النص المفهرس

صفحات 441-460

الفرج ابن الجَوْزي. وله تصنيفٌ في التصوُّف، حَدَّث به. ذكره محمد بن
سعيد الطَّرَّاز، وضعفه. وقال فيه أبو القاسم بن فَرْقد: عبداللطيف الهاشمي
الَّرْسي، سمع ((صحيح)) البخاري على أبي الوَقْت، وله تواليف في التصوف.
وقرأتُ عليه ((عوالي)) النَّقِيب - يعني طِرَاد بن محمد - بإشبيلية عام خمس
عشرة .
قلتُ: وسمع منه الحافظ أبو بكر بن مَسْدي، وقال: مات سنة ثلاث
وعشرين وست مئة .
٣٠٣- عبداللطيف بن يحيى بن عليّ بن خَطَّاب، أبو منصور
الدِّيْنَوريُّ ثم البغداديُّ ابن الخِيمي .
سمع مِن أبيه، وعمِّه أبي شجاعٍ محمد، وأبي الوَقْت السِّجْزي، وأبي
الفَتْحِ ابن البَطِّ، وجماعةٍ. وحَدَّث. وتُوفي في شوَّال(١).
٣٠٤- عبدالواحد بن محمود، أبو الفَتْح ابن صَعْترة، البَغْداديُّ
البيع.
وُلد سنة ثلاثين. وسمع من ابن البَطِّي، وأبي زُرْعة. وحَدَّث. ومات في
ذي الحجة(٢) .
٣٠٥- عبد الوَهَّاب بن مُظفَّر بن أحمد، أبو الغنائم البَغْداديُّ.
حَدَّث عن أبي المُظفَّر هبة الله بن عبدالله بن أحمد ابن السَّمَرْقندي. وكان
يتقلَّبُ في الخِدَم الدِّيوانية .
وعاش بضعًا وثمانين سنة، ومات في ربيع الأول(٣).
٣٠٦- عبدالوَهَّاب بن المُنَجَّى بن بركات بن المُؤَمَّل، أبو محمد
التَّنُوخِيُّ المَعَرِّيُّ ثم الدِّمشقيُّ، أخو القاضي أبي المعالي أسعد.
روى عن نَصْر بن أحمد بن مُقاتل. روى عنه الفَخْر عليّ، وغيرُه،
وبالإجازة عُمر ابن القَوَّاس. وتُوفي في رابع عشر جُمادى الأولى، ولم
يُعْقب (٤).
(١) من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٦٢٨.
(٢) نفسه ٢ / الترجمة ١٦٤٣.
(٣) نفسه ٢ / الترجمة ١٥٨٣.
(٤) تنظر تكملة المنذري ٢ / الترجمة ١٥٩٣.
٤٤١

٣٠٧- عبد الوَهَّاب بن أبي الفَهْم بن أبي القاسم السُّلَميُّ الكَفر طابيُّ
ثم الدمشقيُّ العَطّار، أبو محمد، ويُعرف بابن مُلُوك.
حَدَّث عن أبي القاسم ابن عساكر. ووُلد سنة خمسين وخمس مئة. وذكر
أنه رحل، وسَمعَ من السِّلَفي.
مات في شعبان(١).
٣٠٨- عُبيد الله بن المُبارك بن الحسن بن طِرَاد الأزجيُّ، ابنُ
القابِلَة .
حَدَّث عن يحيى بن ثابت، وغیرِه(٢).
٣٠٩- عليّ بن إسماعيل بن الطَّوَيْر، أبو الحسن المِصْريُّ الكاتب.
خَدَم طي بن شاور الأمير، وكتبَ الإنشاءَ لبهاء الدين قَراقُوش، وعُمِّر
مئة سنة. وله شعرٌ، ومعرفةٌ بالتواريخ والآداب.
مات في صفر.
٣١٠- عليّ بن رَوْح بن أحمد بن حسن، القاضي أبو الحسن
النَّهروانيُّ الفقيه الشافعيُّ، المعروف بابن الغُبَيْري(٣).
وُلد سنة بضع وثلاثين. وتفقَّه على الإمام أبي النَّجيب السُّهْرَ وردي. وقرأ
العربية على أبي الحسن عليّ ابن العَصار. وسمع من أبي النَّجيب، وخديجة
بنت النَّهرواني.
وكان فاضلاً، دَيًَّا، قويّ العربية، ثقةً.
روى عنه الدُّبَيثيُّ، وقال(٤): مات في رمضان.
٣١١- عليّ بن عبدالله بن عليّ بن مُفَرِّج، أبو الحسنِ القُرشيُّ الأُمَويُّ
النابُلُسيُّ ثم المِصْريُّ المالكيُّ العَطّار، المعروفُ بابن النَّطَّاعِ.
وُلد سنة تسع وعشرين وخمس مئة. وسمعَ من عبدالرحمن بن الحُسين
ابن الجَبَّاب، وأحمد بن عبدالله بن الخُطَيئة، وأبي بكر محمد بن عبدالملك
(١) من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٦٠٩.
(٢) نفسه ٢ / الترجمة ١٦٤٦.
(٣) قيده المنذري، فقال: ((بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر
الحروف وبعدها راء مهملة وياء النسب)) (التكملة ٢ / الترجمة ١٦٢٥).
(٤) تاريخه، الورقة ١٤١ (كيمبرج).
٤٤٢

النَّحوي، وأبي الوليد محمد بن عبدالله بن خيرة، وعبدالمُنعم بن مَوْهوب
الواعظ، وغيرهم.
وهو والد الحافظ رشيد الدين. روى عنه ابنه، والزكيُّ المنذريُّ،
وجماعةٌ .
قال المنذري(١): تُوفي في الثاني والعشرين من شؤَّال. وكان شيخًا
صالحًا مُتحرِّيًا، مُتَيقُّظًا؛ حَسنَ الأداء، يمسك أصله مع كِبَرِ سِنِّه بيده، وينظر
فيه مع القارىء عليه. وكان مواظبًا على الجماعات، كثيرَ التَّسبيح، طارحًا
للتكلف، مُقبلاً على ما يَعْنیه، رحمه الله.
·- عليّ بن عبدالله الوَهْرانيُّ، أبو بكر النَّحويُّ. يأتي بكنيته(٢).
٣١٢- عليّ بن عبدالكريم بن الحسن بن حفاظ، نور الدَّوْلة أبو
الحسن العامريُّ الدِّمشقيُّ البَيِّع، المعروف بابن الكُوَيس .
سمعَ من أبي طاهر إبراهيم بن الحسن الحِصْني، وأبي القاسم ابن
عساكر. وحَدَّث. ومات في ذي القَعْدة. روى عنه القُوصيُّ، ومحمد بن محمد
ابن مناقب العَلَويُّ المنقذيُّ(٣).
٣١٣- عليّ بن نَصْر بن هارون، أبو الحسن الحِلَّيُّ المُقرىءُ
النَّحويُّ.
قرأ الأدب على أبي محمد ابن الخَشَّاب، والكمال عبدالرحمن الأنباري،
وعليّ ابن العَصَّارِ. وسمع من أبي المُظفَّر محمد بن أحمد التُّريكي، ومحمود
فُوْرجة، وابن البَطِّي. ووعَظَ.
ووُلد في حدود سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة. روى عنه الدُّبَيثيُّ (٤).
ومات في حادي عشر شوَّال.
٣١٤- عليٌّ بن المُبارك بن عبدالواحد الأزجيُّ الصَّائغ.
روى عن سعيد ابن البنَّاء.
(١) التكملة ٢ / الترجمة ١٦٣٢ .
(٢) الترجمة ٣٤١.
(٣) تنظر تكملة المنذري ٢ / الترجمة ١٦٣٤.
(٤) وترجمه في تاريخه، الورقة ٩٦ (شهيد علي).
٤٤٣

روى عنه الدُّبَيْئيُّ، وقال(١): هو من بيت رياسة. تُوفي في ذي الحجة.
٣١٥- عُمر بن عبدالعزيز بن حسن بن عليّ بن محمد بن يحيى بن
عليّ القُرشيُّ، الفقيه أبو الخطاب الدمشقيُّ الشافعيُّ.
وَلَيَ قضاءَ حِمْص مُدَّةً، ثم استعفى، وردَّ إلى دمشق، ودَرَّسَ بالمدرسة
التي على المَيْدان، وتُعرف(٢).
ومات قبل الكُهولة. وقد سمعَ من الخُشُوعي، وجماعةٍ. وهو والد
المُعين المُحَدِّث.
تُوفي في ثامن عشر جُمادى الآخرة.
٣١٦- عُمر بن أبي العز بن عُمر، أبو حَفْص الحَرْبيُّ، المعروف
بابن البَحْريّ(٣) .
حدَّث عن أبي الوَقْت، وابن البطيِّ. ومات في ذي القَعْدة(٤).
٣١٧- عُمر بن أبي القاسم بن بُنْدار، أبو حَفص التِّبْريزيُّ الكاتب.
سمع من محمد بن أسعد العَطَّاري، وتَصَوَّفَ، وأكْثَرَ الأسفار، وحَدَّث.
وماتَ ببغداد (٥) .
٣١٨- عيسى ابن العَلَّمة موفَّق الدين عبدالله بن أحمد بن محمد بن
قُدامة المَقْدسيُّ الحنبليُّ الصَّالحيُّ، مَجْدُ الدين أبو المَجْد، والد الحافظ
سیف الدین أحمد.
وُلد سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، في أولها. وسمع من يحيى الثَّقَفي،
وغيرِه، وبمصر من إسماعيل بن ياسين، والبُوصيري، وببغداد من ابن
الجَوْزي، وابن المَعْطوش، وجماعةٍ من أصحاب ابن الخُصَين.
قال الضياء: وكان فقيهًا، إمامًا، خَطيبًا، عَفيفًا، مُتَورِّعًا، محبوبًا إلى
(١) انظر المختصر المحتاج ١٤٢/٣.
(٢) تركها المؤلف بياضًا ليعود إليها، فلم يعد، وأصل النص منقول من تكملة المنذري الذي
لم يعين اسمها إذ قال: ((ودَرَّس بدمشق في المدرسة التي على الميدان إلى أن مات)).
(التكملة ٢ / الترجمة ١٥٩٩).
(٣) قيده ابن نقطة في إكمال الإكمال ٣٦٦/١، وابن ناصر الدين في توضيحه ٣٩٠/١.
(٤) من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٦٣٣.
(٥) نفسه ٢ / الترجمة ١٦٣٨.
٤٤٤

الناس، ذا بَشاشةٍ وحُسنِ خُلُقٍ. وكان مليحَ الكتابة. خطبَ مُدَّةً بالجامع
المُظَفَّري، وسَعَى في مَصَالحِهِ. وكان لا يتناول من وَقْفهِ إلا شيئًا يسيرًا.
سمعتُهُ يقول: إذا مضيتُ في حاجة من أمر الجامع ربما اشتريتُ لي شيئًا آكل،
حَسب .
قلتُ: روى عنه والده، والحافظ الضياء، والشمس محمد ابن الكمال.
وآخر من روى عنه بنته عائشة، شيختُنا .
وتُوفي في خامس جُمادى الآخرة(١).
٣١٩ - غُبَيَس بن مُقْبل بن غُبَيَس - بغين معجمة(٢) - أبو الفَضْل
البَغْداديُ الضَّرير المُقرىء.
سمع من شُهْدة، وأبي الحسن البطائحي، وقرأ عليه القرآن، وامتنعَ من
الرواية. ومات في ذي الحجة.
٣٢٠- فِتيان بن عليّ بن فِتيان، الأديب الكبير شهاب الدين
الشَّاغُوريُّ الدِّمشقيُّ الشاعر المشهور.
حَدَّث عن أبي القاسم ابن عساكر. روى عنه الشِّهاب القُوصيُّ، والتَّقي
اليَلْدانيُّ، وغيرُهما. وروى لنا عنه عُمر بن عبدالمُنعم القَوَّاس بالإجازة منه.
وكان حَنفيًّا، أذَّب بعض أولاد الملوك. وله ديوان شعر(٣)، فمنه:
أنا بالغِزْلانِ وبالغَزَلِ عن عَذْلِ العَاذلِ في شُغُلٍ
ما تَفْعلُ بيضُ الهِنْدِ بِنَا ما تَفْعلهُ سُودُ المُقَلِ
بأبي، وسنانُ كحيلُ الطر ف أغنُّ، غنيٌّ عن كُحُلٍ
يَمْشي فيكادُ يقدُّ الخصر لدقتهِ ثِقَلُ الكَفَلِ
يا جائرُ حينَ عَليَّ وَليْ هلا أَصْبَحْتَ عَلَيَّ وَلي
وله هذه القصيدة الطَّنانة :
(١) تنظر تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٥٩٥.
(٢) مضمومة والباء الموحدة المفتوحة والياء الساكنة وبعدها سين مهملة؛ قيده المنذري
(التكملة ٢ / الترجمة ١٦٤٠)، وتصحف في ((المشتبه)) إلى ((غنيس)) - بالنون - من الطبع
(ص: ٤٤٠) وهو المعتمد في التصحيح، فتأمل!
(٣) طبع ديوانه بدمشق سنة ١٩٦٧ .
٤٤٥

في عُنفُوانِ الصِّبا مَا كُنْتُ بالغَزْلِ فَكَيفَ أصْبُو وسِنِّي سِنُّ مُكتهِلٍ
بَيَاضُه في سوادِ الفاحِمِ الزَّجلِ
كأنَّني بِمشي وَهو مُشْتَعلٌ
من يَهَو يهو إلى قَعْرِ الهَوَان عمّى شتَّانَ بَيْنَ شَجِ عَانٍ وبَيْنَ خَلِي
وخيرُ مَا نِلْتَ من دُنياك مُقْتبسًا علْمٌ ولكن إذاً ما زينَ بالعَمَلِ
واهًا لمُسْتَيقظ من نَوْمِ غَفلته لفَهْمِ آدابِ أهلِ الأعْصُر الأُوَلِ
قالوا امْتَدح عُظماءَ النَّاسِ قُّلت لهم خوف الزنابيرِ يُثنيني عن العَسَل
إلى أن قال:
سودٍ ومشي كأعطافِ القَنا الدُّبُل
يا رُبَّ بيضٍ سَلَلْنَ البيضَ من حَدَقٍ
هيفُ الخُصُورِ نَقِيَّاتُ الثُّغور أثيـ ـثاتُ الشُّعوِّرِ هَجَرْنَ الكُحْلَ للكَحَلِ
مثلُ الشموس انجلى عنها الغَمامُ إذا غازَلْننا من وَرَاءِ الشُّجفِ والكِلَلِ
منها :
وما تَركتُ مَقالَ الشعر عن خَوَرٍ ولا انتجاعَ كرامِ النَّاسِ من كَسَلٍ
لكن أروني كريمًا في الزَّمانِ وما شئْتُم من المَدْحِ فاستملُوه من قِبَلي
لا تَأْسَفَنَّ على ما لم تنلْهُ من الـ ـدنيا فَلَيْسَ يُنَّالُ الرِّزقُ بالحِيَلِ
وهي نَيِّف وتسعون بيتًا، وقد مَدَحَ ملوكًا، وأكابر .
تُوفي في المُحرم بالشَّاغور(١).
٣٢١- كيكاوس بن كيخسرو بن قلج رسلان، السُّلْطان المَلِك
الغالب عِزُّ الدين صاحب الرُّوم: قونية، ومَلَطية، وأَقْصَرا، وأخو السُّلْطَان
علاء الدین کَیْقُباد.
قال أبو المُظفَّر ابن الجَوْزي(٢): كان جَبَّارًا، ظالمًا، سَفَّاكًا للدماء. وكان
لما عاد إلى بَلَده من كَسْرَة المَلِك الأشرف له بحلب، عند مجيئه ليأخذ حلب؛
إذ مات سُلْطانها المَلِك الظاهر، اتهم جماعةً من أُمراء دولته أنهم قَصَّروا في
القتال، وكذا كان، فسَلَقَ بعضهم في القُدُور، وجعلَ آخرين في بيت
وأحْرَقَهُم. فأخَذهُ الله بغتةً، فمات فُجاءة وهو سكران. وقيل: بل ابتُلي في بدنه
فَتَقَطَّع. وكان أخوه كَيْقُباذ محبوسًا، وقد هَمَّ بقَتْله، فبادروا وأخرجوه
(١) تنظر ترجمته في التكملة للمنذري ٢ / الترجمة ١٥٧٨.
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٥٩٨ .
٤٤٦

وسَلْطنوه. وكان موته في شؤَّال. وقيل(١): هو الذي أطمعَ الفِرَنْج في دمياط .
قال ابن واصل(٢): قَصَدَ كِيكاوُس حلب، وقالوا له: المصلحة أنك
تستعين في أخذها بالمَلِك الأفضل ابن السُّلْطان صلاح الدين، صاحب
سُمَيْساط، فإنَّه في طاعتك، ويخطب لك، والناس تميلُ إليه. فاستدعاهُ من
سُمَيْساط، فَقَدِمَ عليه، فبالَغَ في إكرامه، وتقرَّرَ بينهما أن ما يَفْتحانه من حلب
ومن أعمالها يكون للأفضل، وتكون السِّكَّة فيه والخُطبة لكِيكاوُس، ثم
يقصدون بلاد حَرَّان والرُّها، وغيرَها، ويكون ذلك لكِيكاوُس، وتحالفا على
ذلك. وسارا فمَلَكا قَلْعة رَعْبان، وسَلَّمها للأفضل، ومال الناس حيئنذ إلى
كِيكاوُس لمَيْله إلى الأفضلِ، ثم سارا إلى تلِّ باشِر وبها ابن دلدرم(٣)، فنازلوه
إلى أن أخذوها، ولم يُسلِّمها كِيكاوُس للأفضل، فنَفَرَ منه، وخاف أن يعامله
كذلك في حلب، ونفرَ أيضًا منه أهل الناحية. واستصرخ الأتابك طُغْرِيل
بالأشرف، فنجد الحلبيين، ومعه عَرَب طَيِّىء. وكاتَبَ كِيكاوُسِ أُمراءَ حلب
واستمالهم. فعَسْكرَ الاشرف بظاهر حلب، وخرج إلى خِدْمته الأُمراء، فخَلَعَ
عليهم. وقَدِمَ عليه أمير العرب مانع في جمع كبير. ثم سار كِيكاوُس فأخذ
مَنْبِج صُلْحًا، ثم وقعت العرب على مقدمة كِيكاوُس فكسلاتهم، واستبيحت
أموال الروميين، وقُتلَ منهم جماعة، وأسر طائفة. فلما سمع بذلك كيكاوس
طار عقله وانهزمَ، وتبعهُ الأشرف يتخطف أطرافَ عَسْكره، ثم أحاطَ بتلِّ باشر
وأخذها من نواب كِيكاوُس وأطلقهم ثم أخذ رَعْبان أيضًا، ورَدَّ الجميع إلى ابن
أخيه الملك العزيز الصبي.
وكان هلاك كِيكاوُس بالخوانيق بعد هزيمته بقليل (٤).
٣٢٢- محمد بن إبراهيم الخطيب، أبو عبدالله الغَسانيُّ الحَمَويُّ،
ويعرف بابن الجاموس، الشافعيُّ.
تفقَّه بحَماة، وحَدَّث بالبيت المُقَدَّس بـ ((المقامات)) عن أبي بكر ابن
النَّقُور عن الحَريري. ووَليَ خطابة الجامع العتيق بمصر، والتَّدْريس بمشهد
(١) لم نجد ((وقيل)) عند سبط ابن الجوزي، فالذي فيه بصيغة الجزم.
(٢)
مفرج الكروب ٢٦٣/٣ فما بعد .
(٣) هو فتح الدین ابن بدر الدین دلدرم.
(٤) وسيعيده المؤلف في وفيات سنة ٦١٦ (الترجمة ٤٠٠).
٤٤٧

الحُسين مُدة. وكان من أكابر الشافعية. لَقَبُه شهاب الدين.
وتُوفي في العشر الأوسط (١) من ربيع الأول، وقد شاخَ(٢).
٣٢٣- محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالعزيز، العلاَّمة أبو جعفر
الرَّازيُّ الحَنْفَيُّ، شيخ الحنفية ومُدرِّسهم بالمَوْصل.
مات بالمَوْصل. وكان من كبار الأئمة، صاحبَ فنون. وله مُصَنَّف في
المَذْهب .
تُوفي في رجب(٣).
٣٢٤- محمد بن إسماعيل بن حَمْدان، أبو بكر الحِيْزانيُ(٤)، نزيل
بَلَد الجزيرة.
كان فقيهًا شافعيًّا، أديبًا، شاعرًا. امتدح السُّلْطان المَلِك الناصر صلاح
الدين، وهو على المَوْصل، فأجازه بثلاث مئة دينار وفرسِ وخِلْعةٍ. ووَليّ
قضاء القُدْس، ثم عادَ إلى الجزيرة؛ وصار مُحْتسبها.
٣٢٥- محمد بن إلياس بن عبدالرحمن ابن الشَّيْرَجيٍّ، أبو بكر
الأنصاريُّ الدِّمشقيُّ المُعَدَّل.
حَدَّث بالإجازة عن السَّلَفي(٥) .
·- محمد بن أيوب، أبو بكر المَلِك العادل. إنما يُعرف بكنيته
فأخَّرته(٦).
٣٢٦- محمد بن الحُسين بن أحمد بن عليّ بن محمد ابن
الدَّامَغانيّ، أبو عبدالله.
نابَ في القضاء عن أخيه قاضي القضاة أبي القاسم عبد الله. ومات في
(١) هكذا قال، ولا يصح لغة، والصواب: ((العشر الوُسط)) (وراجع تفاصيل ذلك عند الفيومي
في المصباح المنير).
(٢) من تكملة المنذري ٢ / الترجمة ١٥٨٨.
وسيعيده المؤلف في وفيات سنة ٦١٧ / الترجمة ٤٧٦ .
(٣)
(٤)
منسوب إلی حیزان من دار بکر .
(٥) من تكملة المنذري ٢ / الترجمة ١٦٠٥.
(٦) سيأتي، برقم (٣٤٠).
٤٤٨

شعبان قبل أخيه بثلاثة أشهر، ببغداد(١).
٣٢٧- محمد (٢) بن عُلُوان بن مُهاجر بن عليّ بن مُهاجر، الإمام
شَرَفُ الدين أبو المُظفَّرِ المَوْصليُّ الشافعيُّ .
وُلد سنة إحدى وأربعين وخمس مئة. وتفقَّه ببغداد بالنِّظامية على العَلَّمة
أبي المحاسن يوسف بن بُنْدار. وسمعَ الحديث من جماعةٍ، منهم الحُسين بن
المُؤَمَّل، ومحمد بن عليّ بن ياسر الجَيَّانِيُّ. وتفقَّه بالمَوصل على الفقيه أبي
البَرَكات عبدالله بن الخَضِر ابن الشِّيرَجي حتى بَرَع.
ودَرَّسَ بالمدرسة التي أنشأها أبوه عُلْوان. ودَرَّس بمدارسَ أُخرَ. وله
((تَعْليقةٌ)) في الفقه. وحَدَّث عن الحُسين بن محمد بن سُلَيم المَوْصلي .
ومات بالمَوْصل، في ثالث المحرَّم. وهو من بيت حِشْمة، وثَرْوة.
روى عنه الزكيُّ الْبِرْزالي، والتقي اليَلْداني، وبالإجازة الشهاب
القُوصي(٣) .
٣٢٨- محمد بن عليّ بن محمد بن عبدالملك، أبو بكر اللَّخْمئُّ
الإشبيليُّ، المعروفُ بابن المُرْخِي.
أخذ عن أبيه أبي الحَكَم، وغيرِه.
قال الأبار (٤): كان كاتبًا، أديبًا، بليغًا، حافظًا، ناظمًا، ناثرًا. وله ((كتاب
في الخَيْل))، وكتاب ((حِلْية الأدب(٥) في اختصار المصنف الغريب)). وكان أبوه
وجَدُّه من الكُتَّاب.
٣٢٩- محمد بن محمد بن محمد بن عِمْروك، الشريف الصالح
فَخْرِ الدين أبو الفُتوح القُرشيُّ التَّيْمِيُّ البكريُّ النَّيَّسابوريُّ الصُوفِيُّ.
وُلد في أول سنة ثمان عشرة وخمس مئة، بنَيْسابور. ولو سمع على مقدار
عُمُره لكان مُسْند عَصْره، ولكنه سمع في كِبَره من أبي الأسعد هبة الرحمن
القُشَيري. وسمعَ ببغدادَ من الحُسين بن نَصْر بن خَمِيس، وبالإسكندرية مع ابنه
(١) من التكملة ٢ / الترجمة ١٦١٥.
(٢) سيعيده المؤلف في المتوفين على التقريب في آخر الطبقة (الترجمة ٧١٥).
(٣)
ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٩٤ (شهيد علي).
(٤) التكملة ٢ / ١١٢.
(٥) هكذا بخط الذهبي، وفي تكملة الأبار: ((الأديب)) وهو الصحيح الموافق للسجعة.
تاريخ الإسلام ١٣ / م٢٩
٤٤٩

محمد من السِّلَفي. ولَقِيَ جماعةً من الصوفية.
وحَدَّث بمكة، ومصر، والشام، وبغدادَ. وجاورَ مُدَّة، وتُوفي هو ورفيقه
أبو عبدالله محمد بن عبدالغَفَّار الهَمَذَانيُّ الصوفي المعروف بالمُكبس، وقد
سمعَ معه من السِّلَفي، ووُلد بهَمَذَان سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة.
روى عن أبي الفُتوح أبو الحَجَّاج يوسف بن خليل، وأبو عبدالله
البِرْزاليُّ، وأبو محمد المُنذريُّ، وحفيدُه الصَّدْر أبو عليّ، والبرهان إبراهيم ابن
الدَّرجي، والشيخ شمس الدين عبدالرحمن، والفَخْر عليّ، والشِّهاب
القُّوصي، والشمس ابن الكمال، وآخرون.
تُوفيا في حادي عشر جمادى الآخرة.
وله (١) ثمان وتسعون سنة.
٣٣٠- محمد بن محمد بن محمد، وقيل: اسمه أحمد، أبو حامد
الفقيه السَّمَرْقنديُّ الحَنَفَيُّ، العلاَّمة ركن الدين العَميديُّ، صاحب
((الجُسْت)) والطريقة.
كان بارعًا في الجُسْت والخلاف. اشتغل على الرَّضي النَّيْسابوري، وكان
أحدَ الأربعة الذين برزوا على الرَّضي؛ هو، والركن الطاووسي، والركن زادا،
وآخر لَقَبُه الركن(٢).
وصَنَّفَ العَميدي طريقتَهُ المشهورة، وصَنَّف ((الإرشاد)) واعتنى بشَرْحِهِ
جماعةٌ، منهم قاضي دمشق شمس الدين أحمد الخُوَبي، وأوحد الدين الدُّوني
قاضي مَنْبج، ونَجْم الدين ابن المِرَندي، وبَدْر الدين المراغي الطويل. وصَنَّ
العَميدي أشياءَ أُخر. واشتغل عليه خَلْقٌ، منهم نظام الدين أحمد ابن العَلَّمة
جمال الدين محمود الحصيري.
وكان كثيرَ التَّواضع، طَيِّبَ المُعاشرة، حَسنَ الأخلاق. تُوفي في جُمادى
الآخرة، ببخاری.
(١) يعني: فخر الدين أبا الفتوح. وكان ينبغي على المؤلف فصل الكلام، وإنما جاء ذلك من
متابعة المنذري في التكملة (٢ / الترجمة ١٥٩٧).
(٢) ذكر الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٧٦/٢٢ أنه نسي اسمه .
٤٥٠

وليس عِلْمُه مما يُرْشد إلى الله والدَّار الآخرة، ولا هو من عُدَّة القَبْرِ، فالله
المستعان (١)!
٣٣١- محمد بن أبي جعفر محمد بن عبدالواحد بن محمد بن عليّ
ابن الصَّبَّاغ، أبو غالب البغداديُّ المُعَذَّل.
وُلد في حدود الأربعين وخمس مئة. وسمع من القاضي أبي الفَضْل
الأُرْموي، وابن الزَّاغوني، وأبي الوَقْت. وهو من بيت القضاء والرواية، حَدَّث
من بيته جماعةٌ. وروى عنه الدُّبَيْئي(٢). ومات في شعبان.
وقد اغترَّ بقول قاضي العراق محمد بن جعفر العباسي، ووضع خَطَّهُ في
كتاب مُزَوَّر، كُتبَ عليه ((عُورضَ بأصله))، ولم يكن له أصل، وكتب قبله أحمد
ابنٍ أحمد البَنْدَنيجي المُحَدِّث فاطمأن إليه، فلما ظهرَ الحال عُزلَ القاضي،
وشَهرَ هذان ببغداد على جَمَلين. نسأل الله العافية!
٣٣٢- محمد بن نِزار البَغْداديُّ القَصْريُّ، أبو بكر، المعروف بابن
أبي البير .
قرأ القرآن على سَعْد الله بن نَصْر ابن الدَّجاجي. وسمعَ من أحمد ابن
المُقَرَّب. وحَدَّث؛ روى عنه ابن النَّجَّار(٣).
٣٣٣- مسعود، الشُّلْطانِ المَلِك القاهر عِزُّ الدين أبو الفَتْح بن
أرسلان شاه بن مسعود بن مَوْدود بن زنكي، صاحب المَوْصل.
وُلد سنة تسعين وخمس مئة. ووَليَ السَّلْطنة بعد أبيه سنة سبع وست
مئة .
قال الحافظ عبدالعظيم (٤): كان مَوْصوفًا بالحِلْم والكَرَم والعَدْل وأوصى
بالمُلْك إلى ولده نور الدين أرْسَلان شاه.
وقيل: إنه مات في ربيع الآخر(٥) مسمومًا. وعاش خمسًا وعشرين سنة.
(١) هذا من نظرة الذهبي إلى المشتغلين بغير العلوم الدينية ومستلزماتها من العلوم الأخرى.
(٢) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٣٣ (باريس ٥٩٢١).
(٣)
ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٥٤ (باريس ٥٩٢١).
(٤) التكملة ٢ / الترجمة ١٥٩٠.
(٥) جزم المنذري بوفاته في سحر السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر.
٤٥١

قال أبو شامة(١): بَلَغني أن لؤلؤًا - يعني بدر الدين صاحب المَوْصل -
سَقَى القاهر، قال: ثم أدخل ابنه محمودًا - يعني أرْسَلان شاه - بعد ذلك
حَمَّامًا، وأغلقه عليه، فتَلِفَ. وكان من المِلاح.
وقال ابن الأثير(٢): كانت ولاية القاهر سبع سنين وتسعة أشهر. وكان
سببُ موته أنه أخذته حُمَّى، ثم فارقته الغد، وبَقِيَ يومين مَوْعوكًا، ثم عاودته
الحُمَّى مع قيءٍ كثيرٍ، وكَرْبٍ شديدٍ، وقَلَقٍ مُتتابع. ثم برد بدنه وعرق، وبقي
كذلك إلى وسط الليل، ثم تُوفي. وكان حليمًا، كريمًا، قليلَ الطَّمَع، كافًّا عن
الأذى، مُقْبلاً على لذاته. وكان محبوبًا إلى رعيته، فأُصيبوا بموته، وعَظُمَ
عليهم فَقْدُه. أوصى بالمُلْك إلى ولده نور الدين أرْسَلان شاه، وله عشر سنين،
والمُدبِّر لدولته بدر الدين لؤلؤ، فضبطَ المملكة له مع صِغَرِ السُّلْطان، وكثرة
الطامعين؛ فإنه كان في البلد أعمام أبيه. ولكنه كان لا يزال مريضًا بعدة
أمراض؛ فمات بعد قليل من السنة. فرتَّبَ بدر الدين لؤلؤ أخاه ناصر الدين،
صبيٌّ له ثلاث سنين، صورةً.
٣٣٤- مسعود الحَبشيُّ الفَرَّاش، مَوْلى المُستنجد بالله يوسف ابن
المُقْتَفي.
سَمِعَ من أبي المعالي الباجسرائي، وأبي الخير عبدالرحيم بن موسى
الأصبهاني. وحَدَّث. ومات في ربيع الأول(٣).
٣٣٥- مُظْفَّر بن أبي محمد بن أبي البركات بن غَيْلان، أبو الفَتْح
الأَزَجِيُّ الطَّخَّان.
سَمِعَ من أبي الفضل الأُرمْوي وحَدَّث؛ روى عنه البِرْزاليُّ، والدُّبَيْنِي (٤).
ومات في شعبان، وقد قاربَ الثمانين.
قال ابن النَّجَّار: سَمعَ الکثیر، وکان لا بأسَ به.
٣٣٦- نجاح الشَّرابِيُّ، الأمير نَجْم الدَّوْلة، مَوْلى الناصر لدين الله.
كان كبيرَ القَدْر مُعَظَّمًا، مُلازمًا لأمير المؤمنين الناصر، لا يكاد يغيب
(١) ذيل الروضتين ١١٤ .
(٢) الكامل ١٢/ ٣٣٣ فما بعدها.
(٣) من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٥٨٥.
(٤) وترجمه في تاريخه، كما في المختصر المحتاج إليه ٣/ ١٩٤ .
٤٥٢

عنه، ويعتمد عليه، وهو الكُل. وكان دَيِّنَا، سَمْحًا، جَوادًا، عاقلاً، رئيسًا،
يحبُّ المساكين ويؤثرهم، ويأخذُ للضعيف من القوي. وكان يُسَمَّى سَلمان دار
الخلافة. وكان أسمرَ اللون.
وقال المُنذريُّ(١): هو أبو اليُمن، ولَقَبُه العِزُّ. تُوفي في رابع رمضان.
وقال غيره: حَزنَ عليه الخليفةُ حُزنًا عظيمًا، وتَصَدَّقَ عنه من ماله بعشرة
آلاف دينار. وكانت له جنازة مشهودة، كان بين يديها ألف شاة، ومئة بقرة،
ومئة حمل خبز، ومئة قوصرة تَمْر، وعشرون حمل ماء ورد. ومماليكه يضجون
بالبكاء. صلَّى عليه الخليفة تحت التاج.
٣٣٧- نَجْم بن أبي الليث أرْسلان بن عليّ بن غُرْلو التُّركيُّ الأصلِ
الحَنفيُّ، نَجْم الدين الواعظ، المعروف بابن الفَصِيحِ.
سمع من السِّلَفي، وحَدَّث(٢).
٣٣٨- هبة الله بن عبدالله، أبو الفوارس الواسطيُّ، عُرف بابن
شباب.
حَدَّث بواسط عن أبي المحاسن عبدالرزاق بن إسماعيل القُومساني،
وابن عَمِّه المطهر بن عبدالكريم. وتُوفي في رَجَب، بباكُسَايا(٣).
٣٣٩- يوسف بن مسعود بن بركة، أبو المحاسن الشَّيبانيُّ الشاعر
الشِّيعيُّ، والد الشهاب التَّلَغْفَري الشاعر.
وُلد سنة ستين وخمس مئة. وله مدائح في أهل البيت، ومن شعره:
مَن مُجيري من ظبيةٍ ذاتِ دَلِّ تَتَّى غُصْنَا وتَرْنو غَزَالاً
ذاتِ شكلٍ لَوْ كُوِّنَ الحُسِنُ ثَوْبًا وارتدَته لما استزادَتْ كَمَالاً
٣٤٠- أبو بكر السُّلْطانِ المَلِك العادل، سيفُ الدُّنيا والدين، ابن
الأمير نَجْم الدين أيوب بن شاذي بن يعقوب بن مَرْوان الدُّوينيُّ ثم التكريتيُّ
ثم الدِّمشقيُّ.
وُلد بَبَعْلَبَك في سنة أربع وثلاثين، إذ أبوه نائبٌ عليها للأتابك زنكي والد
(١) التكملة ٢ / الترجمة ١٦٢٠.
(٢) من التكملة للمنذري ٢ / الترجمة ١٥٨٧ .
(٣) نفسه ٢ / الترجمة ١٦٠٦.
٤٥٣

نور الدين محمود. وهو أصغر من أخيه السلطان صلاح الدين بسنتين. وقيل:
مولدُهُ سنة ثمان وثلاثين. وقيل: وُلد في أول سنة أربعين.
قال أبو شامة (١): تُوفي المَلِك العادل، سيف الدين أبو بكر محمد بن
أيوب، وهو بكنيته أشهر، وولده بيَعْلَبَك، وعاش ستّا وسبعين سنة. ونشأ في
خِدْمته نور الدين مع أبيه، وإخوته. وحَضَر مع أخيه صلاح الدين فتوحاته.
وقامَ أحسن قيام في الهُدنة مع الإنكليز مَلِك الفِرَنْج بعد أخذهم عَكًّا. وكان
صلاح الدين يُعَوِّل عليه كثيرًا، واستنابه بمصر مدة، ثم أعطاه حلب، ثم أخذها
منه لولده الظاهر، وأعطاه الكَرَك ◌ِوَضَها، ثم حرَّان.
وقال غيره: كان أقعدَ الملوك بالمُلْك، ومَلَك من بلاد الكُرج إلى قريب
هَمَذان، والشام، والجزيرة، ومصر، والحجاز، واليَمَن، إلى حضرموت. وقد
أبطل كثيرًا من الظُّلْم والمُكْوس.
وقال أبو المُظفَّر سبط ابن الجَوْزي(٢): امتدَّ مُلْكه من الكُرج إلى هَمَذان،
والجزيرة، والشام ومصر، واليَمَن. وكان خَليقًا بالمُلْك، حَسنَ التَّدبير، حَليمًا
صَفُوحًا، مُجاهدًا، عَفيفًا، دَيِّنًا، مُتصدِّقًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر
طَهَّرَ جميع ولايته من الخُمور والخواطىء والمُكُوس والمَظالم. كذا قال أبو
المظفَّر والعهدة في هذه المُجازفة عليه.
قال: وكان الحاصل من جهة ذلك بدمشق خصوصًا مئة ألف دينار،
فأبطل الجميع لله، وأعانه على ذلك وإليه المُعْتمد. وفعلَ في غلاء مصر عُقيب
موت العزيز ما لم يفعلهُ غيره. كان يخرج بالليل ومعه الأموال فيفرِّقها،
ولولاه لمات الناس كلهم. وكَفَّى في تلك السنة ثلاث مئة ألف نفس من
الغُرباء.
قلتُ: هذا خسفُ من لا يتقي الله فيما يقوله!
قال ابن خَلِّكان(٣): ولما مَلَكَ صلاح الدين حلب في صفر سنة تسع
وسبعين، أعطاها للعادل، فانتقل إليها في رمضان، ثم نزل عنها في سنة اثنتين
(١) ذيل الروضتين ١١١ .
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٥٩٤ - ٥٩٥.
(٣) وفيات الأعيان ٥/ ٧٥ - ٧٨ بتصرف واختصار.
٤٥٤

وثمانين للمَلِك الظاهر، فأعطاه صلاح الدين الكَرَك. وقضاياه مشهورة مع
الأفضل والعزيز. وآخر الأمر استقل بمملكة الديار المصرية. ودخل القاهرة
في ربيع الآخر سنة ست وتسعين، ومَلَكَ معها البلاد الشامية والشرقية، وصَفَت
له الدُّنيا. ثم مَلَكَ الْيَمَن سنة اثنتي عشرة وست مئة، وسَيَّر إليها ولدَ ولدِهِ
المَلِك المسعود صلاح الدين يوسف المنعوت بأقسيس ابن الكامل. وكان ولدُه
نَجْمِ الدين - المَلِك الأوحد - ينوبُ عنه بمَيَّافارِقين، فاستولى على خِلاط،
وبلاد أرمينية في سنة أربع وست مئة. ولما تمهدت له البلاد، قَسَّمها بين
أولاده: الكامل، والمُعَظَّم، والأشرف. وكان عِظَمُ مُلْكه، وجميلُ سيرته،
وحُسنُ عقيدته، ووفورُ دينه، وحَزْمُه، وميلُهُ إلى العُلماء مَشْهورًا؛ حتى صَنَّفَ
له فخر الدين الرازي كتاب ((تأسيس التقديس)) وسَيَّرَهُ إليه من خُراسان. ولما
قسم الممالك بين أولاده كان يتردّدُ بينهم، وينتقل من مملكة إلى أخرى، وكان
في الغالب يُضيِّق بالشام، ويُشَتِّ بالديار المصرية .
قال: وحاصل الأمر أنه تَمتَّع من الدنيا، ونال منها ما لم ينله غيره. قال:
ووُلد بدمشق في المحرَّم سنة أربعين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين.
قلتُ: ولما افتتحَ ولدُه إقليم أرمينية فَرِحَ العادلُ فَرَحًا عظيمًا، وسَيَّر
أُستاذ داره ألْدُكز، وقاضي العسكر نَجْم الدين خليل لى الخليفة يطلب التقليد
بمصر والشام وخلاط وبلاد الجزيرة، فأُكرِما، وأُرسل إليه الشيخ شهاب الدين
السُّهْرَوَردي بالتشريف، ومزَّ بحلب ووَعَظُ بها واحترمه الظاهر وبعث معه بهاء
الدين ابن شَدَّاد بثلاثة آلاف دينار ينثرها إذا لَبِسَ العادل الخِلْعة. وتلقَّاه العادل
إلى القَصْر، وكان يومًا مشهودًا ثم من الغد أُفيضت(١) عليه الخِلَع، وهي جبة
سَوْداء بطراز ذهب، وعمامةو سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب فيه جوهر.
وقُلِّد بسيف مُحلَّى جميع قرابه بذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وعَلَم
اسود مكتوب فيه بالبياض ألقاب الناصر لدين الله .
ثم خَلَعَ السُّهْروردي على المُعَظَّم والأشرف، لكل واحد عمامة سوداء،
وثوب أسود واسع الكُم. وخَلَعَ على الصاحب ابن شُكْر كذلك، ونُثر الذَّهب
(١) غير واضحة في الاصل، وما أثبتناه من قراءة مفرج الكروب لابن واصل (٨١/٣) ومنه
نقل المؤلف في الأغلب.
٤٥٥

من رُسل صاحب حلب وحَمَاة وحِمْص، وغيرهم. وركب الأربعة بالخِلَع، ثم
عادوا إلى القَلْعة. وقرأ ابن شُكْر التقليد على كُرسي وخُوطب العادل فيه بـ
(شاه أرمن (١) ملك الملوك خليل أمير المؤمنين)). ثم توجه السُّهروردي إلى
مصر، وخَلَعَ على الكامل .
وفيها أمر السلطان بعمارة قلعة دمشق، وألزمَ كلَّ واحد من ملوك أهل
بيته بعمارة بُرج. أعني في سنة أربع وست مئة.
وقال الموفق عبداللطيف في سيرة العادل: كان أصغرَ الإخوة، وأطولَهم
عُمُرًا، وأعمقَهم فِكْرًا، وأنظرَهم في العواقب، وأشدَّهم إمساكًا، وأحبَّهم
للدِّرهم. وكان فيه حِلْمٌ، وأناةٌ، وصَبْرٌ على الشدائد، وكان سعيد الجَدِّ، عاليَ
الكَعْب، مُظَفَّرًا بالأعداء من قِبَلِ السماء.
وكان أكولاً نَهْمًا، يحب الطعام واختلاف ألوانه. وكان أكثر أكله في
الليل، كالخيل، وله عندما ينام آخر الأكل رضيع، ويأكل رطلاً بالدمشقي
خبيص السُّكر يجعل هذا كالجواشن.
وكان كثيرَ الصلاة، ويصوم الخميس، وله صَدَقات في كثير من
الأوقات؛ وخاصة عندما تنزل به الآفات. وكان كريمًا على الطعام يحب من
يؤاكله .
وكان قليلَ الأمراض، قال لي(٢) طبيبه بمصر: إني آكل خُبز هذا السُّلْطان
سنين كثيرة، ولم يحتج إليَّ سوى يوم واحد؛ أُحضِرَ إليه من البَّطيخ أربعون
حملاً، فكسَرَ الجميع بيده، وبالَغَ في الأكل منه، ومن الفواكه والأطعمة،
فعرض له تُخمة، فأصبحَ، فأشرتُ عليه بشُرب الماء الحار، وأن يركب
طويلاً، ففعَلَ، وآخر النهار تعشَّى، وعاد إلى صخَّتِهِ .
وكان نَكَّاحًا، يُكثر من اقتناء السَّراري. وكان غَيُّورًا، لا يدخل داره
خصي إلا دُونَ البُلوغ. وكان يحب أن يطبخ لنفسه، مع أن في كل دار من دور
حظاياه مطبخًا دائِرًا. وكان عفيفَ الفَرْج لا يُعرف له نَظَرٌ إلى غيرِ حلائله.
نجب له أولاد من الذكور والإناث؛ سَلْطَنَ الذكورَ وزَوَّج البنات بملوك
في مفرج الكروب ((شاهان شاه)» وما هنا أحسن.
(١)
(٢) الكلام لا يزال للموفق عبداللطيف.
٤٥٦

الأطراف. آخر ما جرى من ذلك بعد وفاته أنَّ مَلِكَ الرُّوم كَيْقُباذ خطب إلى
الملك الكامل أخته، واحتفل احتفالاً شديدًا، واجتمع في العُرس ملوك
وملكات .
وكان العادل قد أوقع الله بُغضته في قلوب رعاياه، والمخامرة عليه في
قلوب جُنده، وعَمِلوا في قَتْلِه أصنافًا من الحِيَل الدَّقيقة مرات كثيرة. وعندما
يُقال: إنَّ الحيلة قد تَمَّت، تنفسخ، وتنكشف، وتُحسم موادها. ولولا أولاده
يتولون بلاده لما ثبت مُلْكه بخلاف أخيه صلاح الدين فإنه إنما حفظ مُلْكه
بالمحبة له، وحُسن الطاعة، ولم يكن - رحمه الله - بالمنزلة المكروهة؛ وإنما
كان الناس قد ألفوا دولة صلاح الدين وأولاده. فتغيرت عليهم العادة دفعة
واحدة، ثم إن وزيره ابن شُكْر بالَّغَ في الظُّلْم وتَفَنَّن.
ومن نِيَّاته الجميلة أنَّه كان يعرف حقَّ الصُّحبة، ولا يتغيّر على أصحابه،
ولا يضجر منهم، وهم عنده في حَظْوة. وكان يواظبُ على خِدْمة أخيه صلاح
الدين؛ يكون أولَ داخل وآخرَ خارج؛ وبهذا جَلَبَهُ، فكان يُشاوره في أمور
الدَّوْلة لِمَا جَرَّب من نفوذ رأيه .
ولما تَسَلْطن الأفضل بدمشق والعزيز بمصر، قَصَدَ العزيز دمشق، وذاقَ
جندُه عليها شدائد، فرحل عنها، ثم حاصرها نَوْبة ثانية ومعه عَمُّه العادل
فأخذها، وعُوِّض الأفضل بصَرْخَد، ولم يزل العادل يَفْتلِ فِي الذِّروة والسنام،
حتى أقطعه العزيز دمشق وهي السبب في أن تمَلَّك البلادَ كُلَّها. وأعطى ابن أبي
الحجاج - يعني كاتب الجيش - لما جاءه بمنشورها ألف دينار. ثم أخذ يُدقّق
الحيلة حتى يستنيبه العزيز على مصر، ويقيم هو بدمشق يتمتَّع في بساتينها،
بعضُ أصحابه فرمى قُلنسُوته بين يديه، وقال: ألم يكفك أنك أعطيته دمشق،
حتى تُعطيه مصر؟ فنهض العزيز لوقته على غرة ولَحِق بمصرَ. ثم شغب الجند،
وجرت أمور إلى أن اجتمع الأفضل والعادل، وقصدا مصر، وخامَرَ جميع
الأجناد على الملك العزيز، وصاروا إلى الأفضل والعادل، حتى خَلَت مصر
والقاهرة منهم، وتهدَّمت دولة العزيز، ثم أصبحت، وقد عادت أحسن مما
كانت، وصار معه كل من كان عليه، ورجع الملك العادل في خدمته، ورَدَّ
الأفضل إلى الشام.
٤٥٧

ثم إن العادل توجه إلى الشام، وحَشَد وعَبَرَ الفُرات، ونازل قَلْعة مارِدين
يحاصرها، وبذل الأموال، وأخذ الرَّبض. ثم إن المَلِك الأفضل وجد فُرصة
ونزلَ هو وأخوه الملك الظاهر صاحبُ حلب، على دمشق يوم الثلاثاء فأصبح
الملك العادل خارجًا من أبواب دمشق، فانقطعت قلوبُهم، وتعجبوا متى
وصل؟ وكان لما سَمِعَ بنزولهم، استنابَ ابنه الكامل، وسارَ على النجائب في
البَرية فلحقَ دمشق قبل نزولهم بليلة، ومع هذا فضايقوه. وكان أكثر أهل
المدينة معهم عليه إلى أن اختلف الأخوان أيهما يملكها؛ وتنافسا، فتقاعسا.
ورحلَ الملكُ الظاهر فضعُف الأفضل، ورحلَ. وبلغت نفقة العادل عليها
وعلى ماردين ألف ألف دينار.
وسعد العادل بأولاده، فمن ذلك أمر خلاط فإنَّ مَلِكها شاه أرمن مَلَّكَ
مملوكه بكتمُر، ومات بعد صلاح الدين بنحو شهرين؛ قتلته الملاحدة. وملك
بعده هزار ديناري مملوكه وبقي قليلاً، ومات. وتملك بعده ولد بكتمُر، وكان
جميلَ الصُّورة، حديثَ السِنِّ، فاجتمع إليه الأراذل والمُفْسدون، وحَسَّنوا له
طرقهم؛ فغار الأخيار، ومَلَّكُوا عليهم بَلبان مملوك شاه أرمن، وقَتَلَ وَلَد بكتمر
أو حَبَسَهُ. وكانت أخته بنت بكتمر مُزوَّجة بالملك المُغيث طُغْرِيل بن قلج
أرسلان صاحب أرْزَن الرُّوم، وبين بَلبان والمُغيث معاقدة ومعاضدة، ولابن
بكتمر جماعة يهوونه، فكاتبوا الملك الأوحد ابن العادل صاحب مَيَّافارقين،
فقصدَ خِلاط، فسار المُغيث لينصر بلبان، فانكف الأوحد، وطَمعَ المُغيث في
خِلاط، فاغتال بلبان، قتله ابن حُق باز. وتسَلَّم المُغيث خلاط، فحصلَ لأهلها
غُبْنٌ؛ إذْ غَدر بَمَلِكِهم فمنَعُوه. ثم إنه قبضَ يده عن الإحسان المُنْسي الضَّغائن،
وقال له بعض الأمراء: ابذل قدر ألف دينار، وأنا الضَّامن بحصول البَلَد. قال:
أخاف أن لا يحصل ويضيع مالي. فعَلِموا أنَّه صغير الهِمَّة؛ فتفرَّقوا عنه،
وكاتبوا الأوحد فجاءَ ومَلَكها، ثم اختلفوا عليه؛ ونكثوا، فبذل فيهم السَّيف،
وانهزم طائفةٌ.
قال الموفق: فقال لي بعض خَوَاصِّه: إنَّه قتل في مدة يسيرة ثمانية عشر
ألف نفسٍ من الخواص. وكان يقتلهم ليلاً بين يديه، ويُلْقَون في الآبار. وما
لَبِثَ إلا قليلاً واختل عَقْلُه؛ ومات، وتَوَهَّم أبوه أنه جُنَّ، فَسَيَّر إليه ابن زيد
المُعَزِّم وصَدَقَة الطبيب من دمشق .
٤٥٨

وتَمَلَّك خلاط بعده أخوه الأشرف. وماتَ الظاهر قبله بسنتين، فلم يتهنَّ
بالمُلْك بعده. وكان كلُّ واحدٍ منهما ينتظر موتَ الآخر، فلم يَصْفُ له العَيْش
الأمراض لَزِمَته بعد طُول الصحة، والخوف من الفِرَنْج بعد طول الأمن.
وخرجوا إلَى عكًا وتَجمَّعوا على الغور، فنزل العادل قبالتهم على بَيْسان،
وخَفِيَ عليه أن ينزل على عَقَبة فَيْق، وكانوا قد هدموا قَلْعة كوكب وكانت
ظَهْرهم. ولم يقبل من الجواسيس ما أخبروه بما عزم عليه الفِرَنْج من الغارة،
فاغترَّ بما عَوَّدته المقادير من طُول السَّلامة، فغشيت الفِرَنْجِ عَسْكره على غِرَّة.
وكان قد أوى إليهم خَلْقٌ من أهل البلاد يعتصمون به. فركب مُجدًّا ورماح
الفِرَنْج في أثره حتى وصل دمشق على شفا، وَهَمَّ بدخولها فمنعه المُعْتمد
وشَجَّعهُ، وقال: المصلحة أن تقيم بظاهر دمشق. وأما الفِرَنْج فاعتقدوا أن
هزيمته مَكيدة، فرجعوا من قريب دمشق بعدما عاثوا في البلاد قَتْلاً وأسرًا،
وعادوا إلى بلادهم وقصدوا دمياط في البحر فنازلوها .
وكان قد عرض له قبل ذلك ضَعْفٌ، ورَعْشة، وصار يعتريه ورم
الأنثيين، فلما هزَّته الخيل على خلاف العادة، ودخله الرعب، لم يبق إلا مدة
يسيرة، ومات بظاهر دمشق.
وكان مع حرصه يهينُ المال عند الشدائد غاية الإهانة، ويبذله. وشَرَعَ
في بناء قَلْعة دمشق، فقسم أبرجتها على أُمرائه وأولاده، وكان الحَفَّارون
يحفرون الخندق، ويقطعون الحجارة، فخرج من تحته خرزة بئر فيها ماء
معين .
ومن نوادره أن عنتر العاقد بلغه أن شاهدًا شَهِدَ على القاضي زكي الدين
الطاهر بقضية مُزوَّرة فتكلّم عنتر في الشاهد وجرحه، فبلغ العادل، فقال: من
عادة عنتر الجَرْح. وتوضأ مرة، فقال: اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا. فقال رجل
ماجنٌ له: يا مولانا إنَّ الله قد يَسَّر حسابك. قال: ويلك وكيف ذلك؟ قال: إذا
حاسَبَك فقل له: المال كُلُّه في قَلْعة جَعْبَر لم أفرط منه في قليل ولا كثير! وقد
كانت خزائنه بالكَرَك ثم نقلها إلى قَلْعة جَعْبَر وبها ولده الملك الحافظ، فَسَوَّل
له بعض أصحابه الطَّمع فيها، فأتاها الملك العادل ونقلها إلى قَلْعة دمشق،
فحصلت في قبضة المُعَظّم فلم ينازعه فيها أخوته. وقيل: إن المُعَظّم هو الذي
سَوَّل لأخيه الحافظ الطمع والعصيان، ففعل، ولم يفطن بأنها مكيدة لترجع
٤٥٩

الأموال إليه. ثم إنه أخرج سراري أبيه من دمشق واستصفى أموالهم وحُليهم،
وشَرَعَ يضع على أملاك دمشق القطائع والخراجات الثَّقيلة، والخُمس على
البساتين، والثُّمنِ على المزروعات.
قرأتُ بخطُ الكِنْدي في ((تذكرته)): حدثنا شَرَفُ الدين ابن فَضْل الله سنة
اثنتي عشرة بدمشق، قال: حدثنا والدي أنَّ القاضي بهاء الدين إبراهيم بن أبي
اليُسر، حَدَّثه، قال: بعثني الملك العادل رسولاً إلى علاء الدين سُلطان الرُّوم،
فبالَغَ في إكرامي، فجرى ذكر الكيمياء، فأنكرتُها، فقال: ما أحدثك إلا ما تَمَّ
لي؛ وقفَ لي رجلٍ مغربي، فَسَلَّم عليّ، وكَلَّمني في هذا، فأخذتُهُ، وطلب
مني أصنافًا عَيَّنَها، فَشَرَع يعمل لي ذهبًا كثيرًا حتى أذهلني. ثم بعد مدة طلب
مني إذنًا في السَّفر، فأبيتُ، فألحَّ حتى غَضِبتُ، وكِدْتُ أقْتله، وهَدَّدتُه،
وجذبتُ السيف، فقال: ولابُدَّ، ثم صَفَّق بيديه وطار، وخرج من هذا الشباك.
فهذا رجل صح معه الكيمياء والسيمياء.
قلتُ: وقد سمع من أبي طاهر السِّلَفي، وغيرِهِ. وحَدَّث؛ روى عنه ابنه
الملك الصالح إسماعيل، والشهاب القُوصيُّ، وأبو بكر ابن النُّشْبي.
وكان له سبعة عشر ولدًا، وهم شمس الدين ممدود والد الملك الجواد،
والملك الكامل محمد، والملك المعظم عيسى، والملك الأشرف موسى،
والملك الأوحد أيوب، والملك الفائز إبراهيم، والملك شهاب الدين غازي،
والملك العزيز عثمان، والملك الأمجد حسن، والملك الحافظ رسلان،
والملك الصالح إسماعيل، والملك المُغيث عُمر، والملك القاهر إسحاق،
ومجير الدين يعقوب، وتقي الدين عباس، وقطب الدين أحمد، وخليل، وكان
له عدة بنات.
فمات في أيامه شمس الدين مَمْدود، ويقال: مَوْدود، والمُغيث عُمر
وخلّف ولدًا لُقِّب باسم أبيه، وهو المُغيث محمود بن عُمر، وكان من أحسن
أهل زمانه رَبَّه عَمُّه المُعَظَّم، ومات سنة ثلاثين وست مئة. ومات منهم في
حياته الملك الأمجد، ودُفن بالقُدس ثم نُقل فدُفن جوار الشهداء بمؤتة من
عَمَل الكَرَك. وآخر أولاده وفاةً عباس، وهو أصغر الأولاد، بقي إلى سنة
٤٦٠