النص المفهرس

صفحات 361-380

١٢٧ - أحمد بن عُبيدالله بن محمد بن عُبيد الله، الفقيه الإمام أبو بكر
اللنجانيُ(١)، مُفتي أصبهان ويُعرف بالأفضل.
قال الضِّياء: كان من العُلَماءِ الأخيارِ .
قلتُ: روى عن أحمد بن ظَفَرِ الثَّقَفي. وسماعاتُه في حُدود الخمسين
وخمس مئة. روى عنه الضِّياءُ، والزَّكي البِرْزالي.
قرأتُ وفاتَهُ بخَطِّ الضِّياء في رمضان .
١٢٨ - أحمد بن عليّ بن أبي زُنْبُور، الإمامُ الأديبُ أبو الرِّضا النَّيْليُّ
اللُّغَويُّ المُقرىءُ الشَّاعرُ.
قرأ على يحيى بن سَعْدون القُرْطُبي، وتأذَبَ على سعيد ابن الدَّهَّان، وقد
امتدح السُّلطان صلاح الدِّين بحَلَب بأُرجوزةٍ طويلةٍ، فَوَصَلهُ عليها بخمس مئة
دينار، وكان من غُلاة الرافضة.
عُمِّر دَهْرًا، ومات بالمَوْصل في العام.
١٢٩ - أحمد ابن الحافظ عليّ بن المُفَضَّل بن عليّ، الفقيه الصالح
أبو الحُسين المَقْدسيُّ ثم الإسكندرانيُّ المالكيُّ العَدْل.
وُلد سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، وسمع، وتَفَقَّه، ونشأ على غَايةٍ من
الدِّين والوَرَع. ودَرَّسَ بالصَّاحِبِيَّة بالقاهرة بعد والده.
قال الزكيُّ المُنْذري (٢): أخبرنا، قال: أخبرنا عبدالمُنْعم بن يحيى بن
الخلوف إجازةً(٣). وتُوفي في صَفَر .
١٣٠ - أحمد بن عليّ بن أبي القاسم المُبارك بن عليّ بن أبي الجُود
العَتَّابِيُّ الكاغَديُّ، أبو العباس.
سمع من أحمد ابن الطَّلّية، وأبي الوَقْت، وحَدَّث.
كان من مَحَلَّة العَثَّابيين بأعْلَى غَرْبي بغداد، وكان ابن الطَّلَّية خال أبيه،
(١) لم يذكر السمعاني هذه النسبة في ((الأنساب))، ولا استدركها ابن الأثير في ((اللباب))، ولا
ذكر ياقوت الحموي اسم موضع مثل هذا، فلعله منسوب إلى قرية من قرى أصبهان
الكثيرة .
(٢) التكملة ٢ / الترجمة ١٤٥٢.
(٣) الذي قاله المنذري: ((سمعت منه شيئًا بإجازته من أبي الطيب عبدالمنعم بن يحيى بن
الخلوف))، فغيرها الذهبي إلى ما ترى.
٣٦١

وهو أخو المُبارك(١) شيخ الأبَرْقُوهي.
روى عن أحمد أبو عبدالله ابن الدُّبَيْئي(٢)، وغيرُه، وتُوفي في ثالث ربيع
الآخر.
١٣١ - أحمد بن عليّ بن مسعود بن عبدالله بن الحسن بن عَطَّاف،
الأجلُّ أبو عبدالله الدَّارِقَزِّيُّ المُقرىءُ الوَرَّاقُ المعروف بابن السَّقَّاء.
وُلد سنة أربع وأربعين وخمس مئة، قرأ القرآن على أبي الفَضْل أحمد بن
محمد بن شُنَيْف، وغيرِهِ، والنَّحْو على أبي محمد ابن الخَشَّاب، والحسن بن
عُبَيدة، وغيرِهما، وسمع من أبي الوَقْت، وسعيد ابن البَنَّاء، وجماعةٍ .
ويُقال له: الخَطَّابي، لأنَّه سكن قرية تُعرف بالخَطَّابِيَّة، ولم يَزَلْ خطيبًا بها .
روى عنه الدُّبَيْئِيُّ، وقال(٣): تُوفي في رجب.
١٣٢- أحمد بن عُمر بن أحمد القُطْرُ بُلِّيُّ (٤) ثم الحَرْبِيُّ المُقرىءُ
المعروف بالخاخيِّ - بخاءين معجمتين(٥) -، أبو العباس.
سمع من الزاهد أحمد ابن الطَّلَّية، وغيرِهِ، وتُوفي في جُمادى الآخرة.
روى عنه الدُّبَيْئِيُّ، ووصفه بالصَّلاحِ والخَيْرِ (٦).
١٣٣ - أحمد بن عُمر بن إبراهيم ابن الدَّردانة، أبو بكر الحَرْبيُّ.
سَمِعَ من ابن كُلَيب، وابن الجَوْزي، وطبقتِهما فأكْثَرَ، وحَدَّثَ بيسير.
تُوفي وقد جاوز أربعين سنة في ذي القَعْدة رحمه الله .
١٣٤ - إسحاق ابن قاضي القضاة صَدْر الدِّين عبدالمَلِك بن عيسى
ابن دِرْباس، فخرُ الدِّين أبو طاهر المارانيُّ الشافعيُّ.
وُلد سنة تسع وستين وخمس مئة، وتفقَّه، وسمع الحديث، ونابَ في
القَضاء عن والده مدةً، ودَرَّس بالنَّاصرية بمِصْر ثم بالسَّيْفية بالقاهرة، وتُوفي
(١) توفي سنة ٦٢٣، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
(٢)
تاريخه، الورقة ٢٠٧ (باريس ٥٩٢١).
(٣) تاريخه، الورقة ٢٠٨ (باريس ٥٩٢١).
منسوب إلى قُطْرُبل، قرية قريبة من الحربية ببغداد.
(٤)
هكذا قيده المنذري، ومنه نقل المؤلف (التكملة ٢ / الترجمة ١٤٦٨).
(٥)
تاريخه، الورقة ١٩٨ (باريس ٥٩٢١).
(٦)
٣٦٢

ليلة السابع والعشرين من رمضان(١).
١٣٥ - أشْعد ابن الفقيه محمد بنٍ عليّ ابن الوزير أبي نصر أحمد ابن
الوزير نظام المُلْك الحسن بن عليّ، الطَّوسيُّ الأَصْلِ البَغْداديُّ.
وُلد بُعَيد الأربعين وخمس مئة، وسمع من أبي الوَقْت، وحَدَّث. وقد
دَرَّس أبوه بالنظامية وتُوفي شابًّا، وكان هذا خِلَّوًّا من فَضِيلة.
تُوفي في رَجَب(٢).
١٣٦ - أَسْعد بن هبة الله بن وَهْبانِ الحَديثيُّ ثم البَغْدادِيُّ البُزُوريُّ.
روى عن أبي الوَقْت، وعنه الدُّبَيْثي، وتُوفي في رمضان(٣) .
١٣٧ - إسماعيل بن عبدالرحمن بن أحمد، نَبيهُ الدِّين أبو الطاهر
الأنصاريُّ المِصْريُّ الكاتبُ .
سمع من الشَّريف أبي الفُتوح الخطيب، وعُمارة اليَمَنِيِّ الشَّاعرِ، وسمع
بالإسكندرية من السِّلَفي، وجماعةٍ، ووَليَ استيفاء ديوان الأوقاف مُدَّةً، ووُلد
سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، وكتبَ بخَطِّهِ الكثيرَ، وكان مَلِيحَ الكتابة.
وعَلَّق عن السِّلَفي فوائد جَمَّةً وسُؤالات.
روى عنه الحافظ عبدالعظيم(٤)، وتُوفي في ليلة العشرين من شعبان.
١٣٨- إسماعيل بن عُمر بن أبي بكر، الفقيهُ مُحبُّ الدِّين المَقْدسيُّ
الحنبليُّ المذكور في قصيدة الشيخ المُوفَّق المذكورة من قريب(٥) .
سمع بمصر من أبي القاسم البوصيري، والحافظ عبدالغني، وبدمشق من
جماعة. روى عنه الضِّياء المَقْدسيُّ، وتُوفي في شؤَّال(٦).
١٣٩ - تاجُ النِّساء بنت فضائل بن عليّ التَّكريتي.
تروي عن الشيخ الزَّاهد عبدالقادر الجيليِّ. روى عنه ابنُها قاضي القضاة
(١) من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٤٩١.
(٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٥٥ (باريس ٥٩٢١).
(٣)
من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٥٥ - ٢٥٦ (باريس ٥٩٢١).
(٤)
التكملة لوفيات النقلة ٢ / الترجمة ١٤٨٣.
(٥) الترجمة ١٢٦.
(٦) تنظر التكملة للمنذري ٢ / الترجمة ١٥٠٠.
٣٦٣

أبو صالح نَصْر بن عبدالرزاق الجِيلي، وسمعت أيضًا من ابن البَطِّي، وتُوفيت
فِي رَجَب (١).
١٤٠- جعفر بن أحمد بن جعفر، أبو الفَضْل اللَّخْميُّ الإسكندرانيُّ
النَّحْوِيُّ الشَّاعرُ المعروف بالوَرَّاق.
شاعرٌ مُحسنٌ، كَتبَ عنه الزَّكيُّ المُنذريُّ(٢).
١٤١ - جعفر بن جعفر بن نَبْهان، وَجيهُ الدِّين أبو الفَضْلِ الحَمويُّ
الفقیه الأديب.
كتب عنه الزكيُّ المُنذريُّ(٣)، وتُوفي بمِصْر بمسجده في ذي القَعْدة.
١٤٢- الحُسين بن يوسف بن أحمد بن يوسف بن فُتُوحٍ، أبو عليّ
الأنصاريُّ الأندلسيُّ البَلَنْسيُّ الضَّرير المُقرىء المعروف بابن زُلاَل (٤).
قرأ القراءات على أبي الحسن بن هُذَيْل، وسمع منه ومن الخطيب أبي
الحسن عليّ ابن النِّعْمة، وأبي عبدالله بن سَعَادة، وعبدالرحمن بن حُبَيْش،
وأبي عبدالله بن حَميد. وقرأ القراءات أيضًا على طارق بن موسى. وأجازَ له أبو
طاهر السِّلَفي، وجماعةٌ.
وتصدَّر للإقراء ببلده، وأخذَ عنه النَّاسُ، وكان حسنَ الإلقاءِ والأداء،
مُجَوِّدًا، مُحَقِّقًا، مشاركًا في فنون، آية من آيات الله في الفِطْنَة والحَدْس على
عَمَى بَصَرِهِ، قال الأبَّارُ فيه ذلك، وقال(٥): سمعتُ منه جُمْلةً، وانتقل بأخرةٍ
إلى مُرْسية، وأقرأ بها إلى أنْ تُوفي في الثاني والعشرين من المُحرَّم، ووُلد سنة
سبع وأربعين وخمس مئة.
١٤٣- زَيْد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن
سعيد بن عِصْمة بنٍ حِمْيَرَ، العَلَّمَة تاجُ الدِّين أبو اليُمْنِ الكِنْدِيُّ البَغْدادِيُّ
المُقرىءُ النَّحْويُّ اللَّغَويُّ.
(١) تنظر تكملة المنذري ٢ / الترجمة ١٤٧٣.
(٢)
التكملة ٢ / الترجمة ١٤٩٩.
(٣) نفسه ٢ / الترجمة ١٥٠٦.
(٤) قيده الصفدي بالحروف فقال: ((بضم الزاي وتشديد اللام وبعد الألف لام أخرى)) (الوافي
٨٦/١٣).
(٥) التكملة ٢٢٣/١ - ٢٢٤.
٣٦٤

وُلد في شعبان سنة عشرين وخمس مئة، وحَفِظُ القرآن وهو ابن سبع
سنين، وكَمَّل القراءات العَشْر وله عشر سنين.
وكان أعْلَى أهلِ الأرض إسنادًا في القراءات؛ فإنِّي لا أعْلَمُ أحدًا من
الأُمَّةِ عاشَ بعدما قرأَ القراءات ثلاثًا وثمانين سنة غيره. هذا مع أنَّه قرأ على
أسْنَد شيوخ العَصْر بالعراقِ ولم يَبْقَ أحدٌ ممن قرأ عليه مِثْلَ بقائه ولا قريبًا منه،
بل آخر من قرأ عليه الكمال ابن فارس وعاش بعده نَيِّفًا وستين سنة. ثم إنَّه
سمع الحديث على الكِبار، وبَقِيَ مُسْندَ الزمان في القراءات والحديث .
قرأ القراءات المَشْهورة والغريبة فأكثرَ على شيخه ومُعَلِّمهِ وأُستاذِهِ الإمام
أبي محمد سِبْط أبي منصور الخَيَّاط، وأفادَهُ، وحَرَص عليه في الصِّغر،
وأسمعَهُ الحديثَ، وأرْسَلَهُ إلى الشيوخ الكِبار؛ فقرأ ((بالكفاية في القراءات
السّت)) (١) على الإمام المُعَمَّر أبي القاسم هبة الله بن أحمد ابن الطَّبَر الحَريري.
وقرأ ((بالموضح في القراءات العشر))(٢) على مُؤَلَّفه أبي منصور محمد بن
عبدالمَلِك بن خَيْرون. وقرأ للسبعة على أبي بكر محمد بن إبراهيم خَطيب
المُحَوَّل، وعلى أبي الفَضْل محمد ابن المُهْتَدي بالله .
ثم سمع الحديث من القاضي أبي بكر محمد بن عبدالباقي، وأبي القاسم
هِبة الله ابن الطَّبَر، وأبي منصور القَزَّاز، ومحمد بن أحمد بن تَوْبة وأخيه
عبدالجَبَّار، وأبي القاسم ابن السَّمَرْفَندي، وأبي الفَتْحِ ابن البَيْضاوي، وطَلْحة
ابن عبدالسلام الرُّمَّاني، ويحيى بن عليّ ابن الطّرَّاح، وأبي الحسن بن
عبدالسلام، وأبي القاسم عبدالله بن أحمد بن يوسف، والحُسين بن عليّ سِبْط
الخَيَّاط، والمُبارك بن نَغُوبا، وعليّ بن عبدالسيِّد ابن الصَّبَّاغ، وعبدالمَلِك بن
أبي القاسم الكَرُوخي، وسَعْد الخَيْرِ الأنصاري، وطائفةٍ سِواهم.
وله ((مشيخة)) في أربعة أجزاء خَرَّجها أبو القاسم عليّ بن القاسم ابن
عَساكر(٣).
(١) كتاب ((الكفاية)) هذا من تأليف شيخه أبي محمد سِبط الخَيَّاط. (انظر كشف الظنون ١٤٩٩).
ولأبي محمد أيضًا ((المُبْهج في القراءات السَّبع)) كتاب نفيس للغاية عندنا نسخة منه.
(٢) انظر: كشف الظنون ١٩٠٤ .
(٣) وذكر أبو شامة أن القاضي ضياء الدين بن أبي الحجاج قد عمل له مشيخة حسنة أيضًا
(الذيل ٩٥).
٣٦٥

وقرأ النَّحْوَ على أبي السَّعَادات هِبة الله ابن الشَّجَري، وأبي محمد ابن
الخَشَّاب، وشيخه أبي محمد سِبْط الخَيَّاط، وأخَذَ اللَّغات عن أبي منصور
مَوْهوب ابن الجَواليقي.
وقَدِمَ دمشقَ في شَبِيبَتِهِ، وسَمِعَ بها من أبي الحُسين عبدالرحمن بن
عبد الله بن أبي الحَديد، وتَفَرَّد بالرِّواية عنه، وعن أكثر شيوخه. ثم قَدِمَ الشَّام
ومِصْرَ، وسكنَ دمشق ونالَ الحِشْمة الوافرة والتَّقَدُّم، وازدحمَ عليه الطَّلَبةُ.
وكان حنبليَّ المَذْهب فانتقل حَنَفيًّا لأجل الدُّنيا، وتَقَدَّم في مذهب أبي
حنيفة، وأفتى، ودَرَّس، وصَنَّفَ، وأقرأ القراءات والنَّحْوَ واللُّغَة والشِّعْرَ، وكان
صحيحَ السَّماع، ثِقةً في النَّقْلِ، ظريفًا، حسنَ العِشْرة، طَيَّب المزاج، مليحَ
النَّظمِ.
قرأ عليه القراءات عَلَمُ الدِّين السَّخَاويُّ ولم يُسْندها عنه، وعَلَمُ الدِّين
القاسم بن أحمد الأندلسيُّ، وكمالُ الدِّين إسحاق بن فارس، وجماعةٌ.
وحَدَّث عنه الحافظ عبدالغني، والشيخ المُوفَّق، والحافظ عبد القادر(١)،
وابن نُقْطة، وابن النَّجَّار، وأبو الطاهر ابن الأنماطي، والبِرْزاليُّ، والضّياءُ،
والزَّكيُّ عبد العظيم(٢)، والزين خالد، والتَّقي بن أبي اليُسْر، والجمال ابن
الصَّيْرفي، وأحمد بن سَلامة الحَدَّاد، والقاضي أبو الفرج عبدالرحمن بنِ أبي
عُمر، والقاضي أبو عبدالله محمد ابن العماد إبراهيم، وأبو الغنائم المُسَلَّم بن
عَلَّن، والمُؤَمَّل بن محمد البالِسيُّ، وأبو القاسم عُمر بن أحمد ابن العَدِيم،
وأبو حَفْص عُمر بن محمد بن أبي عَصْرون، وأبو الحسن عليّ بن أحمد ابن
البُخاري، وأبو عبدالله محمد ابن الكمال، ومحمد بن مؤمن، ويوسف ابن
المُجاور، وست العرب بنت يحيى الكِنْدي، وإسماعيل ابن العَفِيف أحمد بن
إبراهيم بن يعيش المالكي، ومحمد بن عبدالمُنْعم ابن القَوَّاس.
وآخر من روى عنه بالإجازة أبو حَفْص ابن القَوَّاس، ثم أبو حَفْص ◌ُعُمر
ابن إبراهيم العقيمي الأديبُ وتُوفي هذا في شؤَّال سنة تسع وتسعين وست
مئة .
(١) يعني: الرُّهاوي.
(٢) التكملة ٢ / الترجمة ١٤٩٨.
٣٦٦

قال ابن النَّجَّار(١): أسْلَمَهُ أبوه في صِغَره إلى سِبْط الخَيَّاط، فلقَّنَهُ القرآنَ
وجَوَّدَ عليه، ثم حَفَّظه القرآنَ وله عَشْر سنين. إلى أنْ قال: تَفَرَّد بأكثر مروياته،
سافر عن بغداد سنة ثلاث وأربعين، ودخل هَمَذَان، فأقامَ بها سنين يتفقَّه على
مَذْهب أبي حنيفة على سَعْد الرازي(٢) بمدرسة الشُّلطان طُغرل. ثم إنَّ أباه حَجَّ
سنة أربع وأربعين فمات في الطريق فعادَ أبو اليُمْن إلى بغداد، ثم توجَّه إلى
الشام، واستوزره فَرُّخِ شاه، ثم بعده اتصلٍ بناحية تَقِي الدِّين عُمر صاحب
حَمَاة، واختصَّ به وكَثُرت أمواله. وكان المُعَظّم يقرأ عليه الأدبَ، ويقصده في
منزله، ويُعَظِّمه. قرأتُ عليه كثيرًا، وكان يَصِلُني بالنَّفقة. ما رأيتُ شيخًا أكملَ
منه فَضْلاً ولا أتمَّ منه عَقْلاً ونُبْلاً وثِقةً وصِدْقًا وتحقيقًا ورزانةً، مع دماثة
أخلاقه. وكان مَهِيبًا، وَقورًا، أشبه بالوزراء من العُلَماء بجلالته وعُلُوِّ منزلته.
وكان أعلمَ أهل زمانه بالنَّحْو؛ أظنُّه يحفظ ((كتاب)) سِيبُوية. ما دخلتُ عليه قَطُّ
إلاّ وهو في يده يطالعه، في مجلّد واحد رفيع(٣) فكان يقرؤها بلا كُلْفة وقد بلغ
التسعين. وكان قد مُتِّعَ بسمعه وبصره وقوَّته. وكان مليحَ الصُّورة، ظريفًا، إذا
تكلّم ازداد حلاوةً، وله النَّظم والنَّثر والبلاغةُ الكاملة. إلى أن قال: حضرتُ
الصَّلاَةَ عليه .
وقال أبو شامة(٤): ورد الكِنْدي ديارَ مِصْر، يعني في سنة بضع وستين
وخمس مئة، قال: وكان أوْحدَ الدَّهر، فريدَ العَصْرِ، فاشتمل عليه عز الدِّين
فَرُّوخ شاه(٥) بن شاهنشاه بن أيُّوب ثم ابنه الأمجد صاحب بَعْلَبك، ثم تردّد إليه
بدمشق المَلِكِ الأفضل عليّ ابن صلاح الدِّين وأخوه المَلِك المُحْسن وابن عَمِّه
المَلِك المُعَظّم عيسى ابن العادل. وقال (٦) ضِياء الدِّين ابن أبي الحَجَّاج الكاتب
(١) لم يصل إلينا هذا القسم من تاريخ ابن النجار.
(٢) لاحظ أنه دَرَسَ فقه أبي حنيفة منذ شبابه، وتدبر بعد ذلك قول الذهبي آنفًا: إنه انتقل إليه
من أجل الدنيا أخذه من قول موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي!
(٣)
يعني : رفيع الخط، أي دقيقه .
(٥) تكتب هكذا منفصلة، كما تكتب متصلة ((فروخشاه))، وبعضهم يحذف الواو من ((فروخ))
(٤)
ذيل الروضتين ٩٥ .
فيكتبها ((فرخ شاه)) كما مر قبل قليل أو ((فرخشاه)).
(٦) لم نجعل هذا القول بداية فقرة لأن الذهبي نقل ذلك عن أبي شامة، فدللنا على استمرار
النقل عنه .
٣٦٧

عنه(١): كنتُ في مجلس القاضي الفاضل، فدخل فَرُوخ شاه، فجرى ذكر شَرْح
بيت من ((ديوان)) المُتَنبِي، فذكرتُ شيئًا فأعجبه، فسأل القاضي عنِّي، فقال:
هذا العلاَّمة تاج الدِّين الكِنْدي، فنهض فَرُوخ شاه، وأخذ بيدي، وأخرجني معه
إلى منزله، ودام اتصالي به. قال: وكان المَلِك المُعَظّم يقرأ عليه دائمًا؛ قرأ
عليه ((كتاب)) سِيبوية نصًّا وشَرْحًا، وكتاب ((الحماسة)) وكتاب ((الإيضاح)) وشيئًا
كثيرًا، وكان يأتي من القَلْعة ماشيًا إلى دار تاج الدِّين بدَرْب العَجَم والمُجلَّد
تحت إبطه .
وحكى ابن خَلِّكان(٢) أنَّ الكِنْدي قال: كنتُ قاعدًا على باب أبي محمد
ابن الخَشَّاب النَّحْوي؛ وقد خَرَجَ من عنده أبو القاسم الزَّمَخْشَري وهو يمشي
في جاون خَشَب لأنَّ إحدى رجليه كانت سقطت من الثَّلْجِ.
ومن شعر الکندي:
دع المُنجِّمَ يكبو في ضَلالتِهِ إن اذَّعى عِلْمَ ما يجري به الفَلَكُ
تَفَرَّدَ اللهُ بالعِلْم القديم فلا الـ إنْسانُ يشركُه فيه ولا الملَكُ
وبئستِ العُدتان: الشِّرْكُ والشَّرَكُ
أعَدَّ للرزقِ من إشراكه شركًا
وله :
أرَى المَرْءَ يَهْوى أنْ تَطُولَ حياتُهُ وفي طولها إرهاقُ ذُلِّ وإزهاقُ
أُعَمَّرُ والأعمارُ لاشَكَّ أرْزَاقُ
تَمَنَّيْتُ في عَصْرِ الشَّبِيْبة أنَّني
من العُمر ما قد كنتُ أهْوى وأشتاقُ
فَلمَّا أتى مَا قَد تَمنَيثُ(٣) سَاءَني
ركوبي على الأعنَاقِ والسَّيْرُ إعناقُ
حفائِرَ يعلُوها من التربِ أطباقُ
يُخَيِّلُ لي فكري إذا كُنتُ خاليًا
ويُذْكرُني مَرُّ النسيم وَرَوْحُهُ
لها فيَّ إرْعادٌ مَخُوفٌ وإبْراقُ
وها أنا في إحدى وتسعينَ حجَّةً
يقولُون: تِزْياقٌ لمثلِك نافِعٌ ومالي إلا رَحْمة اللهِ ترياقُ
وله :
(١) كان صاحب ديوان الجيوش المصرية، قال أبو شامة: وكان أعلم من رأيت بأخبار الناس.
(ذيل الروضتين ٩٥).
(٢) وفيات الأعيان ٣٤٠/٢.
في وفيات ابن خلكان: ((فلما أتانى ما تمنيت ... )).
(٣)
٣٦٨

لبست من الأعمارِ تسعينَ حجةً وعندي رجاءٌ بالزِّيادةِ مُولَعُ
وقد أقْبَلت إحدى وتسعون بعدَها ونفسي إلى خمسٍ وست تَطَلَّعُ
فقد يُذْركُ الإنسانُ ما يَتَوَفَّعُ
ولا غَرْوَ أن آتي هُنَيدةُ (١) سَالمًا
وقد كان في عَصْري رجالٌ عَرفْتُهم حُبُوها وبالآمالِ فيها تَمَثَّعُوا
وما عافَ قَبْلِي عَاقلٌ طُولَ عُمْره ولا لامه مَنْ فيه للعَقْلِ مَوْضعُ
وقال الحافظ ابن نُقْطة (٢): كان الكِنْديُّ مُكرمًا للغُرَباء، حسنَ الأخلاقِ،
فيه مُزاحٌ، وكان من أبناء الدُّنيا المُشتغلِين بها وبإيثار مُجالسة أهلها. وكان ثقةً
في الحديث والقراءات، صحيحَ السَّماع، سامحه الله!
وقال الإمام مُوَفَّق الدِّين(٣): كان الكِنْديُّ إمامًا في القراءة والعربية،
انتهى إليه عُلُوُ الإسناد في الحديث. وانتقل إلى مَذْهب أبي حنيفة من أجل
الدُّنيا إلاَّ إنَّه كان على السُّنَّة (٤)، وَصَّى إليَّ بالصلاة عليه والوقوف على دفنه،
ففعلتُ ذلك.
وللسَّخَاوي(٥) فيه :
لم يكن في عصرٍ عَمرٍو (٦) مثلُه وكذا الكِنْدِيُّ في آخر عَصْرٍ
فهما زَيْدٌ وعَمرو إنما بُنيَ النحوُ على زَيْدٍ وعَمرو
ولأبي شُجاع ابن الدَّهَّان الفَرَضي فيه :
يا زيدُ زادَكَ ربِّي من مواهبِهِ نُعْمى يُقَصِّرُ عن إدراكها الأملُ
لا بَدَّل الله حالاً قد حَبَاك بها ما دارَ بينَ الثُّحاةِ الحالُ والبَدَلُ
النَّحوُ أنتَ أحقُّ العالَمينَ به أليسَ باسمك فيه يُضْرَبُّ المثلُ؟
وقال جمال الدين القِفْطيُّ(٧): أبو اليُمْن الكِنْديُّ آخرُ ما كان ببغداد سنة
(١) أي: مئة سنة، ففي ((اللسان)): هنيدة: اسم للمئة من الإبل خاصة، قال جرير:
أُعطوا هُنيدة يحدوها ثمانية
ما في عطائهم منٌّ ولا سرفُ
(٢) التقييد ٢٧٥ .
(٣) يعني: المقدسيَّ الجَمَّاعيليَّ الحنبلي شيخ الشام.
(٤) هذا من التعصب، أبعدنا الله عنه، فكأن الحنفية الآخرين ما كانوا على السنة !!
(٥)
شيخ القراء في عصره علم الدين أبو الحسن السخاوي .
(٦) يعني سيبوية .
(٧) إنباه الرواة ٢/ ١١ - ١٢.
تاريخ الإسلام ١٣ / م ٢٤
٣٦٩

ثلاث وستين وخمس مئة، واستوطن حَلَب مدةً وصحبَ بها الأمير بَدْر الدِّين
حسن ابن الذَّاية النُّوري واليها. وكان يبتاع الخَلِيعَ من المَلْبوس ويتَّجرُ به إلى
بَلَد الرُّوم. ثم نزلَ دمشق، وصحب عز الدِّين فَرُوخِ شاه، واختصَّ به، وسافرَ
معه إلى مِصْر، واقتنى من كُتُب خزائنها عندما أُبيعت. ثم استوطنَ دمشق
وقصده النَّاسُ. وكان لَيَّنَا في الرِّواية مُعْجَبًا بنفسه فيما يذكره ويرويه، وإذا
نوظر جَبَّهَ بالقَبِيح، ولم يكن مُوَفَّق القَلَمٍ، رأيتُ له أشياء باردة. قال: واشتهر
عنه أنَّه لم يكن صحيحَ العقيدةِ.
قلتُ: قوله: لم يكن صحيحَ العقيدة، فيه نَظَرٌ إلاَّ أنْ يكون أراد أنَّه على
عقيدة الحنابلة، فالله أعلم (١).
وقال المُوَفَّق عبداللطيف: اجتمعتُ بالكِنْدي النَّحْوي وجرى بيننا
مُباحثات. وكان شيخًا بَهِيًّا، ذكيًّا، مثريًا، له جانب من السلطان، لكنَّه كان
مُعْجَبًا بنفسه، مُؤذیًا لجليسه.
قلتُ: لأنه آذاه ولَقَّبه بالمطحن .
قال(٢): وجرت بيننا مباحثاتٌ فأظهرني الله عليه في مَسائلَ كثيرةٍ، ثم إنِّي
أهملتُ جانبه!
وقال أبو الطاهر الأنماطيُّ: تُوفي الكِنْدي في خامس ساعة من يوم
الاثنين سادس شؤَّال، وصَلَّى عليه بجامع دمشق بعد صلاة العَصْر القاضي ابن
الحَرَستاني، وبظاهر باب الفراديس الحُصْري الحَنَفي، وبالجبل الشيخ
المُوَفَّق، ودُفنَ بتُربة له، وعُقدَ العزاء له تحت النَّسْر يومين، وانقطعَ بموته
إسنادٌ عظيمٌ وكُُبٌ كثيرٌ.
١٤٤- سعيد بن حَمْزة بن أحمد بن الحسن، أبو الغنائم النِّيْليُّ
الكاتب .
وُلد بالنِّيل من العراق سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وسمع بحُكّم
الاتفاق من هبة الله بن أحمد الشِّبْلي، ومحمد بن عبدالله ابن الحَرَّاني.
(١) قلنا: أين هذا من كلام ابن النجار، وأين القفطي من ابن النجار الإمام العالم المحدث
الثقة الثبت؟!
(٢) يعني: الموفَّق عبداللَّطيف البغدادي.
٣٧٠

وله شعرٌ كثيرٌ؛ مدح الأمراءَ والوُلاة، ودخل الرومَ والشامَ؛ روى عنه
الدُّبيثي وغيرُه. وأنشد الدُّبيثي من شعره(١) :
يا شائمَ البرقِ من شَرْقيِّ كَاظمةٍ يَبْدو مِرارًا وتُخْفيه الذَّيَاجِيرُ
سَلِّمْ على الدَّوْحَةِ الغَنَّاءِ من سَلَمِ وعَفِّر الخذَّ إن لاح اليعافيرُ
واسْتَخْبرِ الجُؤْذُرَ السَّاجي اللَّحاظ أخا الـ تعذير هل عاقه عنَّا معاذيرُ؟
تُوفي ببغداد في رمضان.
١٤٥- شُجاع بن مُفَرِّج بن قُصَّةٍ (٢)، أبو محمد المَقْدسيُّ الجَبَليُّ،
من أهل جبل قاسيون.
سمع من أبي المَعالي بن صابر، وغيرِهِ. روى عنه الحافظ الضِّياءُ، والفَخْر
عليّ، والشيخ شمس [الدين](٣) عبدالرحمن، وتُوفي في شؤَّال بقاسِيُون.
١٤٦- شاكر بن أبي بكر أحمد بن محمد الحَرِيمِيُّ الخَيَّطُ، ابن
صُدَیْقات.
حَدَّث عن أبي عليّ أحمد بن أحمد الخَرَّاز(٤)، وتُوفي في رمضان(٥).
١٤٧ - صَدَقة بن عليّ بن مسعود، أبو المَواهب ابن الأوْسيِّ الضَّرير
المقرىء ببغداد .
سمع من ابن البَطِّي. وذَكَرَ أنَّهُ سمعَ من أحمد ابن الطَّلَّية، وأنَّه قرأ
القرآن على أبي الحسن عليّ بن أحمد اليَزدي.
مات في آخر المُحَرَّم.
روى عنه ابن النَّجَّار(٦).
(١) تاريخه، الورقة ٦٨ - ٦٩ (باريس ٥٩٢٢) واليعافير: جمع يعفور: الظبي الذي لونه كلون
العفر، وهو التراب، والجؤذر ولد البقرة الوحشية، والجمع جآذر.
(٢) قيده المنذري بضم القاف وتشديد الصاد المهملة وفتحها، كما هو مضبوط هنا. (التكملة
٢/ الترجمة ١٥٠٤).
(٣) إضافة من عندنا يظهر أن قلم الذهبي انزلق عنها، ولو كان قال ((الشمس)) لما احتجنا هذه
الزيادة .
(٤) الخراز: بالراء المهملة وبعد الألف زاي، نسبة إلى خرز الجلود (المشتبه ١٦١).
(٥) من التكملة ٢ / الترجمة ١٤٨٩.
(٦) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٨٣ - ٨٤ (باريس ٥٩٢٢).
٣٧١

١٤٨- صَدَقة بن المُبارك بن سعيد بن ثابت، أبو الفَضْل الهُمَاميُّ
التَّاجرُ العَدْلُ.
حَدَّث عن يحيى بن ثابت، وغيرِهِ، وتُوفي في المُحرَّم(١).
١٤٩- ضوْء الصَّبَاح بنت المُحدِّث أبي بكر المُبارك بن كامل
الخَفَّاف، واسمها: لامِعَة، وقيل: نور العَیْن.
وُلدت سنة ثلاث وثلاثين، وسَمَّعها أبوها من عُمر بن حَمْد البَنْدنيجي،
وأبي سَعْد أحمد بن محمد البَغْدادي، وأبي غالب محمد ابن الدَّاية،
والأَرْموي، وجماعةٍ. روى عنها الدُّبَيْئي، وابن خليل، وغيرُهما، وتُوفيت في
ذي الحِجَّة.
وعُمر بن حَمْد، هذا، روى عن أبي القاسم ابن البُسْري(٢).
١٥٠- ظاعن بن محمد بن حسن، عَفيف الدِّين أبو الحسن، أبو
الرَّحَّال(٣).
روى عن السِّلَفي. روى عنه القُوصيُّ، لقيه بِمِنَى، وقال: تُوفِي بِمِصْر
عن ثلاث وستين سنة .
١٥١- عبدالله بن جعفر بن هبة الله بن محمد بن عبدالله، الشَّريف أبو
طاهر العَلَوَيُّ الحُسَينِيُّ الكُوفئُّ.
سمع أحمد بن يحيى بن ناقةً، ويحيى بن ثابت، وحَدَّث؛ روى عنه
الزَّكيُّ المُنْذريُّ(٤)، وتُوفي بالقاهرة في رمضان.
وكان كثيرَ الأسفار والتَّطْواف. له شِعْرٌ، وخالطَ رؤساءَ مِصْرَ، ومَدَحَ
جماعةً، ونالَ دُنيا، وعاشَ ثمانين سنة .
١٥٢- عبدالله بن الحُسين بن صَدَقة، أبو القاسم البَغْداديُّ الوَزَّان،
المعروف بعَسَامة(٥) .
(١) من التكملة ٢ / الترجمة ١٤٤٨.
(٢) تنظر التكملة ٢ / الترجمة ١٥١٠.
(٣) بالحاء المهملة، ولم يقيده المؤلف في ((المشتبه)) فيستدرك عليه.
(٤) التكملة لوفيات النقلة ٢ / الترجمة ١٤٩٣.
(٥) قيده المنذري فقال: بعين وسين مهملتين مفتوحتين وبعد الألف ميم مفتوحة وتاء تأنيث.
(التكملة: ٢ / الترجمة ١٤٧٨).
٣٧٢

حَدَّث عن ابن ناصر، وتُوفي في شعبان.
١٥٣- عبدالله بن عمرو بن محمد بن يوسف، أبو محمد الخَزْرجيُّ
القُرطبيُّ ثم التِّلِمْسانيُّ.
قال الأبار(١): سمعَ من أبي عبدالله بن خليل القَيْسي، وأبي محمد بن
وَهْبِ القُضَاعِي، بسَبْتَةَ، وأخذَ عنه القراءات، والعربية. وكان أديبًا بليغًا،
کاتبًا . تُوفي في رمضان.
١٥٤- عبدالله بن محمد بن عليّ بن إبراهيم بن مَحْفوظ، أبو بكر
السُّلَميُّ الآمديُّ ثم البَغْدادِيُّ، المعروف بابن الفَرَّاء.
سَمِعَ مع عَمِّه إبراهيم، من أبي الوَقْت، وأبي بكر ابن الزَّاغوني، ومحمد
ابن عُبيد الله الرُّطَبي، وأبي جعفر العَبَّاسي، وتُوفي في شؤَّال.
روى عنه الدُّبَيْئِيُّ(٢)، والزكيُّ البِرْزاليُّ، وابن النَّجَّار.
ورث ثلاثين ألف دينار فنذرها، وارتكب محظورات حتى انكشف حاله
وسَألَ، ثم انقطعَ مع الفُقراء بالجامع، وحَسُنَت طريقته؛ قاله ابن النَّجَّار.
١٥٥- عبدالله بن محمد بن عبدالله بن مُجَلِّ بن الحسين بن عليّ بن
الحارث، القاضي ثِقةُ المُلْك أبو محمد ابن القاضي أبي الحسن، الرَّمْلِيُّ
الأصلِ المِصْريُّ الشَّافعيُّ الخطيب، الحاكم بمِصْر.
سَمعَ من عبدالله بن رِفاعة، والشريف ناصر ابن الخَطيب.
ونابَ في القَضاء عن صَدْر الدِّين عبدالمَلِك بن دِرْباس بمِصْر، ونابَ أيضًا
عن قاضي القُضاة أبي القاسم عبدالرحمن بن عبدالعَلِي. ووَليَ خطابة الجِيْزة.
قال الزَّكي المُنذري(٣): سَمعتُ منه، وسَمعَ منه جماعةٌ من شيوخنا
ورفقائنا، وأخبرني أنَّ مَوْلده سنة إحدى وأربعين وخمس مئة. وكان جَدُّهم أبو
المَعالي المُجَلِّي عاقد الأنكحة بالرَّملة.
قلتُ: وروى عنه أيضًا الزَّكيُّ البِرْزاليُّ، والزَّكيُّ عبدالعظيم، ومحمد بن
عبدالمُنعم الخِيَميُّ الشاعر، والشَّرَف عُمر بن صالح السُّبْكيُّ الحاكم، والشرف
(١) التكملة ٢٨٩/٢.
(٢) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٠٦ (باريس ٥٩٢٢).
(٣) التكملة ٢ / الترجمة ١٥١١.
٣٧٣

عبدالرحمن بن المظفر بن عبدالله المعروف والده بالمُقْتَرَح، وآخرون، وتُوفي
في ثامن عشر ذي الحِجَّة، بِمِصْر.
١٥٦ - عبدالحكم بن إبراهيم بن منصور بن المُسَلّم، الفقيه الخطيب
أبو محمد ابن الإمام أبي إسحاق، المعروف والده بالعِراقيِّ.
اشتغلَ على والده بمِصْرَ، وقرأ الأدب، وقال الشِّعْرَ الجَيِّدَ، وأنشأ
الخُطَبَ الكثيرةَ الحَسنةَ، ونابَ عن والده في الخطابة والإمامة بجامع مِصْر،
واستقل بعده به .
روى عنه من نَظْمهِ الحافظ عبدالعظيم، وقال(١): تُوفي في شعبان، وله
خمسون سنة .
١٥٧- عبدالرحمن بن عليّ بن أحمد بن عبدالرحمن، أبو محمد
الزُّهريُّ الإشبيليُّ، مُسْندُ الأَنْدلُس في زمانه.
سمعَ من أبيه القاضي أبي الحسن. وسمع ((صحيحَ)) البُخاري، في سنة
أربع وثلاثين وخمس مئة من أبي الحسن شُريح بن محمد. وطالَ عُمُره حتى
انفرد بالسَّماع في الدُّنيا عن شُرَيْح .
قال الأبَار(٢): كثيرًا ما كان شيخُنا أبو الخَطَّاب بن واجب يحرِّضني على
الرِّحلة إلى لقائه، فلم يُقدَّر ذلك، سمع منه جماعةٌ من أصحابِنا، وتنافسوا في
الأخذِ عنه، وتُوفي في آخر سنة ثلاث عشرة(٣).
قال ابن مَسْدي: سَمِعَ بإفادة أبيه، ومَوْلده قبل الثلاثين وخمس مئة،
وأجاز لي غيرَ مرةٍ، وتُوفي سنة خمس عشرة، كذا قال ابن مَسْدي.
وأما شُرَيْح، فروى ((البُخاري)) عن أبيه، وابن منظور، بسماعهما من أبي
ذَرٍّ .
١٥٨- عبدالسَّلام بن عبدالناصر بن عبدالمُحْسن، أبو محمد
التِّيسيُّ(٤) السَعْدِيُّ المقرىءُ، المعروفُ بابن عُدَيْسة، نَزِيلُ دِمْياط .
(١) التكملة ٢ / الترجمة ١٤٨٥.
(٢) تكملة ابن الأبار ٣/ ٤٤.
(٣) قال ابن الأبار: ((ذكر لي ذلك صاحبنا أبو بكر ابن سيد الناس اليَعْمَري)).
(٤) تحرف في المطبوع من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٥١٣: إلى ((النََّيسي)).
٣٧٤

قال المُنذريُّ(١): قرأ القرآن بالقراءات على الشَّريف أبي الفُتوح ناصر بن
الحسن الخطيب بمِصْر. وأقرأ بدِمْياط مُدَّةً، قرأ عليه غيرُ واحد من الفُضَلاء،
تُوفي في هذه السنة .
١٥٩- عبدالمَجيد ابن الفقيه عبدالدائم بن عُمر بن حُسين، الشيخ
الزاهد أبو الفَضْلِ الكِنَانِيُّ العَسْقلانيُّ.
وُلد بعَسْقلان سنة سبع وأربعين وخمس مئة في صَفَر، وجاورَ بمَكَّة أكثرَ
زمانِهِ، وحَجَّ خمسین حجة، ثم قَدِمَ مِصْرَ، وبها تُوفي في شعبان.
روى عن عُمر المَيَانَشي، وعنه الحافظ عبدالعظيم (٢).
١٦٠- عبدالمُحْسن بن أبي القاسم بن عبدالمُنْعم بن إبراهيم بن
يحيى، رَشِيد الدِّين أبو محمد ابن النَّقَّار المِصْريُّ الصُوفِيُّ.
وُلد سنة بضع وأربعين، وسمع من أبي طاهر السِّلَفي.
روى عنه الزَّكيُّ عبدالعظيم(٣)، وقال: كان شيخًا حَسنًا، مشهورًا
بالتصوُّف، صَحب جماعةً من الصالحين، وهو أخو عبدالعزيز(٤). تُوفي في
سَلْخِ رَجَب.
١٦١- عبدالواحد بن إسماعيل بن ظافر، الإمامُ صائنُ الدِّين أبو
محمد الدِّمْياطيُّ الشافعيُّ المُتْكلِّمُ.
نزل دمشق، ودَرَّس بها، بالأمينِيَّة، وأعادَ، وأفادَ، سمع من السِّلَفي،
وأحمد ومحمد ابني عبدالرحمن الحَضْرمي، وعبدالله بن بَرِّي النَّحْوي. ورحل
إلى أصبهان وسَمِعَ من أحمد بن أبي منصور التُّرك، وغيرِه. روى عنه الضِّياء،
والزَّكيُّ الِرْزاليُّ، والزَّكيُّ المُنْذريُّ(٥)، والشِّهاب القُوصَيُّ، وجماعةٌ آخرُهم
الفَخْرِ عليّ المَقْدسي.
وتُوفي في السابع والعشرين من ربيع الأوَّل بدمشق. وذَكَرَ أنَّ مَوْلده ظَنّا
في سنة ست وخمسين وخمس مئة .
(١) التكملة ٢ / الترجمة ١٥١٣.
(٢) التكملة لوفيات النقلة ٢ / الترجمة ١٤٨١.
(٣) التكملة ٢ / الترجمة ١٤٧٧.
(٤) توفي سنة ٦٤٠، وستأتي ترجمته في الطبقة ٦٤ / الترجمة ٦٦٨.
(٥) وترجمه في التكملة ٢ / الترجمة ١٤٥٨.
٣٧٥

١٦٢- عبدالوَهَّاب بن عبدالله بن عليّ، الوزير جمال الدِّين أبو
محمد ابن الصَّاحب الوزير صَفِي الدِّين ابن شُكر .
سَمِعَ من حَنْبل، وابن طَبَرْزَد، وجماعةٍ، ووَزَرَ للمَلِك المُعَظِّم عيسى،
وكان كثيرَ الصَّدَقات.
تُوفي في ربيع الآخر شابًا(١).
١٦٣- عليّ بن ظافر بن حُسين، الفقيه جمال الدِّين أبو الحسن
الأزْدِيُّ المِصْريُّ المالكيُّ، ابن العَلاَّمة أبي المنصور.
وُلد سنة سبع وستين، وتفقَّه على والده، وقرأ عليه الأُصول، وقرأ
الأدب، وبَرَعَ مع هذه الفضائل في مَعْرفةِ التاريخ، وأخبار المُلوك، وحَفِظَ من
ذلك جُمْلةً وافرةً. ودَرَّس بمدرسة المالكية بمِصْر بعد أبيه، وتَرَسَّلَ إلى الدِّيوان
العزيز، ووَليَ وزارة المَلِك الأشرف، ثم انفصل عنه، وقَدِمَ مِصْر، ووَليَ وكالة
السَّلْطَنة مُدةً.
قال الزَّكي المُنذريُّ(٢): كان مُتوقِّدَ الخاطرِ، طَلْقَ العِبارة، وكان مع
تعلُّقِهِ بالدُّنيا له مَيْلٌ كثيرٌ إلى أهل الآخرة، مُحبًّا لأهل الدِّين والصَّلاح، وله
مصنَّفاتٌ حَسنةٌ منها كتاب ((الدُّول المُنْقَطعَةِ))(٣)، وهو كتابٌ مفيدٌ في بابه جدًّا،
ومنها كتاب ((بدائع البدائه)). وأقبلَ في آخر عُمُره على السُّنّة النبوية،
ومطالعتها، وإدمان النَّظَر فيها، وحَدَّث بشيءٍ من شِعْره. سمعتُ منه.
قلتُ: وأخَذَ عنه من شِعْره الشِّهاب القُوصيُّ، وغيرُه. عاش ثمانيًا
وأربعين سنة.
ومن تواليفه كتاب ((أخبار الشُّجْعان))، وكتاب ((أخبار المُلوك
السلجوقية))، وكتاب ((أساس السياسة))، رحمه الله.
١٦٤- عُمر بن أحمد بن مِهْران(٤)، العَلَّمة أبو حَفْص الضَّرير
(١) من التكملة ٢ / الترجمة ١٤٦٣.
(٢) التكملة ٢ / الترجمة ١٤٨٢ .
(٣) منه نسخة في المتحفة البريطانية (رقم ٣٦٨٥ شرقيات).
في عقود الجمان لابن الشعار (٥/ الورقة ١٦٨ من نسخة أسعد أفندي): ((عمر بن أحمد
(٤)
ابن أبي بكر بن مهران))، وفي بغية السيوطي (٢١٦/٢): ((عمر بن أحمد بن أبي بكر بن
أحمد بن مهران»، و کله جائز.
٣٧٦

النَّحْويُّ العراقيُّ السَّواديُّ(١)، ويُقال له أيضًا: العَسْفني، نسبةً إلى عَيْن
سفنة، قرية بنواحي المَوْصل(٢).
نشأ بالمَوْصل، وحَفِظَ بها القرآنَ، وتأذَّب على مَكِّي بن رَيَّان، وصارَ
أنحى أهل عَصْره، وأتقن العَرُوض والشِّعْرِ واللُّغَة، وتصدّر للإفادة بعد شیخه،
وتخرَّج به أئمةٌ. وكان مُفْرِطَ الذَّكاءِ، وكان يُدرِّس مَذْهَب الشافعي.
تُوفي يوم عيد الفِطْرَ من السَّنة .
١٦٥- عُمر بن أبي المَجْد محمد بن عُمر البَغْداديُّ، أبو حَفْص ابن
المُزارع.
روى عن أبي الفَتْح ابن البَطِّ، ومات في رَجَب(٣).
١٦٦ - عيسى بن يوسف بن إسماعيل بن إبراهيم، الشيخُ المُقرىء
الزَّاهد أبو موسى، وأبو الفضل المَقْدسيُّ ثم البلبيسيُّ .
صَحِبَ جماعةً من الصالحين منهم الشَّيخ ربيع، وقرأ القراءات على
الإمام أبي القاسم بن فِيرُه الشَّاطبي. قرأ عليه الإمام أبو عبدالله الفاسي، نَزِيلُ
حَلَب ومُقرِئها .
سكنَ مِصْرَ مُدةً، وأقرأ بها، ثم سافر إلى الإسكندرية فتُوفي بها في شعبان.
وروى عنه الزَّكي عبدالعظيم، وهو من شيوخه(٤).
١٦٧- غازي بن يوسف بن أيُّوب بن شاذي ابن الأمير يعقوب،
السُّلطانِ المَلِك الظاهر غياثُ الدِّين أبو منصور ابن السُّلطان صلاح الدِّين
التَّكريتيُّ ثم المِصْريُّ، صاحبُ حَلَب.
وُلد بمِصْر في رمضان سنة ثمان وستين وخمس مئة، وسمع بالإسكندرية
(١) غير واضحة في الأصل، لأن الترجمة كتبت في حاشية النسخة بخط غليظ، وعرفناها
مؤكدة مما ترجمه به تلميذه ابن الشعار الموصلي، قال: ((شيخنا، كان مولده بقرية من
سواد العراق تسمى بُوَهْرَز)) (عقود الجمان ١٦٨/٥ من النسخة السابقة).
قلنا: وهذه القرية بلدة مشهورة اليوم تحت بعقوبة يتلفظها الناس: ((بُهْرز))، مشهورة
بعنبها البهرزي الحلو المذاق.
(٢) لم يذكرها ياقوت، وذكرها ابن الشعار، وهو موصلي، فقال: ((وقَدمَ صغيرًا إلى عين سفنة
قرية من نواحي الموصل فسكنها مُدة فنُسبَ إليها)).
(٣) من تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٢٠٢ (باريس ٥٩٢٢).
(٤) التكملة ٢ / الترجمة ١٤٨٦.
٣٧٧

من الفقيه أبي الطاهر بن عَوْف، وبمِصْر من عبدالله بن بَرِّي النَّحْوي، وبدمشق
من الفَضْلِ بن الحُسين البانياسيِّ، وحَدَّث بحَلَب، ووَليَ سلطنَتها ثلاثين سنة .
قال المُوَفَّق عبداللطيف: كان جميلَ الصُّورة، رائعَ المَلَاحَةِ، مَوْصوفًا
بالجَمال في صِغَره وفي كِبَرِهِ، وكان له غَوْرٌ ودَهاءٌ ومَكْرٌ؛ وأعظمُ دليلٍ على
دهائه مقاومتُه لعَمِّه المَلِك العادل، وكان لا يُخْليه يومًا من خَوْفٍ، وشغل
قَلْبٍ. وكان يصادق مُلوكَ الأطراف ويباطنُهم ويلاطِفُهم، ويُوهمُهم أنَّه لولا هو
لقد كان العادل يَقْصدهم، ويُوهمُ عَمَّهُ أنَّهُ لولا هو لم يُطِعْهُ أحدٌ من المُلوك
ولكاشفوه بالشِّقاق، فكان بهذا التّدبير يستولي على الجهتين ويستَعْبد الفريقين
ويشغل بعضهم ببعضٍ. وكان كريمًا مِعْطاءً، يَغْمر المُلوكَ بالتُّحَفِ، والرُّسل
بالنُّحْلِ(١)، والشُّعَراءَ والقُصَّاد بالصِّلات. وتزوَّجَ بابنة العادلِ وماتت معه، ثم
تزوَّج بأُختها، فكان له عُرْسٌ مشهودٌ، وجاءت منه بالمَلِك العزيز في أول سنة
عَشْرٍ، وأظهرَ الشُّرور بولادته، وبقيت حَلَبُ مُزِيَّنَةً شهرين، والنَّاس في أكْلٍ
وشَرْبٍ، ولم يُبْقِ صِنْفًا من أصناف النَّاس إلا أفاضَ عليهم النِّعَم، ووصلهم
بالإحسان، وسَيَّر إلى المدارس والخوانك الغَنَم والذَّهب، وأمَرهم أنْ يعملوا
الولائم، ثم فعل ذلك مع الأجناد والغِلْمان والخَدَم، وعَمِلَ للنِّساءِ دَعوةً
مَشْهُودةً أُغْلِقَت لها المدينة. وأما داره بالقَلْعة فزيَّنها بالجواهر وأواني الذَّهب
الكثيرة، وكان حين أمر بحفر الخراب حَوْل القَلْعة وجد عشرين لَبِنَ ذهبٍ فيها
قنطار بالحَلَبِي، فعَمل منها أربعين قَشْوةً (٢) بحُقاقِها، وخَتَن ولدَهُ الأكبر أحمد،
وختنَ معه جماعةً من أولاد المدينة، وقُدِّمَ له تَقَادُمُ جليلةٌ فلم يقبل منها شيئاً
رِفْقًا بهم، لكن قبل قطعة سمندل طول ذراعين في ذراع، فغمَّسوها في الزَّيت
وأوقدوها حتى نفدَ الزَّيت، وهي ترجع بيضاء فالتهوا بها عن جميع ما حضرَ.
وكان عنده من أولاد أبيه وأولاد أولادهم مئة وخمسة وعشرون نَفْسًا، وزَوَّج
الذكور منهم بالإناث، وعَقَدَ في يوم واحدٍ خمسة وعشرين عَقْدًا بينهم، ثم
صار كل ليلة يعمل عُرْسًا ويحتفل لَّه، وبقي على ذلك مُدةَ رَجَبٍ وشعبان
ورمضانَ. وكان بينه وبين سُلطان الرُّوم عز الدِّين كيكاوس بن كيخسرو صداقة
(١) النُّحل: العطاء.
(٢) القَشْوة: القفة.
٣٧٨

مؤكّدة ومراسلات، ومرض نَيِّفًا وعشرين يومًا، وأوصى أن يكون الخادم
طغريل دِزْدار(١) القلعة، وأنْ يكون شمسُ الدِّين ابن أبي يَعْلَى المَوْصلي وزيرًا
كما كان، ولا يخرج أحدٌ عن أمره، وسيفُ الدِّين ابن جَنْدر أتابكَ الجيش.
وكان القاضي بَهَاء الدِّين ابن شَدَّاد مُسافرًا إلى العادل بمِصْر، فقدم بعد ثلاثٍ،
فحلَّ جميع ذلك بالتدريج والخِفْية، وأعانه مَرَضُ الوزير، فلمَّا عُوفيَ وَجَدَ
الأُمورَ مختلفةً، فسافر إلى الروم ثم انتكس ومَرض، ومات في السَّنَة. وأما ابن
جَنْدَر فنزل عن الأتابكية، وجعلوها للمَلِك المنصور؛ يعني الذي كان تَسَلْطَن
بمِصْر بعد والده العزيز.
قال: فبقي أيامًا وعزلوه، ثم وَلَّوه، ثم عزلوه غير مرةٍ. وتلاعبت بهم
الآراءُ، وكان قَصْدُهم أنْ يكون الطواشي شِهاب الدِّين طُغريل هو الأتابك،
فسعوا إلى أنْ تَمَّ ذلك، ثم اتفقوا أنْ يحكمَ عليهم خادم، فاختلفت نياتهم.
ورأوا أن يُملكوا المَلِكَ الأفضل عليّ ابن صلاح الدين، وعزمَ الأُمراءُ على
التََّثُّب بِحَلَب، ثم قوي أمر طغريل وثبت، وقد هَمُّوا بقَتْله مرات ووقاه الله،
ولو ساق الأفضل لَمَلَكَ حَلَب ولَمَا اختلف عليه اثنان؛ لكنَّه كاتَبَ عزَّ الدين
صاحبَ الرُّوم وحَسَّنَ له أن يقصدَ حَلَب، فحشدَ وقَصَدَها، ونازلَ تل باشر،
فأخذها، وأخذ عَيْن تاب، ورَعْبان، ومَنْبج، وكاتَبَهُ أكثرُ رؤساء حَلَب
والأُمراء. فلمّا رأى طُغريل والخواص ذلك، طلبوا المَلِك الأشرف، فجاء
ونزل بظاهر حَلَب، مع شِدَّةِ خَوْفٍ. وجاءت طائفةٌ من العرب ومعهم عَسْكر
يتولعون بعسكر الرُّومِ، فَسَيَّر إليهم عزّ الدين كُبراء دولته، فساقوا بجَهْل،
وأمعنوا إلى بُزاعة في تلك البَرِّية، فخارت قواهم وذَبَلَت خَيْلُهم، واختطفتهم
العربُ سبايا كما تُؤخذ النِّساء، فخار قَلْبُ عز الدِّين، ورَجَعَ إلى تل باشر، ثم
إلى بلاده، ولَحِقْه غَبَنٌ وأسفٌ حتى مَرضَ ومات. وأما المَلِك الأشرف فإنَّه
تمكَّن من أموال حَلَب ورجالها وقَوِيَ بذلك على المَوْصل وسِنْجار، وعَظُم عند
ملوك الشرق .
قلتُ: قد ذكرتُ في الحوادث أنَّ الظَّاهر قَدِمَ دمشقَ وحاصرَها غير مَرَّةٍ
(١) الدزدار: لفظة فارسية، معناها: حاكم القلعة (انظر دوري ٤ /٣٤٧).
٣٧٩

مع أخيه الأفضل، وحاصر مَنْبِج وأخَذَها، وكذلك قَلْعة نُعْم (١) ثم حاصر حَمَاة،
وغير ذلك. وكان ذا شجاعة وإقدام، وكان سَفَّاكًا للدماء في أوائل أمره، ثم
قصر عن ذلك وأحسنَ إلى الزَّعية، وكان ذكيًّا فَطِنًا، حسن النادرة؛ قال له
الحِلِّيُّ الشَّاعرُ مرةً في المُنادمة وهو يَعْبَث به وراةٌ عليه، فقال: أنظم؟! يتهذَّده
بالهَجْو، فقال: السُّلطان: أنْثُر؛ وأشارَ إلى السَّيْف(٢) .
وقال أبو المظفر سِبْط ابن الجَوْزي(٣): كان الظاهر مَهيبًا، له سياسةٌ
وفِطْنةٌ، ودَوْلتُه مَعْمُورةٌ بالعُلَماء والفُضَلاء، مُزيَّةٌ بالمُلوك والأمراء. وكان
مُحسنًا إلى الرعية وإلى الوافدين عليه، حضر مُعْظَمَ غزوات أبيه، وانضم إليه
أخوته وأقاربه، وكان يزور الصَّالحين وِيَفْتَقدهم. وكان يتوقَّد ذكاءً وفطنةً.
تُوفي في العشرين من جمادى الآخرة بعِلَّة الذَّرَب، وقام بأمر ابنه طُغريل أتابك
العسكر أحسن قيام.
وقال أبو شامة (٤): أوصى في مرضه بالسلطنة لابنه محمد؛ لأنَّه كان من
بنت عَمِّه المَلِك العادل، وطلب بذلك استمرار الأمر له لأجل جَدِّه وأخواله،
وجعل الأمر من بعده لولده الأكبر أحمد، ثم من بعده المَلِك المنصور محمد
ابن المَلِك العزيز عثمان، أخيه، وفَوَّضَ القَلْعَة إلى طُغريل خادم روميٍّ أبيض،
وكان مُشتهِرًا بالزُّهد، فصارَ له عنده مكانةٌ. وعاشَ الظاهر خمسًا وأربعين سنة
ونُقلَ فدُفنَ بمدرسته التي أنشأها بحَلَب.
قال ابن واصل(٥): لمَّا اشتد به المَرَض، قيل: إنَّه كان يفيق ويتَشَهَّد
ويقول: ﴿ مَآ أَغْنَى عَنِّ مَالَه ٣٨َ هَّلَكَ عَنِّ سُلْطَنِيَةُ ﴿٠َ﴾ [الحاقة] اللهمَّ بك أستجير
وبرحمتك أثق. ولمَّا مات كُتْمَ خَبَرُه حتى دُفنَ بالقَلْعة، وسكن الناس. ثم
أخرج الأتابك طغريل ولديه من باب القَلْعة وعليهما السَّواد، فلما رآهما الأمراء
وقعوا عن خيولهم وكشفوا رؤسهم، وقُطعت الشعور، وضَجُوا ضَجَّةً واحدةً،
وفعل ذلك مماليكه، وكان منظرًا فظيعًا، ثم ركب الأخَوانِ المَلِك العزيز
(١) انظر (نُعْم) في معجم البلدان لياقوت.
(٢) انظر الخبر في مفرج الكروب ٢٤٣/٣ - ٢٤٤.
(٣) مرآة الزمان ٥٧٩/٨.
(٤) ذيل الروضتين ٩٤ .
(٥) مفرج الكروب ٢٤٠/٣ - ٢٤٢.
٣٨٠