النص المفهرس
صفحات 601-620
الرسوم له عليهم. فخرج من حَرَّان ومعه ثلاثة غِلْمانِ مُرْد، فنام في وادٍ، فقتلوه، وأخذوا ما معه، فظفر بهم الحاجب عليّ فقتلهم به. ٦٦٩ - عبدالله بن أحمد بن محمد بن قُدامة بن مِقْدام بن نَصْر، شیخُ الإسلام موفَّقُ الدين أبو محمد المَقْدسيُّ الجَمَّاعيليُّ ثم الدِّمشقيُّ الصَّالحيُّ الحنبليُّ، صاحب التصانيف. وُلد بقرية جَمَّاعيل في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمس مئة. وهاجَرَ فيمن هاجر مع أبيه وأخيه، وله عشر سنين. وحَفِظُ القرآن، واشتغل في صغره. وسَمعَ من أبيه سنة نَيِّق وخمسين. وارتحلَ إلى بغداد في أوائل سنة إحدى وستين في صُحبة ابن خالته الحافظ عبدالغني، فأدركا من حياة الشيخ عبدالقادر خمسين يومًا، فنزلا في مدرسته، وشَرَعَا يقرآن عليه في ((مُختصر الخِرَقي))؛ وسمع منه ومن هبة الله بن هلال الدَّفَّاق، وأبي الفتح ابن البَطِّي، وأبي زُرْعة المَقْدسي، وأحمد ابن المُقَرَّب، وأحمد بن محمد الرَّحَبي، وأحمد ابن عبدالغني الباجسرائي، وأبي المناقب حَيْدرة بن عُمر العَلَوي، وخديجة النَّهروانية، وشُهْدة الكاتبة، ونَفيسة البَزَّازة، وسَعْد الله ابن الدَّجاجي، وعبدالله ابن منصور المَوْصلي، وأبي بكر ابن النَّقُّور، وأبي محمد ابن الخَشاب، وعليّ ابن عبدالرحمن ابن تاج القُرَّاء، ومَعْمَر بن الفاخر، وعبدالواحد بن الحُسين البارزي، وعُمر بن بُنَيمانِ الدَّلال، ومحمد بن محمد بن السََّن، والمبارك بن محمد الباذرائي، وأبي شُجاع محمد بن الحُسين المادرائي، والمبارك بن المبارك السِّمْسار، وأبي طالب المبارك بن خُضَير، وأبي حنيفة محمد بن عُبيدالله الخَطِيبي، وهبة الله ابن المحدِّث عبدالله بن أحمد ابن السَّمَرْقندي، ويحيى بن ثابت البَقَّال، وغيرِهم. وتفقَّه على أبي الفتح ابن المَنِّي؛ وقرأ عليه بقراءة أبي عَمرو، وقرأ على أبي الحسن البطائحي بقراءة نافع. وسمع بدمشق من أبي المَكارم عبدالواحد بن هِلال، وأبي تميم سَلْمان ابن عليّ الرَّحبي، وأبي المعالي بن صابر، وطائفةٍ. وبالمَوْصل من أبي الفَضْل الطُّوسي الخطيب. وبمكة من المبارك بن عليّ ابن الطََّّاخ. روى عنه البهاء عبدالرحمن، وابن نُقْطة، والجمال أبو موسى، والضياء، ٦٠١ وابنُ خليل، والبِرْزاليُّ، والمُنذريُّ(١)، والجمال ابن الصَّيْرفي، والشِّهاب أبو شامة(٢)، والمُحبُّ ابن النَّجَّار، والزين ابن عبدالدائم، وشمس الدين ابن أبي عُمر، والعز إبراهيم بن عبدالله بن أبي عُمر، والفَخْر عليّ، والتقي ابن الواسطي، والشمس ابن الكمال، والتاج عبدالخالق، والعماد عبدالحافظ بن بَدْران، والعز إسماعيل ابن الفَرَّاء، والعز أحمد ابن العماد، وأبو الفَهُم السُّلَمي، ويوسف الغسولي، وإبراهيم ابن الفَرَّاء، وزينب بنت الواسطي، وخَلْقٌ كثيرٌ آخرهم موتًا التقي ابن مُؤْمن، حَضَرَ عليه قطعةً من ((الموطأ)). وكان إمامًا، حُجَّةً، مُفتيًا، مُصَنِّفًا، مُتفنّنًا، مُتبخِّرًا من العلوم، كبيرَ القَدْر . أخبرنا عبدالحافظ بقراءتي، قال: أخبرنا أبو محمد بن قُدامة، قال: أخبرنا عبدالواحد بن الحُسين، قال: أخبرنا أبو عبدالله الحُسين بن أحمد بن محمد بن طَلْحة، قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن الحسين بن المُنذر، قال: حدثنا عُمر بن دينار إملاءً، قال: حدثنا أبو يزيد يوسف بن يزيد بن كامل، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا عُثمان بن مكتل، وأنس بن عياض؛ قالا: حدثنا الحارث بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن مولى أبي هريرة، عن أبي هُريرة، عن رسول الله بِّه قال: ((أحبُّ البلادِ إلى الله مساجدُها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها))(٣). قال ابنُ النَّجَّار: كان - يعني الشيخ موفق الدين - إمامَ الحنابلة بالجامع. وقد سَمعَ منه ببغداد رفيقُه عبدالعزيز بن طاهر الخَيَّاط سنة ثمان وستين وخمس مئة. وكان ثقةً، حجةً، نبيلاً، غزيرَ الفَضْل، نَزْهَا، ورعًا، عابدًا، على قانون السَّلَف، على وجهه النُّور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع کلا مه . وقال فيه عُمر ابن الحاجب: هو إمام الأئمة، ومفتي الأُمّة، خَصَّهُ الله بالفَضْلِ الوافر، والخاطر المَاطر، والعِلْم الكامل، طَنَّت بذكره الأمصار، (١) وترجمه في التكملة ٣/ الترجمة ١٩٤٤. (٢) وترجمه في ذيل الروضتين ١٣٩. (٣) أخرجه مسلم ٢ / ١٣٢ من طريق أنس بن عياض وحده، عن الحارث بن عبدالرحمن، به . ٦٠٢ وضَنَّت بمثله الأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النَّقلية والعقلية؛ فأما الحديث فهو سابق فرسانه، وأما الفقه فهو فارس ميدانه؛ أعرف الناس بالفُتيا، وله المُؤلَّفات الغزيرة، وما أظنُّ الزمان يسمح بمثله. مُتواضعٌ عند الخاصة والعامة، حَسنُ الاعتقاد، ذو أناة وحِلْم ووَقَارٍ. وكان مجلسُهُ عامرًا بالفقهاء والمُحدِّثين وأهل الخير. وصار في آخر عُمُره يقصده كل أحد. وكان كثيرَ العبادة، دائمَ التَّهجد، لم نر مثله، ولم يرَ مثلَ نفسه. وقال الضياء في ((سيرته)) (١): كان تامًّ القامة، أبيضَ مُشرِقَ الوجه، أدعجَ العينين. كأنَّ النور يخرج من وجهه لحُسْنه، واسع الجبين، طويل اللحية، قائم الأنف، مقرون الحاجبين، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، مَتَّعهُ اللهُ بحواسه حتى تُوفي. رحل هو والحافظ عبدالغني، فأقاما ببغداد نحوًا من أربع سنين، ثم رَجَعا وقد حَصَّلا الفقه والحديث والخلاف، أقاما خمسين ليلة عند الشيخ عبدالقادر؛ ومات. ثم أقاما عند أبي الفرج ابن الجوزي، ثم انتقلا إلى رباط الشيخ محمود النَّعال، واشتغلا على ابن المَنِّي. ثم سافرَ هو ثانية إلى بغداد سنة سبع وستين، هو والشيخ العماد، فأقاما سنة . وكان لَحِقهما عبيد الله أخوه، وعبدالملك بن عثمان، فَضَيَّقا عليهما، لكونهما حَدَثَين، فرجَعَ بهما إلى دمشق. ثم حج سنة ثلاث وسبعين ووالدي وعمرو بن عبدالله، ورَدُّوا على درب العراق. ذکر تصانيفه : ((البرهان في القرآن)) جزءان، ((مسألة العُلُو)) جزءان، ((الاعتقاد)) جزء، ((ذُّ التأويل)) جزء، ((كتاب القَدَر)) جزءان، كتاب ((فضائل الصحابة)) جزءان، ((كتاب المتحابين)) جزءان، جزء ((فَضْل عاشوراء)) جزء ((فضائل العشر))، ((ذَقُّ الوسواس)) جزء، ((مَشْيخته)) جزءٍ ضَخْم، وغير ذلك من الأجزاء. وصَنَّف ((المُغني) في الفقه في عشر مُجِلَّدات كبار، و((الكافي)) في أربعة مُجلَّدات، و((المُقْنع)) مُجلَّد، و((العُمْدة)) مُجلَّد لطيف، و((التوابين)) مُجلَّد صغير، و((الرقة)) مُجلَّد صغير، (مُختصر الهداية)) مُجلَّد صغير، ((التبيين في نسب القرشيِّين)) مُجلَّد صغير، ((الاستبصار في نَسَب الأنصار)) مُجلَّد، كتاب ((قنعة الأريب في (١) عملها الضياء في جزأين. ٦٠٣ الغريب)) مُجلَّد صغير، كتاب ((الرَّوْضة)) في أصول الفقه مُجلَّد، كتاب ((مُختصر العِلل)) للخَلَّل مُجلَّد ضَخْم. قال الضياء: رأيتُ الإمام أحمد بن حنبل في النوم، وألقى عليَّ مسألة في الفقه، فقلتُ: هذه في ((الخِرَقي)) فقال: ما قَصَّر صاحبُكم الموفَّق في ((شَرْح الخِرَقي)). قال الضياء: وكان - رحمه الله - إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في عِلْم الحديث ومُشكلاته، إمامًا في الفقه؛ بل أوحدَ زمانه فيه، إمامًا في عِلْم الخِلاف، أوحدَ زمانه في الفرائض، إمامًا في أُصول الفقه، إمامًا في النحو، إمامًا في الحساب، إمامًا في النجوم السَّيارة والمنازل. وسمعتُ الوجيه داود ابن صالح المُقرىء بمصر، قال: كنتُ أتردد إلى الشيخ أبي الفتح ابن المَنِّي، فسمعتُهُ يقول - وعنده الإمام موفق الدين -: إذا خرج هذا الفتى من بغداد، احتاجت إليه. وسمعتُ البهاء عبدالرحمن بن إبراهيم يقول: كان شيخُنا أبو الفتح ابن المَنِّي يقول للشيخ موفق: اسكن هنا فإنَّ بغداد مُفتقِرة إليك، وأنت تخرج من بغداد، ولا تُخلِّف فيها مثلك. وكان الموفق يقول: إن لي أولادًا ولا يمكنني المقام. وكان شيخُنا العماد يُعظِّم الشيخ الموفق تعظيمًا كبيرًا، ويدعو له، ويقعد بين يديه كما يقعد المُتعلُّم من العالم. وسمعتُ الإمام أبا عبد الله محمد بن محمود الأصبهاني يقول: ما رأى أحدٌ في زمانه مثلَ الشيخ الموفق. وسمعتُ الإمام المُفتي أبا عُبيد الله عثمان بن عبدالرحمن الشافعي(١) يقول عن شيخنا موفق الدين: ما رأيتُ مثلَهُ، كان مُؤَيَّدًا في فتاويه. شاهدتُ بخط شيخنا العماد إبراهيم بن عبدالواحد: وقفتُ على وَصية شيخنا وسَيِّدنا الإمام العالم الأوحد الصدر شيخ الإسلام موفق الدين، الذي شهد بفَضْله وعِلْمه المُؤالف والمُخالف، الناصر السُّنّة المحمدية، والسالك الطريقة النبوية الأحمدية، القامع البِدْعة المُردية الردية. وسمعتُ الإمام المُفتي شيخنا أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة ببغداد يقول: ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق. وسمعتُ الإمام الحافظ الزاهد أبا عبد الله اليُونيني يقول - وكَتَبَهُ لي - قال: أما ما علمته من أحوال شيخنا وسيِّدنا موفق الدين، فإنني إلى الآن، ما (١) كتب المؤلف بخطه في حاشية نسخته: ((هو ابن الصلاح)). ٦٠٤ أعتقد أنَّ شخصًا ممن رأيتُهُ، حَصَلَ له من الكمال في العُلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال، سواه، فإنه - رحمه الله - كان كاملاً في صورته ومعناه، من حيث الحسن والإحسان، والحِلْم والسُّؤدد، والعلوم المختلفة، والأخلاق الجميلة، والأمور التي ما رأيتها كَمَلت في غيره. وقد رأيتُ من كَرَم أخلاقه وحُسن عِشْرته، ووُفور حِلْمه، وكَثْرة عِلْمه، وغزير فطنته، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بِشْره، وعُزوف نفسه عن الدُّنيا وأهْلها، والمناصب وأربابها، ما قد عَجَزَ عنه كبار الأولياء؛ فإن رسول الله مَّه قال: ((ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره))، فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى نفعه إلى العباد، وهو تعليم العِلْم والسُّنَّة، وأعظم من ذلك وأحسن ما كان حِبِلَّةً(١) وطَبْعًا، كالحِلْم والكرم والعقل والحياء. وكان الله قد جَبلهُ على خُلُقٍ شريف؛ وأفرغ عليه المكارم إفراغًا، وأسبغَ عليه النِّعم، ولطفَ به في كُلِّ حالَ. قال الضياء: وكان لا يكاد يناظر أحدًا، إلا وهو يَتَبَسَّم. فسمعتُ بعض الناس يقول: هذا الشيخ يقتل خصمَهُ بتبشُّمه. وسمعتُ الفقيه أحمد بن فَهْد العَلْثي يقول: ناظر الموفق لابن فَضْلان؛ يعني: يحيى بن محمد الشَّافعي، فَقَطَعَهُ الموفَّقُ . قلتُ: وكان ابن فَضْلان يُضْرب به المثل في المناظرة. وأقامَ الموفَّق مدة يعمل حَلْقة يوم الجُمُعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة، ويجتمع إليه أصحابنا، وغيرهم، ثم ترك ذلك في آخر عُمُره. وكان يَشْتَغل عليه الناس من بُكرة إلى ارتفاع النهار، ثم يُقرأ عليه بعد الظهر؛ إما الحديث وإما من تصانيفه، إلى المَغْرب. وربما قُرىء عليه بعد المَغْرب، وهو يتعشَّى. وكان لا يُري لأحد ضَجرًا، وربما تضرَّرَ في نفسه ولا يقول لأحد شيئًا؛ فحدثني ولده أبو المجد، قال: جاء إلى والدي يومًا جماعةٌ يقرؤون عليه، فطولوا، ومن عادته أن لا يقول لأحد شيئًا، فجاء هذا القط الذي لنا، فأخذَ القلمَ الذي يُصلحون به بفمه، فكسرَهُ، فتعجبوا من ذلك وقالوا: لعلنا أطلنا، وقاموا. واشتغل الناسُ عليه مدة بـ ((الخِرَقي)) و((الهداية)) (١) الجبلَّة: الخِلْقة. ٦٠٥ ثم بـ ((مُختصر الهداية)) الذي جَمَعَهُ، ثم بعدَ ذلك اشتغل عليه الخَلْقِ بتصانيفه : ((المُقْنع)) و((الكافي)) و((العُمْدة)). وكان يُقرأ عليه النحو، ويشرحه. ولم يترك الإِشْغَال(١) إلا من عُذْر، وانتفع به غير واحد من البُلْدان، ورحلوا إليه. وكان لا يكاد يراه أحد إلا أحَبَّه، حتى كان كثيرٌ من المُخالفين يحبونه، ويصلُّون خلفه ويمدحونه مَدْحًا كثيرًا. وكنتُ(٢) أعرف في عهد أولاده أنهم يتخاصمون عنده، ويتضاربون وهو لا يتكلم، وكنا نقرأ عليه، ويحضر مَن لا يَفْهَم، فربَّما اعترض ذلك الرجل بما لا يكون في ذلك المعنى، فنغتاظُ نحنُ، ويقول: ليس هذا من هذا، وجرى ذلك غير مرة، فما أعلم أنه قال له قطَّ شيئًا، ولا أوجع قلبَهُ. وكانت له جارية تؤذيه بخُلُقها فما كان يقول لها شيئًا، وكذلك غيرها من نسائه . وسمعتُ البهاء عبدالرحمن يقول: لم أر فيمن خالطتُ أجملَ منه، ولا أكثر احتمالاً . وكان مُتواضعًا، يقعد إليه المساكين، ويسمع كلامَهُم، ويقضي حوائجَهُم، ويعطيهم. وكان حَسنَ الأخلاق، لا نكاد نراه إلا متبسِّمًا، يحكي الحكايات لجُلَسائه، ويخدمهم، ويَمْزح، ولا يقول إلا حَقًّا. وسمعتُ البهاء عبدالرحمن يقول: قد صحبناه في الغزاة، فكان يمازحنا، وينبسط معنا، يقصد بذاك طيب قلوبنا، فما رأيتُ أكرمَ منه، ولا أحسنَ صُحْبة. وكان عندنا صِبْيان يشتغلون عليه من حُوران، وكانوا يَلْعبون بعض الأوقات إذا خلوا، فشكى بعض الجماعة إلى الشيخ أبي عُمُر. فقال: أخرجوهم من عندنا، ثم قال: هؤلاء أصحاب الموفَّق، فاذكروهم له، فقالوا له، فقال: وهل يصنعون إلا أنهم يلعبون؟ هُم صبيان لابُدَّ لهم من اللَّعِب إذا اجتمعوا، وإنكم كنتم مثلَهم. وكان بعض الأوقات يرانا نلعب فلا ينكر علينا. ولقد شاورتُهُ في أشياء متعدِّدة، فيشير عليَّ بشيء، فأراه بعد كما قال. وكم قد جرى على أصحابنا من غَم وضيق صَدْر من جهة السلاطين واختلافهم، فإذا وصل الكلام إليه أشارَ بالرأي السديد الذي يراه، فيكون في (١) الإشغال: التدريس والتحديث والتعليم. وهو غير ((الاشتغال)) بمعنى الطلب، وهما اصطلاحان معروفان عند المتأخرين. (٢) الكلام للضياء، وكذا ما بعده. ٦٠٦ رأيه اليُمن والبركة. وكان أخوه الشيخ أبو عمر مع كونه الأكبر، لا يكاد يعمل أمرًا حتى يشاوره. سمعتُ الإمام الزاهد أبا عبدالله محمد بن أبي الحُسين اليُونيني، قال: كنتُ بعض الأوقات أُلازم القراءة وبعضها أتركها، فقال لي الموفق: يا فُلان، في صورة من يأتيك إبليس؟ قلتُ: في صورة أُويس القَرَني، قال: ما يقول لك؟ قلتُ: يقول لي: ما أحب أن أكون محدِّثًا ولا مُفتيًا ولا قاصًّا، في نفسي شغل عن الناس، فقال: والله مليح ما يقوله لك، أفيقول لك: هذه ليلة السجود فتسجد إلى الصباح، هذه ليلة البكاء فتبكي إلى الصباح؟ قلتُ: لا. قال: هذا مقصوده أنك تبطل العِلْم وتفوتك فضيلته، وما يحصل لك فعل أُويس. فبعد ذلك ما جاءني إبليس في هذا المعنى. قال الضياء: وكان لا ينافس أهل الدينا، ولا يكاد أحد يسمعه يشكو، وربما كان أكثرَ حاجة من غيره. وكان إذا حَصَل عنده شيءٌ من الدنيا فَرَّقه ولم يتركه. وسمعتُ البهاءَ عبدالرحمن يقول: كان فيه من الشَّجاعة، كان يتقدم إلى العَدُو، ولقد أصابه على القُدس جُرح في كَفِّه. ولقد رأيتُ أنا منه على قلعة صَفَد، وكُنا نُرامي الكُفَّار، فكان هو يجعل النشابة في القَوْس، ويرى الكافر أنه يرميه فيتَتَرَّسُ منه، يفعل ذلك غير مرة، ولا يرمي حتى تمكنه فرصة . ولما ماتَ ابنه أبو الفضل محمد بهَمَذَان، جاءهُ خبرُه، فحدثني بعض مَنْ حَضَرَهُ أنه استرجع، وقام يصلي. قلتُ(١): كان فاضلاً، مشتغلاً، عاش نَيِّفًا وعشرين سنة. قال: ولما مات ابنه أبو المجد عيسى، وكُنَّا عنده، صَبَرَ، واحتسَبَ. وسمعتُ عنه أنه كان لا يطلب من أهل بيته أن يغسلوا ثيابه، ولا يطبخوا، ولا يكلِّفهم شيئًا، بل هو عندهم مثل الضَّيف، إن جاؤوا بشيءٍ أكلَ، وإلا سكتَ. وكان يُصَلِّي صلاةٌ حَسَنةً بخُشوع، وحُسن رُكوع، وسُجود، ولا يكاد يصلي سُنة الفجر والمغرب والعشاء، إلا في بيته، اتباعًا للسُّنة. وكان يصلي كل ليلة بين العشاءين ركعتين بـ ((الم تنزيل السجدة))، و((تبارك الذي بيده المُلْك)) (١) القول للذهبي، والمقصود أبا الفضل ولده. ٦٠٧ وركعتين بـ ((ياسين)) و((الدُّخان))، لا يكاد يخل بهنَّ. وكان يقوم بالليل سحرًا يقرأ بالسُّبع، وربما رفع صوتَهُ بالقراءة، وكان حسن الصوت، رحمة الله عليه . سمعتُ الحافظ الزَّاهد أبا عبدالله اليُونيني، قال: لما كُنتُ أسْمِعُ شناعةً الخَلْقِ على الحنابلة بالتشبيه، عزمتُ على سُؤال الشيخ الموفق عن هذه المسألة، وهل هي مجرد شناعة عليهم أو قال بها بعضهم؟ أو هي مقالة لا تظهر من علمائهم إلا إلى من يوثق به؟ وبقيت مدة شهور أريد أن أسأله، ما يتفق لي خلو المكان، إلى أن سَهَّل الله مرة بخلو الطريق لي، وصعدت معه إلى الجبل فلما كنا عند الدرب المُقابل لدار ابن محارب، وما اطلع على ضميري سوى الله عز وجل، فقلت له: يا سيدي. فالتفت إليَّ، وأنا خلفه، فقال لي: التَّشبيه مُستحيل. وما نطقتُ أنا له بأكثر من قولي: ((يا سيدي)). فلما قال ذلك تجلدت، وقد أخبر بما أُريد أن أسأله عنه، وكشفَ الله له الأمر، فقلت له: لِمَ؟ قال: لأن من شرط التشبيه أن نرى الشيء ثم نشبهه، من الذي رأى الله، ثم شبهه لنا؟ وسمعتُ أبا عبدالله محمد بن عمر بن محمد بن جعفر المقرىء يقول : جئت إلى الشيخ الموفق، وعنده جماعة، فسلّمتُ، فرد عليَّ ردًّا ضعيفًا، فقعدت ساعة، فلما قام الجماعة، قال لي: اذهب فاغتسل. فبقيت متفكرًا، ثم قال لي: اذهب فاغتسل. فتفكرت، فإذا قد أصابتني جنابة من أول الليل ونسیتها . وسمعتُ الشريف أبا عبدالله محمد بن كَباس الأعناكيَّ يقول: كنتُ يومًا أتفكر في نفسي، لو أن لي شيئًا من الدُّنيا لبنيت مدرسة للشيخ الموفق، وجعلت له كل يوم ألف درهم، ثم إنني قمت، فجئت إليه فسَلَّمتُ عليه، فنظر إليَّ وَتَبَسَّم، وقال: إذا نوى الشخص نية خیر كُتبَ له أجرها! وقال أبو شامة(١) وذَكَر الشيخ الموفق فقال: كان إمامًا من أئمة المُسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدِّين في العِلْم والعَمَل. صنَّف كُتبًا كثيرة حسانًا في الفقه وغيره. ولكن كلامه فيما يتعلَّقُ بالعقائد في مسائل الصفات على (١) ذيل الروضتين ١٣٩. ٦٠٨ الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح له الأمر فيها على جلالته في العلم ومعرفته بمعاني الأخبار والآثار(١). سمعت منه ((مسند الشافعي)) بفَوْت ورقتين، وكتاب ((النَّصيحة)) لابن شاهين. وقال غير واحد عن عز الدين ابن عبدالسلام، شيخ الشافعية: إنه سُئل : أيما كان أعلمَ فَخْر الدين ابن عساكر، أم الشيخ الموفق؟ فغَضبَ، وقال: والله موفق الدين كان أعلمَ بمذهب الشافعي من ابن عساكر، فضلاً عن مَذْهبه. قال أبو شامة(٢): ومن أظرف ما يُحكى عن الموفق أنه كان يجعل في عمامته ورقة مَصْرُورة فيها رَمْل يُرَمِّل به الفَتَاوى والإجازات، فخُطِفَت عمامته ليلاً، فقال لخاطفها: يا أخي خُذ من العمامة الورقة بما فيها، ورُدَّ العِمامة؛ أُغَطِّي رأسي، وأنت في أوسع الحل، فظن الخاطف أنها فضة، ورآها ثقيلة فأخذها، ورمى العمامة له. وكانت(٣) صغيرةً عتيقةً. قال (٤): وكان الموفق بعد موت أخيه هو الذي يَؤُمُّ بالجامع المُظَفَّري ويخطب، فإن لم يحضر فعبدالله ابن أخيه يؤُم ويخطب. ويصلي الموفق بمحراب الحنابلة إذا كان في البَلَد، وإلا صلى الشيخ العماد، ثم كان بعد موت الشيخ العماد يصلي فيه أبو سليمان ابن الحافظ عبدالغني. وكان المُوَفَّق إذا فرَغَ من صلاة العشاء الآخرة يمضي إلى بيته بالرَّصيف، ويمضي معه من فُقراء الحلقة مَن قَدَّرهُ الله، فيقدِّم لهم ما تَيَسر، يأكلونه معه. وقال الضِّياءُ: سمعتُ أُختاي؛ زَيْنَب وآسية تقولان: لما جاءَ خالنا الموتُ هَلَّلنا، فهَلَّل، وجعلَ يستعجل في التهليل، حتى تُوفي، رحمه الله . قال: وسمعتُ الإمامَ أبا محمد إسماعيل بن حَمَّاد الكاتب يقول: رأيتُ ليلة عيد الفطر كأني عند المَقْصورة، فرأيتُ كأن مُصحف عثمان قد عُرِجَ به، وأنا قد لحقني من ذلك غَمٌّ شديد، وكأن الناسَ لا يكترثون لذلك، فلما كان (١) عَلَّق المؤلف في سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٧٢ على رأي أبي شامة هذا بقوله: ((وهو وأمثاله متعجب منكم مع علمكم وذكائكم كيف قلتم! وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى، ولا عجب في ذلك، ونرجو لكل من بذل جهده في تطلب الحق أن يُغْفَر له من هذه الأمة المرحومة)). وأبو شامة أشعري العقيدة - رحمهم الله أجمعين . (٢) ذيل الروضتين ١٤٠. (٣) في الأصل: ((وكان)) سبق قلم من المؤلف. (٤) أبو شامة في ذيل الروضتين ١٤٠. تاريخ الإسلام ١٣ / م٣٩ ٦٠٩ الغد، قيل: مات الشيخ الموفق. وسمعتُ خالد بن عبدالله الحَبَشي يقول: إنه رأى ليلة توفي الشيخ الموفق كأنَّ القرآن قد رُفع من المصاحف. وسمعتُ الإمام عبدالمُحسن بن عبدالكريم المِصْريَّ يقول: رأيتُ وقتَ ماتَ الشيخ الموفق في النوم، كأن قد رُفعت قناديل الجامع كُلها. وسمعتُ الشريف عبدالرحمن بن محمد العَلَوي يقول: رأينا ليلة الأحد في قريتنا مُردك - وهي في جبل بني هلال على دمشق - ضوءًا عَظيمًا جدًّا حتى أضاءَ له جَبَل قاسيُون، فقلنا قد احترقت دمشق، قال: وخرج أهلُ قريتنا الرجالُ والنِّساء يتفرجون على الضَّوء فلما جئنا إلى بعض الطريق سألنا: أيش الحريق الذي كان بدمشق؟ فقالوا: ما كان بها حريق. فلما وصلنا إلى هنا قال لي ابني: إنَّ الشيخ الموفق تُوفي. فقلتُ: ما كان هذا النُّور إلا لأجله . قال الضياء: وقد سمعنا نحو هذا من غير واحدٍ يُحَدِّثه، أنه رأى ذلك بحوران، وبالطريق. وسمعتُ العَدْلَ أبا عبدالله محمد بن نصر بن قَوَّام التاجر بعد موت الشيخ الموفق بأيام، قال: رأيتُ ليلة الجُمُعة في الثُلث الأخير الحَقَّ عَزَّ وجل، وكأنه عالٍ علينا بنحوٍ من قامة، يعني ليس هو على الأرض، وإلى جانبي رجلٌ خطرَ في قلبي أنه الخَضِر عليه السلام، فذُكرَ الشيخ الموفق، فقال الحَقُّ للخَضِر: هل تعرف أخته وابنته؟ فقال: لا. قال: بلى اذهب، فعزِّهما في الموفق. وخطرَ ببالي أنه تعالى يقول: فإني أعْدَدتُ له ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذُن سَمِعت، ولا خطَرَ على قلب بشر، ثم انتبهتُ. وقد ساق الضياء منامات كثيرة في سيرة الشيخ الموفق، تركتُها خوف الإطالة . ثم قال: تَزَوَّج ببنت عَمَّته مريم بنت أبي بكر بن عبدالله بن سَعْد، فولدت له أولادًا، عاش منهم حتى كَبِرَ: أبو الفضل محمد، وأبو المجد عيسى، وأبو العز يحيى، وصَفية، وفاطمة. فماتَ بنوه في حياته، ولم يعقب منهم سوى عيسى. وتَسَرَّى بجارية، ثم ماتت هي وزوجته بعدها، ثم تَسَرَّى بجارية، وجاءه منها بنت، ثم ماتت البنت، ورَوَّح الجارية، ثم تزوج عزية بنت إسماعيل، وتُوفيت قبله ومن شعره(١): (١) انظر ذيل الطبقات لابن رجب ١٤١/٢. ٦١٠ أَتَغْفَلُ يا ابن أحمدَ والمَنَايا شوارع يَخْتَرمنكَ عن قريبٍ أَغَرَّكَ أنْ تَخَطَّكَ الرَّزَآيا فَكَم لِلمُوتِ من سَهْمٍ مُصيبٍ ومَا لِلمَرءِ بُدُّ من نَصِيبٍ أما يَكفيكَ إنذارُ المَشيب كُؤُوسُ المَوْتِ دائرةٌ عَلَینا إلى كَم تَجْعلُ التَّسْوِيفَ دأبًا أما يَكفيكَ أنَّك كُلَّ حينٍ تمُرُّ بقَبْر (١) خلِّ أو حبيبٍ كأنَّك قَد لَحِقْتَ بهم قريبًا ولا يُغْنيك إفراطُ النَّحيب قال الضياء: تُوفي يوم السبت، يوم الفطر، ودُفن من الغد، وكان الَخَلْق لا يُحصي عددهم إلا اللهُ عز وجل. وكنتُ فيمن غَسَّلَهُ. تُوفي بمنزله بدمشق. ٦٧٠ - عبدالله بن أحمد بن عليّ بن هبة الله، الشَّريف أبو محمد ابن الزَّوَّال، الهاشميُّ العباسيُّ البَغْداديُّ. وُلد سنة ثمان وأربعين وخمس مئة. وسَمعَ من يحيى بن ثابت، وأبي المعالي الباجسرائي، وأبي محمد ابن الخَشَّاب. وهو من بيت حِشْمة وَتَقدُّم. تُوفي في ليلة عاشوراء. وقد نابَ في القضاء ببغداد، ثم عُزلَ من القضاء والعدالة؛ بسبب تزوير. ولم يكن محمود الشهادة(٢) . ٦٧١- عبدالله بن أحمد بن عبدالرحمن بن عُثمان التَّمِيميُّ، أبو محمد البِجَائِيُّ المَغْربيُّ، المعروف بابن الخطيب. سَمِعَ من الحافظ أبي محمد عبدالحق الإشبيلي. وأخذَ عن أبي القاسم عبد الرحمن بن يحيى القُرشي ((مُختصرهُ)) في القراءاتِ. وسَمعَ ((صحيح مُسلم)) من أبي عبدالله ابن الفَخَّار. وأجازَ له أبو طاهر السِّلَفي. وَلَيَ قضاءَ سَبْتَةَ، ثم قضاء بَلَنْسية. وكان وجيهًا، ذا حشمة وثروة. ولم يكن الحديث من شأنه. حَدَّث بيسير. ومات بتُونس في ربيع الأول؛ قاله الأبار(٣). (١) في ابن رجب: ((بغير)) وما هنا أحسن. (٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٨٨ (باريس ٥٩٢٢). (٣) التكملة ٣٠٧/٢ مع الغرباء. ٦١١ ٦٧٢- عبد الله (١) بن عبدالعزيز بن عبدالله، أبو القاسم التَّقْليسيُّ المغازليُّ الصُّوفيُّ، نزيلُ بغداد. شيخٌ مُعَمَّرٌ، فَدِمَ بغداد واستوطنها، وصَحِبَ الشيخ أبا النَّجيب، وسَمعَ معه من هبة الله بن أحمد الشِّبلي، وابن البَطِّ، وأبي زُرْعة. وحَدَّث. وقيل : إنه جاوزَ المئة . روى عنه الذُّبَيْنِي(٢)، والزَّين خالد، وجماعةٌ. وتُوفي في سادس عشر ربيع الأول. ٦٧٣- عبدالله بن عُبيدالله بن عبدالله بن عبدالملك بن عليّ، أبو محمد اللَّخْميُّ البَاجيُّ. أخذَ قراءةَ نافع وأبي عمرو عن أبي محمد بن مُعاذ. وسَمعَ من أبي عبدالله ابن المُجاهد الزَّاهد؛ وكان من كبار أصحابه. وأخذَ العربية عن أبي إسحاق بن مَلْكُون، وأبي القاسم بن حُبَيش. وحَدَّث بيسير، وعُمِّرَ، وأسَنَّ، وكُفَّ بَصَرُه. وكان يُقرىء القرآنَ. وتُوفي في شعبان، وله ثمان وثمانون سنةً(٣) . ٦٧٤- عبدالله بن عُمر بن عبدالله، القاضي جمال الدين أبو محمد الدِّمشقيُّ الشافعيُّ، قاضي اليمن. وُلدَ بدمشق في حدود سنة ثلاثين وخمس مئة، وعاش تسعين سنةً. وسَمعَ بالإسكندرية من السِّلَفي، وغيرِه. وتَوَجَّه من دمشق صُحبة شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، إلى اليمن، وأمَّ به، وتقدمَ عنده؛ فولاَه قضاءَ اليمن. وحَصَّل أموالاً، وعادَ إلى دمشق. وحَدَّث؛ روى عنه الشِّهاب القُوصيُّ، وفَرَج الحَبَشيُّ، والزَّين خالد النابُلُسي، وعدة. وسَمِعَ من عليّ بن أحمد الحَرَستاني. (١) كانت هذه الترجمة قبل سابقتها، فكتب المؤلف أمامها حرف ((م)) أي: تؤخر، فأخرناها. (٢) وترجمه في تاريخه، الورقة ٩٥ (باريس ٥٩٢٢). (٣) من تكملة الصلة لابن الأبار ٢٩٢/٢. ٦١٢ ومات في ربيع الأول(١). ٦٧٥- عبدالله بن محمد بن خَلَف بن اليُشْر(٢)، أبو محمد القُّشَيرِيُّ الغَرْناطيُّ. مُعْتنٍ بالقراءات، عَريق فيها من أعمامه وأخواله. اختَصَّ بأبي خالد بن رفاعة، ولَزْم أبا الحسن بن كَوْثر؛ فأكثرَ عنه. وسَمِعَ من عبدالحق بن بُونُه، وجماعةٍ . أخذ عنه ابن مَسْدي، وأرَّخَ موته بمَرَّاكُش عن نٍَّ وستين سنة . ٦٧٦- عبدالحميد بن مَري بن ماضي بن نامي، أبو أحمد الحَسَّانيُّ المقدسيُّ الحنبليُّ، نزیل بغداد. وبها تُوفي في جمادى الآخرة. حدَّث عن ابن كُلَيب، وأبي الفرج ابن الجَوْزي. روى عنه الضّياء، وغيرُه. ٦٧٧ - عبدالرحمن بن إسماعيل بن محمد بن يحيى بن مُسلم، أبو محمد الزَّبيديُّ ثم البغداديُّ. من بيتِ الحديث والفَضْل. كان فقيهًا، عالمًا، مُناظرًا، فَرَضِيًّا. وُلد سنة ثلاث وخمسين. وسَمعَ من أبي الفتح ابن البَطِّي، وأحمد بن عُمر بن بُنَيمان، وجماعةٍ. ووَليَ مشيخة رباط الشُّونيزي. روى عنه الدُّبَيْئي، وقال(٣): توفي في يوم الجمعة سلخ رمضان. ٦٧٨- عبدالرحمن بن أبي السعود الطّيب بن أحمد بن عليّ بن رزقون - بتقديم الراء -، أبو القاسم القَيْسيُّ من أهل الجزيرة الخَضْراء. أخذَ عن أبي محمد بن عُبيد الله. تُوفي بالجزيرة عامَ عشرين. ٦٧٩- عبدالرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله بن الحُسين، الإمام المُفتي فَخْر الدين أبو منصور الدمشقيُّ الشافعيُّ، ابن عساكر شيخُ الشافعية بالشام. (١) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٩٢٢. (٢) في غاية النهاية لابن الجزري (٤٤٨/١): ((اليسير)) مصحف. (٣) انظر المختصر المحتاج إليه ١٩٥/٢ - ١٩٦. ٦١٣ وُلد في سنة خمسين وخمس مئة. وسَمعَ من عَمَّيه الصائن هبة الله وأبي القاسم الحافظ، وعبدالرحمن بن أبي الحسن الدَّاراني، وحَسَّان بن تميم الزَّيَّات، وأبي المكارم عبدالواحد بن هلال، وداود بن محمد الخالدي، ومحمد بن أسعد العراقي، وأبي المعالي بن صابر، وجماعةٍ . وتفقَّه على الشيخ قُطب الدين النَّيْسابوري، حتى بَرَع في الفقه. وزَوَّجه القُطب بابنته، فجاءَهُ منها وَلَد سَمَّاه باسم جَدِّه قُطب الدين مسعود؛ ومات شابًّا، ولو عاش لخلف جده وأباه. وقد وَلَيَ فخرُ الدين تدريس الجاروخية، ثم تدريس الصَّلاحية بالقُدس، ثم بدمشق تدريس التَّقَويَّة. فكان يقيم بالقُدْس أشْهُرًا، وبدمشق أشهرًا. وكان عنده بالتَّقوية فُضلاء الوقت، حتى كانت تُسَمَّى نِظامية الشَّام. وهو أول من دَرَّس بالعَذْراوية، وذلك في سنة ثلاث وتسعين، ماتت الست عَذْراء بنت شاهنشاه بن أيوب، أخت عز الدين فرخشاه، فدُفنت بدارها، وكانت أمرت بدارها لأُمِّها؛ فوقفتها الأُم على الشافعية والحنفية. وكان لا يَملُّ الشخص من النَّظر إليه؛ لحُسن سَمْته، واقتصاده في لباسِهِ، ولُطفه، ونُور وجهه، وكان لا يخلو لسانه من ذكر الله في قيامه وقعوده. وكان يُسمع الحديث تحت النَّسْر؛ وهو المكان الذي كان يُسمعُ فيه على الحافظ أبي القاسم عمِّه. قال أبو شامة(١): سألتُهُ مسائل فقهية؛ وكان الملك المُعَظَّم قد أرْسَل إليه ليُوليه القضاء، فأبى، فطلبه ليلاً، فأتاه، فتلقَّاه، وأجْلَسه إلى جانبه، فجلس مُستوفزًا، فأُحضر الطعامُ فلم يأكل منه شيئًا، فأمرَهُ وأَلَخَّ عليه أن يتولى القضاء، فقال: حتى أستخير الله تعالى. فأخبرني من كان مِعه قال: رَجَعَ إلى بيته، ووقف يُصلي، ويتضرع، ويبكي إلى الفَجْر، ثم صَلَّى الصُّبْح، ودخل بيته الصغير الذي عند محراب الصحابة - وكان أكثر النهار يتعبد ويُفتي ويُطالع فيه، ويجدد الوضوء من طهارة المئذنة، وهذا البيت هو الذي كان يخرج منه خلفاء بني أمية قبل أن يغير الوليد الجامع - قال: فلما طلعت الشمس أتاهُ من جهة السلطان جماعة، فأصر على الامتناع، وأشار بتولية ابن الحَرَسْتاني، (١) ذيل الروضتين ١٣٧ فما بعد، بتصرف. ٦١٤ فوُلي. وكان قد خاف أن يُكره على القضاء، فجَهَّزَ أهلهُ للسفر؛ وخرجت المحابر إلى ناحية حلب، فردها الملك العادل؛ وعزَّ عليه ما جرى. قال: وكان يتورَّع من المرور في رواق الحنابلة لئلا يأثموا بالوقيعة فيه، وذلك أن عوامَّهُم يُبغضون بني عساكر، لأنَّهم أعيان الشافعية الأشعرية . وعَدَلَ الملك المُعظّم عن توليته المدرسة العادلية، لكونه أنكر عليه تضمين المُكوس والخُمور، ثم إنه لَما حج أخذ منه التَّقوية، وأُخذَت منه قبل ذلك الصَّلاحية التي بالقُدس، وما بقي له إلا الجاروخية. وقال أبو المُظفَّر الجَوْزي(١): كان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، منقطعًا إلى العِلْم والعبادة، حَسنَ الأخلاق، قليلَ الرغبة في الدُّنيا. توفي في عاشر رجب. ولم يتخلف عن جنازته إلا القليل. قال أبو شامة(٢): أخبرني من حضر وفاته، قال: صَلَّى الظُّهر، ثم جعل يسأل عن العَصْر، فقيل له: لم يقرب وقتها، فتوضأ، ثم تَشَهَّدَ وهو جالس، وقال: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، ومحمد نبيًّا، لقنني الله حُجَّتي، وأقالني عَثْرَتي، ورحم غُربتي(٣)، ثم قال: وعليكم السلام. فَعلمنا أنه قد حضرت الملائكة. ثم انقلب على قفاه ميتًا. وغَسَّلهُ الفَخْرِ ابن المالكي، والتاج (٤) ابن أخيه زَين الأمناء. وكان مرضه بالإسهال. وصَلَّى عليه بالجامع أخوه زَيْن الأمناء، ومن الذي قدر على الوصول إلى سريره؟ وقال عُمر ابن الحاجب: هو أحد الأئمة المبرزين، بل واحدهم فَضْلاً، وكبيرهم قَدْرًا، شيخُ الشافعية في وقته. وكان إمامًا، زاهدًا، ثقةً، كثيرَ الشَّهجُّد، غزيرَ الدَّمعة، حسنَ الأخلاق، كثيرَ التواضع، قليلَ الَّعصب، سلكَ طريق أهل اليقين، وكان أكثرٍ أوقاته في بيته في الجامع، ويزجي أكثر أوقاته في نَشْر العِلْم. وكان مُطَّرَح التكلُّف. وعُرضَ عليه مناصبُ وولاياتٌ دينية فتركها . وُلدَ في رَجَب سنة خمسين، وفي رجب توفي وكان الجمع لا يَنْحَصر من (١) مرآة الزمان ٨/ ٦٣١. (٢) ذيل الروضتين ١٣٩. (٣) بعدها عند أبي شامة: ((وآنس وحدتي)). (٤) عبد الوهاب. ٦١٥ الكَثْرة. حَدَّث بمكة. ودمشق والقُدس. وصَنَّف في الفقه والحديث عِدَّة مصنفات. وسمعنا منه . وقال الشِّهاب القُوصي في ((مُعجمه)): كان شيخُنا فَخْر الدين كثيرَ البُكاء سريعَ الدُّموع، كثيرَ الوَرَعَ والخُشوعِ، وافرَ التواضع، عظيمَ الخُضوع، كثيرَ التهجُّد، قليلَ الهُجُوعِ، مُبرِّزًا في عِلْمَي الأصول والفروع. جُمعت له العُلوم والزَّهادة. وعليه تفقهتُ، وأحرزتُ الإفادة. لازم القُطبَ النَّيْسابوريَّ حتى بَرَعَ. قرأتُ عليه من حفظي كتاب ((الخُلاصة)) للغَزَّالي. وسمعتُ منه ((الأربعين البلدية)) لعَمِّه. ودُفن جوار تربة شيخه القُطب. وروى عنه الزكي البِرْزاليُّ، والضياءُ المقدسيُّ، والتاج عبد الوَهَّاب ابن زَين الأُمناء، والزين خالد، والكمال العَدِيمي. وسمعنا بإجازته على عُمر ابن القَوَّاس. وتفقَّه عليه جماعةٌ، منهم الشيخ عز الدين ابن عبدالسَّلام. ٦٨٠- عبدالرحمن بن مُقبل، عفيفُ الدين المِصْريُّ الشَّرابيُّ. حَدَّث عن أبي طاهر السِّلَفي. روى عنه الزكيُّ المنذريُّ(١)، وغيرُه. وماتَ في ذي الحجة. ٦٨١ - عبدالرحمن اليَمنيُّ الزَّاهد، نزيلُ دمشق. ذكره أبو شامة، فقال(٢): المُقيم بالمنارة الشرقية بالجامع. وكان قوَّالاً بالحق، عابدًا. ولما خرج الفِرَنْج حضر هو والشيخ فخر الدين ابن عساكر، والشيخ جمال الدين ابن الحَصِيري، إلى الملك العادل وأنكروا عليه عدم حفظ الثُّغور. وكان هو أشدَّهم كلامًا له. تُوفي في المحرَّم. ٦٨٢- عبدالسَّلام بن المبارك بن أبي الغنائم عبدالجبار بن محمد بن عبدالسلام، أبو سَعْد ابن البَرْدُغُوليِّ، البَغْدادِيُّ العَتَّابِيُّ. شيخٌ صالحٌ متيقِظْ، عالي الرواية. وُلد سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة. وحدَّث هو وأبوه وعَمُّه الحسن، وهم من محلة العَتَّابيين ببغداد. سَمعَ من واثق بن تَمَّام الهاشمي، وأحمد ابن الطَّلَّية، وعبدالخالق اليُوسُفي، وابن البَطِّي. (١) وترجمه في التكملة ٣/ الترجمة ١٩٥٤. (٢) ذيل الروضتين ١٣٦ . ٦١٦ روى عنه الدُّبَيْئيُّ(١)، والبِرْزاليُّ، وابن النَّجَّار، وآخر من حدَّث عنه الجمال محمد بن أبي الفرج ابن الدَّبَّاب؛ سَمعَ منه ((جزء ابن الطَّلّية)). وتُوفي في المحرّم. ٦٨٣- عبدالواحد بن المبارك بن أبي بكر بن المُسْتعمل الحَريميُّ، أبو منصور. وُلد سنة خمس، أو ست وأربعين وخمس مئة. وسمعَ من أبي الوَقْت، وأبي عليّ ابن الخَرَّاز، وأبي المعالي ابن اللحاس. روى عنه الدُّبَيْئِيُّ(٢)، والبِرْزاليُّ، وغيرُهما. وتُوفي في جمادى الآخرة. ٦٨٤- عثمان بن محمد بن أبي عليّ، القاضي الإمام عماد الدين أبو عَمرو الكُرْدِيُّ الحُميديُّ الشافعيُّ . تفقَّه بالمَوْصل على غير واحد ثم رحل إلى الإمام أبي سَعْد بن أبي عَصْرون، واشتغلَ عليه مُدَّةً. وقَدِمَ مصر، فَوليَ قضاء دِمْياط، ثم قدم ونابَ بالقاهرة عن قاضي القضاة أبي القاسم عبدالملك الماراني. ودَرَّسَ بالمدرسة السَّيفيَّة، وبالجامع الأقْمر، ثم حج، وجاورَ إلى أن مات في ربيع الأول. وكان فاضلاً، وَقورًا، حسنَ السَّمْت(٣). ٦٨٥- عليّ بن إبراهيم بن تُرَيك بن عبدالمحسن بن تُرَيك، أبو القاسم الأزجيُّ البَيِّع. وُلد سنة خمسين وخمس مئة. وسَمعَ من عَمِّه أبي الفضل عبدالمُحسن. ومات في ذي القَعْدة(٤) . ٦٨٦- عليّ بن أبي السعادات المبارك بن عليّ بن فارس، أبو الحسن ابن الوارث، البغداديُّ. وُلد سنة تسع وأربعين. وسَمعَ من يحيى بن ثابت بن بُندار، وسُليمان بن فيْرُوز العَيْشُوني، وأبي محمد ابن الخَشَّاب، وعبدالله بن منصور ابن المَوْصلي، وأحمد بن المبارك المُرَقعاتي، وأبي محمد ابن الخَشاب، وخلقٍ كثير. (١) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٤٣ (باريس ٥٩٢٢). (٢) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٧٥ (باريس ٥٩٢٢). (٣) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٩٢٤. (٤) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٩٥٣. ٦١٧ وكتبَ الكثير من الكُتب والأجزاء، ولازمَ السَّماع مُدَّةً طويلة. وكان محدِّثًا صدوقًا . تُوفي في رمضان(١). ٦٨٧- القاسم بن محمد بن عبدالرحمن بن دحمان، أبو محمد الأنصاريُّ المالَقيُّ. أخذَ عن عَمِّه القاسم بن عبدالرحمن، وأبي مروان بن قَزْمان. وبَقيَ إلى حُدود هذه السنة(٢). ٦٨٨ - قريش بن سُبيع بن مُهنا بن سُبيع، الشَّريف أبو محمد العَلَويُّ الحُسينيُّ المَدَنيُّ، نزیلُ بغداد. وُلدَ بالمدينة في رأس الأربعين وخمس مئة. وقَدِمَ بغداد، وطَلب، وسمع الكثير، وحَصَّل، وعُنِي بالحديث. وسَمِعَ من أبي الفتح ابن البَطِّي، وأبي زُرْعة، وأبي بكر ابن النَّقُّور، والمبارك بن خُضير، وطبقتهم. روى عنه الدُّبَيْنِيُّ(٣)، وابن النَّجَّار، وأهلُ بغداد، وغيرهم. تُوفي في ذي الحجة. ٦٨٩ - كاملية بنت محمد بن أحمد بن عُمر العَلَويُّ. سَمَّعَها عَمُّها المحدِّث عليّ بن أحمد الزَّيْدي من أبي الفتح ابن البَطِّ. وماتت في المُحرَّم(٤). ٦٩٠- محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الفَوَارس، أبو عبدالله البَغْداديُّ المالكيُّ، ويعرف بابن العُرَيِّسة (٥). وُلد سنة أربعين وخمس مئة. وسمع من أبي الوَقْت، وأبي الفتح ابن البَطِّي. وأجازَ له ابن ناصر. روى عنه الذُّبَيْئِيُّ، وابنُ النَّجَّار، وغيرُهما. وحَدَّث بـ ((البخاري)) و(الدَّارمي)) عن أبي الوَقْت. وكان شيخًا مَطْبُوعًا، مُتودِّدًا، حسنَ الأخلاق. من جُملة حُجَّاب الخلافة (١) من تكملة المنذري ٣ / الترجمة ١٩٤١. (٢) من التكملة لابن الأبار ٤/ ٧٤ - ٧٥. (٣) وترجمه في تاريخه كما في المختصر المحتاج إليه ١٦١/٣ . (٤) من تاريخ ابن الدبيثي، كما في المختصر المحتاج إليه ٢٧١/٣ . (٥) قيده المنذري في التكملة، كما قيدناه (٣/ الترجمة ١٩٣٧). ٦١٨ وجدُّه محمد بن أبي الفوارس هو المُلَقَّب بالعُرَيِّسة. تُوفي في سادس شَعْبان(١). ونسبته بالمالكي؛ لأنه كان يذكر أنه من وَلَد مالك بن أنس . ويُقال له: الحَمَامي - بالتخفيف -؛ كان يلعب بها . ٦٩١- محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالبرِّ، أبو عبد الله الخَوْلانيُ الأندلسيُّ. سَمِعَ من أبي القاسم بن بَشْكُوال، وأبي بكر بن خَيْرِ، وأبي القاسم بن غالب؛ وأخذَ عنه القراءات والعربية، ولازمَ ابن بَشْكُوال أعوامًا. وحدَّث. قال الأبار(٢): كان فاضلاً، سُنيًّا، مُعَدَّلاً. توفي سنة عشرين، وقيل: في المحرم سنة إحدى. ٦٩٢ - محمد بن إسماعيل الإحميميُّ الفقيه. وُلد سنة خمسين وخمس مئة. وحدَّث عن السَّلَفي. روى عنه الشِّهاب القُوصي في ((مُعْجمه)) . ٦٩٣- محمد بن الحسن بن أحمد بن يوسف، أبو عبد الله المَغْربيُّ السَّبْتُيُّ التُّجِيبِيُّ. سَمِعَ من أبي القاسم بن حُبيش، وأبي عبدالله بن حميد، وأكثر عن أبي محمد بن عُبيد الله الحَجْري. وكان بارعًا في الشُّروط. سكن إشبيلية، وحَدَّث بها . ٦٩٤- محمد بن سُليمان بن قترمش، أبو منصور السَّمَرْ قنديُّ ثم البغداديُّ حاجبُ الحُجَّاب. كان من أولاد الأمراء، وَلَيَ الحِجَابة الكُبرى سنة خمس عشرة. وكان أديبًا، فاضلاً، أخباريًّا عَلَّمةً، لغويًّا، مُتفنّنًا، مليحَ الكتابة، إلا أنه كان قليلَ الدين لا يعتقد شيئًا؛ قاله ابن النَّجَّار، وقال: حُكيَ لي عنه أنه كان يفطر في رمضان، ولا يُصلِّي، ويرتكب المُحرَّمات، ويذهب مذهب الفلاسفة. كتبتُ (١) كذا قال، والصواب ما ذكره ابن الدبيئي (تاريخه، الورقة ١٩ شهيد علي) والمنذري (٣/ الترجمة ١٩٣٧): ((الخامس أو السادس والعشرين من شعبان)) فكأنه سها عن كلمة ((عشرین)) . (٢) التكملة ٢/ ١٢١ . ٦١٩ عنه من شعره. وعاش سبعًا وسبعين سنة(١). ٦٩٥ - محمد(٢) بن عبدالجليل، الإمام تاج الدين الخُواريُّ الحنفيُّ. له شعرٌ متوسّطْ. روى عنه القُوصيُّ، وقال: كان مُناظرًا، مُتفنّنًا. تُوفي بدمشق . ٦٩٦- محمد بن عُبيدالله بن غياث، أبو عَمرو الجُذاميُّ الشَّريشيُّ الأديبُ الشّاعر . روى عن ابن الجَدِّ، وابن بَشْكُوال. وعاش أربعًا وثمانين سنة. ٦٩٧- محمد بن عُروة، شَرَف الدين المَوْصليُّ، المنسوب إليه مَشْهد ابن عروة من جامع دمشق . وإنَّما نُسبَ إليه لأنه كان مَخْزِنَا فيه آلات تتعلَّق بالجامع، فَعَزَّلهُ، وبَيَّضهُ، وعَملَ له المحراب والخزانتین ووقف فيهما كُتُبًا، وجعله دار حديث. قال أبو المظفر الجَوْزي(٣): كان ابن عُروة مُقيمًا بالقُدس. وكان يداخل المُعَظِّم وأصحابه ويعاملهم، ويؤذي الفُقراء خصوصًا الشيخ عبدالله الأرْمني؛ فإنه انتقل عن القُدس بسببه. فلما خرَّب المُعظّم القُدس انتقل إلى دمشق. ٦٩٨- محمد بن عليّ بن إبراهيم بن خلف، أبو عبدالله الأسديُّ السَّبْتَيُّ، شيخُ القُرَّاء بغرناطة. ظاهرُ الجلالة، بارزُ العدالة، وله الإسناد العالي. وُلد قبل الثلاثين وخمس مئة. وتلا بالسبع على القاسم بن محمد ابن الزَّقَّاق، صاحب منصور ابن الخَيِّر، وتصدّر للإقراء. تلا عليه بالروايات أبو بكر ابن مَسْدي، وأثنى عليه، وقال: مات سنة عشرين . ٦٩٩ - محمد بن عيسى بن محمد بن أصْبغ، الإمام أبو عبدالله ابن المناصف، الأزْديُّ القُرطَبيُّ، نزيلُ إفريقية. (١) تنظر ترجمته في ذيل الروضتين ١٣٥. (٢) كتب المؤلف في هذا الموضع عدة تراجم بوريقة طيارة وبعضها في الحاشية فرتبناها كما يجب، على حروف المعجم، وكذلك فعل بعض النسّاخ. (٣) المرآة ٨/ ٦٣٢. ٦٢٠