النص المفهرس
صفحات 501-520
مُذ خدمتُ الشيخ عبدالله ما رأيته استند إلى شيء، ولا سَعَلَ، ولا تَنَحْنَحَ، ولا بصقَ. وقال الشيخ الفقيه: حضرتُ الشيخ عبدالله مرتين، وسأله ابن خاله حُميد ابن بَرْق، فقال: زوجتي حامل، إنْ جاءت بولد ما أسميه؟ قال: سمِّ الواحد: سُليمان، والآخر: داود، فولدت اثنين توأمًا. وقال له ابنه محمد: امرأتي حامل إن جاءت بولد ما أسميه؟ قال: سَمِّ الأول: عبدالله، والثاني: عبدالرحمن . وعن سعيد المارديني، قال: جاءَ رجالٌ من بَعْلَبك إلى الشَّيْخِ، فقالوا: جاءت الفرنج، قال: فمسك لحيته وقال: هذا الشيخ النَّحس ما قعوده ها هنا؟ فردت الفرنج. وقال أبو المظفر سِبْط ابن الجَوْزي في ترجمة الشيخ عبد الله اليونيني(١): كان صاحب رياضات ومُجاهدات وكرامات وإشارات. لم يقم لأحدٍ تعظيمًا الله؛ وكان يقول: لا ينبغي القيام لغير الله. صحبته مدة، وكان لا يدخر شيئًا، ولا يمس دينارًا ولا دِرْهمًا، وما لبس طول عمره سوى الثوب الخام، وقلنسوة من جلد ماعزٍ تساوي نصف درهم، وفي الشتاء يبعث له بعض أصحابه فروة، فيلبسها، ثم يؤثر بها في البرد. قال لي يومًا ببعَلبَك: يا سيد أنا أبقى أيامًا في هذه الزاوية ما آكلُ شيء، فقلتُ: أنت صاحب القبول كيف تجوع؟ قال: لأنَّ أهل بَعْلَبَك يتكل بعضهم على بعض، فأجوع أنا. فحدثني خادمه عبدالصمد، قال: كان يأخذ ورق اللوز يفركه ويستفه. وكان الأمجد يزوره، فكان الشيخ يهينه ويقول: يا مُجيد أنت تظلم وتفعل، وهو يعتذر إليه. وأظهر العادل قراطيس سودًا، فقال الشيخ: يا مسلمون انظروا إلى هذا الفاعل الصانع يفسد على الناس معاملاتهم. فبلغ العادل ذلك، فأبطلها. سافرتُ إلى العراق سنة أربع وحججتُ، فصعدتُ على عَرَفات، وإذا بالشيخ عبدالله قاعد مستقبل القبلة، فسَلَّمتُ عليه، فرحب بي وسألني عن طريقي، وقعدتُ عنده إلى الغياب، ثم قلتُ: ما نقوم نمضي إلى المُزدلفة؟ فقال: اسبقني؛ فلي رفاق. فأتيتُ مُزدلفة ومنَى، فدخلتُ مسجد الخِيْف فإذا بالشيخ تَوْبة، فَسَلَّم عليَّ، (١) مرآة الزمان ٨/ ٦١٢. ٥٠١ فقلتُ: أين نزلَ الشيخ؟ قال: أيُّما شيخ؟ قلتُ: عبد الله اليُونيني. قال: خلفتُهُ ببعلبك. فقطبتُ وقُلتُ: مبارك. ففهم وقبض على يدي وبكى. وقال: بالله حدثني، أيش معنى هذا؟ قلتُ: رأيتُهُ البارحة على عَرَفات. ثم رجعتُ إلى بغداد، ورجع تَوْبة إلى دمشق، وحَدَّث الشيخ عبدالله ثم حدثني الشيخ توبة، قال: قال لي ما هو صحيح منك، فلان فتى، والفتى لا يكون غمَّازًا. فلما عدتُ إلى الشام عَتَبني الشيخ. وحدثني الجمال يعقوب قاضي البقاع، قال: كنتُ عند الجَسْر الأبيض وإذا بالشيخ عبدالله قد جاء ونزل إلى ثورا، وإذا بنصراني عابر، ومعه بَغْل عليه حِمْل خَمْر فعثرَ البَغل ووقع، فصعد الشيخ، وقال: يا فقيه، تعال. فعاونتُهُ حتى حَمَّلناه، فقلتُ في نفسي: أيش هذا الفعل؟ ثم مشيتُ خلف البَغْل إلى العُقَيْبة فجاء إلى دُكان الخَمَّار، فحل الظرف وقلبه، وإذا به خَل، فقال له الخَمَّار: ويحك هذا خل، فبكى، وقال: والله ما كان إلا خَمْرًا من ساعة، وإنما أنا أعرف العِلة، ثم ربطَ البَغْل في الخان، ورَدَّ إلى الجَبَل، وكان الشَّيخ قد صَلَّى الظُّهَر عند الجَسر في مَسجدٍ، قال: فدخل عليه النَّصراني، وأسلم، وصار فقيرًا. قال أبو المظفر(١): وكان الشيخ شُجاعًا ما يبالي بالرجال قَلُّوا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلاً، وما فاتته غزاة في الشام قطّ، وكان يتمنى الشهادة ويُلْقي نفسه في المهالك. حدثني خادمه عبدالصمد، قال: لما دخل العادل إلى بلاد الفِرَنْج إلى صافيتا قال لي الشيخ ببَعْلَبَك: انزل إلى عبد الله الثقة، فاطلب لي بغلته. قال: فأتيتُهُ بها، فركبها، وخرجتُ معه فبتنا في يونين، وقمنا نصف الليل، فجئنا المُحدثة الفجرَ، فقلت له: لا تتكلم فهذا مكمن الفرنج. فرفع صوته وقال: الله أكبر، فجاوبته الجبال، فيَبستُ من الفَزَع، ونزل فَصَلَّى الفَجْر، وركب، فطلعت الشمس، وإذا قد لاح من ناحية حِصْن الأكراد طلب أبيض، فظنّهم الاسبتار، فقال: الله أكبر، ما أكبرك من يوم، اليوم أمضي إلى صاحبي. وساق إليهم وشهر سيفه، فقلت في نفسي: شيخ وتحته بغلة وبيده سيف يسوق إلى طلب فرنج. فلما كان بعد لحظة وقربوا، إذا هُم بمئة حمير (١) مرآة الزمان ٦١٥/٨. ٥٠٢ وحش، فجئنا إلى حِمْص، فجاءَ الملك المُجاهد أسدُ الدين، وقَدَّم له حصانًا، فركبه، ودخل معهم، وفعل عجائب. وكان الشيخ عبدالله يقول للفقيه محمد: فيّ وفيك نزلت: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ﴾(١) [التوبة ٣٤]. وقال ابن العَدِيم في ((تاريخ حلب)): أخبرني الفقيه محمد اليُونيني أن الشيخ عبدالله كان يصلي بعد العشاء الآخرة وردًا إلى قريب ثلث الليل، فكان ليلة يعاتب (٢) ربه - عز وجل - ويقول: يا رب الناس ما يأتوني إلا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية والرجل الفلاني أن تقضي حاجته، وما قضیتها، فهكذا یکون؟ وکان يتمثل بهذه الأبيات كثيرًا ويبكي: شفيعي إلَيْكُم طُولُ شَوْقِي إِلَيْكُم وكُلُّ كَرِيمٍ للشَّفيعِ قَبُولُ وعُذْري إليكُم أنَّني في هَواكُم أسيرٌ ومأْسُورُ الغرام ذَليلُ فإنْ تقبلوا عُذري فأهلاً ومرحبًا وإن لم تُجيبوا فالمُحبُّ حَمُولُ سأصبرُ لا عَنْكُم ولكن عَلَيْكُمُ عسَى لي إلى ذاك الجَنَابِ وُصُولُ قال الصاحب أبو القاسم: وقد صحبتُهُ ووَهب لي قَميصًا له أزْرَق، وقال لي يومًا ببيت المقدس: يا أبا القاسم، اعشق تفلح! فاستحييت، وذلك في سنة ثلاث وست مئة، ثم بعد مُدَّة سَارَّني بجامع دمشق، وقال: عَشقت بَعْد؟ فقلت لا. قال: شُهْ عليك. واتفق أني تزوجت بعد ذلك بسنة، ومِلْتُ إلى الزوجة مَيْلاً عظيمًا، فما كنتُ أصبر عنها . قال ابن العز عُمر: قرأتُ في ((تاريخ ابن العَديم))، بغير خطه، قال سيدنا العَلَّمة أبو عبدالله محمد بن أبي الحُسين اليُونيني: كنتُ عند الشيخ يومًا فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟ قال: لا، فذهب أحدهما وجلس الآخر، فقال الشيخ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَدًٍ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِ﴾ [الرعد ١٧] ثم قال له: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أيامًا، فقال له الشيخ: تحب أن أُريك قبرك؟ قال: نعم، فأتى به المَقْبرة، فقال: هذا قبرك. فأقام بعد ذلك اثني عشر يومًا أو أربعة عشر يومًا، ثم مات، فدفن في ذلك المكان. وكان له (١) وتمام الحكاية أنه كان يقول: أنا من الرهبان وأنت من الأحبار. (٢) كتب المؤلف في حاشية النسخة قبالتها: ((يناجي)). ٥٠٣ زوجة ولها بنت، فطلبتُ أن يزوجني بها، فتوقفت أمها، وقالت: هذا فقير ماله شيء. فقال: والله إني أرى دارًا قد بُنيت له وفيها ماء جار وابنتك عنده في الإيوان، وله كفاية على الدوام، فقالت: ترى هذا؟ قال لها: نعم. فزوجَتْنيها، ورأت ذلك، وأقامت معي سنين، وذلك سنة محاصرة الملك العادل سنجار. وكانت امرأة بعد موتها تطلب زواجي، وتشفعت بزوجة الشيخ، فلما أكثرت عليَّ، شكوتها إلى الشيخ، فقال: طوِّل روحك يومين، ثلاثة ما تعود تراها. قال: فقدمَ ابن عَمِّها من مصر أميرٌ كبيرٌ بعد أيام، فتزوج بها، وما عدت رأيتها. وكراماته في هذا کثیر. كتب الفقيه تحت هذا الكلام: ((صحيح ذلك، كتبه محمد بن أبي الحُسين اليونيني)). وقال أبو القاسم ابن العَديم: تُوفي في عَشْر ذي الحجة، وهو صائم، وقد جاوز الثمانين. فقال لي الفقيه محمد: كنتُ عند الشيخ، فالتفت إلى داود المؤذن، فقال: وَصِيَّتك بي غدًا. فظَنَّ المؤذن أنه يريد يوم القيامة، وكان ذلك يوم الجُمُعة، وهو صائم، فلما جاء وقت الإفطار قال لجاريته: يا دَرَّاج أجد عطشًا، فسقته ماءَ لينوفر، فباتَ تلك الليلة، وأصبحَ وجلس على حَجَر مَوْضع قُبرَ مُستقبل القبلة، فماتَ وهو جالسٍ، ولم يُعْلَم بموته، حتى حركوه، فوجدوه ميتًا، فجاء ذلك المؤذن، وغَسَّلَهُ، رحمه الله . قلتُ: وله أصحاب كبار، منهم ولده محمد، والشيخ الفقيه، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز، والشيخ عيسى بن أحمد، والشيخ تَوْبة، ومحمد بن سيف؛ وأقدمهم الشيخ عبدالخالق اليُونيني، توفي بيونين في هذه السنة أيضًا؛ وكان صالحًا زاهدًا، كبيرَ القَدْر، صاحب كرامات، وهو عم الشيخ عيسى اليونيني. ٤٥٣- عبدالرحمن بن أحمد بن هَدية، أبو عمر البَغْدادِيُّ الوَرَّاق الدَّار قَزُِّّ. آخر من حدَّث عن الحافظ عبدالوَهَّاب الأنماطي؛ سَمعَ منه في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة. روى عنه الدُّبَيْئِيُّ، والزَّكيُّ البِرْزاليُّ، والضِّياءُ، وجماعةٌ. وكان شيخًا صالحًا. ٥٠٤ تُوفي في السادس والعشرين من ربيع الأول، وقد جاوز التسعين(١). ٤٥٤- عبدالرحيم ابن الحافظ أبي سَعْد عبدالكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبدالجبار، الإمام فَخرُ الدين أبو المُظفَّر ابن السَّمعانيِّ، المَرْوزيُّ الشافعيُّ. وُلد في ذي القَعْدة سنة سبع وثلاثين وخمس مئة. واعتنى به أبوه أتمَّ عناية، ورحلَ به، وسَمَّعهُ الكثير، وأدركَ الإسنادَ العالي، ووقعَ له عاليًا من الكُتُب: ((صحيح البُخاري))، و((سُنن أبي داود))، و((جامع التّرمذي))، و((سُنن النَّسائي))، و((مُسند أبي عَوانة))، و((تاريخ يعقوب الفَسَوي)). وسمع الكُتُب الكبار مثل ((الحِلْية)) لأبي نُعَيم، و((مسند الهَيْثم بن كُلَيب))، وأشياء كثيرة. فسمع من أبي تَمَّام أحمد بن محمد ابن المُختار العباسي التَّاجر، حدَّثه عن أبي جعفر ابن المُسْلمة، ومن الرَّئيس أسْعَد بن عليّ ابن الموفق الهَرَوي، ووجيه الشَّخَامي، وأبي الفُتوح عبد الله بن عليّ الخَرْكُوشي(٢)، والحُسين بن عليّ الشَّحامي، والجُنيد بن محمد القايني، وأبي الوَقْت عبدالأول السِّجْزي، وأبي الأسعد هبة الرحمن القُشيري، وأبي الخير جامع السَّقاء الصُّوفي، ومحمد ابن إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، ومحمد بن منصور الحُرضي، وأبي طاهر محمد بن محمد السِّنْجي الحافظ، وأبي الفتح محمد بن عبدالرحمن الكُشْميهني؛ آخر من روى («البُخاري)) عن ابن أبي عمران، وأبي طالب محمد ابن عبدالرحمن بن محمد الكَنْجرُوذي، ومحمد بن الحسن بن تميم الطائي، ومحمد بن إسماعيل الخُراجي(٣) المَرْوَزي؛ سمع ((البخاري)) من ابن أبي عمران، وأبي الفتح محمد بن عبدالله بن أبي سعد الشَّيرازي الهَروي؛ يروي عن بيبى الهَرْئمية، وأبي سعد محمد بن إسماعيل الشَّاماتي، ومحمد بن عبدالواحد المَغَازلي الأصبهاني، ومحمد بن المُفَضَّل بن سَيَّار الدهان، (١) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٣١ (كيمبرج). (٢) منسوب إلى خركوش سكة بنيسايور. (٣) لم يذكر السمعاني هذه النسبة في ((الأنساب)) ولا استدركها ابن الأثير في ((اللباب))، وذكرها، وذكر المنسوب إليها، المؤلف في المشتبه (١٥٧) وابن ناصر الدين في توضيحه ٣٢٨/٢، ولكن وقع في المطبوع من مشتبه الذهبي بفتح الخاء، والضمة واضحة بخط المؤلف . ٥٠٥ ومحمد بن جامع خَياط الصوف، وأبي عبدالرحمن أحمد بن الحسن الكاتب، وأبي عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن العَصَائدي، والحسن بن محمد السَّنْجَبسْتي(١)، وسعيد(٢) بن عليّ الشُّجاعي، وعبدالله بن محمد ابن الفُراوي، وعبدالملك بن عبدالواحد ابن القُشَيْرِي، وعبدالسلام بن أحمد الهَرَوي بَكْبَرة، وأبي منصور عبدالخالق بن زاهر الشَّحامي، وأبي عَرُوبة عبدالهادي بن عبدالخَلَّق الهَرَوي، وعُمر بن أحمد الصَّفار، وعثمان بن عليّ البيكندي، وخَلْقِ كثير لقيهم بمَرْو، ونَيْسابور، وهَرَاة، وبُخارى، وسَمَرْقند، ونواحي خراسان . وخرَّج له أبوه «مُعجمًا)) في ثمانية عشر جزءًا. وحَجَّ سنة ست وسبعين وخمس مئة. وحَدَّث ببغداد، وعاد إلى مَرْو، وروى الكثير، ورحل النَّاسُ إليه . وسمع منه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي؛ ومات قبله بدهرٍ . وحدَّث عنه الأئمةُ أبو عمرو ابن الصَّلاح، والضياء أبو عبدالله، والزكيُّ البِرْزاليُّ، والمُحبُّ ابن النَّجَّار، والمُحبُّ عبدالعزيز بن هلالة، والشَّرف المُرْسي، وأحمد بن عبدالمحسن الغَرافي، وطائفةٌ سواهم. وسَمعنا بإجازته من الشَّرَف ابن عساكر، والتَّاجِ بن عَصْرون. وآخر من روى عنه بالإجازة زينب بنت عُمر البعلبكية. وكان فقيهًا، مُفتيًا، عارفًا بالمذهب، وله أنس بالحديث؛ خرَّج لنفسه أربعين حديثاً، سمعناها. قال أبو عَمرو ابن الصلاح: قرأتُ عليه في ((أربعين)) أبي البركات الفُراوي حديثاً ادعى فيه كأنه سمعه هو أو شيخه من البُخاري، فقال الشيخ أبو المظفر: ليس لك بعال، لكنه للبُخاري نازل. قلتُ: أعجبني هذا القول من أبي المظفر . وانقطع بموته شيءٌ كثير من المَرْويات. وعُدم في دُخول التتار مَرْو في آخر هذه السنة، أو في أوائل السنة الآتية . (١) منسوب إلى سَنْج بَسْت، منزل بين نيسابور وسرخس. (٢) كتب المؤلف: ((وذكوان بن سَيار الدَّهان)) ثم وضع علامة لحذفها. ٥٠٦ وكان أخوه الصَّدْر الرئيس أبو زيد محمد قد اختصَّ بخدمة السُّلطان محمد بن تكش الخُوارزمي، وتقدَّمَ عنده، ونَقَّذَهُ رسولاً غير مرة إلى بغداد، فوعظ بها، وحَدَّث سنة إحدى وست مئة عن أبي الفتح محمد بن عبدالرحمن الحَمْدُوبي(١) حضورًا، وعن مسعود بن محمد المروزي. روى عنه الحافظ الضياء . قرأتُ في ((تاريخ ابن النَّجَّار)): إن أبا المظفر تُوفي بمَرْو ما بين سنة أربع عشرة أو ست عشرة وست مئة . قال ابن النَّجَّار: سماعاته بخطوط المعروفين صحيحة، فأما ما كان بخطه فلا يُعتمد عليه؛ كان يلحق اسمه في الطِّباق(٢). ٤٥٥- عبدالسَّلام بن الحسن بن عبدالسَّلام بن أحمد، القاضي المرتضى أبو محمد الفِهْريُّ القَيْسرانيُّ ثم المِصْريُّ الكاتب، المعروف بابن الطَّوَيْرِ. سَمِعَ من السِّلَفي في كِبَرَه. وخَدَمَ في دَوْلة بني عُبيد المصريين، ثم خدم في الدواوين في الدَّولة الصَّلاحية. وشَهدَ ستين سنة . وجدُّهُ من أهل العدالة والحديث والتقدُّم، كتبَ عنه الحافظ السِّلَفي. وأما أخوه هبة الله بن الحسن، فيروي عن أبي الحسن ابن الفَراء، روى عنه الحافظ ابن المُفَضَّل، وغيره. وهذا فله شعر، وكتابة حسنة. روى عنه الزكيُّ المنذريُّ(٣)، وغيرُه. وتوفي عن اثنتين وتسعين سنة وسبعة وعشرين يومًا، عن ذهن حاضر وكتابة جيدة، وهو القائل : بِاللهِ ربِّي ثقتي دخَلت عَشْرَ الِمِئَةِ تِسْعُون عامًا كَمَلَت في النِّصف من ذي الحِجَّة ممتعًا بناظري ومسمعي وقوتي وإنني أطمعُ أن تغْفِرَ لي خطيئتي (١) منسوب إلى جده حمدوية، كما في أنساب السمعاني وغيره. (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، كما في المختصر المحتاج إليه ٢٨/٣ - ٢٩. (٣) وترجمه في التكملة ٣/ الترجمة ١٧٢٥ . ٥٠٧ ٤٥٦- عبدالعزيز ابن الأمير القائد أبي عليّ الحُسين بن عبدالعزيز بن هِلالة اللَّخْميُّ الأندلسيُّ، الصالح الحافظ أبو محمد مُحبُّ الدين. وُلد سنة سبع وسبعين وخمس مئة تقريبًا، ورحلَ، فسَمعَ بمكة من زاهر ابن رُسْتُم، وببغداد من أبي أحمد عبدالوهَّاب بن سُكَيْنة، وعُمر بن طَبَرْزَد، والحُسين بن أبي نَصْر بن أبي حَنِيفة، وطائفةٍ. وبواسط من أبي الفَتْح ابن المَنْدائي. وبأصبهان من أسْعد بن سعيد، وعين الشمس، وجماعةٍ. وبخُراسان من المؤيد الطوسي، وأبي رَوْح، وزَيْنب، وأصحاب الفُراوي، وهذه الطبقة. وخطُّه مليح مغربي في غاية الدِّقة. وحدَّث. وكان كثيرَ الأسفار، دَيِّنًا، مُتصوِّنًا، كبيرَ القَدر. قال الحافظ الضياء: تُوفي رفيقُنا وصديقُنا أبو محمد بن هلالة بالبصرة في عاشر رمضان، وما رأينا من أهل المغرب مثله. ودُفن بجنب قبر سَهْل بن عبدالله التُّستري(١). وقال ابن نُقْطة (٢): كان ثقةً، فاضلاً، صاحب حديث وسُنة، كريمَ الأخلاق . وقال مُفَضَّل القُرشي: كان كثير المروءة، غزير الإنسانية. وقال عُمر ابن الحاجب: رأيتُه ولم أسمع منه، وهو من طَبِيرةُ(٣): بُلَيْدة بالأندلس، من كبار أهلها، رأيتُه ولم أسمع منه. قال: وكان كَيِّسَ الأخلاق، محبوبَ الصُّورة، لَيِّنَ الكلام، كريمَ النَّفْس، حلوَ الشمائل، مُحسنًا إلى أهل العلم بماله وجاهه. قيل : إنه أوصى بكتبه للشَّرَف المُرْسي. وممن روى عنه الكمال ابن العديم(٤). قلت: آخر مَن روى عنه السيف عبدالرحمن بن محفوظ الرَّسْعَني المُعَدَّل . (١) يعني: بظاهر المربد. (٢) إكمال الإكمال ٤/ ٦٥. (٣) ذكره ياقوت فيها (٥١٦/٣) وذكر أنه كان صديقه. (٤) ينظر تكملة الصلة لابن الأبار ٩٨/٣. ٥٠٨ ٤٥٧- عبدالعظيم بن أبي البركات عبداللطيف بن أبي نَصْر بنِ محمد بن سَهْل، أبو المكارم الأصبهانيُّ المِلَنْجيُّ الشَّرابيُّ القَزَّاز نزيلُ بغداد . وُلد بمحلة مِلَنْجة من أصبهان سنة خمسين وخمس مئة. وسمع من أبيه، وأبي مسعود عبدالجليل كُوتاه، وأبي الخير محمد بن أحمد الباغبان، ومسعود الثَّقَفي، والرُّسْتُمي، وشاكر الأسواري، ومحمد بن محمود الفارفاني، وجماعة. وحدَّث بأصبهان وبغداد. وسماعه من گُوتاه حُضور. وقد كتبتُ في إجازة أنه من عشيرة سَلمان الفارسي . روى عنه أبو عبدالله الدُّبَيْئيُّ(١)، والزكي البِرْزاليُّ، وجماعةٌ. وآخر من روى عنه بالإجازة زينب بنت کندي. وماتَ في السابع والعشرين من ذي الحجة ببغداد. أخبرتنا زينب الكِنْدية، قالت: أنبأنا عبدالعظيم بن عبداللطيف، أن ضوء النساء بنت عبدالرزاق بن محمد بن سَهْل الشَّرابي، أخبرته، قالت: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا محمد بن عبدالله الهَرَوي، قال: أخبرنا ثابت بن محمد السَّعْدي، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق القرشي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارمي، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن مُغيرة، عن عاصم بن أبي النَّجُود، قال: قالت أم سلمة: (نِعْمَ اليوم يوم ينزل فيه ربُ العِزة إلى سماء الدنيا يوم عَرَفة))(٢). فيه انقطاع. ٤٥٨- عبدالكبير بن محمد بن عيسى بن محمد بن بقي، أبو محمد الغافقيُّ المُرْسيُّ، نزيلُ إشبيلية. روى عن أبيه، وأبي عبدالله بن سَعَادة، وأبي عبدالله بن عبدالرحيم، وجماعةٍ. وأجازَ له أبو الحسن بن هُذيل، وغيرُه. قال الأبار(٣): كان فقيها حافظًا، حسنَ الهَدْي والسَّمْت، مُشاركًا في الحديث، بصيرًا بالشُّروط، مُتقدِّمًا في الفُتيا. وله مُختصر في الحديث، (١) ينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٩١ (باريس ٥٩٢٢). (٢) ذكره صاحب ((كنز العمال)) ٧١/٥، وعزاه للديلمي. (٣) التكملة ٣/ ١٤٤. ٥٠٩ وصَنَّفْ تفسيرًا نحا فيه الجَمْع بين ((تفسير ابن عَطِيةٍ)) و((تفسير الزَّمخشري)). ووَليَ القضاء برُنْدَة، وناب في الحُكْم عن القاضي أبي الوليد بن رُشْد بقُرطبة. وحدَّث، وأخذ الناس عنه. وتُوفي في صَفَر، ومولدُهُ في سنة ست وثلاثين وخمس مئة. ٤٥٩- عبداللطيف ابن قاضي القضاة أبي طالب عليّ بن عليّ بن هبة الله ابن البُخاري، القاضي أبو الفُتوح البَغْداديُّ. وَلَيَ القضاء بالجانب الشَّرْقي جميعه، ووَليَ نَظرَ المَخْزِنِ المَعْمُور. وهو من بيت القضاء والحِشْمة . تُوفي في ربيع الآخر(١). ٤٦٠- عبدالمجيد بن محمد بن محمد بن الحسن بن عليّ، أبو المُفَضَّلِ الرَّبَعِيُّ الكِرْكَنْيُّ الأصلِ الإسكندرانيُّ المالكيُّ العَدْل. قال: إنَّه دخلَ هَمَذَان معَ أبيه، وسمع بها من الحافظ أبي العلاء العَطَّار،. وقد سمع من أبي محمد العثماني. وتفرَّد بالإجازة من القاضي أبي المُظفَّر محمد بن عليّ بن الحُسين الشَّيْباني الطَّبري، وحدَّث بها. وتُوفي في رابع عشر ذي الحجة(٢). ٤٦١- عبدالوَهَّاب بن عبدالله بن هبة الله بن عبدالله بن حسن، أبو الحسن الأزجيُّ القَصَّار الصُّوفيُّ. سمع من أبي محمد ابن المادح، وأبي المعالي عُمر بن عليّ الصَّيْرفي. وتُوفي في رمضان . روى عنه البِرْزاليُّ، والدُّبيثي(٣)، وغيرُهما. ٤٦٢- عليّ بن محمد بن يوسف، أبو الحسن الفَهْميُّ اليابُريُّ (٤) الضَّرير. (١) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٦٣ (باريس ٥٩٢٢). (٢) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٧٧٢ . (٣) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٥٧ - ١٥٨ (باريس ٥٩٢٢). منسوب إلى يابُرة، بلد بالأندلس. وتحرفت النسبة في غاية النهاية لابن الجزري (٤) (٥٧٨/١) إلى: ((اليابوي)). ٥١٠ نشأ بقُرطبة، وأخذَ القراءات سنة ثمان وستين بغَرْناطة عن عبدالمُنعم بن الخلوف. وأخذ القراءات بإشبيلية عن أبي بكر بن خَيْرِ، ونَجَبة بن يحيى؛ وسمع منهم ومن أبي العباس بن مضاء، فأكثرَ عنه. وله إجازة من السِّلَفي، وجماعة . قال الأبار (١): وكان مُحقِّقًا للقراءات، ذكيًّا. أدَّب وَلَد السُّلطان بِمَرَّاكُش، ونال دُنيا عريضةً. وحدث. وتُوفي سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة. ٤٦٣- عليّ بن محمد شاه، الأمير الكبير بهاء الدين، صاحب کرمان. تُوفي بدمشق في ذي الحجة، ودُفن بمقبرة باب الصغير. وعلى قبره أبيات شعر(٢). ٤٦٤- عليّ بن أبي المَجْد المُبارك بن أحمد بن محمد ابن الطَّاهريِّ، الحَريْميُّ، أبو الحسن. سمع من أبي المعالي محمد ابن اللَّخَّاس، وأبي الفَتْح ابن البَطِّ، وجماعةٍ. يُقال: إنَّه من وَلد الأمير طاهر بن الحُسين الخُزاعي. تُوفي في ربيع الآخر (٣). ٤٦٥- عليّ(٤) بن مسعود بن هيَّاب، أبو الحسن الواسطيُّ المُقرىء الجَمَاجِميُّ. كان يَعْملِ الجَمَاجم . قرأ القراءات على هبة الله بن قَسام الواسطي، وجماعة. وأقرأ. وكان يحفظ المشهور والشواذ. وتُوفي في جمادى الأولى بواسط . (١) التكملة ٢٣٠/٣. من تاريخ ابن الجزري، كما في المختار ١٠٦ . (٢) من تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٦٣ (كيمبرج). (٤) تقدمت له ترجمته في وفيات السنة الفائتة، مثل هذه، فتكرر على المؤلف (رقم ٣٩٥) (٣) وانظر تعليقنا هناك. وذكره في هذه السنة هو الصحيح، وفيها وَرَّخه الزكي المنذري، فقال في وفيات هذه السنة: ((وفي ليلة السادس من جمادى الأولى توفي الشيخ أبو الحسن عليّ بن مسعود بن هَياب الواسطي المقرىء الجماجمي بواسط)) (التكملة ٣/ الترجمة ١٧٣٨). ٥١١ قال ابن نُقْطة (١): قرأتُ عليه، وكان مُتساهلاً في الأخذ جدًا. ٤٦٦- عليّ بن مسعود بن أحمد ابن المُقرىء، الحاجب الجليل أبو القاسم البغداديُّ. سمع من عبدالملك بن إلكيا الهَرَّاسي، وحدَّث، ومات في جُمادى الآخرة(٢). ٤٦٧- عليّ بن أبي بكر بن عليّ بن سُرور، الإمام الفقيه مَجْد الدين أبو الحسن المقدسيُّ الجَمَّاعيليُّ الحنبليُّ. سمع من ابن كَليب، ورحلَ إلى أصبهان، فسَمِعَ من جماعة . روى عنه الضياء المقدسي، وقال: كان إمامًا، دَيِّنًا، فقيهًا، حَصَّل الفقه والحديث. وكان كثيرَ الاجتهاد في نَفْع الناس من الإقراء والإشغال بالفقه والحديث. وتُوفي في ثامن عشر رجب(٣). ٤٦٨- عُمر بن الحسن بن المُبارك، أبو القاسم ابن البَوَّاب، أمينُ القُضاة بالحریم(٤) وما يليه . سمع من أبي عليّ أحمد ابن الرَّحَبي، ودَهْبل بن كاره، وجماعةٍ . وحدَّث . ٤٦٩- فاطمة بنت الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد الهَمَذَاني العَطَّارِ. سَمِعت من نَصْر بن المُظفَّر البَرْمكي، ومن أبيها. روى عنها الضياء المَقْدسي، وغيرُه. وأجازت لشيوخنا. وتُوفيت في الخامس والعشرين من ذي الحجة بهَمَذَان(٥) . ٤٧٠- فَريدُون بن كَشْوارة، الأجل الأمير الدُّونيُّ(٦). (١) إكمال الإكمال ٣٦٣/٢. (٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٦٧ (كيمبرج)، وتنظر تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٧٤٨ . تنظر تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٧٥٢ . (٣) (٤) يعني : الحريم الطاهري ببغداد. (٥) تنظر تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٧٧٣ . (٦) هكذا بخط المؤلف، وما نظنه أصاب في ذلك؛ نعم توجد قرية يقال لها (دُون)) من أعمال دينور، لكن هذا الرجل منسوب إلى ((دُوين)) بلدة من نواحي أران، قيده جمال الدين أبو = ٥١٢ تُوفي بمصر، وحدَّث عن أبي طاهر السِّلَفي، وماتَ في ربيع الآخر. ٤٧١- القاسم بن الحُسين بن أحمد، أبو الفَضْل الخُوارزميُّ النَّحويُّ. من كبار أئمة العَرَبية، صَنَّ شَرْحًا ((للمُفَصَّل)) في نحو ثلاث مُجلَّدات، وغير ذلك. قتلته التتار بخُوارزم فيمن قتلوا في ثاني عشر ربيع الأول شهيدًا، رحمه الله (١). ٤٧٢- قَتَادة، صاحبُ مَكَّة، الشَّريف أبو عزيز ابن الأمير الشَّريف أبي مالك إدريس بن مُطاعن بن عبدالكريم بن عيسى بن حُسين بن سُليمان ابن عليّ بن عبدالله بن محمد بن موسى بن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب الهاشميُّ العلويُّ الحَسنيُّ. يُقال: إنَّه بلغ التسعين سنة، وُلد بوادي ينبع، وبه نشأ. ووَليَ إمرة مكة مدَّة . قال الحافظ عبدالعظيم(٢): رأيتُهُ يطوف، ويدعو بتضرُّع وخُشوع كثير. وكان مَهيبًا، قويَّ النَّفْس، مِقْدامًا، فاضلاً، وله شعر. وقَدِمَ مصر غير مرة. أملى عليّ نَسَبَه أخوه الشَّريف عيسى؛ فذكر ما تَقَدَّم. وقال أبو شامة(٣): كان قتادة شيخًا مَهيبًا، طوالاً، وما كان يلتفتُ إلى حامد محمد بن علي المحمودي المعروف بابن الصابوني المتوفى سنة ٦٨٠ في كتابه = ((تكملة إكمال الإكمال)) الذي استدرك فيه على كتاب ابن نقطة (ص: ١٤٠). وهذه النسبة قيدها ياقوت بفتح الدال وكسر الواو (٦٣٢/٢)، ولكن المنذري قيدها بضم الدال المهملة وكسر الواو (التكملة ٣/ الترجمة ٢٠٩٢) وهو تقييد أبي سعد السمعاني في ((الأنساب)) وابن الأثير في ((اللباب)). أما الذهبي فقد وجدناها بخطه بضم الدال مرة، وبفتحها أخرى، لكنه قيدها بالضم في المشتبه (٢٩١) وتابعه العلامة ابن ناصر الدين في توضيحه ٥٩/٤ ولم يعترض عليه، بله تقييده لها بالحروف. ومع أن الذهبي لم يذكر فريدون بن كشوارة هذا في المشتبه، لكن ابن ناصر الدين استدركه عليه (وانظر التعليق على التكملة ٣/ الترجمة ١٧٣١، ٢٠٩٨، ٢٣٥٣). (١) تأتي بعد هذا ترجمة القاسم بن عبدالله بن عمر الصفار النيسابوري، وقد طلب المؤلف تأخير ترجمته لى سنة ٦١٨، فأخرناها، فراجعها هناك (الترجمة ٥٥٥). (٢) التكملة ٣ / الترجمة ١٧٤٩. (٣) ذيل الروضتين ١٢٣ . تاريخ الإسلام ١٣ / م ٣٣ ٥١٣ أحد؛ لا خليفة ولا غيره. وكان تُحمل إليه من بغداد الخِلَع والذَّهَب. وكان يقول: أنا أحق بالخلافة من الناصر لدين الله. وكان في زمانه يؤذن بالحَرَم بـ ((حيَّ على خَيْرِ العَمَل)) على مذهب الزَّيدية؛ وقد كتب إليه الخليفة يقول: أنت ابن العمِّ والصاحب، وقد بلغني شهامتك وحفظك للحَجيج، وعَدْلُك، وشَرَفُ نفسك، ونزاهتك، وأنا أُحب أن أراك وأُحسن إليك. فكتب إلى الناصر لدين الله : ولي كفُّ ضِرغام أدُل(١) ببطشها وأشْري بها بَيْنَ الوَرَى وأبيعُ وفي بَطْنها(٢) للمُجدبينَ رَبيعُ وكُلُّ مُلُوكِ الأرضِ تَلْتُمُ ظَهْرِها خلاصًا لها إنِّي إذَا لَرَقيعُ أجعلُها تحتَ الرَّحَى ثم أبتغي وما أنا إلا المِسْكُ في كلِّ بُقعةٍ يضُوعِ وأمَّا عِنْدكم فَيَضيعُ تُوفي بمكة في جمادى الأولى. وقال المُنذري(٣): تُوفي في أواخر جمادى الآخرة(٤). وقال ابن واصل(٥): وثب ابنه حسن بن قتادة على عَمِّه فقتله، فتألَّم قَتَادة، وغضب على ابنه وتهدَّده فدخل حسن مكة وقصد دار أبيه فدخل، فلما رآه أبوه - وهو شيخ كبير متمرض - شتمه وتهدده، فوثب على أبيه؛ فخنقه لوقته، ثم خرج وقال: قد اشتد مرض أبي، وقد أمركم أن تحلفوا لي؛ فحلفوا له وتأمر. ثم طلب أخاه من قلعة ينبع، فلما حضر قتله أيضًا، فلم يمهله الله . وكان ظالمًا، جبارًا، عسافًا . ٤٧٣- قيصر بن مظفر بن يلدرك، أبو محمد البغداديُّ. أديبٍ فاضلٌ، أخباريٌّ مليحُ الخطّ. صَحِبَ أبا الفوارس سَعْد بن محمد خَيْص بَيْص، وانقطعَ إليه، وسَمعَ منه الكثير . تُوفي في جُمادى الأُولى، وله ثمان وثمانون سنة(٦). في ذيل الروضتين: ((أذل)). (١) (٢) في ذيل الروضتين: ((وسطها)). (٣) التكملة ٣/ الترجمة ١٧٤٩. أما ابن الأثير في ((الكامل)) وابن واصل في ((مفرج الكروب)) فذكرا وفاته سنة ٦١٨ . (٤) (٥) مفرج الكروب ٤/ ١٢٢ - ١٢٣. (٦) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ١٧٤٥ . ٥١٤ ٤٧٤- محمد بن أحمد بن سُليمان، أبو عبدالله الزُّهْريُّ الأندلسيُّ الإشبيليُّ. رحلَ، وحَجَّ، وسَمعَ ببغداد من ابن كُليب، وذاكر بن كامل، ويحيى بن بَوْش، وعبدالخالق ابن الصَّابوني، وطبقتهم. ورحل إلى أصبهان، فكتبَ بها عن أصحاب أبي عليّ الحَداد. ثم سافرَ إلى الكرج واستوطنها، وحَدَّث بها وباربل. وكان عارفًا بالأدب، فاضلاً، نحويًّا. صَنَّف شَرْحًا لكتاب ((الإيضاح)). و له شعر حسن. قال الزكيُّ المنذريُ(١): تُوفي بِبُروجرد شهيدًا بيد التتر، في رجب. ٤٧٥- محمد بن أحمد بن حَسَّان القَصَّار. سَمِعَ من مسعود بن عبدالواحد بن الحُصين، والمبارك بن المبارك بن نَصْرِ السَّرَّاج. روى عنه ابن النَّجَّار. وكان صالحًا. ٤٧٦- محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالعزيز، أبو جعفر الرَّازيُّ الفقيه العلاَّمة الحَنفيُّ، نزيلُ المَوْصل. دَرَّس، وأفْتى، وتَفَنَّنَ في العُلوم، وله شِعر جَيِّد، وصنَّف في المَذْهب. وكان كبيرَ القَدْر. تُوفي في رجب(٢). ٤٧٧- محمد بن إسماعيل بن عليّ بن حَمْزة المُوسوي، الشَّريف أبو بكر الهَرَويُّ. سمع من جدِّه عليّ، وغيره. ووُلد سنة ثمان وعشرين. روى عنه الضياء، وغيرُه. وكان حيًا في هذه السنة . وأخبرنا ابن عساكر، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل إجازةً، قال: أخبرنا جدِّي - فذكر حديثاً . ٤٧٨- محمد بن تكش بن إيل أرسلان بن آتْسز بن محمد بن نوشتکین، الشُّلطان علاء الدین خوارزم شاه. (١) التكملة ٣/ الترجمة ١٧٥٤. (٢) تقدم ذكره في سنة ٦١٥ (الترجمة ٣٢٣). ٥١٥ قد ذكرنا قِطْعةً من أخباره في الحوادث. أبادَ مُلوك العالم، ودانت له الممالك واستولى على الأقاليم. قال ابن واصل(١): نَسَبُ علاء الدين ينتهي إلى إيلتكين أحد مماليك السُّلْطان ألب أرسلان بن جغر بيك السُّلجوقي . قال الإمام عز الدين ابن الأثير (٢): كان صَبُورًا على الشَّعب وإدمان السَّيْرِ، غير مُتَنَعِّم ولا مُقْبل على اللذات؛ إنما نَهْمتُه في المُلك وتدبيره، وحِفْظِهِ، وحِفْظ رعيته. قال: وكان فاضلاً، عالمًا بالفقه والأصول، وغيرهما. وكان مُكرمًا للعلماء مُحبًّا لهم، مُحْسنًا إليهم، يحبُّ مناظرتهم بين يديه. ويُعظّم أهل الدين ويتبرَّك بهم. فحَكَى لي بعضُ خَدَم حُجرة النَّبي وال﴿ لما عاد من خُراسان، قال: وصلتُ إلى خُوارزم ودخلتُ الحَمام، ثم قصدتُ بابَ السُّلطان، فلما أُدخلتُ عليه أجلسَني بعد أن قام لي، ومشى واعتنقني، وقال لي: أنت تخدم حُجرة النبي مَّ؟ قلتُ: نعم. فأخذ بيدي وأمَرَّها على وجهه، وسألني عن حالنا وعَيشنا، وصفة المدينة ومقدارها، وأطالَ الحديثَ معي، فلما عزمتُ، قال: لولا أنَّنا على عزم السفر الساعة لما وَدَّعتك، وإنَّا نريد أن نعبرَ جَيحون إلى الخَطا، وهذا طريقٌ مُبارك حيث رأينا من يخدُم الخُجرة الشَّريفة. ثم وَدَّعني وأرسل إليَّ جملة من النَّفَقة. وقال أبو المُظفَّر ابن الجَوْزي(٣): إنه تُوفي سنة خمس عشرة، فغلط، وقال: كان قد أفنى ملوك خُراسان، وما وراء النهر، وقتل صاحب سَمَرْقند، وأخْلَى البلاد من الملوك؛ واستقلَّ بها، فكان ذلك سببًا لهلاكه. ولما نزل هَمَذَان، كاتَبَ الوزيرُ مؤيدُ الدين محمد ابن القُمِّ نائبُ الوزارة الإمامية عن الخليفة عساكرَ خُوارزم شاه، ووَعَدهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخَطا على قتله، وبَعَثَ القُمِّيُّ إليهم بالأموال والخيول سِرًا، فكان ذلك سببًا لوهنه؛ وعَلِمَ بذلك، فسارٍ من هَمَذَان إلى خُراسان ونزل مَرْو، فصادف في طريقه الخيول والهدايا والكُتب إلى الخطا، وكان معه منهم سبعون ألفًا، فلم يمكنه الرجوع (١) مفرج الكروب ٤/ ٣٤ - ٣٥. (٢) الكامل ٣٧١/١٢ - ٣٧٢. (٣) مرآة الزمان ٨/ ٥٩٨ فما بعد. ٥١٦ الفساد عسكره. وكان خاله من أُمراء الخَطا، وقد حَلَّفُوه أن لا يُطلع خُوارزم شاه على ما دبروا عليه، فجاء إليه في الليل، وكتب في يده صورة الحال، ووقف بإزاءه، فنظر إلى السطور وفهمها، وهو يقول: خذ لنفسك، فالساعة تُقتل فقامَ وخرجَ من تحت ذَيْل الخَيْمة؛ ومعه ولداه جلال الدين والآخر، فركب، وسار بهما، ثم دخل الخَطا والعساكر إلى خيمته، فلم يجدوه، فنهبوا الخزائن والخيول، فيُقال: إنَّه كان في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار وألف حِمْل قماش أطلس وغيره. وكانت خيله عشرين ألف فرس وبَغْل، وله عشرة آلاف مملوك. فهرب وركب في مَرْكب صغير إلى جزيرة فيها قَلْعة ليتحَصَّن بها، فأدركه الأجل، فدُفن على ساحل البحر، وهرب ولداه، وتفرقت الممالك بعده، وأخذت التتار البلاد. قلتُ: وكانت سَلْطنة علاء الدين محمد بن تكش في سنة ست وتسعين وخمس مئة عند موت والده السلطان علاء الدین تكش . قال المُوفَّق عبداللطيف: كان تِكِش أعْوَرَ قميتًا كثيرَ اللَّعِب بالمَلاهي، استُدعي من الدِّيوان العزيز لدفع أذى طُغْرِيل السُّلْجُوقي صاحب هَمَذان، فقَتَلَ طُغريل وسَيَّر برأسه، وتقدَّمَ بطلب حُقوق السَّلْطَنة، فتحركت أُمةُ الخَطا إلى بلاده، أو حُرِّكَت، فألجأته الضَّرورة أن يرجع - يعني إلى خُوارزم -. وتولَّى بعده الأمر ولداه، فكان ابنه محمدٌ شُجاعًا، شَهْمًا، مِغْوارًا، مِقْدامًا، سعد الوُجْهَة، غَزَّاءً، لا ينشف له لبد، ويقطع المسافات الشَّاسعة في زمان لا يتوهم العدوُّ أنَّه يقطعها في أضعافه. وكان هَجَّامًا، فاتكًا، غَدَّارًا، فأول ما فتك بأخيه، فأُحْضرَ رأسُهُ إليه وهو على الطعام، فلم يكترث. وكان قليلَ النَّوم، كثيرَ اليقظة، طويلَ النَّصَب، قصيرَ الراحة. يَخْدم في الغارات أصحابهُ، ويهجعون وهو يحرسهم. وثيابه وعدة فرسه لا تبلغ دينارًا. لَذَّتُه في نَصَبه، وراحتُه في تَعَبه، كثير الغنائم والأنفال، سريع التفريق لها والإنفاق. وكان له معرفة ومُشاركة للعُلماء، وصَحِبَ الفخرَ الرَّازي قبل المُلك، فلما تملَّك رَعَى له ذلك، فَوَسَّع عليه الدُّنيا وبسطَ يده. لكن هذا المَلِك أفْسدَ رأيه العُجْبُ والتِّيهُ والثَّقَةُ بالسَّلامة، وأوجب له ذلك أن يستبدَّ برأيه، وينكب عن ذكر العواقب جانبًا، واستهان بالأعداء، ونسي عواقب الزمان؛ فمن عُجبهِ كان يقول: ((محمد ينصر دين محمد)) ثم قطع خُطبة بني العباس من مملكته، وتركَ ٥١٧ غزو الكُفَّار، وأخذَ يتصدَّى لعداوة قِبْلة الإسلام وقَلْب الشريعة بغداد، وعزمَ على قصد تفليس ليجعلها سريرَ مُلْكه، ويحكم منها على بلاد الرُّوم والأرْمَن والقَفْجق(١)، وسائر بلاد العرب والعَجَم؛ فأفسد الأمور بإساءة التَّدبير، وقَتَلَ نفسَهُ بشدة حِرْصهِ وحَرَكتهِ قبل وَقْته، وأرادَ أن يتشبه بالإسكندر، وأين الأعمى من المُبصر؟ وأين الولي من رجل تُركي؟ فإن الإسكندر مع فَضْلِهِ وعَدْلهِ وإظهاره كلمة التَّوحيد؛ كان في صُحبته ثلاث مئة حكيم، يسمع منهم ويطيع، وكان مُعلِّمه أرسطو طاليس نائبه على بلاده، ولا يحل ولا يعقد إلا بمشورته ومُراسلته في استخراج رأيه . كذا قال الموفق: وأخطأ في هذا كغيره، فليس إسكندر صاحب أرسطو طاليس هو الذي قَصَّ اللهُ سبحانه قصته في القرآن، فالذي في القرآن رجل مؤمن، وأما الآخر فمُشرك يعبدُ الوَثَن؛ واسمه إسكندر بن فلبس المقدوني، على دين الحُكَماء - لا رَعاهم الله - ولم يملك الدُّنيا ولا طافَها؛ بل هو من جُملة ملوك اليُونان. ثم قال المُوفَّق: وقد عُلِمَ بالتجربة والقياس أنَّ كُلَّ مَلكٍ لا يكون قَصْده إقامة الحَقِّ وبسط العدل والعمارة فهو وشيك الزوال؛ فأول ما صنع هذا أنه ظاهَرَ أُمَّةَ الخَطا، فنازلهم بأُمة التتر حتى استأصلهم، ولم يُبق منهم إلا من دخل تحت طاعته، وصار من عسكره، واستخدم سبعة أمراء من أخواله وجعلهم من قلب عسكره وخواصه. ثم انتقل إلى أمة التتر فمحقَهُم بالسَّيف ولم يبقَ منهم إلا مستسلم في زمرته. وكانت بلاد ما وراء النهر في طاعة الخَطا، وملوك بُخارى وسَمَرقند وغيرهما يؤدون الأتاوة إلى الخَطا، والخَطا يبسطون فيهم العَدْل. وكانت هذه الأمم سدًا بين تُرك الصين وبيننا، ففتح هذا المَلِكُ بقِلَّة معرفته هذا السَّدَّ الوثيق. ثم أفسدَ تلك الممالك والأمصار، وأتى على إخراب البلاد وإفساد القلوب، وإيداعها أصناف الإحَنِ والعداوات، وظَنَّ أنه لم يُبْق فيهم من يقاومه، فانتقل إلى خُراسان وسِجِستان وكرمان ثم العراق وأذربيجان، وطمعَ في الشام ومصر، وحَدَّثته نَفْسُهُ بجميع أقطار الأرض. وكان ذلك سهلاً عليه قد يَسَّرَه الله له لو ساعَدهُ التوفيق بحُسن التدبير وأصالة (١) ويقال: ((القفجاق)) أيضًا. ٥١٨ الرأي والرفق وعدم العَسف. وكان يستحضر التجار ويكشف منهم أخبار الممالك النائية وفي بعض الليالي قال لي ابن أبي يَعْلى وزير الملك الظاهر غازي: إن السُّلطانَ الليلةَ مَهْمومٌ؛ لما اتصَلَ به من أخبار خُوارزم شاه وطمعه في الشام. فقلتُ له: هذا سعادة للسُّلْطان ولك ولي. قال: وكيف؟ قلتُ: هذا مَلكٌ واسع الدائرة لا يقدر أن يقيم بالشام، وغَرَضُه القَهر والاستيلاء، وسُلطانُنا فيه ملق وحُسن توذُّد ومُداراةٍ، فإذا قرب لاطَفَهُ وأتحفَهُ، فإذا استولى على ممالك الشام لم يجد من يستنيبُهُ عليها سواه. قال: وكيف عرفتَ هذا؟ قلتُ: من التجار. فلما أصبح قَصَّ عليه ما جرى فَسُري عنه، وأمَرَ أن يُحقق ذلك، فاستدعى بتاجر خبير بغدادي، وحادثَهُ، فزعَمَ أنه حاضَرَهُ وبايَعَهُ، وذكَرَ من أحوالِهِ أنه يبقى أربعة أيام أو نحوها على ظهر فَرسهِ ولا ينزل، وإنما ينتقل من فرس إلى فرس، ويتضمر، ويطوي البلاد. وأنه رُبما أتى البلدَ الذي يقصده في نفرٍ يسير فيهجُمُه ثم يُصَبحُهُ من عسكره عشرة آلاف ويمسيه عشرون ألفًا، وفي كثير من الأوقات يأتي المدد، وقد قضى الحاجة بنفسه. وفي كثير من الأوقات يبعث البعوث ويأتي أخيرًا وقد قُضيت الحاجة أولاً. وربما هَجَم البلد في نفر دون المئة فيقضي حاجته. ورُبما قَتَل مَلِكَ ذلك البلد أو أسره ثم تتدفق جُموعه. وقال: إن سرجه ولجامه لا تبلغ قيمتها دانقًا، ولا تبلغ قيمة ثيابه دانقين. وحَكَى أنه في بعض غاراتِهِ نزل بأصحابه آخر الليل وكانوا نحو سبعين فارسًا، فأمرهم بالهجعة، وأخذ خيلهم يسيِّرُها بعدما استقى من بئر وسقى الجميع، فلما عَلِمَ أنهم قد أخذوا من النَّوم بنصيبِ أيقظَ بعضَهُم وأمرهم بالحراسة، ثم هجع يسيرًا ونهض ونهضوا كالعفاريت وهجموا على المدينة، وقَتَلَ مَلِكَها. وسألني الوزير عنه مرة أُخرى، فقلتُ: لا يمكنه أن يدخل الشام؛ لأنه إن أتى بجَمْع قليلٍ لم ينل غرضًا مع شجاعة أهل الشام والفلّحون يكفونه، وإن أتى بجَمْع كَثِير لم تحمله الشام؛ لأنَّ خيلهم تأكل الحشيش، ولا حشيش بالشام، وأما الشَّعير ففي كل مدينة كفاية دوابها. ثم أخذتُ أحسب معه ما في حَلَب من الدواب فبلغت مع التكثير خمسين ألفًا، فإذا ورد سبع مئة ألف فرس، أخذوا عَلِيق شهر في يوم أو يومين ثم إنهم ليس لهم صناعة في الحرب سوى المهاجمة. وأخذهم البلاد إنما هو بالرُّعب والهَيْبة لا بالعَدْل والمَحَبة، وهذه الحال لا تنفع مع شجاعة أهل الشام. وعُقيب موت المَلِك الظاهر ٥١٩ غازي، وصلَ رسوله إلى حلب، فاحتفل الناس، وخرجت الدولة للقائه، وإذا به رجلٌ صوفيٍّ، وخلفه صوفيٌّ قد رفع عكازًا على رأسه، ومعه اثنان من عسكره، ورسول صاحب إرْبل، فصعد القلعة، وقال بحضرة الأمراء: سُلطان السلاطين يسلم عليكم، ويعتبُ إذْ لم تهنئوه بفتح العراق وأذربيجان، وإن عَدَدَ عسكره قد بلغ سبع مئة ألف؛ فأحْسنُوا المَعْذرة بأن قالوا: نحن في حُزْن بموت مَلِكنا وضعف في نفوسنا وإذا بسطنا فنحن عَبِيدُه. وكان كلامه وشكله يشهد بقلة عَقْل مُرْسله. ثم توجّه إلى المَلِك العادل بدمشق، فقال: سُلطان السَّلاطين يُسلِّم عليك، وقال: تصل الخدمة، فقد ارتضيناك أن تكون مُقَدَّم الركاب. فقال: السَّمْعُ والطاعة؛ ولكن لنا شيخ هو كبيرنا نشاوره، فإذا أمر حضرنا، قال: ومن هو؟ قال: أمير المؤمنين. فانصرف، والناس يهزؤون منه . قال: وسَمِعنا أنه جعلَ عز الدين كِيكاوُس صاحب الروم أميرَ عَلَم له، والخلیفة خطيبًا، وکل ملك جعل له خدمة! وأما المُلوك الذين كانوا بحضرته، فكان يذلهم ويهينهم أصنافًا من الإهانات؛ فكان إذا ضُربَ له النَّوْبة يجعل طُبولِ الذَّهب في أعناق الملوك وهم قيام يضربون، وهذا يدل على اغتراره بدُنياه وقِلَّة ثِقَتهِ بالله تعالى. ثم إنه وصل هَمَذَان وأصبهان، وبَثَّ عساكره إلى حُلوان وتُخوم إرْبل، وواصلَهُ مظفَّرُ الدين بالمؤن والأزواد، وخافه أهلُ بغداد؛ فجمعوا وحشدوا واستعدوا للحصار واللقاء جميعًا، ثم إن الله أجراهم على جميل عادته في أن يدافع عنهم؛ وذلك أنه اختلت عليه بلاد ما وراء النهر، فرجع على عقبيه، وقهقر، لا يدري ما خلفه مما بين يديه. وأيضًا فإنه لما وصل حُلوان نزلَ عليهم ثَلْج ونوء عظيم. فقال بعض خواصه: هذا من كرامات بيت النبوة. ولما أبادَ أُمَّتي الخَطا والتَّتر وهم أصحاب الجَنْد وتُركستان وتَنْكُت ظهرت أُمم أُخر يسمون التَّتر أيضًا، وهم صنفان: صنف يسكنون طَمْغاج وما يليها، ويسمون الإيوانية، وصنف يسكنون مما يلي الهند وصين الصِّين بجبلٍ يُسمَّى سنك سُلاخ وفيه خرق إلى الهند، ومنه دخلَ السُّلطان محمد هذا إلى ٥٢٠