النص المفهرس

صفحات 261-280

في سنة إحدى وست مئة، وأجاز لأحمد بن شَيْبان، وإسماعيل العَسْقلاني،
وابن النَّجَّار.
٥٦٣- محمد بن أحمد بن مَرْزوق اليَعْمُريُّ السَّبْتَيُّ المُحدِّث، أبو
عبدالله .
رحل إلى المَشْرق، وأكثر عن البُوصِيري، والقاسم ابن عَسَاكر،
و طبقتهما .
بَقِي إلى سنةٍ ثمانٍ وست مئة.
٥٦٤- محمد (١) بن أحمد بن يَرْبوع الجَيَّانِيُّ.
أخذ عن السُّهَيْلي، وابن الفَخَّار، وطائفةٍ، وكان مُقرِئًا، نَحْويًا، مُؤَدِّبًا.
تُوفي في حدود سنة عشر(٢).
٥٦٥- محمد ابن الحافظ أبي سَعْد السَّمْعانيُّ، أخو أبي المظفر
عبدالرَّحیم .
سيأتي في آخر ترجمة أخيه (٣).
٥٦٦- محمد بن أبي غالب، أبو عبدالله ابن النَّزَّال.
سَمِعَ من أبي بكر قاضي المَارِستان. روى عنه عبدُالصَّمَد بن أبي
الجيش .
٥٦٧- محمد ابن المَعز(٤)، أبو عبدالله المَيُورقيُّ.
(١) ترجم له ابن الأبار في التكملة ١٠٤/٢ - ١٠٥، والسيوطي في بغية الوعاة ٤٩/١ نقلاً عن
صلة الصلة لابن الزبير، وذكر أنه كان حيًّا سنة ٦٠٧ وأنه كان له برنامج. وقد نقل أحدُهم
في هامش إحدى نسخ التكملة لابن الأبار قولاً لابن مسدي يفيد أنه أجاز له، وأنه مات
سنة ثمان عشرة وست مئة، ولعل هذا هو الصواب. وقد جاء في حاشية النسخة بخط غير
خط الذهبي، ولعله خط السخاوي: ((ينبغي تحويله لسنة عشر)) ولما لم يكن ذلك من
طلب المؤلف فقد تركناه في مكانه .
(٢) تأتي بعد هذا ترجمة محمد بن عبدالله ابن غطوس الأنصاري المشهور بنسخ المصاحف.
وقد مر سنة عشر (الترجمة ٥٣٧)، وجاء في حاشية النسخة وبخط المؤلف: ((مر سنة
عشر))، ولذا فلم نكتب الترجمة، وهي ترجمة مختصرة، أحسن منها التي مرت.
(٣) في وفيات سنة سبع عشرة وست مئة، وإنما ثبتنا هنا رقم الترجمة لأنها سنة وفاته.
(٤) قيَّده ابن الأبار بفتح الميم، وهو مما فات الذهبي في المشتبه.
٢٦١

أخذ القراءاتِ ببلدهِ عن علي بن سعيد، وخَلَف بن عبدالله. وأجاز له ابن
هُذَيْل. ووَلِيَ قَضاءَ بَلَدِهِ .
تُوفي بعدَ سنة سبع وست مئة وقد قارب المئة(١).
لا أعرف شيخيه، وإن عَنى الأبَّارُ بعليٍّ بن سعيد أبا الحسن المَيُورقي
صاحب ابن حَزْم، فذاك كان ببغداد سنة نيِّ وتسعين وأربع مئة .
٥٦٨- مسعود بن إسماعيل بن إبراهيم الجندانيُّ القاضي.
من رواة ((المُعْجَم الصغير)) عن فاطمة الجُوزْدانية، سَمِعَه منها؛ كذا
وجدتُ تحت اسمه في الإجازات. أجاز للشيخ شمس الدِّين عبدالرحمن ابن
أبي عُمر، ولابن البُخاري، ولفاطمة بنت عَسَاكر. وتاريخ الإجازة في سنة
إحدى وست مئة .
وقرأتُ بخَطُّ الحافظ ضِياء الدِّين أنه سمع من هذا وكَنَّه أبا الفَتْح
الأصبهاني، وقال: مَوْلدُه سنة ست عشرة وخمس مئة في المُحرَّم.
٥٦٩- موسى بن ميمون، أبو عِمْران اليهوديُّ القُرْطبيُّ، رَئيسُ اليهودِ
وعالمُهم وحَبْرُهم بالدِّيار المِصْرية .
قال المُوَفَّق ابن أبي أُصَيْبعة (٢): هو أوحدُ زمانه في صناعة الطُّبِّ، متفئِّرٌ
في العُلوم، وله معرفةٌ جَيِّدةٌ بالفلسفة. طَبَّ السلطانَ صلاحَ الدِّين ثُم ولدَه
الأفضل عليًا. وقيل: إنه أسلَمَ بالمَغْرِب، وحَفِظَ القرآن، فلمَّا أنْ قَدِمَ مصر
ارتدَّ. وقد مدحه القاضي السعيد ابن سَنَاء المُلْك بأبيات. وله تصانيفُ في
الطُّبِّ، وكتاب كبير في دين اليهود، لعنهم الله .
وهو والدُ إبراهيم الطّبيب أحد أطبّاء الكامل. ومات إبراهيم بعد سنة
ثلاثین وست مئة .
٥٧٠- يحيى بن عُقَيل بن شَريف بن رِفاعة بن غدير، أبو الحسن
السَّعْديُّ المِصْريُّ.
سَمِعَ من جدِّه لأُمِّه عبدالله بن رِفاعة الفَرَضي، وكان خيِّرًا صالحًا، كثيرَ
الحجِّ والمُجاورة. حدَّث بدمشق وبالمدينة؛ روى عنه بَدَل التِّبْريزي، والتاج
(١) من التكملة الأبارية ٢ / ٩٧ .
(٢) عيون الأنباء ٥٨٢ - ٥٨٣.
٢٦٢

محمد بن أبي جعفر، وأبو القاسم بن صَصْرَى، والحافظ عبدالعظيم .
تُوفي مُجاوِرًا بالمدينة بعد سنة سبع وست مئة.
٥٧١- يوسف بن سِوار بن عُبَيْد، الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّين أبو العِزّ البَلَويُّ
المِصْريُّ.
روى عن يوسف بن آدم بن محمد، وأحمد بن أبي الوَفَاء الصَّائغ، وأبي
حامد محمد بن عبدالرحيم بن سُليمان الغَرْناطي، وأبي المَعالي مسعود بن
محمد النَّيْسابوري، وطائفةٍ.
حدَّث بدُنَيْسر في سنة أربع وست مئة؛ سمع منه ولده أبو النَّصْر إبراهيم،
والمُحدِّث عُمر ابن اللمش، وجماعةٌ. وأجاز لعبد الرحمن ابن اللمش.
ترجمه الفَرَضيُّ(١).
وهو مستفادٌ مع صاحبنا يوسف بن سِوار البدَوي المِصْري الحنبلي. سمع
من الفخر علي، وجماعةٍ .
٥٧٢- أبو العباس السَّبْيُّ الزَّاهد، شيخُ المَغْرِب في عَصْرِه أحمد بن
جعفر الخَزْرَجيُّ، صاحبُ الأحوالِ والمَقَامَاتِ والكَراماتِ .
قال تاجُ الدِّين ابن حَقُّوية: أدركتُه بمَرَّاكُش في سنة أربع وتسعين وقد
ناهز الثمانين. وهو شيخٌ نَوْرانيٌّ، بَهِيُّ المَنْظر، عظيمُ المَخْبَرِ، سَليمُ الحَوَاسِّ،
ذكيُّ الفِطْرةِ، كاملُ الأخلاقِ الحَسَنةِ، دائمُ البِشْرِ، مَسْلوبُ الغَضَبِ، عَديمُ
الحَسَدِ، لا يطلبُ الدُّنيا، ولا يلتفتُ إلى أهلِها، وإذا جاءه المالُ فَرَّقه في
الحالِ. ورأيتُ النَّاسَ على قدر ميزتهم يختلفون فيه، فمن قائل: ساحرٌ
وكاهنٌ، ومن قائل: زنديقٌ وممَخْرِقٌ، ومِن قائل: مَجْذوبٌ يتكلم على
الخَواطرِ، ويتصرَّف في البواطِنِ والظواهر. فتوقفتُ عن الدُّخول إليه سنةً، ثُمَّ
ألحَّ عليَّ صديقٌ فمضيتُ إليه، فإذا به في دار قوراء بَهيةٍ ذاتِ مَجالسَ وأروقةٍ
ومَفارشَ، وفي وَسَطِ الدَّارِ ماءٌ جارٍ وأشِجارٌ كأنَّها مِن دور المُلوك، وحولَه
فُقَهاء وصُلَحاء وبعضُ مُتميِّرَي البلد،َ فَسلَّمنا وجلسنا، فكان يُفَسِّر في آيات في
البِرِّ والصَدَقة، ورأيتُ على عينيه خرقة زرقاءُ فحسبتُ أنها لِرَّمَدٍ وإذا هي عادةٌ له.
(١) يعني شيخه أبا العلاء محمود بن أبي بكر بن أبي العلاء البخاري الكلاباذي الحنفي
الفرضي المتوفى سنة ٧٠٠هـ.
٢٦٣

فلمَّا فرغَ، عاد لمُحادثتي، وسأل عن اسمي وبَلَدي، وفاوضتُه في مسائلَ في
التَّصوُّف، فكان يأتي بالإجوبة الغريبة السَّديدة، والكلام المنقح، ثُمَّ شرع في
الحديث معي على ما جرت بهِ العادة مع القادم. ثُمَّ لازمتُ زيارتَه وزارني،
وخرجتُ معه إلى البساتين والضَّواحي، وكانِ يُحبُّ الخُضْرة، والمياه الجارية،
وبلغني أنَّه كان يُلازم العُزْلة والخَلْوةُ ثُمَّ خالطَ الناسَ. وكانت مجالسُه مجالسَ
وَعْظِ وتذكيرٍ وأدعيةٍ، ومُعْظمُ كلامِه في الحَثِّ على الصَّدَقة وفِعْلِ الخَيْرِ وذمّ
الشُّحِّ.
وأما الذي صَحَّ عنه من الكَرامات، وصِحَّة الفَراساتِ، والدَّعَوات
المُسْتجابات، فمشهورٌ مُتداولٌ مُستفيضٌ، إلا أنَّهم يرجمون الظُّنون في أسباب
ذلك الحُصول وطريقته في الوصول، وكان لِصاحبي الجَمال محمد القَسْطلاني
أخٌ قد سافر بتجارة إلى غانة، وهي قاعدة مَمْلكة السُّودان، فبعث إليه بضاعةً
فخرج الحرامية، فأخذوا تلك القافلة فردَّ التُّجَّارُ إلى سِجِلْماسة، وخرج
الوالي، فأمسك بعضَ الحرامية، وبعضَ الأموال، فدخل محمد معي إلى
الشيخ فحكى له ما جرَى، فقال: كم تَسْوَى بضاعتُك؟ قال: ستُّ مئة دينار.
فتبسَّم، وقال: لعلَّ رأس مالها عليك العُشر أو أقل، فكأنَّكم طَمِعْتُم في
اقتناص أموال الحَضر، فصادها البَرْبَر من المَدَر، فقلتُ أنا: يا سيدي فهل
يُرجى لما ذهبَ عَوْدٌ؟ قال: إنْ تصدَّق بست مئة درهم، أخلف الله عليه ذلك.
فأخرجَ دراهمَ، فوضعها بين يديه فَعُدَّت، فكانت مئة وثمانية دراهم. فلمّا كان
بعِدَ شهر، دخل إليَّ محمد القَسْطلاني ومعه كُتُب وردت من أصحابه يذكرون
أنَّ الوالي أحضر ما استرد، فقال للتُّجار: لِيَأخُذ كُلُّ من تحقَّقَ له عينُ مالِه،
وحضرَ القاضي والعدول، وشَهِدَ التُّجارُ بعضُهم لبعضٍ، فظهرتٍ صُرَّة فيها تِبْرٌ
من عين ماله، مكتوبٌ عليها اسم أخيه، وأخرج لي الْصُرّة من كُمِّه، وقال: یا
ما أعجب شأن هذا الرجل، يعني السَّبْتي، أتذكر قوله، وحديث العُشر
والصدقة، هذا التِّبْر وزِنه مئة وعشرة مثاقيل! فمضينا إلى زيارته، وقَبَّل محمد
يده وحكى ما جرى، فلَمْ يكترثْ بما جرى.
قلتُ: ثُمَّ حكى له ثلاثَ كَراماتٍ أُخرَ، وقال: خرجتُ من البلاد بعد
الست مئة، وتركتُه حيًّا يُرزق. وكان يقولُ إذا جرى ذكرُ الدَّولة: إنَّ دَولة هؤلاء
تختل بعدَ وفاتي وتضمحل، يعني بني عبدالمؤمن، فظهر ذلك بعد وفاته،
واختلفوا، واقتتلوا، وفسد أمرُهم.
(آخر الطبقة والحمد لله)
٢٦٤

الطبقة الثانية والستون
٦١١ - ٦٢٠ هـ

◌ِاللهِ الرَّحْمنِ الرَّحَـ
نشـ
(الحوادث)
سنة إحدى عشرة وست مئة
قال ابن الأثير(١): فيها وصلَ الخبرُ أنَّ السُّلطانَ خُوارزم شاه مَلَكَ كِرْمانَ
ومُكْرانَ والسِّنْدَ؛ وسببُ ذلك أنَّ من جُمْلة أُمرائِهِ تاجَ الدِّين أبا بكر، الذي
أسلفنا أنَّه كان جَمَّالاً ثُمَّ سَعِدَ بأنْ صار سيروان السلطان، فرأى منه جَلَدًا
وأمانةً، فَقَدَّمَهُ، فقال له: وَلِّني مدينة زَوْزَن. فولاَه، فوجده ذا رأي وحَزْم
وشَجاعةٍ، فلمَّا وَلاَه سَيَّر إليه يقول: إنَّ بلادَ مُكْران مُجاورة لبلدي، فلو أضفتَ
إليَّ عسكرًا لأخذتُها، فنفَّذَ إليه جَيْشًا فسارَ به إليها، وصاحبُها حَرْب بن محمد
ابن أبي الفَضْل، من أولاد المُلوك، فقاتله فلمْ يَقْوَ به، وأخذ أبو بكر بلادَهُ
سريعًا، وسار منها إلى نواحي مُكْران فمَلَكها جميعها إلى السِّنْد، وسارَ منها
إلى هُرْمُز، وهي مدينة على ساحل بحر مُكْران، فأطاعه صاحبها مُليك(٢)،
وخطب بها لخُوارِزم شاه وحملَ إليه أموالاً، وخطب لخُوارزم شاه بهلوات(٣).
وكان خُوارِزم يُصَيِّف بأرض سَمَرْقند لأجل التَّتَار، وكان سريعَ السَّيْر، إذا قصد
جهةً يَسبقُ خَبَره إليها .
(١) الكامل ٣٠٣/١٢ - ٣٠٤ وقال: «هذه الحادثة لا أعلم الحقيقة أي سنة كانت، إنما هي
إما هذه السنة أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، لأن الذي أخبر بها كان من أجناد
الموصل، وسافر إلى تلك البلاد، وأقام بها عدة سنين، وسار مع الأمير أبي بكر الذي
فتح كرمان ثم عاد فأخبرني بها على شك من وقتها)).
(٢) كذا بخط المؤلف، وفي ابن الأثير ((ملنك)).
(٣) هكذا بخط المؤلف، وفى كامل ابن الأثير: ((قَلهات))، وهو الصواب، وهي مدينة بعُمان
على ساحل البحر، كما في ((معجم البلدان)) وغيره.
٢٦٧

وفيها قَصَدت الفِرَنْج بلاد الإسماعيلية، ونزلوا على حِصْن الخوابي،
وجَدُّوا في الحِصَار، وكانوا حَنِقين على الإسماعيلية بسبب قَتْلهم ابنَ البرنس
صاحبَ أنطاكية، شابٌّ ابنُ ثمان عشرة سنة، وَثَبوا عليه عام أول، فخرج
المَلِكُ الظَّاهرِ بعَسْكره ليكشف عنهم، فترخَّلَت الفِرَنْج عن الحِصْن.
وفيها شُرِعَ في تبليط جامع دمشق، فابتُدِىءَ بمكان السبع الكبير، وكانت
أرضه قد تَكَسَّر رُخامُها وتَحَفَّرت.
وفيها وَلَيَ تدريس النُّورية جمال الدِّين محمود الحَصيريُّ.
وفيها تُوفي صاحبُ اليمن ابن سيف الإسلام، واستولى على اليمن
شاهنشاه ابن تَقِيِّ الدِّين عُمر بن شاهنشاه بن أيُّوب، فتزوَّج بأُمّ المُتوفى، ثم نَفَّذَ
المَلَكُ الكامل صاحبُ مصر ولدَهُ المَلِكَ المسعود أقسيس(١) إلى اليمن
فتملَّكَها، وكان شُجاعًا فاتكًا ظالمًا جَبَّارًا، قيل: إنَّ قَتلَ باليمن ثمان مئة نَفْسٍ،
منهم أكابر .
وفيها أخذَ المَلِكُ المُعَظّم من ابن قَرَاجا قلعةِ صَرْخَد، وعَوَّضَهُ عنها مالاً
وإقطاعًا، ثم أعطاها لمملوكه عِزّ الدِّين أيْبَك المُعَظَّمِي، فبقيت في يده إلى أنْ
أخْرجه عنها المَلِكُ الصَّالِحِ أيُّوب.
وفيها حَجَّ المَلِكُ المُعَظَّم، فسارَ من الكَرَك على الهُجُن، ومعه عِزُّ الدِّين
أَيْبك صاحب صَرْخَد، وعمادُ الدِّين ابن موسك، والظهير ابن سنقر الحَلَبيّ،
وجَدَّد البِرَكَ والمَصَانع، وأحسن إلى النَّاس، وتلقَّاهُ سالم صاحبُ المدينة،
وقَدَّم له خَيْلاً، وكانت وقفة الجُمُعة(٢)، وقَدِمَ معه الشام صاحبُ المدينة .
سنة اثنتي عشرة وست مئة
فيها شَرَعوا في بناء المدرسةِ العادليةِ .
وفيها أغار الفِرَنْج على بلاد الإسماعيلية وأخذوا ثلاث مئة نَفْس.
وفيها أغارت الكُرْج على أذْرَبِيجان، فحازوا ذخائِرَها، وما يزيد على مئة
ألف أسير؛ قاله أبو شامة(٣) .
ويقال فيه: ((آتسيس)) ومعناه بالتركية: بلا اسم.
(١)
يعني: كانت وقفة تلك السنة يوم الجمعة (انظر التفاصيل عند أبى شامة ٨٧).
(٢)
(٣) ذيل الروضتين ٨٩.
٢٦٨

وفيها استولَى المَلِكُ المسعود ابن الكامل على اليمن بلا حَرْب،
وانضم(١) ابنُ عَمِّه سُليمان شاه(٢) بعائلته إلى قلعة تَعِزّ، فحاصرَهُ وأخذَهُ، وبعثَ
به إلی مِصْرَ، هو وزوجته بنت سيف الإسلام.
وفي صَفَر نزل قَتَادة على المدينة وحاصرها، لِغَيْبة سالم أميرها، وقطعَ
كثيرًا من نخيلها، وقَتَلَ جماعةً، ثُم رحل عنها خائبًا .
وفيها مَلَك خُوارزم شاه بَلَدَ غَزْنَة وأعمالها، عملَ على صاحبها تاج الدِّين
ألْدُز نائبُهُ قتلغ تكين، وكاتبَ خُوارزم شاه، وكان ألدُز في الصَّيْد، فجاء
خُوارِزم شاه فهَجَمَها، فلمَّا بلغَ ألدُزْ الخبرُ هربَ على وجهه إلى لهاوور،
وجلس خُوارِزم شاه على تَخْتِ المُلْك بها، ثُم قال لقتلغ تكين: كيف كان
حالك مع ألدُز؟ قال: كلانا مماليك السُّلطان شِهاب الدِّين، ولَمْ يكنْ ألدُز يقيم
بغَزْنة إلاَّ في الصَّيْف، وأنا الحاكم بها. فقال: إذا كنتَ لا ترعى لرفيقك مع
ذلك(٣)، فكيف يكون حالي معك؟ فقبض عليه، وصادره حتى استصفاه ثُمَّ
قتله، وترك ولدَهُ جلالَ الدِّين خُوارِزم شاه بغَزْنَة. قال ابن الأثير (٤): وقيل إنَّ
ذلك كان في سنة ثلاث عشرة.
وأما ألدز فإنه افتتح لهاوور فلَمْ يقنعْ بها، وسار ليفتح دَهْلَة، فالتقى هو
وصاحبها شمس الدِّين الترمش، مملوك أيبك مملوك شِهاب الدِّين(٥)، فانكسر
ألدُز وقتل. وكان ألدُز مَوْصوفًا بالعَدْل والمُرُوءة والإحسان إلى التجار.
وفيها عُزل زكي الدِّين الطاهر ابن مُخْبِي الدِّين عن قضاء دمشق، وؤُلِّيَ
جمال الدِّين أبو القاسم عبدالصمد ابن الحَرَسْتاني، فقضى بالحق وحَكَمَ
بالعدل .
وفيها بَطَّل العادلُ ضمانَ الخَمْرِ والقِيان، فلَمْ يُكرَّر ذلك إلى بعد موته (٦).
(١) كتب المؤلف: ((وانضم إليه)) ثم ضرب على ((إليه))، وهو الصواب.
(٢) هو ابن تقي الدين عمر (وانظر ذيل الروضتين ٨٩).
(٣) هكذا في الأصل، وفي كامل ابن الأثير: ((إذا كنت لا ترعى لرفيقك ومن أحسن إليك
صحبته وإحسانه ... )) (الكامل ١٢/ ٣١٠).
(٤) الكامل ١٢/ ٣١٠.
(٥) يعني: مملوك أيبك الذي هو مملوك شهاب الدين الغوري.
(٦) يعني: بقي الأمر على ذلك إلى أن توفي العادل في سنة ٦١٥ (ذيل الروضتين ٨٩).
٢٦٩

وفيها وصل السُّهْرَوَرْدي رسولاً من الخلافة إلى العادل، ونزل بجوسق
العادل .
وفيها سارَ من دمشق سالم أمير المدينة بمن استخدمه من التُّركمان
والرجال، ليقاتل قتادة صاحبَ مَكَّة، فماتَ في الطريق، وقام ابن أخيه جمَّاز
بعده، فمضى بأولئك وقصدَ قَتادة، فانهزمَ إلى اليَنْبع، فتبعوه وحَصَرُوه بقلعتها،
وحصل لحُمَيْد بن راجب من الغنيمة مئة فرس، وحُمَيْد من عَرَب طَيّ، وعادَ
الذين استخدموا صُحْبَة النَّاهض بن الجَرخي خادم المُعتمد، ومعهم كثيرٌ مما
غَنِموه من عسكر قَتَادة، ومن وَقْعَة وادي الصَّفْراء، من نساء وصبيان سَبَوْهم،
وظهر فيهم أشراف علويون، فتسلَّمهم أشرافُ دمشق ليواسوهم من الوَقْفِ.
وفيها كَسَرَ كيكاوس صاحبُ الرُّومِ الفِرَنْج الذين مَلَكوا أنطاكية، وأخذها.
منهم.
وفيها أخذ خُوارِزم شاه غَزْنَة بغيرِ قِتال. وأخذ ابن لاون أنطاكية من
الفِرَنْجِ، ثُم عادَ أخَذَها صاحبُ طرابلس من ابن لاون.
ويقال: فيها كانت حركةُ التَّتار إلى قَصْدِ بلاد التُّرك.
وفيها انهزم مَنْكلي الذي غلبَ على هَمَذان وأصبهان والرَّيِّ فَقُتِلَ،
واستقرت القواعد على أنَّ بعضَ بلادِه للخليفة، وبعضها لجلال الدِّين
الصَّبَّاحي مَلِك الإسماعيلية وصاحب الألموت وقلاعها، وبعضها لأزبك بن
البهلوان. ولكن كان الخليفة في شغل شاغل، وحزن عظيم بموت ابنه عليّ عن
المسرة بهلاك منكلي.
سنة ثلاث عشرة وست مئة
قال أبو شامة(١): فيها أُحضرت الأوْتار الخَشَب لأجل نَسْر قُبَّة
الجامع(٢)، وعِدَّتُها أربعة، كل واحد منها اثنان وثلاثون ذراعًا بالنجار(٣)،
قُطِعَتِ من الغُوطة، وكان الدخولُ بها من باب الفَرَج إلى المدرسة العادلية إلى
(١) ذيل الروضتين ٩٢.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وفي ذيل الروضتين لأبي شامة: ((قبّة النسر في الجامع)).
(٣) في تاريخ أبي شامة: ((بذراع النجارين)).
٢٧٠

باب النَّاطفانيين، وأُقِيمَ لها هناك الصَّواري، ورفعت لأجل القُرنة، ثُم مُدِّدت.
وفيها(١) شُرِع في تحرير خَنْدق باب السِّر، وهو الباب المُقابل لدار الطُعم
العتيقة المجاورة لنهر باناس، وكان المُعَظّم ومماليكُه والجُند ينقلون التُّراب
بالقِفاف على قرابيس سُرُوجهم، وكان عملُه كلَّ يوم على طائفة من أهل البَلَد،
وعَمِلَ فيه الفُقهاء والصُّوفية .
قال(٢): وفيها كانت الحادثة بين أهل الشَّاغورِ والعُقيبة وحَمْلهم السِّلاح،
وقتالهم بالرَّحْبة والصَّيارف، وركوب العَسْكر مُلْبسًا للفصل بين الفريقين،
وحضرَ المُعَظِّم بنفسه لإطفاء الفِتْنَة، فقبضَ على جماعةٍ من كبار الحارات،
منهم رئيس الشَّاغور، وحبسَهُم.
وفيها(٣) سارَ المُعَظّم على الهُجُن إلى أخيه المَلِك الأشرف، واجتمعَ به
بظاهر حَرَّان، ففاوضه في أمر حَلَب عندما بلغه موت صاحبها المَلِك الظاهر،
وكان قد سبق من الأشرف الاتفاق مع القائم بأمرِها، فرَجَعَ المُعَظَّم بعد سبعة
عشر يومًا، ولم يظهر إلا أنَّه كان يَتَصیَّد .
وفيها (٤) فُرغَ من بناء المُصَلَّى بظاهر دمشق، ورُِّّب له خطيبٌ، وهو
الشيخ صَدْر الدِّين، مُعيد الفَلَكِيَّة، ثم وُلِّيَ بعده بهاءُ الدِّين ابن أبي اليُسْر، ثم
بنو حَسَّان. قلتُ: وهُمْ إلى الآن.
قال سِبْط الجَوْزي(٥): وفيها ذهبتُ إلى خِلاط، ووعظتُ بها، وحضرَ
المَلِكُ الأشرف.
وفيها ذهبَ شِهابُ الدِّين عبدالسلام بن أبي عَصْرُون، رسولاً من المَلِك
العزيز محمد ابن الظاهر صاحب حَلَب، يسأل تقليدًا من الدِّيوان بحَلَب.
وفيها وعظ ابن الجوزي(٦) بحَرَّان، وحضره الأشرف، وفخرُ الدِّين ابن
تَيْمية، وكان يومًا مَشْهودًا .
(١) من أبي شامة أيضًا.
(٢) نفسه.
(٣) نفسه .
(٤) نفسه .
(٥) المرآة ٨/ ٥٧٤ .
(٦) يريد: ((سبط ابن الجوزي)) وهذا من تصرف الذهبي - رحمه الله - وسیعیدہ کثیرًا .
٢٧١

قال ابن الأثير(١): فيها وقع بالبصرة بَرَدٌ، قيل: إنَّ أصغرَهُ كان مثلَ
النارنجة الكبيرة. قال: وقيل في أكبره ما يستحي الإنسان أن يذكره(٢).
قلتُ: أرض العراق قد وقع فيه هذا البَرَد الكِبار غير مَرّة.
سنة أربع عشرة وست مئة
فيها كان الغَرَقُ ببغدادَ بزيادة دجلة، وركب الخليفةُ شُبَّارَةً، وخاطبَ
النَّاس وجعلَ يتأوَّه لهم ويقول: لو كان هذا يُرَدُّ عنكم بمالٍ أو حَرْب، دفعتُه
عنكم؛ قال أبو شامة(٣) - وقد نقلَهُ من كلام أبي المظفّر سِبْط الجَوْزي(٤)، إن
شاء الله -: فانهدمت بغدادُ بأسرها، والمَحالُّ، ووصلَ الماء إلى رأس السُّور،
ولم يبقَ له أنْ يطفحَ على الشُّور إلا مِقْدار إصبعين، وأيقنَ النَّاسَ بالهلاكِ،
ودامَ ثمانية أيام، ثم نقصَ الماء، وبَقِيَت بغدادُ من الجانبين تلولاً لا أثر لها!
قلتُ: هذا من خسف أبي المظفر، فهو مُجازفٌ.
قال أبو المظفر(٥): وفيها قَدِمَ خُوارزم شاه محمد بن تكش في أربع مئة
ألف، وقيل: في ست مئة ألف، فوصل هَمَذان قاصدًا بغدادَ، فاستعدَّ الخليفةُ،
وفَرَّق الأموالَ والعُدَد، وراسلَهُ مع الشيخ شِهاب الدِّينِ الشُّهْرَ وَرْدي، فأهانه
ولم يحتفلْ به، واستدعاه، وأوقفه إلى جانب الخَيْمَة، ولم يُجْلِسْه، قال:
فحكى شِهابُ الدِّين، قال: استدعاني إلى خَيْمة عظيمة لها دِهليز لم أرَ مثلَه في
الدُّنيا، وهو من أطْلَس والأطنابُ حرير، وفي الدِّهليز ملوكُ العَجَمِ على
طبقاتهم، كصاحب أصبهان، وصاحب هَمَذان، والرَّيِّ، قال: ثم دخلنا إلى
خيمة أخرى وفي دِهليزها ملوكُ ما وراء النهر، ثم دخلنا عليه وهو شابٌ، له
شعرات، قاعد على تَخْتٍ ساذج، وعليه قباءٌ بُخاريٌّ يساوي خمسة دراهم،
وعلى رأسه قطعة جِلْدٍ تساوي درهمًا، فَسَلَّمتُ عليه فلم يَرُدَّ، ولا أمرني
بالجلوس، فشرعتُ فخطبتُ خُطبة بليغةً، ذكرتُ فيها فَضْل بني العباس،
(١) الكامل ٣١٤/١٢ - ٣١٥.
(٢) قال ابن الأثير: فكسر كثيرًا من رؤوس النخيل.
(٣) ذيل الروضتين ١٠٠.
(٤) المرآة ٨/ ٥٨٢.
(٥) نفسه .
٢٧٢

ووصفتُ الخليفةَ بالزُّهِدِ والوَرَع والتُّقَى والدِّين، والتَّرجُمان يُعيدُ عليه قولي،
فلمّا فرغتُ قال للتَّرجُمان: قُل له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد، بل أنا
أجيء وأُقيمُ خليفةً يكون بهذه الصِّفَة، ثم رَدَّنا بغير جواب، ونزلَ عليهم
بِهَمَذان الثَّلج فهلكت خَيْلُهم، وركب المَلِك خُوارزم شاه يومًا فعثر به فرسُه،
فتطيّر، ووقع الفَسادُ في عَسَاكره، وقلَّت المِيْرة، وكان معه سبعون ألفًا من
الخطا، فرَدَّهُ الله تعالی عن بغداد.
قال أبو شامة (١): ذكر محمد بن محمد النَّسَوي في كتابه الذي ذكر فيه
وقائع التَّار مع علاء الدِّين محمد، ومع ولده جلال الدِّين(٢)، قال: حكى لي
القاضي مُجيرُ الدِّين عُمر بن سَعْد الخُوارِزمي، أنَّه أُرسِلَ إلى بغداد مِرارًا،
آخرها مطالبة الدِّيوان بما كان لبني سُلْجوقَ من الحُكم والمُلْك ببغداد، فأبوا
ذلك، وأصحب المذكور في عوده شِهاب الدِّين السُّهْرَ وَرْدي رسولاً مدافعًا.
قال: وكان عند السلطان من حُسن الاعتقاد برفيع منزلته ما أوجب تخصيصَه
بمزيد الإكرام والاحترام تمييزًا له عن سائر الرُّسُل الواردة عليه من الدِّيوان،
فوقفَ قائمًا في صَحْنِ الدَّار، فلمَّا استقرَّ المجلسُ بالشَّيخ، قال: إنَّ من سُنَّة
الداعي للدَّوْلة القاهرة أنْ يُقدِّمَ على أداء رسالته حديثاً. فأذنَ له السُّلطانُ،
وجلسَ على ركبتيه تأذِّبًا عند سماع الحديث، فذكرَ الشَّيخُ حديثاً معناه التَّحذير
من أذِية آل العباس. فقال السُّلطان: ما آذيتُ أحدًا من آل العباس ولا قصدتُهم
بسوءٍ، وقد بلغني أنَّ في محابس أمير المؤمنين خَلْقًا منهم يتناسلون بها، فلو
أعادَ الشيخُ هذا الحديث على مسامع أمير المؤمنين كان أولى وأنفع. فعادَ
الشَّيخُ والوَحْشةُ قائمةٌ، ثُم عزمَ على قَصْد بغداد، وقَسَّمَ نواحيها إقطاعًا
وعَمَلاً، وسارَ إلى أنْ عَلا عقبةٍ أَسَدَآباد فنزلت عليه ثُلوج غَطَّت الخراكي
والخِيام، وبَقِيَ ثلاثةَ أيام، فعَظُم إذ ذاك البلاءُ، وشَمِلَ الهلاكُ خَلْقًا من
الرِّجال، ولم يَنْجُ شيء من الجمال، وتلفت أيدي رجال وأرجل آخرين، فرجَعَ
السُّلطان عن وَجْهِهِ ذلك على خَيْبةٍ مما هَمَّ به.
وفيها تجمّعَ الفِرَنْج وأقبلوا من البَحْر بفارسِهِم وراجِلِهِم لأجل فَصْدٍ بيت
(١) ذيل الروضتين ١٠١ .
(٢) هو الكتاب المطبوع باسم ((سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي)).
تاريخ الإسلام ١٣ / م١٨
٢٧٣

المَقْدس، وتتابعت الأمداد من رومية الكُبرى، التي هي دار الطاغية الأعظم
المعروف بالبابا لعنه الله، وتجمّعوا كلُّهم بعَكًا، عازمين على استيفاء الثأر مما
تَمَّ عليهم في الدَّولة الصلاحية، فجفلَ المَلِك العادل لما خرجوا عليه،
ووصلوا إلى عين جالوت، وكان على بَيْسان فأحرقها، وتقدَّم إلى جِهَة
عَجْلُون، ووصلَ الفَوَّارَ(١)، فقطع الفِرَنْجِ خَلْفَه الأردُنَّ، وأوقعوا باليزك،
وعادوا(٢) على البلاد، وجاء الأمر إلى المُعتمِد والي دمشق بالاهتمام
والاستعداد واستخدام الرِّجال، وتدريب دُرُوبِ قَصِر حَجَّاج، والشَّاغُور، .
وطرق البَسَاتين، وتغَريق أراضي داريًّا، واخْتَبَطَ البَلَدُ، وأرسل العادل إلى
مُلوك البلاد يستحثُ العَساكرَ، ونزل مرج الصُّفَّر، وضَجَّ الناس بالدُّعاء ثم رَجَعَ
الفِرَنْج نَحْو عَكَّا بما حازوه من الثَّهْب والأسارَى، فوصلَ المَلِك المُجاهدُ
صاحبُ حِمْص، ففرحَ به النَّاس.
قال أبو المظفر ابن الجَوْزي(٣): فيها انفسخت الهُدْنَة بين المُسلمين
والفِرَنْج، وجاءَ العادلُ من مِصْرَ بالعساكر، فنزلَ بَيْسان، والمُعَظَّم عنده في
عَسْكر الشَّام، فخرج الفِرَنْج مِن عَكَّا، عليهم ملكُ الهُنْكَر، فنزلوا عَيْن جالوت
في خمسة عشر ألفًا، وكان شُجاعًا، خرج معه جميعُ ملوكِ السَّاحل، فقصدَ
العادل، فتأخّرَ العادلُ وتَفَهْقَر، فقال له المُعَظِّم: إلى أين؟ فَشَتَمَهُ بالعَجَميَّة، وقال :
بمن أُقاتل؟ أقْطعتَ الشَّامَ مماليكَكَ وتركتَ أولاد النَّاس. وساقَ فَعَبَرِ الشَّريعة.
وجاء الهُنْكَر إلى بَيْسان، وبها الأسواق والغِلال والمواشي وشيءٌ كثيرٌ،
فأخذت الفِرَنْج الجميعَ ورحلوا منها بعد ثلاثة أيام إلى قُصير الغَوْر(٤)، ووصل
أوائلهم إلى خَرِبَة اللُّصوص والجَوْلان، وأقاموا يَقْتلون ويَسْبُون، ثم عادوا إلى
الغَوْر ونزلوا تحت الطُّور، فأقاموا أيامًا يقاتلون مَن فيه ويحاصرونهم، وكان
معهم سُلَّمٌ عظيمٌ فزحفوا ونصبوه، فأحرقه المسلمون بالنِّفْطِ، وقُتِلَ تحته
جماعةٌ من أعيان الفِرَنْج، منهم بعض المُلوك. واستُشْهِدَ يومئذ الأمير بَدْرُ
الدِّين محمد بن أبي القاسم وسيف الدِّين ابن المَرْزُبان، وكان في الطُّور أبطال
في الذيل لأبى شامة: ((الغور)).
(١)
في ذيل الروضتين: ((وغاروا)).
(٢)
(٣) مرآة الزمان ٨/ ٥٨٣ .
(٤) هو القصر المعروف بقصر ابن معين الدين.
٢٧٤

المسلمين فاتفقوا على أنَّهم يقاتلون قتال المَوْت، ثم رحل الفِرَنْج عنهم إلى
عَكَّا، وجاءَ المُعَظّم فأطلق لأهل الطُّور الأموال وخَلَعَ عليهم. ثم اتفق العادل
وابنه المُعَظّم على خراب الطُّور كما يأتي.
وأما ابن أخت الهُنْكر فقصد جبل صَيْدا في خمس مئة من الفِرَنْج إلى
جزين فأخلاها أهلُها، فنزلها الفِرَنْج ليستريحوا، فتحدَّرت عليهم الرجال من
الجَبَل، فأخذوا خيولَهُم وقتلوا عامّتَهم، وأُسر مُقَدَّمُهم ابن أخت الهُنكر،
وقيل: إنَّه لم يَسْلَم من الفِرَنْجِ إلا ثلاثة أنفُس .
قلتُ: وكَثُرت جيوشُ الفِرَنْجِ بالسَّاحل، وَغَنِموا ما لا يُوصف، ثم
قصدوا مِصْرَ لخُلوِّها من الجَيْش، وكانت عساكر الإسلام مُفَرَّقة، ففرقةٌ كانت
بالطُّور مَحْصُورين، وفرقةٌ ذهبت مع المُعَظَّم يَزَكًّا على القُدْس عسكروا
بنابُلُس، وفرقةٌ مع السلطان في وجه العَدوِّ عن دمشق، وأَشْرَف المُسلمون على
خطة صَعْبَة، وكان المَلِك العادل مع جُبْنٍ فيه، حازمًا، سائسًا، خاف أنْ يَلْتقيَ
العَدُوّ وهو في قُلِّ من النَّاس أن يَنْكَسر ولا تقوم للإسلام بعده قائمةٌ، فاندفعَ
بين أيديهم قليلاً قليلاً حتى كفى اللهُ شَرَّهم .
سنة خمس عشرة وست مئة
في ربيع الأول نَزَلت الفِرَنْج على دِمْياط، فبعثَ المَلِك العادل العَساكر
التي عنده بمرج الصُّفَّر إلى ابنه المَلِك الكامل، وطلبَ ابنه المُعَظّم وقال له:
قد بنيتَ هذا الطُّور وهو يكون سَبَبَ خَراب الشَّام، وأرى المصلحة أنْ تخرِّبه
ليتوفر مَنْ فيه على حِفْظ دِمياط. فتوقَّفَ المُعَظّم، ثم أرضاهُ بمالٍ ووعَدهُ
ببلاد، فأجاب وأخلاه وخَرَّبه، وكان قد غَرِم على بنائه أموالاً لا تُحصى.
قال ابن واصل(١): لما طالت إقامة جيوش الفِرَنْج بمرج عَكًّا، أشارَ
عُقلائهم بقَصْد الدِّيار المِصْرية، وقالوا: صلاح الدِّين إنما استولى على البلاد
بتملُّكه مِصْرَ. فصَمَّموا، وركبوا البحرَ إلى دِمْياط، فنزلوا على بَرِّ جِيْزَتها،
وزحفوا على بُرج السِّلْسِلَة، وكان مَشْحونًا بالرِّجال، وكان الكامل قد أقبل
ونزل بِبَرِّ دِمْياط، ودامَ الحِصَارُ والنِّزال أربعةَ أشهر، وجاءت الكامل النَّجَدات
(١) مفرج الكروب ٢٥٨/٣ فما بعد.
٢٧٥

من الشام، ومات المَلِك العادل في وسط الشِّدَّة، واستراح.
وفي ربيع الآخر كَسَر المَلِكُ الأشرفُ ابنُ العادل مَلِكَ الرُّوم کیکاوس.
ثم جمع الأشرف عَساكره وعسكر حَلَب، ودخل بلدَ الفِرَنْج ليشغلَهم بأنفسهم
عن قَصْد دِمْياط، فنزل على صافِيثا وحِصْن الأكراد، فخرج مَلِكُ الرُّوم ووصل
إلى رَغْبان يريد أنْ يَمْلِكَ حَلَب، فنزل إليه المَلِكُ الأفضلُ من سُمَيْساط، فأخذا
رَغْبان وتَلَّ باشر، فردَّ المَلِكُ الأشرفُ إلى حَلَب، ونزل على الباب وبُزاعة،
وقَدَّم بين يديه العرب. وقَدِمَ الرُّومُ يعملون(١) مَصَافًّا مع العرب، فكسرَهُم
العربُ. وبعثَ الأشرفُ نَجْدةً من عَسْكره إلى دِمْياط .
وفي جمادى الأولى أخذت الفِرَنْج من دِمْياط بُرج السِّلْسِلَة، فبعثَ الكاملُ
يستصرخ بأبيه، فدق أبوه - لمَّا بلغه الخبر - بيده، ومرض مرضة الموت.
قال أبو شامة(٢): وضربَ شيخُنا عَلَمُ الدِّين السَّخَاوي بيد على يد،
ورأيته يُعَظِّم أمرَ البُرْج، وقال: هو قُفْلِ الدِّيار المِصْرية(٣). وقد رأيتُهُ(٤) وهو
بُرْج عالٍ في وسط النِّيل، ودِمْياط بحذائه من شَرْقيِّهِ، والجِيْزَةُ بحذائه على حافّة
النِّيل من غَرْبِيِّه، وفي ناحيته سلسلتان، تمتدُّ إحداهما على النِّيل إلى دِمْياط،
والأخرى على النِّيل إلى الجِيزة، تَمْنعانِ عُبور المراكب من البَحْر المالح.
وفي جمادى الآخرة التقى المُعَظَّم والفِرَنْج على القَيْمُون(٥)، فنصرَهُ اللهُ،
وقَتَلَ منهم خَلْقًا، وأسَرَ مئةَ فارسٍ .
قال: وفيها وصل رسولُ خُوارزم شاه علاء الدِّين محمد بن تكش إلى
العادل، فبعثَ في جوابه الخطيبَ جمال الدِّين محمد الدَّوْلَعِيّ والنَّجْم خليل
قاضي العَسْکر، فوصلا إلی هَمَذان، فوجدا خُوارزم شاه قد اندفع من بين يدي
الخطا والتَّتار، وقد خامَرَ عليه عَسْكرُه، فسارَ إلى بُخارى، فاجتمع المذكوران
بولده جلال الدِّين، فأخبرهما بوفاة العادل الذي أرسلهما. وكان الخطيب قد
استناب ابنَهُ يُونُسَ ولم تكن له أهْلِية، فؤُلِّيَ المُوَفَّق عُمر بن يوسف خطيب
(١) في الأصل: يعملوا.
(٢) ذيل الروضتين ١٠٩.
(٣) هكذا أجاب حينما سأله عز الدين ابن عبدالسلام.
(٤) رآه أبو شامة سنة ٦٢٨ .
(٥) القيمون: حصن قرب الرملة من فلسطين.
٢٧٦

بيت الآبار إلى أنْ يقدم الدَّوْلَعي.
وفي رَجَب أدار المَلِك المُعَظَّم المُكوس والخُمورَ وما كان أبوه أبْطَلَهُ،
فقيل: إنَّه ضَمَّنَ الخَمرَ بدمشق والخَنا(١) بثلاث مئة ألف درهم. قال أبو
المظفر(٢): فقلتُ له: قد خلفتَ سيف الدِّين غازي ابن أخي نور الدِّين، فإنَّه
كذا فعل لمَّا مات نور الدِّين. فاعتذر بقِلَّة المال ودفع الفِرَنْج، ثم سار إلى
بانياس، وراسل الصَّارمَ متولي تِنِين، بأنْ يُسَلِّم الحُصونَ، فأجابه، وخَرَّب
بانياس وتِبْنين وقد كانت قُفْلاً للبلاد ومَلْجأً للعباد، وأعطى جميع التي كانت
لسركس لأخيه العزيز عثمان، وزَوَّجه بابنة سركس، وأظْهَر أنَّه ما خَرَّب هذا إلا
خوفًا من استيلاء الفِرَنْج .
وبعث الكامل إليه يستنجد به وعَدَّى الفِرَنْجِ دِمْياط، فأخلى لهم العَساكرُ
الخيامَ فطَمِعُوا، ثم عادَ عليهم الكامل فطَحَنَهُم وقتلَ خَلْقًا، فعادوا إلى دِمْياط .
وفيها تُوفي صاحبُ الرُّوم كيكاوس، وكان ظالمًا، فاتكًا، جَبَّارًا، فاسقًا.
وفيها تُوفي المَلِك القاهر عِزُّ الدِّين مسعود بن رسلان بن مَسْعود بن
مَوْدود بن زَنْكي بن آقسنقر صاحب المَوْصل، مسمومًا فيما قيل: وترك ابنه
محمودًا وهو صغير، فأخرجَ الأميرُ بَدْرُ الدِّين لُؤلؤ أخا القاهر زَنْكيًّا من
المَوْصل، ثُم استولى عليها، وتَسمَّى بالمَلِك الرَّحيم، وقيل: إنَّه أدخلَ
محمودًا حَمَّامًا حاميًا حتى اشتد كَرْبُهُ، فاستغاثَ: ((اسقوني ماء، ثم اقتلوني))،
فسَقَوهُ، ثُم خُنِقَ.
وفيها عادَ السلطان خُوارزم شاه محمد إلى نَيْسابور، وأقامَ بها مُدَّةً، وقد
بلغه أنَّ التَّتار، خذلهم الله تعالى، قاصدون مملكة ما وراء النهر، وجاءَه من
جِنْكِس (٣) خان رسلٌ وهم محمود الخُوارِزميُّ، وخَواجا عليّ البُخاري، ومعهم
مَن طُرَف هدايا التُّرْك من المِسْكِ وغيره، والرِّسالة تشتمل على التَّهْنِئَة بسلامة
خُوارزم شاه، ويطلب منه المُسالمَة والهُدْنة، وقال: إنَّ الخان الأعظم يسلِّم
عليك ويقول: ليس يَخْفَى عليَّ عِظَمُ شأنك، وما بلغتَ من سُلْطانكَ، ونفوذ
حُكمك على الأقاليم، وأنا أرى مُسالمتك من جملة الواجبات، وأنتَ عندي
(١) يعني: ضَمَّن الخمر والخنا بدمشق. والخنا: هو الفحش.
(٢) المرآة ٨/ ٥٩٧ .
(٣) جنكس: وتكتب جنكز، وجنكيز، وهو طاغية التتر الأكبر.
٢٧٧

مِثْلُ أعزِّ أولادي، وغير خافٍ عنك أنَّني ملكتُ الصِّين، وأنت أخبرُ الناس
ببلادي، وإنَّها مثاراتُ العساكر والخيول، ومعادن الذَّهب والفِضَّة، وفيها كفاية
عن طلب غيرِها، فإنْ رأيتَ أنْ نعقدَ بيننا المَوَدَّة، وتأمر التجار بالسَّفَر لتعمَّ
المصلحتين (١)؟ فعلتُ. فأحضر السلطان خُوارزم شاه محمودًا الخُوارِزمي
وقال: أنتَ منَّا وإلينا، ولابدَّ لك من مولاةٍ فينا. ووعَدَه بالإحسان؛ إِنْ صَدَّقهُ،
وأعطاه مَعْضدةً مُجَوْهرةً نفيسةً، وشَرَطَ عليه أنْ يكون عَيْنًا له على جِنْكِز خان،
فأجابه، ثم قال له: اصدُقْني، أجَنْكِز خان ملك طمغاج الصِّين؟ قال: نعم.
فقال: ما ترى في المَصْلحة؟ قال: الاتفاق. فأجاب إلى ملتمس جِنْكِز خان.
قال: فَسُرَّ جَنْكِز خان بذلك، واستمرَّ الحالُ على المُهادنة إلى أنَّ وصل من
بلاده تُجَّارٌ، وكان خال السلطان خُوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر،
ومعه عشرون ألفَ فارسٍ، فَشَرِهَت نَفَّسُه إلى أمْوال الثُّجَّار، وكاتبَ السلطان
يقول: إنَّ هؤلاء القوم قدّ جاؤوا بزِيِّ الثُّجَّار، وما قَصْدُهم إلا إفساد الحال وأنَّ
يجسُّوا البلاد، فإنْ أذنتَ لي فيهم. فأذنَ له بالاحتياط عليهم. وقبضَ عليهم،
واصطفى أموالهم، فوردت رسُل جَنْكِز خان إلى خُوارزم شاه تقول: إنَّك
أعطيتَ أمانك للثُّجَّارِ، فغدرتَ، والغَدْرُ قَبِيحٌ، وهو من سلطان الإسلام أقْبَحُ،
فإنْ زَعَمْتَ أَنَّ الذي فَعَلَهُ خالُك بغير أمْرِك، فَسَلِّمه إلينا، وإلا فسوف (٢) تشاهدُ
مِنِّي ما تعرفني به. فحَصَلَ عند خُوارزم شاه من الرُّعْبِ ما خامر عَقْلَهُ، فَتَجلَّدَ،
وأمَرَ بقَتْل الرُّسُل، فقُتلوا، فيا لها حركة لِمَا هَدَرت من دِماء الإسلام؛ أجْرَت
بكل نُقْطَة سَيْلاً من الدَّم، ثم إنَّه اعتمد من التدبير الرَّديء لما بلغه سير جَنْكِز
خان إليه أنَّه أمَرَ بعملَ سور سَمَرقند، ثُم شَحَنَها بالرجال، فلم تُغنِ شيئًا،
وولت سعادته، وقُضي الأمرُ.
قال المؤيّد عماد الدِّين في ((تاريخه)): قال النَّسَوي كاتبُ الإنشاء الذي
لخُوارزم شاه: مملكة الصِّين دورها ستة أشهر، وهي ستة أجزاء، كل جزء عليه
ملك، ويحكم على الكُلِّ الخان الأكبر يقال له الطرخان، وهذا كان معاصر
خُوارِزم شاه محمد، وقد ورث المُلْك كابرًا عن كابرٍ، بل كافرًا عن كافر.
(١) كذا في الأصل بخط المصنف، والجادة: المصلحتان.
(٢) في الأصل: ((سوف)).
٢٧٨

وإقامته بطوغاج في وسط الصِّين. وكان دوشي خان أحد الستة متزوِّجًا بعَمَّة
جَنْكِزِ خان الذي فعل الأفاعيل وأباد الأمم. وجَنْكِز خان من أمراء بادية
الصِّين، وهم أهل شَرِّ وعُتُوٍّ، فمات دوشي المذكور، فعمدت زوجتُه إلى ابن
أخيها جَنْكِز خان وقد جاءها زائرًا فملَّكته، وكان المَلِكان اللذان هما مجاوران
لهم هما: كشلي خان وفلان خان، فرضيا بجَنْكِز خان، وعاضداه، فلمَّا أُنْهيَ
الأمرُ إلى القان ألطور أنكر ولم يَرْضَ واستحقر جَنْكِز خان، فغضب له
المذكوران وخرجا معه وعَمِلوا المصافَّ فانهزم ألطور خان وذلَّ، ثم طلب
الصُّلْح، فصالحوه، وَقَوُوا واتفقوا، فمات أحدهما، ثم مات كشلوخان، وتملَّك
ولده، فطمع جَنْكِز خان في الولد، وتمكَّن وكَثُر جنده وهم المُغُل، وحارب
الولد، وهزمه واستولى على بلاده، ثم نَفَّذ رسولاً إلى خُوارزم شاه كما ذكرنا.
سنة ست عشرة وست مئة
فيها وصلَ الخَبَرُ بانجفالِ السُّلطان خُوارزم شاه عن جَيْحُون، فاضطربت
مدينة خُوارزم، وقلقت خاتون والدة السلطان، وأمرت بقَتْلِ من كان مُعتقَلاً
بِخُوارِزم من المُلوك، وكان بها نَحْوُ عشرين مَلِكًا وخرجت مَن خُوارزم ومعها
خزائن السُّلطان وحُرَمه، وساقت إلى قَلْعة إيلال بمازَنْدران، ثُم أُسِرَت. وأما
السلطان فإنَّه لم يزل مُنهزمًا إلى أنْ قَدِمَ نَيْسابور، ولم يقم بها إلاَّ ساعةً واحدةً
رُعْبًا من التَّارِ، ثُم ساقَ إلى أنْ وصلَ إلى مرج هَمَذَانٍ ومعه بقايا عَسْكره نحو
عشرين ألفًا، ولم يَشْعُر إلاَّ وقد أحدَق به العَدُوُّ، فقاتلَهُم بنفسه وشمل القَتْلُ
كلَّ من كان في صُحبته، ولجأ في نَفَرٍ يسير إلى الجَبَل، ثُم منها إلى الأستدار
وهي أمنع ناحية في مازَنْدران، ثُم سارَ إلى حافّة البحر، وأقام بقرية يُنَوِّرِ المسجدَ
ويصلِّي فيه إمامًا بجماعةٍ، ويقرأ القرآن، ويبكي، فلم يَلْبَثْ حتى كَبَسهُ الشَّارِ،
فهربَ، وركبَ في مركبٍ، فوقعَ فيه النشاب، وخاضَ خَلْفَه طائفةٌ، فصدَّهُم
عُمْقُ الماءِ عن لُحوقه، فبقي في لُجَّةٍ ولحقته عِلَّة ذات الجَنْب، فقال: سُبْحان
اللهِ مالكِ المُلوك لم يَبْقَ لنا من مملكتنا مع سِعَتِها قدر ذراعين نُدفن فيها،
فاعتبروا يا أُولي الأبصار. فلمَّا وصل إلى الجزيرة التي هناك، أقام بها طريدًا
وحيدًا، والمرض يزدادُ به، ثُم مات وكُفِّن في شاش فَرَّاش كان معه، في سنة
سبع عشرة.
٢٧٩

وفي أوَّل السنة أخْرَب المُعَظَّم أسوارَ القُدْس خَوْفًا من استيلاء الفِرَنْج
عليه، وقد كان يومئذ على أتمِّ العِمارة وأحسن الأحوال وكَثْرَة السُّكَّان.
قال أبو المظفر(١): كان المُعَظّم قد توجّه إلى أخيه الكامل إلى دِمْياط
والكشف عنها، وبلَغَهُ أنَّ طائفةً من الفِرَنْج على عَزْمِ القُدْس، فاتفق هو
والأُمراء على تخريبه، وقالوا: قد خلا الشَّام من العَسَاكر، فلو أخَذَتْهُ الفِرَنْج
حكموا على الشَّام. وكان بالقُدْس أخوه المَلِك العزيز وعز الدِّين أيْبَك أُستاذ
دار، فكتبَ المُعَظّم إليهما يأمرهما بخرابه، فتوقَّفا، وقالا: نحن نَحْفَظه،
فأتاهما أمرٌ مؤكَّدٌ بخرابِهِ، فشرعوا في الخراب في أوَّل المُحرَّم، ووقع في البَلَد
ضَجَّةٌ، وخرجَ الرِّجالُ والنِّساءُ إلى الصَّخْرة، فقَطَّعوا شُعورهم، ومَزَّقوا ثيابَهم،
وخرجوا هاربين، وتركوا أثْقالهم، وما شَكُوا أنَّ الفِرَنْج تُصَبِّحهم، وامتلأت
بهم الطُّرقات، فبعضُهم قَصَدَ مِصْرَ، وبعضُهم إلى الكَرَك، وبعضُهم إلى
دمشق، وهلكت البنات من الحفاء، وماتَ خَلْقٌ من الجُوعِ والعَطَش، ونُهِبَ ما
في البَلَد، وبيع الشيء بعُشْرٍ ثَمَنهِ، حتى أُبيع قِنْطَارِ الزَّيت بعشرة دراهم، ورطل
النُّحاس بنصف دِرْهم، وعلى هذا النَّمَط، وذَمَّ الشُّعَراءُ المُعَظّم، وقالوا:
في رَجَب حُلِّل المُحَرَّمُ وخُرِّبَ القُدْس في المُحَزَّم
وقال مَجْد الدِّين محمد بن عبد الله قاضي الطُور:
مررتُ على القُدْسِ الشَّريف مُسَلِّمًا على ما تَبَقّى من ربوع كأنجم
فَفَاضَتْ دموعُ العَيْنِ مني صَبَابةً على ما مضى في عَصْرِنَا المُتَقَدِّم
وقد رامَ عِلْجٌ أن يُعَفِّي رسومَهُ وشَمَّرَ عن كَفّي لَئِيم مُذَمَّم
فقلت له: شَلَّت يمينُك خَلِّها لِمُعتبرٍ أو سَائلٍ أو مُسَلّم
فلو كان يُفْدى بالُّفُوسِ فَدَيتُهُ وهذا صحيحُ الظَّنِّ في كُلِّ مُسْلمٍ
قال ابن الأثير(٢): لمَّا ملكت الفِرَنْج بُرج السِّلسلة قطعوا السَّلاسل
التدخل مراكبهم في النِّيل ويتحكَّموا(٣) في البَرِّ، فنصبَ المَلِكُ الكامل عِوَضَ
(١) مرآة الزمان ٨/ ٦٠١.
(٢) الكامل ٣٢٤/٢ فما بعد، وقد نقل المؤلف كلام ابن الأثير بأخرة، فكتبه بورقة طيارة
وضعها في نسخته .
(٣) في الأصل: ويتحكمون.
٢٨٠