النص المفهرس

صفحات 621-640

تفقَّه على قاضي تونس أبي الحَجَّاجِ المَخْزومي؛ وسَمعَ بها من أبي
عبدالله بن أبي دَرقة .
قال الأبار(١): كان عالمًا، متقنًا، مُدَقِّقًا، نَظَّارًا، واقفًا على الاتفاق
والاختلاف، مُعَلِّلاً مُرَجِّحًا، مع الحَظ الوافر من اللُّغة والآداب والشعر.
سمعتُ منه كثيرًا، ولم يكن له عِلْم بالحديث. وألف كتابًا في الجهاد، وكتابًا
في الأحكام، واستدرك على القاضي عبدالوهاب في ((التلقين)) باب السَّلَم
لإغفاله ذلك. وولي قضاء بَلَنْسية، ثم قضاء مُرسية. وكان ذا سيرة عادلة،
وشارة جميلة، صُلْبًا في الحق. وكانت فيه حدَّة مُفْرطة فصُرف لذلك، ثم لَحِقَ
بِمَرَّاكُش. وتُوفي في ربيع الآخر أو جمادى الأولى، وله سبع وخمسون سنة،
رحمه الله تعالى.
٧٠٠- محمد بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أحمد
الغَزَّال، أبو جعفر بن أبي بكر، الأصبهانيُّ المقرىء أخو الحافظ أبي
رشید .
وكان أبو جعفر أكبر بسنتين. وُلد في المُحرَّم سنة سبع وستين وخمس
مئة بأصبهان. وسَمعَ الكثير بإفادة والده ومؤدبه. وقرأ القراءات، وصّحبَ
العُلماء والأولياء، وانقبضَ عن الناس، ولزمَ منزله لا يخرج إلا لصلاة. وله
مُلْك يسير يكفيه، ولا يأخذ من أحد شيئًا. قَدِمَ بغداد سنة ثمان وتسعين،
فحدّث بها .
قال ابنُ النَّجَّار: سَمعنا منه. وكان صدوقًا، أحد عباد الله الصالحين،
حميد الأخلاق، كامل الأوصاف، سَخيًا، نَزهًا. روى لنا عن إسماعيل بن غانم
ابن خالد. وسمعتُ منه أيضًا بأصبهان. تُوفي في رمضان سنة عشرين.
٧٠١- محمد (٢) بن مكي بن أبي بكر بن كخينا، أبو منصور
الواسطيُّ البَزَّاز.
(١) التكملة ٢ /١٢٠.
(٢) كتب المؤلف لهذا الشيخ ترجمتين، واحدة في وريقة طيارة، وهي مختصرة، والثانية في
حاشية الورقة ٢١٥، وهي أوسع، لذا كتبناها، والترجمة الأخرى هي: ((محمد بن مكي
ابن أبي بكر بن كخينا، أبو بكر الواسطي البزاز. سكن دمشق، وسمع من الخشوعي.
قال ابن النجار: كان صدوقًا. مات بحلب سنة عشرين وله ثمان وستون سنة)).
٦٢١

سَكن دمشق، وسَمعَ بها الكثيرَ من الخُشُوعي، والقاسم ابن عساكر،
وطبقتهما. وكتبَ، وحَصَّل الأُصول، وعُنيَ بالرواية. ورَحَلَ إلى بغداد سنة
سبع عشرة وست مئة، وحدَّث بها. وكان مولدُهُ سنة اثنتين وخمسين وخمس
مئة بسواد واسط، تقريبًا .
قال ابن النَّجَّار: رأيتُهُ بدمشق، ولم أكتب عنه شيئًا. وكان صدوقًا.
وتُوفي بحلب سنة عشرين.
قلتُ: هو الذي انفرد بنقل سماع كريمة الجزء ((الرافقي))، ولم يكن
مُتْقنًا، رحمه الله.
٧٠٢- محمد بن أبي الحسن بن أبي نَصْر، الشيخ أبو الفَضْل
المُقرىء البَغْداديُّ الضَّرير، المعروف بالخطيب.
قرأ بالروايات على أبي الحسن عليّ بن عساكر، وسعدالله بن نَصْر ابن
الدَّجاجي؛ صاحب الزَّاهد أبي منصور الخَيَّاط؛ وسَمعَ منهما ومن ابن البَطِي،
وأبي زُرْعة، وجماعة.
وحدَّث، وأقرأ النَّاسَ، وكان عالي الإسناد في القراءات. روى عنه
الدُّبَيْئِيُّ(١)، وغيرُه. وتُوفي في سابع عشر المحرم.
ولم يكن خطيبًا، وإنما لُقِّبَ به .
٧٠٣- محمد بن أبي المظفر بن شُتانة - بمثناة لا بموحدة -، يُكنى
أبا البركات.
سمع أبا الحُسين عبدالحق، وابن شاتيل. كتب عنه بعضُ الطلبة .
تُوفي في شعبان.
٧٠٤- محمد بن أبي المعالي بن محمد بن غريب، أبو جعفر
البَغْداديُّ، أحد القُرَّاء بتُرب الخُلفاء.
روى عن أبي جعفر ابن البَطِّي.
روى عنه ابن النَّجَّار، وقال: صدوقٌ. تُوفي في ربيع الأول.
٧٠٥- محمود بن كيْ رسلان، أبو الثناء المَوْصليُّ التُّركيُّ الجُنْديُّ.
(١) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٨١ (باريس ٥٩٢١).
٦٢٢

من أجناد صاحب الموصل نور الدين رَسْلان شاه، وابنه مسعود.
مات في صَفَر عن أربع وسبعين سنة.
و کان رافضًّا غاليًا. له ديوان شعر.
روى عنه المبارك ابن الشَّعَّار(١)، فمن شعره:
ألا ما لِقَلْبِي لا يُيْك عَليلُه وما لفؤادي لا يُبلَّ غليلُه
بروحي من أصبحت عبد جماله فهذا الجميلُ الوَجْهِ أين جَميلُه؟
يُحملني عبئًا على القُرب والنَّوى يهُدُّ قُوى العُشَّاق منه ثقيلُه
٧٠٦- مُسافر بن يَعْمَر بن مُسافر، أبو الغنائم المِصْريُّ الچِيْزِيُّ
الحنبليُّ المؤذِّب الصُّوفيُّ الرَّجلُ الصالح.
سَمِعَ من عَشير بن عليّ، وغيره، وصَحبَ الصالحين، ولَيسَ الخِرْقَةَ من
عيسى ابن الشيخ عبدالقادر. وكان خَيِّرًا، مُتَعبِّدًا، عَمَّالاً مُبالغًا في الإيثار مع
الإقتار .
سمع منه الزكي المنذريُّ، وقال(٢): تُوفي في ربيع الأول.
٧٠٧- المظفر بن أسْعد بن حَمْزة ابن القَلانسيِّ، التَّميميُّ الدِّمشقيُّ،
الرَّئیس عز الدين.
كان كَيِّسًا، مُتواضعًا، مُخْتشمًا. لَزْمَ التَّاجِ الكِنْدي مدَّةً وتأذَّبَ به، وسَمعَ
من أبي القاسم ابن عساكر. وتُوفي في رمضان(٣).
٧٠٨- منصور بن سيد الأهل بن ناصر، أبو عليّ المِصْريُّ الكُتُبيُّ
الواعظ، المعروف بالقَزْويني؛ لأنه كان يَسلُك في الوعظ طريقة الواعظ
المشهور أبي القاسم محمود بن محمد القَزْويني .
سَمِعَ من السِّلَفي. روى عنه الزكي عبدالعظيم(٤)، وغيرُه. ومات في
ربيع الآخر .
(١) في كتابه: ((عقود الجمان في شعراء هذا الزمان)) وهو في المجلد الثامن منه، وهو أحد
مجلدين مفقودين من نسخة أسعد أفندي بإسلام بول، ومصورتها في خزانتي.
(٢) التكملة ٣ / الترجمة ١٩٢٣.
(٣) من ذيل الروضتين ١٣٥ .
(٤) وترجمه في التكملة ٣/ الترجمة ١٩٢٨.
٦٢٣

٧٠٩- يحيى بن سعيد بن أبي نَصْر محمد بن أبي تَمَّام، القاضي أبو
المجد التّكْريتيُّ ثم الماردينيُّ.
تفقَّه ببغداد، وسَمعَ من شُهْدة، وخطيب المَوْصل أبي الفَضْل. وحدَّث
بدمشق وبغداد. ووَليَ قضاءَ ماردين. ومات في ذي القَعْدة(١).
٧١٠- يحيى ابن الشيخ أبي الفتوح محمد بن عليّ بن المبارك ابن
الجلاجُليِّ، أبو عليّ البغداديُّ.
تُوفي ببغداد كَهْلاً، وقد سمع من وفاء بن البَهي، وابن شاتيل. وله شعرٌ
(٢)
جيدٌ(٢).
٧١١- يوسف بن أحمد بن طحلوس، أبو الحَجَّاج الأندلسيُّ، من
جزيرة شَقْر.
صحب أبا الوليد بن رُشْد، وأخذ عنه من علومه. وسَمعَ من أبي عبد الله
ابن حَمِيد، وأبي القاسم بن وَضَّاح. وكان آخرَ الأطباء بشرق الأنْدلُس، مع
التَّصون، ولين الجانب، والتحقُّق بالفلسفة، ومعرفة النحو، وغير ذلك.
٧١٢- يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن بن
عليّ، السلطان المستنصر بالله المُلَقَّب بأمير المؤمنين أبي يعقوب، القَيْسيُّ
المَغْربيُّ صاحبُ المغرب.
لم يكن في بني عبدالمؤمن أحسن منه صورة، ولا أبلغ خطابًا. ولكنه
كان مشغوفًا باللَّذات. ومات وهو شاب، في هذه السنة. ولم يُخلِّف ولدًا.
فاتفق أهل دولته على تولية الأمر لأبي محمد عبدالواحد بن يوسف بن
عبدالمؤمن بن عليّ، فلم يحسن التدبير ولا المُداراة.
وُلد يوسف في سنة أربع وتسعين وخمس مئة. وأُقُّه أمُّ وَلَد، رُومية
اسمها قَمَر. وكان صافي السُّمْرَة، شديدَ الكُحل، يُشَبِّهونه كثيرًا بجَدِّه. وكانت
دولته عشر سنين وشهرين. وزر له أبو يحيى الهَزْرَجي، وحَجَبهُ مُبَشِّر الخَصي،
ثم فارج الخصي. وقضى له قاضي أبيه أبوعمران موسى بن عيسى. وكتب له
الإنشاء أبو عبدالله بن عياش؛ كاتب أبيه وجده، ثم أبو الحسن بن عياش. ثم
(١) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٩٥٠.
(٢) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٩٣٩.
٦٢٤

تُوفِيا سنة بضع عشرة، فأحضر من مُرْسية قاضيها أبا عبدالله محمد بن يَخْلَفْتن
الفازازي، فولاه الكتابة .
وكان الذين قاموا ببيعته عَمُّ جده أبو موسى عيسى بن عبدالمؤمن، وكان
عيسى آخر أولاد عبدالمؤمن وفاةً تأخر إلى حدود العشرين وست مئة، ويحيى
ابن عمر بن عبدالمؤمن، وكانا قائمين على رأسه يوم البَيْعَة، يأذنان للناس.
قال عبدالواحد بن عليّ التَّميميُّ(١): حضرتُ يوم البيعة فبايعه القرابة،
ثم أشياخ الموحِّدين، وأبو عبدالله بن عياش قائم يقول للناس: تُبايعون أمير
المؤمنين ابن أُمراء المؤمنين على ما بايع عليه أصحابُ رسول الله ◌ِّر من السمع
والطاعة في المَنْشَطِ والمَكْرَه واليُسر والعُسر، والتُّصح له (٢) ولعامة المسلمين،
ولكم عليه أن لا يُجَمِّر بعوثَكُم، وأن لا يدخر عنكم شيئًا مما تعمكم مصلحته،
وأن يُعجل لكم العَطاء(٣). أعانكم الله على الوفاء، وأعانه على ما قلده من
أموركم.
والأربعة (٤) أشهر من ولايته قُبِضَ على رجل خارجي يدَّعي أنه من بني
عُبيد، وأنه وَلَدُ العاضد لصُلْبه اسمه عبدالرحمن. قَدِمَ البلاد في دولة أبي
يوسف، وطلب الاجتماع به، فلم يأذن له، فأقام بالبلاد مُطَّرَحًا إلى أن حَبَسهُ
أبو عبدالله في سنة ست وتسعين، فحبسه خمس سنين، ثم أطلقه بعد أن ضمنه
يحيى بن أبي إبراهيم الهَزْرجي، فنزح من مَرَّاكُش إلى صنهاجة، فاجتمع عليه
طائفة وعَظموه، لأنه كان كثير الصَّمْتِ والإطراق، حسنَ السَّمْت، عليه سيماء
الصالحين. رأيته مرتين. ثم قصد سجلماسة في جَمع كبير، فخرجَ إليه متوليها
سُليمان بن عُمر بن عبدالمؤمن، فهزمه العُبَيديُّ. فرَدَّ سليمان إلى سِجِلْماسة
بأسوأ عود. ولم يزل العُبيدي ينتقل في قبائل البربر، ولا يتم له أمر لغُربة بلده
ولسانه ولكونه عديم العشيرة. فقَبَضَ عليه متولي فاس إبراهيم بن يوسف بن
عبدالمؤمن، ثم صَلَبَهُ، ووجه برأسه إلى مَرَّاكُش، فهو معلق هناك مع عدة
أرؤس من الثوار. وكان أبو يعقوب هذا شَهْمًا، فَطنًا، لقيتهُ وجلستُ بين يديه،
(١) المعجب ٤٠٧ .
(٢) بعد هذا في المعجب: ((ولولاته)).
(٣) في المعجب: (( ... لكم عطاءكم، وألا يحتجب دونكم)).
(٤) الكلام كُله لعبدالواحد في المعجب ٤٠٨ فما بعد.
تاريخ الإسلام ١٣ / ٣ ٤٠
٦٢٥

فرأيتُ من حِدَّة نفسه وسؤاله عن جُزئيات لا يعرفها أكثر السُّوقَة، ما قضيتُ منه
العجب .
تُوفي في شؤَّال أو ذي القَعْدة. فاضطربَ الأمر، واشرأبَّ الناس للخلاف
بعده .
٧١٣- أبو الحسن الرُّوزبهاريُّ، المَدْفون بالبُرج الذي عن يمين باب
الفراديس، بالخانكاه الرُّوزبهارية.
تُوفي في هذه السنة، رحمه الله(١).
وفيها ولد:
قاضي نابُلُس الجمال محمد بن محمد بن سالم بن صاعد، والمحيي
عبدالله بن عبدالظاهر بن نَشْوان المُوَقع، والمكين عبدالحميد بن أحمد بن
محمد ابن الزَّجَّاجِ البَغْداديُّ، والنجيب عُمر بن عبدالله بن عمر ابن خطيب بيت
الآبار، والبَدْر عبداللطيف بن محمد ابن المُغَيْزل الخطيب، وجبريل بن
إسماعيل الصَّيْدلاني الشَّارعيُّ بخلفٍ فيه، والصاحب التقي تَوْبة بن عليّ بن
مُهاجر التَّكْريتي يوم عَرَفة بعَرَفة، وسونج بن محمد بن سونج الثُّركمانيُّ،
والفقيه عبدالولي بن عبدالرحمن خطيب يُونين، وعلاء الدين محمد بن
عبدالقادر ابن الصائغ، والبرهان إبراهيم بن عبدالعزيز خطيب أرْزُونا، والكمال
أحمد بن عبدالرحمن بن رافع الدَّمراويُّ، والمفتي علم الدين أحمد بن إبراهيم
القمنيُّ، وأحمد بن عبدالله بن عزيز اليُونينيُّ، والشَّهاب أحمد ابن النصير
الدَّقوقي في رمضان.
(١) ينظر ذيل الروضتين ١٣٦.
٦٢٦

المتوفون على التقريب
٧١٤- الجمال عثمان (١) بن هبة الله بن أحمد بن أبي الحوافر،
القَيْسيُّ الدِّمشقيُّ، رئيسُ الأطباء.
ذكره ابن أبي أُصَيْيعة، فقال(٢): أفضل الأطباء، وسَيِّد العُلماء، وأوْحد
العصر. أتقن الصناعة، وتميز في أقسامها العلمية والعملية. وله عناية بعلم
الأدب وشعر كثير. وكان رئيسًا، كريمًا، تامَ المروءة. أخذ الطب عن المُهَذِّب
ابن النقاش، والرضي الرَّحبي. وخَدَمَ الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين،
وأقامَ معه بمصر، فولاه رياسة الطب، ثم خدم بعده الملك الكامل سنين إلى
أن تُوفي بالقاهرة. واشتغل عليه جماعة؛ وتميزوا، أجلهم عمي رشيد الدين
عليّ.
٧١٥- محمد (٣) بن علوان بن مهاجر، الفقيه الإمام العالم أبو
المظفر.
سمع من الحُسين بن المُؤَمَّل صاحب ابن وَدْعان، ومن محمد بن عليّ بن
ياسر الجَياني. وبرَعَ في مذهب الشافعي، وكان من فَضلاء المَوَاصلة،
ومُتمیِّزیھم.
روى عنه الزكيُّ البِرْزالي، والتَّقي اليَلْدانيُّ، وبالإجازة الشِّهاب
القُوصيُّ.
وهو ابن عمِّ الصاحب كمال الدِّين محمد بن عليّ، نزيل دمشق.
٧١٦- محمد بن الفضل، أبو عبدالرحمن الزَّنْجانيُّ الشاعر.
قال ابنُ النَّجَّار: أنشدني أبو البقاء خالد بن يوسف النابُلُسي بدمشق، قال
أنشدنا أبو عبدالرحمن محمد بن الفَضْل ابن الزَّنجاني البَغْدادي، لنفسه،
بالنظامية (٤):
(١) تقدم في وفيات سنة ٦١٩ (الترجمة ٦١٥) نقلاً من تكملة المنذري (٣/ الترجمة ١٨٨٣)
والعجب من الذهبي كيف لم يشر إلى ترجمته السابقة مع قربها .
(٢)
عيون الأنباء ١١٩/٢.
(٣) كتب المؤلف فوقه: ((مَر سنة خمس عشرة))، وهو كما قال (الترجمة ٣٢٧).
(٤) ينظر الوافي بالوفيات ٣٢٥/٤ وقال: ((توفي سنة عشرين وست مئة تقريبًا)).
٦٢٧

قسمًا بأيَّامِ الصفا وَوَصَالكم والجمع في جَمْعِ وذاكَ المُلْتَزم
ما اخترتُ بعدَكُم بديلاً لا ولا نادمتُ بعدَ فراقكُم إلا النَّدَمُ(١)
٧١٧- مسعود بن الحُسين بن أبي زَيد، أبو الفتح المَوْصليُّ الشاعر
المعروف بالنَّقّاش.
وهو غير النَّقَّش الحَلَبِي سَمِيّه، فإنَّ الحَلَبِيَّ مَرَّ في سنة ثلاث عشرة(٢).
ذكرهما ابن الشَّغَّار، ولم يؤرّخ موت هذا، وقال فيه(٣): كان مُكْثرًا من
الشعر في المديح، والهجاء، والغَزَل. مدح أصحاب المَوْصل وأمراءها .
وقيل: إنه أدرك أيام الأتابك زنكي، والد نور الدين، وعاشَ إلى أيام القاهر
مسعود بن أرسلان. وهو القائل في قصيدة:
يا مَن أود النوم أرْقُبُ طَيْفَهُ أنا ضَيْفُه أفما لضيفِكُم قرى؟
أنا كُنْتُ أولَ عاشقٍ لكنّني غفَلَ الزمانُ بمولدِي فَتَأْخّرا
(آخر الطبقة والحمد لله)
(١) كتب المؤلف بعد هذا: ((وقد انقضى ما انتهى إليَّ علمه من هؤلاء الذين انتقلوا إلى الله في
هذه العشرين سنة، فلنشرع فيما وقع الاختيار عليه من حوادث هذه العشرين سنة إن شاء
الله والحمد لله على كل حال)). قلت: قد قدمنا الحوادث في صدر الطبقتين الحادية
والستين والثانية والستين، على الخطة التي وضعناها. ثم كتب المؤلف ترجمة في آخر
الصفحة هي الآتية بعد هذا.
(٢) الترجمة ١٨٤.
(٣) وفي المجلد الثامن من ((عقود الجمان)) وذكرنا قبل قليل أنه لم يصل إلينا.
٦٢٨

الطبقة الثالثة والستون
٦٢١ - ٦٣٠ هـ

٧
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
ومن الحوادث
سنة إحدى وعشرين وست مئة
فيها استرد الأشرفُ خِلاطَ من أخيه شهابِ الدين غازي، وأبقَى عليه
میَّافَارِقِينَ .
وفيها ظهرَ الشُّلطانُ جلال الدین ابن خُوارزم شاه - بعدما انفصل عن بلاد
الهند وكَرمان - على أذربيجان، وحكم عليها، وراسله الملكُ المعظّمُ لِيعينه
على قتال أخيه الأشرف، وكتب المعظّمُ إلى صاحب إرِبِلَ في هذا المعنى،
وبعثَ ولدَه الناصر داودَ إليه رهينةً.
وفيها استولى بدرُ الدين لؤلؤٌ على المَوْصِلِ، وأظهر أنَّ محمود ابن
المَلِك القاهر قد تُوفي، وكان قد أَمَرَ بخنقه.
وفيها بُنيت دارُ الحديث الكاملية بينَ القَصْرَيْن، وجُعِلَ أبو الخطاب بن
دِحية شيخَها(١).
وفيها قَدِمَ الملكُ المسعودُ أقسيس على أبيه الملك الكامل، من اليمن،
طامِعاً في أخذ الشام مِن عمِّه المعظّم. وقدم لأبيه أشياءَ عظيمة منها: ثلاثةُ
فِیلة، ومئتا خادم.
قال ابنُ الأثير(٢): وفيها عادت التتارُ مِن بلاد القَفْجَاق ووصلت إلى
الريّ، وكان من سَلِمَ من أهلها قد عمَّروها، فلم يشعروا إلا بالتتر بغتةً،
فوضعوا فيهم السيفَ، وسَبَوْا، ونهبُوا، وساروا إلى سَاوَةَ، ففعلوا بها كذلك،
ثم ساروا إلى ثُمَّ وقاشان، وكانت عامرةً، فأخذوها، ثم وصلوا إلى هَمَذَانَ
فقتلوا أهلَها، ثم ساروا إلى تِبريز، فوقع بينهم وبين الخُوارزميّة مَصَافٌّ.
(١) منسوبة إلى الملك الكامل محمد ابن الملك العادل الأيوبي. وقد فصلنا القول في
تأسيسها وتكلمنا على شيوخها في كتابنا ((المنذري وكتابه التكملة لوفيات النقلة))
المطبوع بالنجف سنة ١٩٦٨ م.
(٢) الكامل ١٢ / ٤١٩ - ٤٢٠ بتصرف واختصار.
٦٣١

وفيها سار غياثُ الدين محمد ابن السلطان علاء الدين محمد خوارزم
شاه إلى بلاد فارس، فلم يشعر صاحبُها أتابك سعدٌ إلا بوصوله، فلم يتمكن
من الامتناع، واحتمى بقلعة إصْطَخْرَ، فملك غياثُ الدين شيراز بلا تعب،
وأقام بها، واستولى على أكثرِ بلاد فارس، وبقي لسعدٍ بعضُ الحصون،
وتصالحا على ذلك.
وفيها أو قبلَها بيسير جرت واقعةٌ قبيحة، وهي أن الكُرْج - لعنهم الله
تعالى - لم يبق فيهم مِن بيت الملك أحدٌ سوى امرأة، فملّكوها عليهم.
قال ابنُ الأثير(١): طلبوا لها رجلاً يتزوَّجُها، وينوبُ عنها في المُلْك،
ويكون من بيت مملكة. وكان صاحب أرزن الروم مغيثُ الدين طُغربل شاه بن
قَلِيج أَرْسَلَانَ بن مسعود بنِ قَليج أرسلان، وهو من الملوك السّلجوقية، وله
ولد كبير، فأرسل إلى الكُرْج يَخْطُبُ الملكةَ لولده، فامتنعوا، وقالوا: لا
يملكنا مُسْلِمٌ، فقال لهم: إنَّ ابني يتنصَّرُ ويتزوجها، فأجابوه، فتنصَّر، وتزوَّج
بها، وأقام عندها حاكماً في بلادهم، نعوذُ بالله من الخذلان، وكانت تهوى
مملوكاً لها، وكان هذا الزوجُ يسمع عنها القبائحَ، ولا يُمكنه الكلام لعجزه،
فدخل يوماً، فرآها مع المملوكِ، فأنكر ذلك، فقالَتْ: إن رضيتَ بهذا، وإلا
أنتَ أخبرُ، ثم نقلته إلى بلد، ووكَّلَتْ به، وحَجَرَتْ عليه. وأحضرت رجلين
وُصِفًا لها بِحُسْنِ الصورة فتزوجت أحدهما، وبقي معها يسيراً، ثم فارقتْه،
وأحضرت أَخر مَن كَنْجَةٍ(٢) وهو مُسْلم، فطلبت منه أن يتنصَّر ليتزوجها، فلم
يفعل، فأرادت أن تتزوَجَهُ فقام عليها الأمراءُ ومعهم إيواني مقدمهم، فقالوا
لها: فضحتنا بينَ الملوك بما تفعلين. قال: والأمرُ بينهم متردد، والرجلُ
الگنجي عندهم، وهي تهواه.
(١) الكامل ١٢ / ٤١٦ - ٤١٧ فى حوادث سنة ٦٢٠ .
(٢) هي قصبة بلاد أران، وتسمى أيضاً: جَنْزَة.
٦٣٢

سنة اثنتين وعشرين وست مئة
في ربيع الأول وصل السلطان جلال الدين إلى دَقُوقا، فافتتحها بالسَّيْفِ،
وسَبَى، ونهبَ، وفعلَ مثلَ ما تفعلُ الكُفَّارُ، وأحرقَ البلدَ، لكونهم شتموه،
ولعنوه على الأسوار، ثم عَزَمَ على قصد بغداد، فانزعج الخليفة، ونصب
المجانيق، وحصَّن بغداد، وفرق العُدد والأهراء(١)، وأنفق ألفَ ألفِ دينار.
قال أبو المظفر(٢): قال لي الملكُ المعظّمُ: كتب إليَّ جلالُ الدين يقول:
تَحْضُرُ أنت ومَن عاهدني واتفق معي حتى نَقْصُدَ الخليفة، فإنه كان السببَ في
هلاك أبي، وفي مجيء الكفار إلى البلاد، وجدنا كتبه إلى الخطا وتواقيعَه لهم
بالبلاد، والخلع، والخيل. قال المعظمُ: فكتبتُ إليه، أنا معك على كل حال،
إلا على الخليفة، فإنه إمامُ المسلمين. قال: فبينا هو على قصدٍ بغداد - وكان
قد جَهَّزَ جيشاً إلى الكُرج إلى تفليسَ - فكتبوا إليه: أدركنا، فما لنا بالكُرج
طاقة، فسار إليهم، وخرج إليه الكُرْجُ، فَعَمِلَ معهم مَصَافّاً، فَظَفِرَ بهم، فقتل
منهم سبعين ألفاً، قاله أبو شامة(٣)، وأخذ تفليسَ بالسيف، وقتل بها ثلاثين
ألفاً أيضاً، وذلك في سَلْخ ذِي الحِجَّة.
وقال ابن الأثير(٤): سارَ جلالُ الدين من دَقوقا فقصد مَرَاغَة فملكها،
وأقام بها، وأعجبته، وشرعَ في عِمارتها، فأتاه الخبرُ أن إيغان طائي(٥)، خال
أخيه غياث الدين، قد جمع عسكراً بنحو خمسين ألفاً، ونَهَب بعض أذْرَبِيجَانَ،
وسار إلى البحر من بلاد أران فشتَّى هناكَ، فلما عاد، نهب أَذْرِبِيجَانَ مرَّة ثانية،
وسار إلى هَمَذان بمراسلة الخليفة، وإقطاعه إياها. فسمع جلالُ الدين بذلك
(١) جمع: الهُزي، وهو البيت الكبير الضخم الذي يجمع فيه طعام السلطان، وتأتي هنا
بمعنى: الأطعمة والأزواد.
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٦٣٤.
(٣) ذيل الروضتين ١٤٤ ولا معنى لهذا النقل بالواسطة وكتاب السبط بين يديه،
والعبارة عندهما هي نفسها .
(٤) الكامل ١٢/ ٤٣٢ فما بعدها .
(٥) هكذا مجود بخط المؤلف، وفي المطبوع من الكامل: ((طائيسي))، وفي مفرج
الكروب ٤ / ١٤٨: ((طايسي)).
٦٣٣

فسار جَريدةً(١)، ودهمه، فبيَّته في الليل، وهو نازل في غنائم كثيرة، ومواشي
أخذها من أذْرَبيجان، فأحاط بالغنائم، وطلعِ الضوءُ، فرأى جيشُ إيغان
السلطانَ جلالَ الدين والجتر (٢) على رأسه، فسُقِطَ في أيديهم، وأرعبوا.
فأرسل إيغان زوجته وهي أختُ جلال الدين تطلُبُ لزوجها الأمان،
فأمَّنه، وحضر إليه، وانضاف عسكرهُ إلى جلال الدين، وبقي إيغان وحدَه، إلى
أن أضاف إليه جلال الدين عسكراً غيرَ عسكره، وعاد إلى مراغةً، وكان أوزْبك
ابن البهلوان صاحب أَذْرَبِيجَان قد سار مِن تبريز إلى كَنْجَة خوفاً من جلال
الدين، فأرسل جلالُ الدين إلى الكبار بتبريز يطلب منهم أن يتردد عسكرهُ
إليهم، ليتماروا، فأجابُوه إلى ذلك. فتردّد العسكر، وباعوا، واشتَروْا، ثم
مدُّوا أعينَهم إلى أموال الناس، فصاروا يأخذون الشيء بأبخس ثمن، فأرسل
جلالُ الدين لذلك شِحنة(٣) إلى تبريز. وكانت زوجة أُوزبكَ ابنةُ السلطان
طُغْرُل بن أَرْسَلانَ شاه بن محمد بن مَلِكْشاه، مقيمةً بالبلد، وكانت الحاكمةَ في
بلاد زوجها، وهو مُنْهَمِكٌ في اللذات والخمور، ثم شكى أهل تِبريز من الشِّحنة
فأنصفهم جلال الدين منه، ثم قَدِمَ تبريز، فلم يُمكنوه من دخولها، فحاصرها
خمسة أيام، وقاتله أهلُها أشد قتال، ثم طلبوا الأمان، وكان جلال الدين يَذُمُهُم
ويقول: هؤلاء قتلوا أصحابَنا المسلمين، وبعثوا برؤوسهم إلى التتار، فلهذا
خافوا منه، وطلبوا الأمان، ذكر لهم فعلهم هذا، فاعتذروا بأنه إنما فعل ذلك
ملكُهم، فقبل عذرهم، وآمنهم، وأخذ البلد، وآمن ابنةَ طُغْرل، وذلك في
رجب. وبعث ابنه طُغريل إلى خُوَي مخفرةً محترمةً، وبث العدل في تبریز،
ونزل يومَ الجمعة إلى الجامع، فلما دعا الخطيبُ للخليفة، قام قائماً حتى فرغ
مِن الدعاء. ثم سيّر جيشاً إلى بلاد الكُرج - لعنهم الله - ثم سارَ هو وعمل
(١) الجريدة: جيش من الخيالة لا رجالة فيهم.
(٢) الجتر: مظلة أو قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب على أعلاها طائر من فضة،
كان يُحمل على رأس السلطان في المناسبات، ومنها الخروج لصلاة العيدين (انظر
صبح الأعشى: ٤ / ٧ - ٨).
(٣) الشِّحنة: هو بمنزلة الحاكم العسكري العام في عصرنا.
٦٣٤

معهم مصافاً هائلاً. قال ابنُ الأثير (١): فالذي تحققناه أنه قُتِل من الكُرج
عشرون ألفاً، وانهزم مقدمُهم إيواني.
وجهز جلال الدين عسكراً لحصار القلعة التي لجأ إليها إيواني، وفرَّق
باقي جيوشه في بلاد الكُرج، يقتلون، ويسبُون، مع أخيهٍ غياثِ الدين. ثم
تزوَّج جلال الدين بابنة السلطان طُغريل، لأنه ثبتَ عنده أن أُزبك حلف بطلاقها
على أمرٍ وفعله. وأقام بتبريزَ مُدَّة، وجهّزَ جيشاً إلى كَنْجة، فأخذوها، وتحصَّن
أُزبك بقلعتها، ثم أرسل يخضع لجلال الدين، ففتر عنه.
وفي سَلْخ رمضان توفي الناصر لدين الله .
قال أبو المظفر سِبْطَ الجوزي (٢): وفيها حججتُ راكباً في المَحْمِلِ
السُّلطاني المعظمي، فجاءنا الخبرُ بموت الخليفة بعرفة، فلما دخلنا للطواف،
إذا الكعبةُ قد أَلْبِسَتْ كِسوةَ الخليفة، فوجدتُ اسم الناصر في الطَّراز في
جانبين، واسم الخليفة الظاهر في جانبين؛ وهو أبو نصر محمد(٣) ، بويع
بالخلافة وكان جميلاً، أبيض مشرباً حمرة، حلو الشمائل، شديد القوى، بُويع
وهو ابنُ اثنتين وخمسين سنة، فقيل له: ألا تتفسح؟ قال: قد لَقِسَ(٤) الزرع،
فقيل: يُبارِكُ الله في عمرك، قال: مَن فتح دُكاناً بعدَ العصر أَيْشٍ يَكْسَبُ؟ ثم إنه
أحسن إلى الرعية، وأبطلَ المكوسَ، وأزال المظالِمَ، وفرَّق الأموال. وغسَّل
الناصِرَ محيي الدين يوسُفُ ابنُّ الجوزي، وصَلَّى عليه ولدُه الظاهرُ بأمر الله بعد
أن بُويع بالخِلافة .
قال ابن الساعي(٥): بايعه أولاً أهلُه وأقاربُه من أولاد الخلفاء، ثم مؤيدُ الدين
محمد بن محمد القُمي نائب الوزارة، وعَصُدُ الدولة أبو نصر ابن الضحاك
(١) الكامل ١٢ / ٤٣٥ .
(٢) لم نجده في مرآة الزمان، والخبر في ذيل الروضتين ١٤٤ - ١٤٥، والنسخة
المطبوعة من المرآة كثيرة السقط، كما هو معروف.
(٤) يقال: لقست نفسه: إذا غثت وخبثت.
(٣)
انظر مرآة الزمان ٨ / ٦٣٦ .
(٥) تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب خازن كتب المدرسة المستنصرية المتوفى
سنة ٦٧٤ هـ، وله كتاب مشهور على السنين لم يصل إلينا، وله كتب أخرى،
وتواريخه مفصلة مستوعبة غنية المعلومات.
٦٣٥

أستاذُ الدار، وقاضي القضاة محيي الدين بن فَضْلان الشافعي، والنقيب
الطاهر قِوامُ الدين الحسن بن مَعَدّ الموسويُ، ثم بُويع يوم عيد الفطر البيعةَ
العامة، وجلس بثياب بيض، وعليه الطرحةُ، وعلى كتفه برِدةُ النبيِّ بََّ في
شُبَّك القُبَّةِ التي بالتَّاجِ (١)، فكان الوزيرُ قائماً بين يدي الشُّباك على منبر،
وأستاذُ الدار دونه بمرقاة وهو الذي يأخذ البيعةَ على الناس، ولفظُ المبايعة:
((أُبايع سيِّدَنا ومولانا الإمامَ المفترضَ الطاعة على جميع الأنام، أبا نصر محمداً
الظاهرَ بأمر الله على كتاب الله، وسنة نبيّه، واجتهادٍ أمير المؤمنين، وأن لا
خلیفة سواه)) .
ولما أُسْبِلَتِ السِّتارة، توجه الوزيرُ وأرباب الدولة، وجلسوا للعزاء،
ووعظ محي الدين ابنُ الجوزي، ثم دعا الخطيبُ أبو طالب الحسين ابن
المهتدي بالله. وبعد أيام عُزِلَ ابنُ فَضْلان عن قضاء القضاة، وولِّي أبو صالح
نصر بن عبدالرزاق ابن الشيخ عبدالقادر، وخُلِعَ عليه .
قال ابن الأثير(٢): فيها اشتدَّ الغلاءُ بالموصل والجزيرةِ جميعها، فأكل
الناسُ الميتة والسَّنانير والكلابَ، ففُقِدَ الكلابُ والسنانير، ولقد دخلتُ يوماً
إلى داري، فرأيت الجواري يُقطعن اللحمَ، فرأيتُ حواليه اثني عشر سنوراً،
ورأيت اللحم في هذا الغلاء في الدار وليس عنده مَنْ يحفظه من السنانير
لعدمها، وليس بينَ المدتين كثير. ومع هذا فكانت الأمطار متتابعة إلى آخر
الربيع، وكلما جاء المطر غلت الأسعار، وهذا مالم يُسمع بمثله. إلى أن قال:
واشتد الوباءُ، وكثر المَوْتُ والمرضُ، فكان يُحمل على النعش الواحد عِدَّةٌ من
الموتى .
(١) التاج: قصر مشهور بدار الخلافة ببغداد، كان أول من وضع أساسه، وسماه بهذه
التسمية الخليفةُ المعتضد، ولم يتم في أيامه، فأتمه ابنُه المكتفي، وجرت عليه
تطورات ذكرها ياقوت مفصلة في معجم البلدان ١ / ٨٠٦ - ٨٠٩ والقبة المشار
إليها هي التي كان يجلس فيها الخلفاء للمبايعة في شباك كبير إلى صحن كبير
يجتمع فيه الناسُ لذلك .
(٢) الكامل ١٢ / ٤٤٧ - ٤٤٨ .
٦٣٦

سنة ثلاث وعشرين وست مئة
فيها قَدِمَ محيي الدين يوسفُ ابن الجوزي بالخِلَع والتقاليد من الظاهر
بأمر الله إلى المُعَظَّمِ والكاملِ والأشرف.
قال أبو المظفر سبط الجوزي(١): قال لي المعظّم: قال لي خالك:
المصلحةُ رجوعُك من هذا الخارجي - يعني جلال الدين - إلى إخوتك،
ونُصْلِحُ بينكم، وكان المعظم قد بعث مملوكه أيدكين إلى السلطان جلال
الدين، فرخَّلَه من تفليسَ وأنزله على خِلاط، والأشرفُ حينئذ بحرَّان، قال:
فقلتُ لخالك: إذا رجعتُ عن جلال الدين، وقصدني إخوتي تُنجدوني؟ قال:
نعم. قلتُ: مالكم عادةً تُنْجِدُون أحداً هذه كتبُ الخليفة عندنا ونحن على
دمياط، ونحن نكتب إليه نستصرخ به ونقول: أنجدونا، فيجيء الجوابُ بأن قد
كتبنا إلى ملوك الجزيرة، ولم يفعلوا، وقد اتفق إخوتي عليَّ، وقد أنزلت
الخوارزمي على خِلاط، إن قصَدني الأشرف منعه الخوارزمي، وإن قصَدني
الکاملُ کان فيَّ له.
وفيها قَدِمَ الأشرف دمشقَ، وأطاع المعظّم، وسأله أن يسأل جلالَ الدين
أن يرحل عن خِلاَطَ، وكان قد أقام عليها أربعين يوماً، فبعث المعظّمُ، فرحل
الخوارزمي عن خلاط. وكان المعظم يَلْبَسُ خِلعَة الخوارزمي، ويركب فرسَه،
وإذا حادث الأشرف، حلف برأس خُوارزم شاه جلال الدين، فيتألَّمُ الأشرفُ.
وتوجه خالي إلى الملك الكامل .
وقال ابنُ الأثير(٢): في جُمادى الآخرة جاء جلالَ الدين الخبرُ أن نائبه
بكرمان قد عصى عليه، وطَمِعَ في تملُّك ناحيته؛ لاشتغال السلطان بحرب
الكُرج وبُعْدِه، فسار السلطانُ جلال الدين يطوي الأرضَ إلى كرمان، وقدَّم بين
يديه رسولاً إلى متولي كِرمان بالخِلَع ليطمِّنه، فلما جاءه الرسولُ، علم أن ذلك
مكيدةٌ لخبرته بجلال الدين، فتحوَّلَ إلى قلعة منيعة، وتحصَّن، وأرسل يقول:
(١) لم نجده في كتابه، وهو عند أبي شامة فيما نقله منه. ذيل الروضتين ١٤٧ .
(٢) الكامل ١٢ / ٤٥٤ - ٤٥٥.
٦٣٧

أنا العبدُ المملوك، ولما سمعتُ بمسيرك إلى البلاد أخليتُها لك، ولو علمتُ
أنَّكَ تُبقي عليَّ؛ لحضرتُ إلى الخِدمة. فلما عَرَفَ جلالُ الدين، عَلِمَ أنه لا
يُمكنه أخذُ ما بيده من الحصون، لأنه يحتاج إلى تعبٍ وحصار، فنزل بقرب
أصبَهان، وأرسل إليه الخِلَعَ وأقرَّه على ولايته. فبينما هو كذلك، إذ وصل
الخبرُ من تفليسَ بأن عسكر الأشرف الذي بخلاطَ قد هَزَمُوا بعضَ عسكره،
فساق كعادته يطوي المراحِلَ حتى نازل مدينة مَنَازْكَرْد في آخر السنة، ثم رحل
من جُمعته، فنازلَ خِلاط، فقاتل أهلها قتالاً شديداً، ووصل عسكرُهُ إلى
السور، وقُتِلَ خلق من الفريقين، ثم زحف ثانياً وثالثاً، وعَظُمَتْ نِكايةُ عسكره
في أهل خلاطَ، ودخلوا الرَّبَض، وشرعوا في السبي والنهب، فلما رأى ذلك
أهلُ خلاط تَنَاخَوْا، وأخرجوهم، ثم أقام يُحاصِرُها، حتى كَثُرَ البردُ والثلج،
فرحل عندما بلغه إفساد التُّركمان في بلاد أَذْرَبيجان، وجدَّ في السير، فلم
يَرُعْهُمْ إلا والجيوشُ قد أحاطت بهم، فأخذتهم السيوفُ، وكثر فيهم النهبُ
والسبي.
وفي شعبان سار علاء الدين كيقُبَاذ ملك الروم، فأخذ عدَّة حصون
للملك المسعود صاحب آمِد.
وفيها جمع البِرِنْسُ صاحبُ أنطاكية جموعَه، وقصد الأرمن، فمات ملكُ
الأرمن قبلَ وصوله، ولم يُخلف ولداً ذكراً، فملّك الأرمنُ بنته عليهم،
وزوَّجوها بابن البِرِنْسِ، وسكن عندهم، ثم ندمت الأرمنُ، وخافوا أن تستوليَ
الفرنج على قِلاعهم وبلادهم، فقبضوا على ابنِ البِرِنْس وسجنُوه، فسارَ أبوهُ
لحربهم، فلم يَحْصُلْ له غرضٌ فرجع .
قال ابن الأثير(١): وفيها اصطاد صديقٌ لنا أرنباً ولها أنثيان وذكر، وله
فرج أنثى، فلما شقُّوا بطنه رأوا فيه جروين(٢)، سمعتُ هذا منه ومِنْ جماعة
كانوا معه، وقالوا: ما زلنَا نَسْمَعُ أن الأرنبَ تكون سنةً ذكراً، وسنةً أنثى، ولا
(١) الكامل ١٢ / ٤٦٧ .
(٢) كتب المؤلف في هامش النسخة: ((خ: خَرْقَيْن)) وهو الأصوب، وفي المطبوع من
ابن الأثير: ((حریفین)) وهو تحريف.
٦٣٨

نُصَدِّقُ، فلما رأينا هذا، علمنا أنه قد حَمَلَ وهو أنثى، وانقضت السنةُ فصار
ذكراً، ويحتمل أن یکون خنثى.
قال ابنُ الأثير(١): وكنتُ بالجزيرة ولنا جارٌ له بنتٌ، اسمُها صَفيّة، فبقيت
كذلك نحو خمس عشرة سنة، وإذا قد طلع لها ذَكَرُ رَجلٍ، ونبتت لحيتُه، فكان
له فرج امرأة وذكر رجل، ونبتت لحيتُه، فكان له فرج امرأة وذكر رجل .
قال: وفيها ذبح إنسانٌ بالمَوْصِلِ رأسَ غنم، فإذا لحمُه ورأسُه ومعلاقه
مُرُ (٢) شديد المرارة، وهذا شيء لم يُسْمَعْ بمثله .
وفي ذي الحِجَّة زُلِزِلت المَوْصِلُ، وغيرُها، وخَرِبَ أكثر شَهْرَزُورَ، لا
سِيما القلعة، فإنها أجحفت بها، وبقيت الزلزلةُ تتردد عليهم نَيفاً وثلاثين يوماً،
وخرب أكثر قرى تلك الناحية.
وفي هذه السنة انخسف القمر مرتين.
وفيها بِرد ماءُ عينِ القيّارة(٣) حتى كان السابح يجد البرد، فتركوها، وهي
معروفةٌ بحرارة الماء، بحيث إن السابح فيها يجد الكربَ. وكان بردها في هذه
السنة من العجائب.
وفيها كثرت الذئابُ، والخنازيرُ، والحيات، وقُتِلَ كثير منها .
وفيها كان قحط وجراد كثير بالمَوْصِلِ. وجاء بَرَد كبار أفسد الزرعَ
والمواشي، قيل: كان وزنُ البردة مئتي درهم، وقيل: رطلاً بالمَوْصلي .
وفي رجب توفي أميرُ المؤمنين الظاهرُ بأمر الله، وكانت خلافته تسعةً
أشهر ونصفاً، وبويع ابنه الأكبر أبو جعفر المستنصر بالله، فبايعه جميعُ إخوته
وبنو عمه .
قال ابنُ الساعي: حضرت بيعته العامة، فلما رفعت السِّتارة، شاهدتُه
وقد كَمَّلَ الله صورتَه ومعناه، وعمرهُ إذ ذاك خمسٌ وثلاثون سنة، وكان أبيضَ
مُشْرباً حُمْرة، أزجَّ الحاجبين، أدعجَ العينين، سهلَ الخدين، أقنى، رَحْبَ
(١) الكامل ١٢ / ٤٦٧ .
(٢) في الأصل: ((مرَّا)) والصواب ما أثبتناه.
(٣) عين القيارة تحت المَوْصِلِ، وماؤها معدني حار يستحم فيه الناسُ للشفاء من بعض
الأمراض إلى يومنا هذا.
٦٣٩

الصدر، عليه قميصٌ أبيضُ، وبقيار أبيض مسكّن، عليه طرحةُ قصب بيضاء،
ولم يزل جالساً إلى أن أُذِّنَ الظهر، ثم جلس كذلك يومَ الأحد ويومَ الاثنين،
وأحضر بين يدي الشباك شمسُ الدين أحمد ابن الناقد، وقاضي القضاة أبو
صالح الجِيلي، فرقيا المنبرَ، فقال الوزير مؤيّد الدين القُمِّي لقاضي القضاة:
أميرُ المؤمنين قد وكَّلَ أبا الأزهر أحمد هذا وكالةً جامعة في كُلِّ ما يتجدَّد من
بيع وإقرار وعتق وابتياع.
فقال القاضي: أهكذا يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: نعم، فقال القاضي:
وليتني يا أميرَ المؤمنين ما ولاني والدُك رحمة الله عليه؟ فقال: نعم؛ وليتُك ما
ولاك والدي، فنزلا، وأثبت القاضي الوكالةَ بعمله .
وفي شعبان قدم الصاحبُ ضياءُ الدين نصر الله ابن الأثير(١) رسولاً عن
صاحب الموصل بدرِ الدين، فأورد الرسالةَ وهذه نسختها :
ما لِليل والنهار لا يعتذِرانِ وقد عَظُمَ حادثهما، وما للشمس والقمرِ لا
ينكسِفان وقد فقد ثالثُهما.
ووحدة من فيها لمصرع واحدٍ
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسةً
وهو سيدنا، ومولانا، الإمام الظاهر أمير المؤمنين، الذي جُعِلَتْ ولايتُه رحمةً
للعالمين، واختير من أرومةِ النبي ◌َّ؛ الذي هو سيدُ ولدِ آدم، ثم ذكر فصلاً.
قال ابنُ الساعي: وخُلِعت الخلع، فبلغني أن عدتها ثلاثة آلاف خلعة
وخمسُ مئة ونيف وسبعون خلعة وركب الخليفة ظاهراً لِصلاة الجمعة بجامع
القصر، وركب ظاهراً يوم الاثنين الآتي في دِجلة بأبَّهةِ الخلافة، ثم ركب
والناسُ كافةٌ مشاة، ووراءه الشَّمْسَةُ(٢)، والألوية المُذهبة، والقِصَعُ تضرب
وراءَ السلاحية، فقصد السُّرادقَ الذي ضُرِبَ له، ونزل به ساعة، ثم ركب وعاد
في طريقه .
وفيها التقى جلالُ الدين ملكُ الخوارزمية الكُرْجَ، وكانوا في جمع عظيم
إلى الغاية، فكسرهم، وأمر عسكره أن لايُبقوا على أحدٍ، فتتبَّعوا المنهزمين،
(١) صاحب ((المثل السائر)) وغيره المتوفى سنة ٦٣٧ هـ.
(٢) ما يُحتمى به من الشمس، توضع فوق رأس الخليفة، وتُسمى اليومَ: ((الشمسية)) أو
((المظلة)) .
٦٤٠