٤١

الوقت، وتغافلَ السُّلطان عنه، ووقف التتار كراديس متفرقة مترادفة، فلما
حاذاهم جلالُ الدين أمر رجَّالة أصبهَان بالعَوْدِ، ورأى عسكره كثيراً، وتباعدَ ما
بين ميمنة السلطان وميسرته حتى لم تعرف الواحدة منهما ما حالُ الأخرى،
فحملت ميمنتُه على ميسرة التتار هزمتها، وفعلت ميسرتُه. فلما أمسى
السلطانُ، ورأى انهزامَ التتار نزل، فأتاه أحدُ أمرائه وقال له: قد تمنينا دهراً
نُرزق فيه يوماً نفرحُ فيه، فما حصل لنا مثلُ هذا اليوم وأنت جالسٌ، فلم يزل به
حتى رَّكِبَ وعَبَرَ الجُرف، وكان آخِرَ النهار، فلما شاهد التتارُ السوادَ الأعظم،
تجرد جماعةٌ من شجعانهم، وكَمَنُوا لهم، وخرجوا وقت المغرب على مسيرة
السلطان كالسَّيل وحملوا حملةً واحدة، فزالت الأقدام، وانهزموا، وقتل من
الأمراء ألب خان، وأُرتق خان، وكوج خان، وبولق خان، وماج الفريقان،
وحمي الوطيسُ واشتد القتال، وأُسر علاءُ الدولة آناخان صاحب يزد، ووقف
السلطان في القلب وقد تبدَّد نظامُه، وتفرقت أعلامُه، وأحاط به التتار، وصار
المخلص مِن شدة الاختلاط أضيقَ من سُمِّ الخياط، ولم يبق معه إلا أربعة عشر
نفساً من خواص مماليكه، فانهزم على حميّة، فطعن لولا الأجلُ، لهلك. ثم
أفرج له الطريق، وخَلُصَ من المضيق، ثم إن القلب والميسرة تمزقت في
الأقطار، فمنهم من وقع إلى فارس، ومنهم من وصل كِرمان، ومنهم من قصد
تبریز .
وعادت الميمنةُ بعد يومين، فلم نسمع بمثله مصافاً لانهزام كلا
الفريقين، وذلك في الثاني والعشرين من رمضان. ثم لجأ السلطان إلى
أصبهان، وتحصَّن بها، فلم تصل التتارُ إليه، وحاصروا أصبَهان، ورَدوا إلى
خراسان .
قال ابنُ الأثير(١): وفي هذه السنةِ قتل الإسماعليةُ أميراً كان جلالُ الدين
خوارزم شاه قد أقطعه مدينة كَنْجَة، وكان نِعْمَ الأميرُ يُنكر على جلال الدين ما
يفعلُه عسكرُه من النَّهب والشَّر، فَعَظُمَ قتلُه على جلال الدين واشتد عليه، فسارَ
بعساكره إلى بلاد الإسماعلية من حدود الألموت إلى كردكوه بخراسان، فخرب
(١) الكامل ١٢ / ٤٧٠.
٦٤٢

الجميعَ، وقتل أهلها، وسبى، ونهبَ، واسترق الأولادَ، وقتل الرجالَ وكان
قد عظم شرّهم، وزاد ضررُهم، فكف عادِيتهم، ولقاهم الله بما عَمِلُوا
بالمسلمين. ثم سار إلى التتار وحاربهم وهزمهم، وقَتَلَ وأَسَرَ، ثم تجمَّعوا له
وقصدوه .
وفيها سارت عساكر الملك الأشرف مع الحاجب حُسام الدين علي إلى
خُوَي بمكاتبةٍ من أهلها، فافتتحها، ثم افتتح مَرَمد، وقويت شوكتُه.
قال ابنُ الأثير(١): لو داموا لملكوا تلك الناحيةَ، إنما عادوا إلى خِلاطَ،
واستصحبوا معهم زوجة جلال الدين خوارزم شاه، وهي ابنةُ السلطان طُغريل
ابن أرسلان السُّلجوقي، وكان قد تَزوجَ بها بعد أزبك بن البهلوان، فأهملها،
ولم يلتفت إليها، فخافته مع ما حُرِمَتْهُ من الأمر والنهي، وكاتبتِ الحسامَ علياً
المذکور تَطْلُبُه لِتسلم إلیه البلاد.
وكان بدمشق في سنة أربع أربعُ قضاةٍ؛ شافعيان وحنفيان: الخُوَيي قاضي
القضاة، ونائبه نجم الدين ابن خَلف، وشرف الدين عبدالوهّاب الحنفي والعزيز
ابن السنجاري.
وشنقَ ابنُ السقلاطوني نفسَهُ بسبب مالٍ عليه للدولة، طُولِبَ به، وكان
عدلاً مِن نيف وأربعين سنة مِن شهودِ شرفِ الدين ابن عَصْرون.
وفيها أَحضر البكريُّ المحتسب، الجمالَ ابن الحافظ، والشَّرف الإرْبِلي،
والبِرزالي، وقرر معهم أن يُرتبوا ((مسند)) أحمد على الأبواب، وقرر للجمال في
الشهر خمسين درهماً، وللآخرين ستين درهماً، وبذل لهم الوَرَقَ وأجرة
النساخ، فما أظنه تمّ هذا.
ومَرِضَ الملك المعظّم، فتصدق وأخرج المسجونين، وأعطى الأشرافَ
ألف غِرارة، وفرّقوا على الفقهاء والصوفية وغيرهم ثمانين ألفاً وخمس مئة
غِرارة. وحَلَفَ مَنْ بالحضرة لولده الناصر. واشترى ابن زويزان حصاناً أصفر
للمعظم بألف دينار مصرية، وأحضرها، فأمر بالتصُّق بها بالمُصلَّى، فازدحم
الخلق لذلك فمات ثمانية أنفس. ثم مات المعظمُ في آخر ذي القعدة عن تسع
وأربعين سنة. وأوصى أن يغسله الحصيري. مات قبلَ صلاة الجمعة. ورمى
(١) الكامل ١٢ / ٤٧١ .
٦٤٣

ابنُه الكَلْوتَة والمماليكُ، ولَطَمُوا في الأسواق، وقرأ النجيبُ في
العزاء: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ [ص ٢٦] فضج الناسُ.
وقال أبو شامة: (١) فيها قَدِمَ رسول الأَنْبُرُور ملك الفرنج من البحر، على
المعظّم - بعد اجتماعه بأخيه الكامل - يطلب البلادَ التي فتحها السلطان صلاح
الدين، فأغلظ له وقال له: قُلْ لصاحبك ما أنا مثلَ الغَيْرِ، ما له عندي إلا
السيفُ.
وفيها حجَّ بالشاميين شجاعُ الدين علي ابن السلَّر؛ وهي آخرُ إمرته على
الركب، وانقطع بعدَها ركبُ الشام مدَّةً بسبب الفتن. وكان قد جاء من
مَيَّافَارِقِين سلطانُها شهابُ الدين غازي ابن العادل، لِيحجَّ أيضاً.
قال أبو المظفر (٢): كان ثَقَلُّه على ست مئةٍ جمل، ومعه خمسون هجيناً
عليها خمسون مملوكاً، وسار على الرَّحَبَةِ وعَانَة وكُبَيْسات(٣) إلى كَرْبلاء إلى
الكُوفة. فبعث الخليفة له فَرَسَيْن وبغلةً وألفي دينار، فلما عاد لم يصل الكوفة،
بل سار غربيَّ الطريق فكاد يَهْلِكُ هو ومَنْ معه عطشاً حتى وصل إلى حرَّان.
وتوفي الملك المعظّم وقام بعده ابنُه الناصر داود.
سنة خمس وعشرين وست مئة
في صَفَر جاءَ منشورُ الولاية من الملكِ الكامل لابن أخيه الملك الناصر
داود.
وتَحَرّكت الفرنج وانبثّوا في السَّواحل، لأنَّ الهُدنة فَرَغت.
وفيها أغارَ المسلمونَ على أعمال صُور، وغَنِموا كثيراً من المواشي.
وفيها نَزَل الملكُ العزيز عثمانُ ابنُ العادل على بَعلبك ليأخذها من
(١) ذيل الروضتين ١٥١.
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٦٤٤ ونقلها المؤلف من ذيل الروضتين ١٥١ لتطابق النقل.
(٣) عانة: بلدة على الفرات في العراق مشهورة، وكُبَيْسات، ويقال لها: كُبَيْسة، قريبة
منها يُنسب إليها اليومُ الجم الغفير منهم صديقنا الفقيه الدكتور حَمَد عبيد الكبيسي
وغيره.
٦٤٤

الملك الأمْجَد، فأرسلَ إليه النَّاصرُ داودُ يأمرهُ بالرَّحيل عنها، فرحلَ، وقد
حَقَد على الناصر، فقالوا: إنّه كاتبَ الملكَ الكاملَ، وحَثَّهُ على قَصْد دمشق،
وإنّها في يده. فَقَدِم الكامل وانضاف إليه العزيزُ وجاءه الملك المجاهد أسدُ
الدين شيركوه من حمص وكانت عنده ضَغِينة على المُعَظّم، لكونِهِ نازلَ حِمْص
وشعث ظاهرَها. فاستنجَدَ الملكُ النَّاصر بعمّه الملكِ الأَشرف، فجاءَ،
وأكرمه غاية الإكرام، ونزل بالنَّيْرِب. وكانَ رسوله إلى الأشرف فخرُ الدين ابن
بصاقة .
ولَمّا وصلَ الكاملُ إلى الغَوْرِ، بلغَه قُدوم الأشرف، فرجَعَ إلى غَزّة،
وقال: أنا ما خرجتُ على أنْ أقاتل أخي. فبلغ ذلك الأشرف، فقال لابن أخيه
الناصر: إنَّ أخي قد رَجَع حَرْدان(١)، والمَصْلَحة أنني ألحقه وأسترضيه. فنزل
الكاملُ غزة، وأرسل إليه ملك الفرنج يطلب منه القُدس، وقال: أنا قد حضرت
أنجدكَ بمقتضى مراسلتك، ومعي عساكر عظيمة، فكيفَ أرجع بلا شيء؟
فأعطاه بعضَ القُدس .
وسار الأشرف إلى الكامل واجتمع به في القدس، فكان نجدة على
الناصر لا له. واتفقَ الأخَوان على أخذ البلاد من الناصر، وأنَّ دمشق تكون
للأشرف، وانضاف إليهما من عسكر الناصر أخوهُما الملكُ الصالح إسماعيل،
وابنُ عم الناصر شهابُ الدين محمود ابن المُغيث، وعز الدين أيدمر، وكريم
الدين الخِلاطي. وجاء المظفر شهاب الدين غازي ابن العادل، فاجتمع الكل
بفلسطین .
وقد كان الناصر خرج ليتلقى عَمّه الكامل، واعتقد أنّ الأشرف قد أصلح
أمره عنده، فسارَ إلى الغَوْرِ، فلما سَمِعَ باجتماع أعمامه عليه ليمسكوه رجع إلى
دمشق فَحَصَّنها، واستعدَّ للحصار.
وفيها عُزل الصَّدر البكريّ عن مشيخة الشيوخ وعن حِسْبة دمشق؛ فولي
المشيخةَ عمادُ الدين ابن حمویه، والحسبةَ رشيد الدين ابن الهادي .
وفيها نزل جلال الدين ابن خُوارزم شاه مرة ثانية على خِلاط، ثم هَجَم
(١) حردان: غضبان، مغتاظ.
٦٤٥

عليه الشتاءُ، فَتَرَخَّل إلى أذربيجان. وخرجَ الحاجب عليٍّ من خِلاط فاستولى
على خُوي وسَلَماس وتلك الناحية، وساقَ فأخذَ خزائن جلال الدين وعائلته
وعادَ إلى خِلاط فقيل له: أيشٍ فعلتَ؟ تَحَرَّشت به ليُهلِكَ البلاد فلم تفكر.
وفيها جرى الكُوَيْزِ السَّاعي من واسط إلى بغداد في يوم وليلة، ووصل
إلى باب سور البَصَلية قبل الغُروب بساعة، ورُزِقَ قَبولاً عظيماً، وأعطي خِلَعاً
وأموالاً من الدولة والتجار. ومن جملة ما حَصَل له نَّف وعشرون فرساً،
وقماش بألف وسبع مئة دينار، ومن الذّهب خمسة آلاف وأربع مئة دينار،
واسمُه معتوق المَوْصلي. ولازمَ خدمة الشَّرابي(١). ذكر هذا ابن الساعي.
وفيها شرعوا في أساس المستنصرية ببغداد(٢)، وكان مكانَها إصطبلات
وأبنيةٌ، وتولَّى عِمَارتها أستاذُ دَارِ الخلافة.
وفيها - وقيل: في التي قبلها كما تقدم بعبارة أخرى - عادت التتارُ إلى
الريِّ، وجرى بينَهم وبينَ جلال الدين حروبٌ. وكان هؤلاء التتارُ قد سخط
عليهم جِنكِزخان وأبعدَهم، وطرد مقدَّمهم، فقصد خُراسانَ، فرآها خراباً فقصد
الريَّ ليَتغلَّبَ على تلك النواحي، فالتقى هو وجلالُ الدين، فاقتتلوا قتالاً
شديداً، ثم انهزم جلالُ الدين، ثم عاود بمن انهزم، وقصد أصبهان، وأقام
بينها وبينَ الرّيِّ، وجمع جيشه، وأتاه ابنُ أتابَك سعدٍ بعد وفاة والده. ثم عاد
جلالُ الدين، فضرب مع التتار رأساً، فبينما هُمْ مصطفون انفرد غياثُ الدين
أخو السلطان، وقصد ناحيةً، فظنهم التتارُ يُريدون أن يأتوهم مِن ورائهم،
فانهزموا، وتبعھم صاحبُ بلاد فارس.
وأما جلالُ الدين، فإنه لما رأى مفارقة أخيه له، ظنَّ أن التتر قد رجعوا
خديعةً ليستدرجوه، فانهزم أيضاً، ولم يجسر أن يدخل أصبهان خوفاً من
الحصار، فمضى إلى شُبرم.
وأما صاحب فارس، فلما ساق وراءَ التتار، وأبعد ولم يَرَ جلال الدين
(١) يعني: إقبالاً الشرابي القائد الكبير، وصاحب المدارس المعروفة به، ببغداد ومكة
وواسط .
(٢) مازالت البناية قائمة إلى يومنا هذا تحكي رقي الحضارة والعمران، وباسمها سميت
الجامعة المعروفة اليوم ببغداد ((الجامعة المستنصرية)).
٦٤٦

خاف ورَدَّ عن التتار، ورأى التترُ أنه لا يطلُبهم أحدٌ فوقفوا، وردُّوا إلى أصبهان
وحاصروها، وظنُّوا أن جلال الدين قد عُدِمَ، فبينا هُم كذلك، إذ وصل إليهم
قاصدٌ من جلال الدين يُعرفهم بأنَّه سالم، وأنه يجمع، ويُنجد أهل أصبَهان،
ففرح أهلُ البلد، وقويت نفوسُهم، وفيهم شجاعة طبعيّة، فقدِمَ عليهم، ودخل
إليهم، ثم خَرَجَ بهم، فالتقوا التتارُ، فانهزم التتارُ أقبح هزيمةٍ، فساق جلالُ
الدين وراءَهم إلى الريِّ قتلاً وأسراً، وأقام بالريِّ، فأتته رسل ابن جنكزخان
يقول: إن هؤلاء ليسوا من أصحابي، وإنما نحن أبعدناهم، فاطمأن جلالُ
الدين من جانب ابن جنكزخان، وعاد إلى أذْرَبيجان ..
وأما غياتُ الدين أخوه، فَقَصَد خُوزستان، فلم يُمكّنْهُ نائبُ الخليفةِ من
دخولها، فقصد بلادَ الإسماعيلية، والتجأ إليهم، واستجارَ بهم. فقصد جلالُ
الدين بلاد الإسماعيلية لِينهبها إن لم يُسلموا إليه أخاه، فأرسل مقدَّمُهم يقول:
لا يجوز لنا أن نُسلِّمه إليك، لكن نحن نُنزله عندنا، ولا نمكنه أن يقصِدَ شيئاً من
بلادك، والضمان علينا، فأجابهم إلى ذلك، وعاد فنازل خِلاطَ .
وفيها تملَّك علاءُ الدينِ كيقُباذ صاحبُ الروم مدينة أرزنكان، وكان
صاحبُها بهرام شاه قد طال ملكُه لها، وجاوز ستين سنةً، فمات، ولم يزل في
طاعة فَلج أرسلان وأولادِهِ، فملك بعدَه ولدُه علاء الدين داود شاه، فأرسل إليه
كيفُباذ يطلب منه عسكراً ليسير معه إلى مدينة أرزن الروم، ليحاصرها، وأن
يكونَ معهم، فأتاه في عسكره، فَقَبِضَ عليه، وأخذ بلده. وكان له حِصن
كماخ، وله فيه والٍ فتهدده إن لم يُسلم الحصن أيضاً، فأرسل إلى نائبه، فسلم
الحصن، فلما سمع صاحبُ أرزن، وهو ابنُ عم كيقباذ أنه يقصِدُه، استنجدَ
بالأميرِ حُسام الدين عليَّ الحاجب نائب الملك الأشرف على خِلاط، فسارَ
الحسامُ ونجدَه، فردَّ كيقباذ لذلك؛ ولأن العدوَّ أخذوا له حصن صمصون وهو
مُطِلٌّ على البحر عَاصٍ، فأتاه واستعاده منهم، ثم أتى أنطاكيةَ يُشتِّي بها .
وفيها ظهر محضر للعناكيين أثبت على نجم الدين مُهَا قاضي المدينة أن
حَكَّام بن حَكم بن يوسف بن جعفر بن إبراهيم بن محمد الممدوح بن عبدالله
الجواد بن جعفر الطيار سكن بقريةٍ بالشام تعرف بالأعناك، وأولد بها، وعَقِبُه
بها، وبالشام، ومِن نسله فلان وساق نسبه إلى حكّام.
٦٤٧

وتقرر بالمسمارية بنو المُنَجًّا للتدريس بحكم أن نظرها إليهم.
وتقدم الخُوَبي إلى المفتين بأن لا يكتبوا فتوى إلا بإذنه.
وفيها طلع الفِرنجُ من البحر وعكا إلى صيدا؛ وكانت مناصفةً لهم
وللمسلمين فاستولَوا عليها وحصَّنُوها وتمَّ لهم ذلك، وقويت شوكتُهم،
وجاءهم الأنبرور ملكُ الألمان ومعناه: ملك الأمراء؛ وكان قُبيل مجيئه قد
استولى على قبرص(١)، وقَدِمَ عَّة، وارتاع المسلمون لذلك. وقدم الكامل
كما مرَّ من مصر، وأقام على تَلِّ العجول، ثم كاتبَ الأنبرور، واتفق معه على
الناصر داود ابن المعظّم، ونشب الكامل بالكلام ولم تكن عساكر الأنبرور
وصلت إلى البحر، وخافه المسلمون، وملوكُ الفرنج بالساحل، فكاتبوا الكاملَ
إذا حصل مصافٌّ نمسك الأنبرور، فسيّر إلى الأنبرور كتبهم، وأوقفه عليها،
فعرف الأنبرور ذلك للكامل، وأجابه إلى كُلّ ما يُريد، وقدمت رسُلُه على
الكامل يتشكَّر لما أولاه، وتردَّدت بينهم المراسلاتُ. وسيّر الأنبرور إلى
الكامل يتلطّف معه، ويقول: أنا عتيقُك وأسيرُك، وأنت تعلم أني أكبرُ ملوك
البحر، وأنت كاتبتني بالمجيء، وقد علم البابا وسائرُ ملوك البحر باهتمامي
وطلوعي، فإن أنا رجعتُ خائباً، انكسرت حرمتي بينهم، وهذه القدس فهي
أصل اعتقادهم وحجِّهم؛ والمسلمون قد أخربوها، وليس لها دَخْلٌ طائل، فإن
رأى السلطانُ - أعزه الله - أن يُنْعِمَ عليَّ بقصبةِ البلدِ، والزيارة تكون صدقة
منه، وترتفعُ رأسي بين الملوك، وإن شاء السلطان أن يكشِفَ عن محصولها،
وأحمل أنا مقدارَه إلى خزانته فعلتُ. فلما سَمِعَ الكاملُ ذلك، مالت نفسُه
وجاوبه أجوبةً مُغلَّظة، والمعنى فيها نعم.
أنبأني ابنُ البُزُوري(٢)، قال: وفي المحرم منها استُدْعي الأميرُ علاءُ
(١) هكذا كتبها المؤلفُ بالصاد، والمشهور فيها بالسين، على أن الناس يتلفظونها
بالصاد إلى اليوم.
(٢) أبو بكر محفوظ بن معتوق البغدادي التاجر المعروف بابن البُزُوري نزيل دمشق
المتوفى سنة ٦٩٤ هـ، ذكره الذهبي في معجم شيوخه ٢ / ١٢٧ وفي سنة وفاته من
هذا التاريخ، وذكر أنَّه ذيّل على المنتظم لابن الجوزي، فافاد وأجاد، ومن هذا
الذيل ينقل هنا، وقد ذهب أكثرُ هذا التاريخ في الوقعة الغازانية سنة ٦٩٩ هـ (وانظر
كتابنا: الذهبي ومنهجه ٤٠٦).
٦٤٨

الدين الدويدار الظاهري أبو شجاع ألْطَبْرَسْ، وخُلِعَتْ عليه خِلعةُ الزعامة
وهي: قُباء أطلس نفطي، وشربوشٌ كبير، وفرس بعُدَّة كاملة، وأُلحِقَ
بالزعماء .
قال: وفيها وصل قاضي الريِّ رسولاً مِن عند جلال الدين منكوبريّ ابن
خُوارزم شاه.
وفيها عُقِدَ عقدُ علاء الدين الدويدار المذكور على ابنة بدر الدين صاحب
المَوْصِل، على صداق مبلغُه عشرون ألفَ دينار .
وفيها قَدِمَ بغداد مِن الحجاج أختُ السلطان صلاح الدين يوسف، زوجة
مظفر الدين إرْبِل؛ وابنُ أخيها الملك المُحْسن أحمد، فَخُلِعَ على المُحسن.
وفي رمضان خُلِعٍ على علاء الدين الدويدار خِلعة عظيمة، وأُعطي تسعة
أحمال گُوسات.
وفيها تغلَّب ابنُ هود على معظم الأندلسِ، فكان ملكه تسعةَ أعوام.
سنة ست وعشرين وست مئة
في ربيع الأول أخلى الكاملُ البيت المُقَدَّسَ من المسلمين، وسلَّمه إلى
الأنبرور، وصالحه على ذلك، وعلى تسليمِ جُملةٍ من القُرى فدخلته الفرنجُ مع
الأنبرور. وكانت هذه مِن الوَصَمات التي دخلت على المسلمين، وتوغّرت
القلوبُ على الكامل - فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثم أتبعها بحصار دمشق وأذية
المسلمين، فنزل جيشُه على الجسورة، وقطعُوا عن دمشق باناس والقنوات ثم
قطعوا يزيد وثوراً (١)، ونهبوا البساتين، وأحرقوا الجواسِقَ. ثم جرت بين
عسكر الناصر داود، وبين عسكر عمَّه الكامل وقعاتٌ، وقُتِلَ جماعةٌ وجُرِحَ
جماعة، وأُخرِبت حواضرُ البلد. فلما كان يوم رابع جُمادى الأولى وقعت
بينهم وقعٌ عظيمة.
(١) باناس والقنوات ويزيد وثورا هي من أنهار دمشق السبعة المتفرعة من بردى
وروافده.
٦٤٩

قال أبو شامة(١): قُتِلَ فيها خلق كثير، ونُهبَ قصر حجاج والشاغور،
وأطلق فيها النيران، وتسلَّموا حصن عزّتا صلحاً مع متوليه.
وفي تاسع جُمادى الآخرة وصل الكاملُ، فنزل عند مسجد القَدَم، فأنفذ
الناصرُ إليه جماعة من الكبراء: الدّولعي، والقاضي شمس الدين الخوبي،
والقاضي شمس الدين ابن الشيرازي، والشيخ جمال الدين الحصيري، نيابةً
عنه في السلام والخدمة. ثم خرج من الغدِ عزّ الدين أيبك أستاذ الدار باستدعاءٍ
من الكامل فتحدَّثا في الصُّلْح، فلما كان يوم منتصف الشهر، كان بينهم وقعةٌ
تلقاء باب الحديد وفي الميدان، وانتصر الدمشقيون. ثم أصبح من الغدِ النھبُ
والحريق بظاهِرِ باب توما، وبدَّعوا في الغوطة، وخرَّبوها، وغلت الأسعارُ،
وصار اللحم بستة دراهم، والجبنُ بستة دراهم أيضاً. واشتد الحصار، ثم إنهم
زحفوا على دمشق من غربيها مراراً، وتكون الكرّة عليهم، واتخذوا مسجد
خاتون، ومسجد الشيخ إسماعيل، وخانقاه الطاحون، وجوسق الميدان،
حصوناً وظهراً لهم. وأحرق الناصرُ لأجلِ ذلك مدرسةَ أسدِ الدين، وخانقاه
خاتون، وخانقاه الطواويس، وتلك الخانات. وجرت أمور.
ثم زحفوا في تاسع رجب إلى أن قاربوا باب الحديد، ثم كان انتظام
الصلح في أوَّلِ شعبان، وذلك أن الملك الناصر داود خرج ليلةَ رابع عشر
رجب إلى الكامل واجتمع به، ثم اجتمع به مرات، وتقرَّر الصلح؛ أن الناصر
رضي بالكَرَكِ ونابلس وبعضَ الغور والبلقاء، ثم دخل الملكُ الكامل القلعةَ
ونزل إلى قُبة والده، ووجه العسكر، فنازلوا حماة، وحاصرُوها.
وفي أواخر شعبان سلَّم الكامل دمشق لأخيه الملك الأشرف، وأعطاه
الأشرفُ عِوضَها حرَّان والرُّها، ورأس عين والرَّقة، ثم توجه إلى الشرق ليتسلم
هذه البلاد، فسار في تاسع رمضان فلما نزل على حماة، خرج إلى خِدمته
صاحبُها صلاح الدين قلج أرسلان ابن الملك المنصور محمد بن عمر، وسلَّم
إلى الكامل حماة، فأعطاها لأخي صاحبها لكونه أكبر سناً؛ ولأن العهد من أبيه
كان إليه. ثم سار إلى حرَّان، ونزل عسكرُه على بعلبك؛ وجاء إليها الأشرفُ
(١) ذيل الروضتين ١٥٥ .
٦٥٠

من دمشق؛ فحاصر الملكَ الأمجدَ؛ ثم تسلموا البلدَ، وبقي الحصارُ على
القلعة، ورجع الأشرفُ.
قال أبو شامة (١): وكان في آخر دولة المعظم قد كثر الاشتغالُ بعلوم
الأوائل، فأخمده الله بدولة الملك الأشرف.
قال أبو المظفر(٢): بعث الأشرفُ أخاه الملكَ الصالح إسماعيل، فحاصر بعلبكَ،
وضربها بالمجانيق، وضايقها؛ ثم توجَّه إليها الأشرفُ، فدخل ابنُ مرزوق بينه
وبينَ صاحبها الملك الأمجد، فأُخِذَتْ منه، وجاء إلى دمشق، فأقام بداره.
وفيها نازل جلال الدين خلاط وضايقها بأوباشه، فأغاروا، ونهبوا،
وهجموا حينة(٣)، وقتلوا أهلَها قتلاً ذريعاً، والكاملُ على حرَّانَ، فأقام اليَزَكَ
على الطُّرق خوفاً من هجمتهم، وتوجهت طائفةٌ منهم إلى ميَّافارْقين، فالتقاهم
المظفرُ غازي، فكُسِرَ وجُرِحَ، وهو أشجعُ أولاد العادل.
ولم يزل جلالُ الدين يجد في حصارِ خلاطَ حتى افتتحها في آخر العام.
سنة سبع وعشرين وست مئة
قال أبو شامة(٤): أُخذت بعلبك من الأمجد في ربيع الآخر، ورحل
الأشرف إلى الشرق واستعملَ على دمشق أخاه إسماعيل، فلما كان في شؤَّال
جاءنا الخبرُ: بأن السلطانَ الملكَ الأشرفَ التقي الخوارزميَّ-يعني جلال الدين
- وأن الأشرف كسره في أواخر رمضان. وقد كان الخوارزمي استولى على
خِلاطَ، وأخذها من نواب الأشرف بعد أن أكلوا الجيفَ والكلابَ، وزاد فيهم
الوباءُ، وثبتوا ثباتاً لم يُسْمَعْ بمثله، لعلمهم بجور خُوارزم شاه، ولم يَقْدر عليها
إلا بمخامرة إسماعيل الإيواني، تدنَّى إليه، واستوثق منه، ثم أطلع الخوارزمية
بالجبال ليلاً، واستباحوها، فإنا لله. فسار الأشرفُ لحربه، واتفق هو وصاحبُ
الروم على لِقائه، فَكْسَرًا الخوارزمية، ووقع منهم خلقٌ في وادٍ، فهلكوا،
(١) ذيل الروضتين ١٥٦.
(٢) مرآة الزمان ٨ / ٦٥٩ ولكنه ذكر ذلك في حوادث سنة ٦٢٧ .
(٣) كتب المؤلف في حاشية نسخته بخطه (حاني)، وهي كذلك في معجم البلدان
ويقال لها: حيني أيضاً كما ذكر ياقوت.
(٤) ذيل الروضتين ١٥٨ - ١٥٩ .
٦٥١

ونُهبوا، وتُتبعوا أياماً، وضُرِبَتِ البشائرُ في البلاد.
وقال أبو المظفر ابن الجوزي (١): أخذ خُوارزم شاه جلالُ الدين مدينة
خِلاط في جمادى الأولى بعدَ حِصارٍ عشرة أشهر، وكان فيها مجيرُ الدين ابن
العادل؛ وأخوه تقي الدين؛ وزوجةُ الأشرف بنتُ ملك الكرج، فأسَرَهُمْ جلالُ
الدين. فأرسلَ صاحبُ الروم إلى الأشرف يأمرهُ بالمسير، فإنه يُنْجِدُه، فشاور
أخاه الملك الكامل فقال: نَعَم مصلحة، فجمع جيشَه وسار إلى صاحب الروم،
وكان معه أخواه شهابُ الدين غازي، والملكُ العزيز عثمان، وابنُ أخيه الملك
الجواد. وجمع ملكُ الروم جيوشَه أيضاً واجتمعا، والتقاهم الخوارزمي؛
فانكسر كسرةً عظيمة، وأخذ الأشرفُ خِلاط، وأرسل إلى الخوارزمي يطلب
إخوته، فأرسلهم ولم يرسل المرأة.
قال عبداللطيف بن يوسف: كسر الله الخوارزميين بأخفِّ مؤنة بأمر لم
يكن في الحساب، فسبحانَ مَن هَدم ذاك الجبلَ الراسي في لمحةِ ناظرٍ .
وفيها رجعت رُسُلُ الخليفةِ من عند جلال الدين منكوبري (٢) ملك
الخوارزمية، وخُلِعَ على رسوله الذي قَدِمَ معهم.
وفيها خرج الموكبُ الشريف لتلقي رسول الملك محمدٍ بن يوسف بن
هود المغربي؛ صُحْبَةَ رسولِ الملك الكامل زعيم مصر، فأخبر أن ابنَ هود
استولى على أكثر بلاد المغرب التي بيد بني عبدالمؤمن، وأنه خَطَبَ بها
للمستنصر بالله، فحمد فعله، وكُتِبَ له منشورٌ متضمنٌ شُكْرَ هِمته العالية.
وفيها سيَّر جلالُ الدين الخُوارزمي إلى المُستنصر، وطلب منه سراويلَ
الفتوة ليتشرَّفَ بذلك؛ فسيّره إليه مع تُحَفٍ ونِعَم لا تُحْصَى، وفرس النّوبة،
ففرح بذلك وسُر وقبَّل الأرضَ مرات.
وفيها ملك المَايَرْقي تِلِمْسَانَ، وخطب فيها للمستنصر بالله .
وأما أمرُ الخوارزمية وكَسْرتهم، قال الموفقُ(٣): فتح بعضُ الأمراءِ بابَ
خِلاط للخوارزمية في جمادى الآخرة، لا ركوناً إلى دينهم ويمينهم، بل إيثاراً
(١) مرآة الزمان ٨/ ٦٥٩ - ٦٦٢.
(٢) هكذا كتبها المؤلف بخطه، هذه المرة، والعادة أن يكتب ((منكوبرتي)).
(٣) عبداللطيف بن يوسف البغدادي.
٦٥٢

للموت على شِدة القحط، فدخلوا، وقَتَلُوا، وسَبَوْا، واستحلُّوا سائرَ
المحرمات، دخلوا نصفَ الليل فَبَقُوا كذلك إلى آخر صبيحته، ثم رفعوا
السَّيفَ، وشرعوا في المصادراتِ والعذاب. وكانوا يتعمَّدون الفقهاءَ والأخيارَ
بالقتل والتعذيب أكثر من غيرهم.
وأما الكاملُ، فانصرف إلى مصر بغتةً، فضعف الناسُ، وأيقنوا أن
الخوارزمي إن ملك الشامَ والروم عفى آثارَها وأباد سُكانها. ثم اصطلح
الأشرفُ وعلاء الدين صاحب الروم صلحاً تاماً بعد عداوةٍ أكيدة، وجيّشوا
الجيوش، والقلوبُ مع ذلك مشحونةٌ خوفاً، ولم يزل على وَجَلٍ مُفْرط مِن
التقاء الجيشين حتى أتاح الله كسرةَ الخوارزميين بأهونِ مؤنة .
فقرأتُ في كتاب بعض الأجناد: إنا رحلنا مِن سيواس، وطلبنا منزلة يقال
لها ياصي جُمان في طرف أعمال أرزنجان، إذ بها عشب ومياه؛ فلما سمعَ
العدو بمجيء العسكرين ، ساق سوقاً حثيثاً في ثلاثة أيام، ونزل المَرْجَ
المذكورَ وبه جماعة من عسكر ، فكسبهم بُكْرةَ الرابع والعشرين من رمضان،
وضربَ الأشرف المصافَّ مع الخوارزمي، وقامت الحرب على ساق إلى قرب
الظهر، ثم نصر الله، وكسر العدوَّ شر كسرة. وكان معه خلق لا يُحصون.
والمصاف في اليوم التاسع والعشرين من رمضان.
قال الموفَّق: ثم تواصل الناسُ ومعهم السَّبْي والأخاديد من المماليك
والدواب والأسلحة، والكُلُّ رديء، يباع الجوشنُ بثلاثة دراهم، والفرس هناك
بخمسة دراهم، وفي حلب بعشرين درهماً وثلاثين في غاية الرداءة. وكذا
قِسيُّهم وسائرُ أسلحتهم. ووصل منهم أسرى فيهم رجل، حكى لمن أنِسَ به من
الفقهاء العجم، قال: إن صاحبنا دُهِشَ وتحيَّر لما شارف عسكرَ الشام، فلما
رأيناه كذلك، انقطعت قلوبُنا، ولولا عسكرُ الشام، أبدنا عسكرَ الروم، أنا
بنفسي قتلتُ منهم خمسين فارساً.
وحكى نسيب لنا (١) جنديٌّ، قال: وصلنا إلى مرج ياصي جُمان، ونحن
متوجهون إلى خلاط على أن العدوَّ بها، فإذا بعسكر الخوارزمي محيطٌ بنا،
فوقع على طائفة من عسكر الروم، فقتل منهم نحو مئتين، ونهب، وأسر. ثم
(١) الكلام للموفق.
٦٥٣

من الغد وقع جيشُ الخوارزمي على عسكر الروم ونحن نرى الغبرة فأباد فيهم
قتلاً وأسراً. وقد كثر القول بأنهم قتلوا من عسكر الروم سبعة آلاف من
خيارهم، وقيل: أكثر وأقل.
وقال لي(١) رجل من أهل أرزنجان: إن جميع الروم كان بها، وعِذَّتُهُم
اثنا عشر ألفاً، فلم يَخْلُصْ منهم إلا جريحٌ، أو هارب توقَّلَ الجبلَ، وإن
صاحب الروم بقي في ضعفة من أصحابه نحو خمسة آلاف، وأصبحنا يومَ
الخميس على تعبئة، ووقعت مناوشات. فكان أصحابُنا أبداً يربحون عليهم،
وعرفنا قتالَهم، ونشّابهم، وضعف خيلهم، وقلَّة فروسيتهم، فتبدَّل خوفُنا منهم
بالطمع، واحتقرناهم، وتعجَّبنا كيف غلب هؤلاء أمماً كثيرين؟ وبتنا ليلةَ
الجمعة على تعبئة، وكان الرجُل قد عَزَمَ على الهرب، فَفَرَّ إليه مملوکان،
فشجعاه، فثبت لِشقاوته. وأصبح الناسُ، ففر من عنده اثنان إلى الملك
الأشرف؛ فسألهما عن عِدة أصحابهم، قالا: هم ثلاثون ألفاً. وبقي الأشرف
يجولُ بين الصفوف، ويُشجعُ الناس، ويحقر العدوَّ. وأصبح الناسُ يوم السبت
على تعبئة تامةٍ، فسأل الأشرفُ المملوكَيْنِ عن موضع الخوارزمي، قالا: هو
على ذلك التلِّ، وشَعْرُهُ في كيس أطلس، وعلى رأس كتفه بَرجمٌ صغير مخيَّط
بقبائه. فَحَمَلَ طائفة من الخوارزمية على عسكر الروم؛ فثبتُوا، فتقدم الأشرف
إلى سابقِ الدين ومعه مِن عسكر مصر ألف وخمس مئة فارس، وإلى عسكر
حمص وحلب وحماة، فانتقى ألف فارس، ونَدَبَ بعض أمراءِ العرب في ألف
فارسٍ من العرب، فحملوا على الثّلِّ الذي عليه الخوارزمي، فلما عاينٍ الموتَ
الأحمر مقبلاً، انهزم، فلما رأى جبشُه فِرارَه انهزموا. وأمَّا الذين حملُوا على
عسكر الزُّوم، فبقوا في الوسط، فلم يَفْلَتْ منهم أحد. ثم إنَّ الخوارزميين
لِشدَّة رُعبهم لم يَقْدِروا على الهرب، ولم يهتدوا سَبيلاً، وأكثرُهم نزلوا عن
خيولهم، وانجحروا في بطون الأودية والبيوت الخَرِبة، فتحكّم فيهم الفلاَّحون
والغِلْمان، وقَتَلَهم أضعفُ النَّاسِ. وانحرفَ منهم ثلاثةُ آلاف على بلاد
جانيت، فخرج إليهم فلاحو الرُّوم والنَّصارى فقتلوهم عن آخرهم. وفلّق
(١) كذلك.
٦٥٤

الخوارزمي عند هربه نحو مئتي حصان، ووصلَ خِلاط في سبعة أنفس، فأخذَ
حُرَمه وما خَفَّ من الأموال، واجتاز على منازجره(١) وكانت محصورة بوزيره،
ووصل جائعاً فأطعمه وزيرُهُ. ثم دخل أذربيجان بالخزي والصَّغار، فصادر أهل
خُوَيّ وماتَ منهم جماعة تحتَ العُقوبة.
وأما الأشرفُ فلو ساقَ بعسكره وراءَهم لأتى عليهم قَتْلاً وأسْراً. وتَسَلَّم
أرزن الرُّومِ وسَلَّمها إلى علاء الدين كيقُباذ، فأخذ ملكاً خَيْراً من جميع مملكته .
وأما صاحبُها ابنُ مغيث الدين ابن عم علاء الدين فإنه رُمِيَ بَالخِذْلان،
والتجأ إلى كهفٍ حتى أخذوه أخذَ النِّساء. ثم نَزَلَ الأشرفُ على منازجرد
وصَمَّمَ على أن يدخلَ وراءَ الخُوارزمي، وأقامَ شهوراً ثم تراسلا في الصُّلح،
فاصطلحا على ما يؤثر الملكُ الأشرف. فرجَعَ وفَرَّقَ العسكر، وأمِنَت خِلاط،
وشرعت تعمر .
وحكى أميرٌ قال: حملنا على الخوارزمي فوقع عسكره في وادٍ وَهَلَكوا،
زحمناهم على سفح يُفضي إلى وادٍ عميق، فَتَكَرْدَسوا بخيولهم، فتقطّعوا إرْباً
إرْباً. وأشرفنا على الوادي ثاني يوم فرأيناهُ مملوءاً بالهَلْكى لم نجد فيهم حيّاً إلا
خادمَ الخوارزمي مكسورَ الرِّجل، وأقمنا أياماً نُقَلِّب القتلى لَعلّ أن يكون فيهم
جلال الدين الخُوارزمي. وأَسر خلق من خواصه وأعلامه وسَناجقه. وذكروا أنَّ
العربَ أخذوا من خيمته باطية ذهبٍ وزنها خمسةٌ وعشرون رطلاً فنفلَهم إياها
الملكُ الأشرف. والعجبُ أن هذه الوقعة لم يُقتل فيها من عسكر الشام أحد،
ولا جرح فرس إلا رَجل مِن عسكر حمص جُرِحِ بِسَهْم. وزالت هيبةُ الخوارزمية
من القلوب، وزالَ سَعْدُهم.
سنة ثمان وعشرين وست مئة
في رَجَب وصل رجل من المغرب وأَخْبَر أن بعض بني عبد المؤمن صَعِدَ
الجبلَ، وجمعَ من أمم البربر نحو مئتي ألف، ونزلَ بهم،، وهاجم مراكش
وقتلَ عَمَّهُ، وكان قد ولي الأمرَ دُونه، وقَتلَ من أصحابه نحواً من خمسة عشر
(١) وتكتب منازكرد، وملازكرد أيضاً، وهي معروفة.
٦٥٥

ألفاً. وسَيّر إلى الأندلس يُهدّد ابن هود، فأطاعه بشرط أن لا يكون عنده أحد
من المُوَحِّدين إلا إذا احتاج إليهم للغَزاة .
وفي رجب وصل قزويني إلى الشام فأخبرَ أن التتر خرجوا إلى الخوارزمي
وأنَّهم كَسَروه أقبح كَسْرة. وأنَّ الكفار الذين كانوا في جُملة عسكره غدروا به،
وعادوا إلى أصحابهم، وأنَّ المُجَمّعة كلهم تفرقوا عنه، وبقي في ضَعْفَةٍ من
أصحابه وهم قليلون لا سَبَدٌ لهم ولا لَبَد (١)، وهكذا كلُّ مُلك يُؤسس على
الظُلم يكون سريع الهَدْم.
وقال ابن الأثير (٢) - وهذه السنة هي آخر كتابه - قال: في أوّلها وصل
التتارُ من بلاد ما وراء النهر، وقد كانوا يعبرون كلَّ قليل، ينهبون مايرونه،
فالبلاد خاوية على عُرُوشها. فلما انهزمَ جلالُ الدين خُوارزم شاه في العام
الماضي أرسل مُقَدَّم الإسماعلية يعرف التتار ضَعْف جلالِ الدين، فبادرت
طائفةٌ وقصدوا أذربيجان، فلم يُقْدِم جلال الدين على لقائهم، فملكوا مَرَاغة
فعاثوا بأذربيجان، فسار هو إلى آمد، وتَفَرَّق جُنده، فَبَيَّته التتار ليلة فنجا وتفَرق
أصحابُهُ في كل وجه. فقصد طائفة منهم حَرّان، فأوقع بهم الأمير صواب مُقَدَّم
الملك الكامل بحرّان، فقصدَ طائفةٌ منهم سنجار والمَوْصل وغير ذلك.
وتخطَّفتهم الملوك والرعية، وطمعَ فيهم كل أحد حتى الفلاحون والأكراد،
وانتقم الله منهم. ودخل التتار ديار بكر في طلب جلال الدين، لا يعلمون أين
سلك؟ فسبحان مَنْ بذَّل عزهم ذلاً، وكثرتَهم قِلَّة، وأخذت التتارُ إسعرد
بالأمان، ثم غَدَرُوا بهم، وبذلُوا فيهم السَّيْفَ. ثم ساروا منها إلى مدينة طَنزَة،
ففعلُوا فيها كذلك، ثم ساروا في البلاد يُخربونها إلى أن وصلوا ماردين، وإلى
نصيبين، إلى أن قال: وخرجت هذه السنة ولم يتحقق لجلال الدين خبر، ولا
يُعلم هَلْ قُتِلَ؟ أو اخْتَفَى؟ والله أعلم.
قلت: وفي المحرَّم وصل الملك مُظَفَّر الدين صاحب إربل إِلى بغداد،
واحتُفِلَ بقدومه، وجلس المستنصِرُ بالله له، وحضر أربابُ الدولة كُلُّهم، ورُفِعَ
السِّتر عن الشّباك، فإذا المستنصِرُ جالس فقبّل الجميعُ الأرضَ. ورقي نائبُ
(١) يقال: ماله سبد ولا لبد، أي: لا قليل ولا كثير.
(٢) الكامل ١٢/ ٤٩٥ فما بعدها.
٦٥٦

الوزارة مؤيّدُ الدين، وأستاذُ الدار مراقيَ مِن الكرسي المنصوب بينَ يدي
الشباك. واستُدْعِي مظفَّرُ الدين، فطلع، وأشار بيده بالسَّلام على المستنصر،
ثم قرأ: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآيةَ، فرد المستنصِرُ عليه السَّلامَ، فقبل
الأرضَ عِدَّة مرار، فقال له: إنَّك اليومَ لدينا مَكين أمين في كلام مضمونُه: ثبت
عندنا إخلاصُك في العبودية، فقبّل الأرض، وأذن له في الانكفاء، وأسبلت
الأستارُ وأدخل حُجرة، فَخُلِعَ عليه فرِجية ممزج وَمِن تحتها قَباء أطلسُ أسودُ،
وعِمامة قصب كُحلية بطرز ذهبٍ، وقُلِّد سيفين محلايين بالذهب، وأُمْطِيَ فرساً
بسرج ذهبٍ، وكُنبوش ومَشَدَّة حرير، ورفع وراءه سنجقانِ مذهَبانٍ. ثم اجتمع
بالخليفة يوماً آخر، وخُلِعَ عليه أيضاً، وأعطي رايات وكوسات وستين ألف
دينار، وخُلِعَ على جماعة من أصحابه.
وفيها جُدِّد لمشهدِ أبي بكر مِن جامع دمشق إمامٌ راتب.
وفيها كان الغلاءُ بمصر لِنقص النيل.
وفيها قَدِمَ الملكُ الأشرفُ دمشق، وحبس الحريريَّ بقلعة عَزَّتا، وأفتى
جماعةٌ بقتله وزندقته، فأحجم السلطانُ عن القتل.
وأمر السلطانُ بشراء دارِ الأمير قيماز النجمي، لتُعْمَلَ دارَ حديث، فهي
الدارُ الأشرفية، وأن يكون للشيخ سبعون درهماً، وهو الجمالُ أبو موسى ابنُ
الحافظ (١)، فمات أبو موسى قبلَ أن يَكْمُلَ بناؤها.
وفيها درَّس بالتَّقَويَّةِ العمادُ الحَرَستاني، وبالشاميَّة الجوانية ابنُ الصلاح.
وحضر الملكُ الصَّالِحِ الدَّرسَ؛ وتكلموا في هذه المدرسة، وأرادوا إبطالَها،
وقالُوا: وهي وقف على الحنفية، وعَمِلُوا محضراً أن سودكين المعروفة به
أولاً وقفها على الحنفية وشهد ثلاثة بذلك بالاستفاضة، فلم ينهض ذلك.
وفيها صُلِبَ التاجُ التكريتي الكَحّال؛ لأنه قتل جماعةً ختلاً في بيته،
ودفنهم، ففاحت الرائحةُ، وعُدِمت امرأةٌ عنده، فَصُلِبَ، وسَمَّروه.
ودرَّس بالصاحبية - مدرسة ربيعة خاتون - الناصحُ ابنُ الحنبلي، وكان
يوماً مشهوداً، حَضَرَت الواقِفَةُ وراءَ السِّتر.
(١) الحافظ، وهو عبدالغني المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠هـ وستأتي ترجمة الجمال إن
شاء الله .
تاريخ الإسلام ١٣ / م ٤٢
٦٥٧

سنة تسع وعشرين وست مئة
فيها أنهي إلى الديوان العزيز أن التتر قصدوا أَذْرَبَيجان وعاثُوا بها، لأن
صاحبَها جلالَ الدين ابن خُوارزم شاه قُتِلَ؛ قتله كُردي بحربةٍ؛ وكان قد انهزم
من التتار لما بيَّتوه، وساقُوا وراءَه حتى بَقِيَ وحده، وقتلَ فارسين مِن التتار، ولجأ
إلى جبل بِهِ أكرادٌ، فقتله هذا الكرديُّ بأخ له كما زعم، فعاثُوا وأفسدوا، ووصلُوا
إلى شَهْرَزُّور. فبذل المستنصِرُ بالله الأموالَ في الجيوش، وسأل مظفرُ الدينِ
صاحبُ إربل إعانتَه بجيش بغداد ليلتقي التتار، فجاءته العساكر مع جمال الدين
قشتمر الناصري، وشمس الدین قیران، وعلاء الدين ألدکُز، وفلكِ الدين، وسار
الكل نحو شَهْرَزُور. فبلغ التتار، فهربوا. وتمرَّض مظفَّرُ، وعاد إلى بلده.
وفي شؤَّال تقدم إلى أستاذ دارِ الخلافة شمسٍ الدين أبي الأزهر أحمد بن
محمد ابن الناقد، وإلى مؤيّدِ الدينَ أبي طالب محمد بن أحمد ابن العَلْقَمي
مُشْرِف دار التشريفات، بالقبض على نائب الوزارة القُمي، وعلى ولده فخر
الدين أحمد، وعلى أخيه وأصحابه، فهُيِّىء جماعةٌ بسيوفٍ مجرَّدَةٍ، ودخلوا دارَ
الوزارة، وقبضوا على مؤيّد الدين القُمّي، ثم على ولده وأخيه، وحُبسُوا.
وكانت مدَّةُ ولايته الوزارةَ بصورةِ النيابة لا الوزارةِ المحضةِ - ثلاثاً وعشرين
سنةً. ثم وَلِي نيابةَ الوزارة ابنُ الناقد المذكور، ثم وَلِي الأستاذُ داريّة مؤيّد
الدين ابن العَلْقَمي الرَّافضي(١).
سنة ثلاثين وست مئة
فيها افتتح الملكُ الكامِلُ ثغرَ آمِد بعد أن ضربها بالمجانيق، فَسَلَّمها
صاحبُها الملكُ المسعود مودودُ ابن الصالح الأتابَكي، وخرج وفي رقبته مندیلٌ
فرسم عليه، واستولى على أمواله وقلاعه، وبقي حصنُ كيفا عاصياً، فسيّر
أخويه الأشرفَ والمظفرَ غازياً، ومعهما المسعود تحت الحَوْطة، فعذَّبَهُ
الأشرفُ عذاباً عظيماً، لكونه لم يُسَلِّم حصن كيفا، ولأنه كان يُبغضه .
قال أبو المظفر ابنُ الجوزي(٢): فقال لي الملك الأشرف: وجدنا في
(١) وهو الذي كاتب المغول وسَلَّم إليهم بغداد بحقده وخيانته وضغينته، لعنه الله، سنة
٦٥٦ هـ كما سيأتي بيانه.
(٢) مرآة الزمان ٨ / ٦٧٦ .
٦٥٨

قصره خمسَ مئة حُرّةٍ من بنات الناسِ للفِراش. ثم سُلِّمت القلعةُ في صفر وعاد
الأشرف إلى دمشق.
قال أبو شامة(١): سمعتُ الصاحب بدرَ الدين جعفراً الآمدي يحكي عن
عظمة يوم دخول الكامل إلى آمِد شيئاً ما نُحْسنُ نُعَبِّرُ عنه، قال: وأخذ جميعَ
رؤساء آَمِد إلى مصر، فكنت أنا؛ وابنُ أختي الشمس، وأخي الموفق فيهم.
فلما وصلنا الفراتَ قال أخي: اسمعُوا مني لا شَكَّ أنا نَعبر إلى بلادٍ ليس فيها
أحدٌ يعرفنا، ولا يعضُدُّنا ولا معنا مال نَتَّجرُ فيه، فعاهدوني على أداء الأمانة في
خِدَمنا، فعاهدناه، فرزقنا الله بالأمانة أنَّا خدمنا في أجلِّ المناصبِ بمصر
والشام، ورأيتُ جماعةً ممن كانوا أكبرَ منا ببلدنا في مصر، يستعطون
بالأوراق، وافتقر أهلُ آمد، وتمزقوا.
ونقل الصلاحُ الإرْبِلي في أمرِ الملك المسعود أنه كَثُّرتْ عنه الأقاويلُ،
واشتهر أن عينَه كانت ممتدَةً إلى حُرمَ رعيته، فَوَكَّل نساءً يطفن في آمِد، ويكشفن
عن كُلِّ مليحة، فإذا تحقق ذلك سيَّر من يُحضرها قهراً، ويخلو بها الأيام ويردُّها.
وكان ظالماً. ولما كلموه في تسليم بلاده، وأن الكامل يُعطيه خُبْزاً (٢) جليلاً
بمصر، قال: بشرط أن لا يحجر عليّ، فإني ما أصبر عن المغاني والنساء. فلما
أدَّى الصلاحُ الرسالةَ إلى الكامِلِ، تضاحكوا، وعمل الصلاحُ؛ وكان شاعراً:
ولَمْ يَبْقَ لِلمَخْذُولِ صَاحِبها حسنٌّ
ولما أخَذْنا آمِداً بِسيُوفنا
وقال مُنايَ ما تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ
غَدَا طَالِباً مِنَّا أماناً مؤكداً
فقُلْنَا لَهُ خُذْ ما تمَّتَ يا نَحْسُ
سَلامةُ أبْرِي ثُمّ كُسّ أنِيكُه
ثم سلّم الكامل جميعَ ذلك لولده الصالح نجم الدين أيوب.
وتوجه القاضي الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل رسولاً من الكامل،
ثم عاد مع رسول الخلافة الصاحبِ محيي الدين ابن الجوزي إلى الكامل،
ومعه تقليدٌ من المستنصر بالله بسلطنة الكامل، من إنشاء الوزير أبي الأزهر
أحمد ابن الناقد، وبخطَّ العدل ناصر بن رشيد، وفي أعلاه بخطّ الوزير:
((للآراء المقدسة زادها الله جلالاً وتعظيماً مزيد شرفها في تتويجه))، وتحت
البسملة علامة المستنصر بخطّه: ((الله القاهر فوق عباده))، وأوَّله خطبة وإسراف
(١) لم نجده في ذيل الروضتين، ولعله أراد: أبا المظفر.
(٢) الراتب والمخصصات.
٦٥٩

في تعظيم الخليفة، وفيه: ((وآمره بتقوى الله، وبكذا، وبكذا)). وفي أوائله: ((
ولّما وفَّقَ الله تعالى نصير الدين محمد ابن سيف الدين أبي بكر بن أيوب مِن
الطاعة المشهورة، والخِدَم المشكورة، إلى أن قال: ووسمه - يعني الخليفة -
بالمَلِكِ الأجل السيِّد الكامَلِ المجاهدِ المُرابطِ، نصير الدين ركن الإسلام، أثير
الإمام، جمالِ الأنام، سندِ الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة
والمشركين، ألب غازي بَك محمد بن أبي بكر، معين أمير المؤمنينَ، رعايةً
لسوابق خدمة، وخدم أسلافه)).
وفيها كان الغلاء ببغداد، وأبيع كُرُّ القمح بنيف وثمانين ديناراً.
وفيها وقع بينَ صاحب ماردين، وبين صاحب الروم، والملك الأشرف،
فنزل صاحبُ ماردين، وجاءته عساكرُ الروم فحاصروا حرَّان والرُّها والرَّقة،
فاستولَوْا على الجزيرة. وفعلت الروم في هذه البلاد كما تفعل التتار.
وفيها جمع راجح بن قتادة جمعاً، وقَدِمَ مكة، فدخلها، وطرد عنها
عسكر صاحب الملك الكامل.
وفي ربيع الأول نُفّذ أبو صالح نصر بن عبدالرزاق الجيلي رسولاً إلى
مظفر الدين صاحب إربل، وبدر الدين صاحب المَوْصِل.
وفي رمضان توفي صاحب إربِل، فتُقُدِّمَ إلى شرف الدين إقبال الخاص
الشرابي بالتوجه إلى إرْبِل، فتوجَّه بالعساكر، وجعل مُقَدِّمها جمالَ الدين
قشتمر. وكان بقلعة إربل خادمان: برنقش؛ وخالص، فكاتبا عِمَادَ الدين زنكي؛
صهر مظفر الدين، يَحُثَّانِهِ على المجيء ليُعطياه البلَدِ. فلما وصل عسكرُ
الخليفة، عصيا وتمرَّدا. فشرعوا في محاصرتهم، وتفاقم الشَّرُّ، ثم زحف العسكرُ
على البلد، وحمي القتال، ثم ظهروا على إربل، وألقوا النارَ في أبوابها،
ودخلوها، ونهب الأوباشُ بعضَ الدور، وسُلِّمت القلعةُ، ورتب بها نواب
للخليفة، وضُرِبَتِ البشائرُ ببغداد. وأُمِّرَ على إرْبل شمس الدين باتِكين أمير
البصرة؛ فسار إلَيها ورتَّب بها عارِضَ الجيش تاج الدين محمد بن صلايا العلوي.
وفيها جاء مِن جهة الكامل عسكرٌ استولَوْا على مكة، وهَرَبَ راجحُ بن
قتادة.
وفيها فراغ دارِ الحديث الأشرفية، وفُتِحَت ليلةَ نصف شعبان، وقرىء
بها ((البخاري)) على ابن الزبيدي، وسمعه خلائق. وكانت أولاً تُعرف بدار
قايماز النَّجمي مولى نجم الدين أيوب.
٦٦٠