النص المفهرس
صفحات 1041-1060
واختصر نحوًا من عشرة آلاف وَرَقة، ومال إلى علوم الأوائل، فكانت له فيها الإمامة دون أهلٍ عَصْره. وكان يُفْزَعُ إلى فُتياه في الطِّبِّ كما يُفْزَعُ إلى فُتْياه في الفقه، مع الحَظَ الوافر من العربية. قيل: كان يحفظ ديوان حبيب والمُتنبي. وله من المُصنَّفات: كتاب ((بداية المجتهد ونهاية المُقتصد)) في الفقه عَلَّل فيه ووجَّهَ، ولا نعلم في فَنِّه أنفعَ منه، ولا أحسنَ مساقًا. وله كتاب ((الكُلِّيات)) في الطِّبِّ، و((مختصر المُستصفى)) في الأصول، وكتاب في العربية، وغير ذلك. وقد وَلِيَ قضاء قُرْطُبة بعد أبي محمد بن مُغيث فحُمِدت سيرته وعَظُمَ قَدْره. سمع منه أبو محمد بن حَوْط الله، وسَهْل بن مالك، وجماعةٌ. وامتُحِنَ بأخَرة، فاعتقله السُّلطان يعقوب وأهانه، ثم أعاده إلى الكرامة فيما قيل، واستدعاه إلى مَرَّاكش وبها تُوفي في صَفَر، وقيل: في ربيع الأول. وقد مات السُّلْطان بعده بشَهْر. وقال ابن أبي أُصَيبعة(١): هو أوحد في عِلْم الفقه والخلاف. تفقَّه على الحافظ أبي محمد بن رِزْق. وبَرَعَ في الطِّبِّ. وأَلَّف كتاب ((الكُلِّيَّات)) أجاد فيه. وكان بينه وبين أبي مَرْوان بن زُهْر مَوَدَّة. وحدَّثني أبو مَرْوان الباجي، قال: كان أبو الوليد بن رُشد ذكيًّا، رَثَّ الِزَّة، قويّ النَّفس، اشتغل بالطّبِّ على أبي جعفر بن هارون، ولازَمَه مدة. ولمَّا كَان المنصور بقُرْطُبة وَقْت غَزْو الفُنْش استدعى أبا الوليد واحترمه وقَرَّبه حتى تَعَذَّى به الموضع الذي كان يجلس فيه الشيخ عبدالواحد بن أبي حَفْص الهنتاتي، ثم بعد ذلك نَقَمَ عليه لأجل الحِكمة، يعني الفَلْسفة . ٢٦٠ - محمد بن إبراهيم بن خَطَّاب الأندلسيُّ. تُوفي بطريق مكَّة. وقد رحل، وسمع ببغداد على ذاكر بن كامل، وابن بَوْش، وطبقتهما. ودخل أصبهان. وقرأ القرآن بواسط على ابن الباقلاني. مات في ذي الحجّة(٢). ٢٦١- محمد بن إسماعيل بن محمد بن أبي الفتح، أبو جعفر الطَّرَسُوسيُّ ثم الأصبهانيُّ الحنبليُّ. (١) عيون الأنباء ٥٣٠ - ٥٣٢ . (٢) من تاريخ ابن الدبيثي ١/ ١٦٥ - ١٦٦، وتنظر تكملة المنذري ١ / الترجمة ٥١٢ . تاريخ الإسلام ١٢ / م٦٦ ١٠٤١ من كبار شيوخ عَصْره في مِصْره. وُلِد سنة اثنتين وخمس مئة في حادي عشر صفر. وسمع من أبي علي الحَدَّاد، والحافظ محمد بن طاهر، والحافظ يحيى بن مَنْدَة، والحافظ محمد بن عبدالواحد الدَّفَّاق، ومحمود بن إسماعيل الصَّيرفي، وأبي نَهْشل عبدالصَّمد العَنْبري. حَدَّث عنه أبو موسى عبد الله بن عبدالغني، ويوسف بن خليل، وجماعةٌ كثيرةٌ. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وغيره من المُتاخِّرين . أخبرنا أحمد بن سَلَامة في كتابه، عن أبي جعفر محمد بن إسماعيل، أن أبا علي الحَدَّاد أخبرهم، قال: أخبرنا أبو نُعيم، قال: حدثنا سُليمان بن أحمد، قال: حدثنا أبو زُرْعة الدِّمشقي، قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا مُعاويةٍ بن سَلَّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن عبدالله بن عَمْرو، قال: كُسِفَت الشمس على عَهْد رسول الله بِّهَ فنودي بالصَّلاة جامِعَة. أخرجه البخاري(١) عن إسحاق بن راهُوية، عن يحيى بن صالح. تُوفي في السابع والعشرين من جمادى الآخرة. وهو آخر من حدَّث عن ابن طاهر بالسَّماع. ٢٦٢- محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبدالعزيز، قاضي القُضَاة أبو الحسن الهاشميُّ العباسيُّ المكيُّ ثم البغداديُّ. وُلِد سنة أربع وعشرين وخمس مئة. وتفقَّه على أبي الحسن بن الخَلِّ الشَّافعي. وسمع من جَدِّه، وأبي الوَقْت. وأجاز له أبو القاسم بن الحُصَيْن، وأبو العز بن كادش، وهبة الله الشُّروطي، وجماعة . ووَلِيَ القضاء والخطابة بمَّة، ثم وَلِيَ قضاء القُضاة ببغداد بعد عَزْل أبي طالب عليّ بن عليّ ابن البخاري في سنة أربع وثمانين. ثم صُرفَ في سنة ثمانٍ وثمانين بسبب كتاب امرأةٍ زَوَّره وارتشى على إثباته خمسين دينارًا وثيابًا من الحسن الإستراباذي، فقال: ثبت عندي بشهادة فلانٍ وفلان. فأنكرا فعَزَله أستاذ الدَّار، ورسم عليه أيامًا، ثم لَزِمَ بيته حتى مات. وقد سمع منه ابنه الحافظ جعفر. وتُوفي في جمادى الآخرة. (١) البخاري ٢/ ٤٣ . ١٠٤٢ ذكر ترجمته الذُّبيثي(١)، وحدَّث عنه ابن خليل، واليَلْداني. ٢٦٣- محمد بن ذاكر بن كامل، أبو عبدالله الخَفَّاف. سمع من ابن البَطِّي، ويحيى بن ثابت. وكان شابًّا صالحًا، ما أحسبه حدَّث(٢) . ٢٦٤- محمد بن عبدالله بن أبي درقة، أبو عبدالله القَحْطانيُّ القُرْطبيُّ الفقيه قاضي تونس . روى بها ((الموطّأ)) عن أبي عبدالله ابن الرَّمَّامة. أخذ عنه أبو عبد الله بن أصبغ، وغيره. وتوفي في ذي الحجَّة(٣). ٢٦٥- محمد بن عبدالله بن عليّ بن غَنِيمة بن يحيى بن بركة، أبو منصور الحَرْبِيُّ الخَيَّاط، المعروف بابن حَوَاوَا. سمعِ ابن الحُصَين، وأبا الحُسين بن أبي يَعْلَى الفَرَّاء. روى عنه الدُّبيثي، وقال(٤): تُوفي في نصف ربيع الأول. ٢٦٦- محمد بن عبدالملك بن إسماعيل، أبو عبدالله الأصبهانيُّ الحنبليُّ الواعظ . سمع من إسماعيل الحَمَّامي، والرُّستُمي، وخَلْقٍ. وحَجَّ وأمْلى ببغداد؛ روى عنه ابن النجار، وغيرُه. توفي في ذي الحجة(٥) . ٢٦٧- محمد بن عبدالملك بن زُهْر بن عبدالملك بن محمد بن مَرْوان بن زُهْر، أبو بكر الإياديُّ الإشبيليُّ. أخذ عن جَدِّه أبي العلاء عِلْم الطَّبِّ، وأخذ عن أبيه. وانفرد بالإمامة في الطِّبِّ في زمانه مع الحَظَّ الوافر من اللُّغة والآداب والشِّعْرِ. (١) تاريخه ١ / ١٩٦ - ١٩٨. (٣) من تكملة ابن الأبار ٢ / ٧٥. (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي ١ / ٢٦٧ . (٤) تاريخه ٢/ ٢١. (٥) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٦٣ - ٦٤ (شهيد علي)، والتكملة للمنذري ١/ الترجمة ٥١١. ١٠٤٣ فمن شعره، قال الموفق أحمد بن أبي أُصَيبعة(١): أنشدني محيي الدين محمد ابن العربي الحاتمي، قال: أنشدني الحفيد أبو بكر بن زُهْر لنفسه يتشوَّقُ إلى ولده : صغيرٌ تخلَّفَ قَلْبي لدَيْه ولي واحدٌ مثل فَرْخِ القَطَا لذاك الشُّخيص وذاك الوجيه نأتْ عنه داري فيا وحشتي تشوَّقَني وتشوَّقَتُهُ فيبكي عليّ وأبكي عليه وقد تعب الشَّوق ما بيننا فمنه إليَّ ومني إليه قال الموفق(٢): وأنشدني القاضي أبو مَرْوان الباجي، قال: أنشدنا أبو عِمْران بن أبي عِمْران الزَّاهد المرتلي، قال: أنشدنا أبو بكر بن زُهْر الحفيد لنفسه : إني نظرتُ إلى المرآة إذا جُلِيَت فأنكرَتْ مُقْلَتَايَ كلَّ ما رأتا رأيتُ فيها شيخًا لستُ أعرفه وكنتُ أعرف فيها قبل ذاك فتى فقلتُ: أين الذي مَثْواهُ كان هنا متى ترخَّلَ عن هذا المكان متى؟ قد راح ذاك وهذا بعد ذاك أتى فاستجهلتني وقالت لي وما نَطَقتْ مَوِّن عليك فهذا لا بقاء له أما ترى العُشْبَ يَفْنَى بعدما نبتَا كان الغَوَانِي يَقُلْنَ: يا أُخيَّ، فقد صار الغَواني يَقُلْنَ اليوم: يا أبتا وللحفيد : لله ما صنعَ الغَرَام بقلبِه أوْدى به لمَّا ألم بلُبِّه لَّاه لمّا أن دعاه، وهكذا من يدْعُه داعي الغرام يُلِّه ردَّ السَّلامِ وإِنْ شكَكْتَ فعُجْ بهِ يأبى الذي لا يستطيع لعُجبه ظَبِيٌّ من الأتراك ما تركَتْ ضَنَّى ألحاظُه من سَلْوةٍ لمُحبِّهِ في سَلْبه يومَ الغُوَيْرِ فَسَلْ بهِ إن كنتَ تُنكرُ ما جَنَى بِلحَاظِهِ في سِرْبِهِ أُسْدُ العرين فسِرْ به أو شِئتَ أن تَلْقى غزالاً أغيدًا يا ما أُمَيْلَحَهُ وأعذَبَ رِيقَهُ وأعَزَّهُ وأذَلَّني في حُبِّه أو ما أُلَيْطِفَ وَرْدَةً في خَدِّه وأرقَّها وأشدَّ قَسْوة قلبه (١) عيون الأنباء ٥٢٤ . (٢) عيون الأنباء ٥٢٤ - ٥٢٦ . ١٠٤٤ وله موشَّحات كثيرة مشهورة، فمنها هذه: أيُّها السَّاقي إليكَ المُشتكى قد دعوناك وإن لم تسمع ونديمٍ هِمْتُ في غُرَّتِهِ وشربتُ الرَّاحَ من راحته كلما استيقظ من سَكْرته جَذَبَ الزَّقَ إليه واتَّكا وسَقَاني أربعًا في أربع غُصْنُ بانٍ من حيث اسْتَوَى باتَ مَن يَهْواهُ من فَرْط الجوى خَفِقَ الأحشاء موهون القُوى كلَّما فكّر في البين بَكًا مالَهُ يبكي لما لَم يَقَع ليس لي صَبْرٌ ولا لي جَلَدُ يا لقَوْمي عذلوا واجتهدوا أنكروا شَكواي مما أجدُ مثلُ حالي حقُّه أن يَشْتكي كمد اليَأْس وذلَّ الطَّمَع ما لِعَيني عَشِيتْ بالنَّظر أنكرتْ بعدك ضوء القَمَر وإذا ما شئتَ فاسمع خبري شَقِيت عَيْناي من طولِ البُكا وبَكى بَعضي على بعضي معي وإليه انتهت الرياسة بإشبيلية؛ وكان لا يعدله أحدٌ في الحَظْوة عند السَّلاطين. وكان سَمْحًا، جوادًا، نَفَّاعًا بماله وجاهه، مُمدَّحًا، ولا أعرف له رواية؛ قاله الأبَّار(١). وقد أخذ عنه الأستاذ أبو علي الشَّلَوْبين، وأبو الخَطَّاب بن دِحْية. قال الأبار(٢): وكان أبو بكر ابن الجَدِّ يُزكيه. ويحكي عنه أنه يحفظ ((صحيح البخاري)) مَتْنًا وإسنادًا. تُوفي بمَرَّاكُش في ذي الحجَّة، وقد قارب (١) التكملة ٢ / ٧٥. (٢) التكملة ٢ / ٧٥. ١٠٤٥ التسعين، فإنه وُلد سنة سبع وخمس مئة. وقال غيره: كان ديّنًا، عَدْلاً، مُحِبًّا للخير، مَهيبًا جَريء الكلام، قوي النَّفس، مليحَ الشِّكل، يجرُّ قوسًا يكون سبعًا وثلاثين رطلاً باليد. قال ابن دِجْيَة(١): كان من اللُّغة بمكانٍ مكين، ومَوْرد في الطَّبِّ عَذْبٍ مَعِين. كان يحفظُ شِعْر ذي الرُّمَّة، وهو ثُلُث اللُّغة، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطِّبِّ، مع سُمُوِّ النَّسَب وكَثْرة المال والنَّشَب(٢). صَحِبتُهُ زمانًا طويلاً، واستفدتُ منه أدبًا جليلاً. وقال لي: وُلدت سنة سبع وخمس مئة. وله أشعار حُلوة. ورحل أبو جَدِّه إلى المَشْرق، ووَلِيَ رياسة الطَّبِّ ببغداد، ثم بمصر، ثم بالقَيْروان، ثم استوطن دانية بالأندلس، وطار ذِكره. قلتُ: وقد مرَّ والدهُ في سنة سبع وخمسين(٣)، وجَدُّه في سنة خمسٍ وعشرين وخمس مئة (٤). وكان أبو بكر يُقال له: الحفيد. وكان وزيرًا مُحْتشمًا، كثيرَ الحُرْمة، من سَرَوَات أهل الأندلس. وقد رأسَ في فَتَّي الطَّبِّ والأدب وبلغ فيهما الغاية. ٢٦٨- محمد بن عليّ بن الحسن بن أحمد بن عبدالوهاب، أبو بكر المُرُِّّ الدِّمشقيُّ، المعروف بابن الدَّوانيقي. روى عن أبي الفتح نَصْر الله المِصِّيصي. روى عنه يوسف بن خليل، والقُوصي، والتَّاجِ القُرْطَبي، وأخوه إسماعيل. وتوفي في شعبان(٥). ٢٦٩- محمد بن محمد بن الحُسين، أبو المُظفَّر الخاتونيُّ الأصبهانيُّ ثم البغداديُّ الكاتب، أحد الشُّعراء. سمع جزءًا من محمد بن عليّ السِّمْناني بسماعه من أبي الغنائم ابن المأمون، رواه عنه أبو الحسن ابن القَطِيعي، وغيره. وتُوفي في ذي الحجَّة عن نيفٍ وسبعين سنة(٦). (١) المطرب ٢٠٦ (القاهرة: ١٩٥٤). (٢) النشب: المال والعقار، فهو من أسماء المال عند العرب. (٣) ترجمته في الطبقة ٥٦ / الترجمة ٢٤٩. (٤) ترجمته في الطبقة ٥٣ / الترجمة ١٤٣ . (٥) تنظر تكملة المنذري ١ / الترجمة ٤٨٨. (٦) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١١٠ (شهيد علي)، وتكملة المنذري ١ / الترجمة ٥٠٩. ١٠٤٦ ٢٧٠ - المبارك بن إسماعيل بن عبدالباقي بن أحمد ابن الصَّوَّاف، أبو نصر ابن النَّشَف الواسطيُّ البَزَّاز المقرىء. قرأ القراءات على أبي الفتح المبارك بن أحمد الحَدَّاد، وغيره. وسمع أبا عبدالله محمد بن علي الجلاَّبي، وأحمد بن عُبيد الله الآمدي. وسمع ببغداد من ابن ناصر. وحدَّث؛ روى عنه أبو عبدالله الدُّبيثي، وقال(١): تُوفي في ذي القَعْدة، وله أربعٌ وسبعون سنة . ٢٧١- المبارك بن عليّ بن يحيى بن محمد بن بَدَّال(٢)، أبو بكر المعروف بابن النََّيس، البغداديُّ. وُلِد سنة سبع عشرة. وسمع من أبي بكر الأنصاري، وأبي منصور الشَّيباني القَزَّاز. قال الذُّبيئي(٣): سمع منه بعض أصحابنا، وأجاز لي. ٢٧٢- مسعود بن أبي منصور بن محمد بن الحسن الأصبهانيُّ، أبو الحسن الخَيَّاط، المعروف بالجَمَّال. ولد سنة ستٍّ وخمس مئة وسمع من أبي عليّ الحَدَّاد، ومحمود بن إسماعيل الصَّيْرفي، وأبي نَهْشل عبدالصَّمَد العَنْبري، والهَيْثم بن محمد المَعْداني. وحَضَر(٤) أبا القاسم غانمًا البُرْجي، وحَمْزة بن العباس العَلَوي. وأجاز له عبدالغفار الشِّيرُوبي. وكان من بقايا أصحاب الحدَّاد. روى عنه ابن خليل، وأبو موسى بن عبدالغني، ومحمد بن عُمر العثماني. وأجاز لأحمد بن أبي الخَيْرِ، وجماعةٍ . تُوفي في الخامس والعشرين من شؤَّال(٥). (١) تاريخه، كما في المختصر المحتاج إليه ٣/ ١٦٨. وتنظر تكملة المنذري ١/ الترجمة ٥٠٦. (٢) قيده المنذري في تكملته ١ / الترجمة ٥٠٢ . (٣) تاريخه، كما في المختصر المحتاج إليه ٣/ ١٧٣ . (٤) أي أُحضر إلى مجلس السماع وهو صغير لا يفقه. (٥) تنظر تكملة المنذري ١/ الترجمة ٤٩٦. ١٠٤٧ ٢٧٣ - مُسْلِم (١) بن علي بن محمد، أبو منصور ابن السِّيحي(٢)، العَدْلِ المَوْصليُّ. حدَّث عن أبي البركات محمد بن محمد بن خَمِيس، وهو آخر من حدَّث عنه. روى عنه ابن خلیل، وأبو محمد اليَلْداني. تُوفي في منتصف المحرَّم. وسمع الدِّمياطي من أصحابه(٣). ٢٧٤- منصور بن أبي الحسن بن إسماعيل بن المُظفَّر، أبو الفضل المخزوميُّ الطَّبريُّ الصُّوفيُّ الواعظ. وُلد بآمل طَبرِسْتان، ونشأ بمَرْو، وتفقَّه على الإمام أبي الحسن عليّ بن محمد المَرْوزي. وبنَيْسابور على محمد بن يحيى. وكان مليحَ الكلام في المُناظرة، ثم اشتغل بالوَعْظ والتَّصوِّف. وسمع من زاهر بن طاهر، وعبدالجبار بن محمد الخُواري، وعليّ بن محمد المَرْوَزي. وحدَّث ببغداد والشَّام؛ أخذ عنه أبو بكر الحازمي، وإلياس بن جامع. وابن خليل، وأخوه إبراهيم، والضِّياء المقدسي، والتاج بن أبي جعفر، والشِّهاب القُوصي، وطائفةٌ سواهم. وروى عنه الأمير يعقوب بن محمد الهَذباني ((مُسند أبي يَعْلَى المَوْصلي))؛ سمعه منه بالموصل. ولَقبه القُوصي بشهاب الدين. ونقلت من خطّه، قال: حدَّث بدمشق سنة اثنتين وتسعين ((بصحيح مسلم))، وسمعتُه منه، عن الفُراوي. وتوقَّفَ في أمره الحافظ بهاء الدين القاسم ابن عساكر، وامتنع جماعةٌ لا متناعه . ومولده بطَبَرسان سنة خمس عشرة وخمس مئة. وقال ابن النَّجَّار: حدَّث ببغداد، ثم سكن المَوْصل يحدِّث ويدرِّس. ثم انتقل إلى دمشق، فذكر لي رفيقنا عبدالعزيز الشَّيباني أنه سمع منه، وادعى أنه (١) قيده المنذري في التكملة (١ / الترجمة ٤٦٥) فقال: ((بضم الميم وسكون السين المهملة وبعد اللام المكسورة میم». (٢) قيده المنذري في التكملة بالسين. والحاء المهملتين. (٣) تنظر تكملة المنذري ١ / الترجمة ٤٦٥. ١٠٤٨ ٢٧٦- وَهْب بن لَبِّ بن عبدالملك بن أحمد بن محمد بن وَهْب بن و نذير، أبو العطاء الفِهْرِيُّ الأندلسيُّ الشَّنْتَمريُّ، نزيل بلنْسية. سمع من أبيه أبي عيسى، ولَزِمَ أبا الوليد ابن الدَّبَّاغ وأكثر عنه. وتفقّه على أبي الحسن بن النِّعمة. وأخذ القراءات عن أبي محمد بن سَعْدون الوَشقي . وكان فقيهًا، حافظًا، مُشاورًا، مُفتيًا، مُدرِّسًا، من أهل العِلْم والذِّكاء والدَّهاءِ. أخذ عنه جماعة، ووَلِيَ قضاء بَلْنْسية وخطابتها، ثم صُرِف عن القضاء وبَقِيَ خطيبًا . تُوفي في ذي الحجة، وصَلَّى عليه ولده أبو عبدالله، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة ذكره الأبَار(١) . ـبدالرحمن، أبو بكر الأزْديُّ الأندلسيُّ النَّحْويُّ، المعروف بابن مَصَالة(٢). ٢٧٧ - يحيى بن من علماء أوريولة. خطب ببلده وناب في القضاء. قال التُّجيبي: كان شيخي في اللّغة والعربية، وصَحِبتَه عدة سنين، وعرضتُ عليه كُتُبًا كثيرة. وعُمِّر دَهْرًا. بقِيَ إلى سنة خمسٍ هذه(٣). ٢٧٨- يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة، العَلاَّمة جمال الدين أبو القاسم البغداديُّ الشَّافعي، المعروف بابن فضلان. وُلد في آخر سنة خمس عشرة وخمس مئة. وسمع أبا غالب ابن البنَّاء، وأبا القاسم ابن السَّمَر قندي، وأبا الفَضْلِ الأَرْمَوي، وغيرهم. وكان اسمه واثقًا، وكذا هو في الطّباق، لكن غلب عليه يحيى واختاره هو. وكان إمامًا بارِعًا في عِلم الخلاف، مُشارًا إليه في جَوْدة النّظر. (١) التكملة ٤ / ١٥٦ - ١٥٧. (٢) هو اسم بربري يلفظ الصاد فيه بين الزاي والصاد. (٣) من تكملة ابن الأبار ٤ / ١٨٥ . ١٠٥٠ سمع ((صحيح مسلم)) من الفُرَاوي. وكان معه خطُ مُزَوَّر على خطَ الفُرَاوي. وقال ابن نُقطة(١): حدَّثني علي بن القاسم ابن عساكر، قال: لمَّا قُرىء على الطَّبَري أول مجلسٍ من ((صحيح مسلم)) بحُكم الثَّت حضر شيخ الشيوخ ابن حَقُّوية، وحضر أبي وأنا معه، فجاء ابن خليل الأدمي وقال لأبي: هذا الشَّبت ليس بصحيح، وأراه إياه. فامتنع أبي من الحضور والجماعة، فغضب شيخ الشّيوخ أبو الحسن بن حَقُّوية والصُّوفية، وقرؤوا عليه الكتاب. أخبرنا أحمد بن سَلامة كتابةً عن منصور بن أبي الحسن الطَّبَري، قال: أخبرنا عبدالجبار بن محمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر البَيْهقي، قال(٢): أخبرنا محمد بن يعقوب الفقيه بالطّابَران، قال: أخبرنا أبو النَّضْر الفقيه، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدَّثني يزيد بن الهاد، أنَّ أبا بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم أخبره، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن عبدالله بن أنيس، قال: كنَّا بالبادية فقلنا: إن قدمنا بأهلينا شَقَّ علينا، وإن خلّفناهم أصابتهم ضيعة . فبعثوني، وكنتُ أصغرهم إلى رسول الله وَّرَ، فذكرتُ له قولهم، فأمرنا بليلة ثلاثٍ وعشرين. قال ابن الهاد: فكان محمد بن إبراهيم يجتهد تلك الليلة(٣). توفي في ثامن عشر ربيع الآخر بدمشق. ٢٧٥- نَصْر بن أبي المَحَاسن بن أبي الرَّشيد، أبو الخَطَّاب الأصبهانيُّ الصُّوفيُّ. حدَّث عن أبي المُطْهَّر القاسم بن الفَضْل بن عبدالواحد الصَّيْدلاني. (٤) وتُوفي ببغداد(٤) . (١) التقييد ٤٥٤ . (٢) سننه الكبرى ٤/ ٣٠٩. (٣) إسناده حسن، يحيى بن أيوب المصري صدوق حسن الحديث كما بيناه في تحرير التقریب، وباقي رجاله ثقات. أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٣/ ٨٦، وابن عبدالبر في التمهيد ٢١/ ٢١٢ إضافة إلى البيهقي. وأصح منه ما رواه مسلم ٣/ ١٧٣، وأحمد ٣/ ٤٩٥ من طريق بسر بن سعيد عن عبدالله بن أنيس بمعناه. (٤) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٥٠١ . ١٠٤٩ تفقَّه على أبي منصور الرَّزَّاز، وارتحلَ إلى صاحب الغَزَّالي محمد بن يحيى مرَّتين، وعلَّق عنه. وظهر فَضْله، واشتُهِرَ اسمُه، وانتفعَ به خَلْقٌ. وسمع أيضًا بنَيْسابور من أبي يحيى، وعُمر بن أحمد الصَّفَّار الفقيه، وأبي الأسعد هبة الرحمن ابن القُشَيري، وإسماعيل بن عبدالرحمن العَصَائدي. وكان حَسَنَ الأخلاق، سَهْلَ القياد، حُلو العبارة، يَقظًا، لبيبًا، نبيهًا، وجيهًا. درَّس ببغداد بمدرسة دار الذَّهب وغيرها. وأعاد له الدروس الإمامُ أبو علي يحيى بن الربيع . روى عنه ابن خليل في حرف الواو(١)، وأبو عبدالله الدُّبيثي(٢)، وجماعة . وتُوفي في تاسع عشر شعبان. قال الموفّق عبداللطيف: ارتحل ابن فَضْلان إلى محمد بن یحیی مرّتین، وسقط في الطَّريق فانكسرت ذراعه، وصارت كفَخِذه، فالتجأ إلى قريةٍ، وأذَّته الضَّرورة إلى قَطْعها من المِرْفَق، وعَمِلَ مَحْضرًا بأنها لم تُقطع في ريبة. فلما قدم بغداد وناظرَ المُجير، وكان كثيرًا ما ينقطع في يد المُجير، فقال له المُجير: يسافر أحدهم في قَطْع الطريق، ويدَّعي أنه كان يشتغل. فأخرج ابن فَضْلان المحضر ثم شنَّع على المُجير بالفلسفة. وكان ابن فَضْلان ظريفَ المُناظرة، له نَغَمات موزونة، يشير بيده مع مخارج حروفه بوَزنٍ مُطرب أنيق، يقف على أواخر الكَلِمات خَوْفًا من اللَّحن. وكان يُداعبني كثيرًا. ورُمي بالفَالج في آخر عُمره رحمه الله . ٢٧٩- يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن بن عليّ، المُلقَّب بالمنصور، أمير المؤمنين أبو يوسف سُلْطان المغرب القَيْسِيُّ المَرَّاكُشيُّ، وأُقُّه أُمُّ وَلَد رومية اسمها سَحَر (٣). بُويع في حَياة والده بأمره بذلك عند موته، فمَلَكَ وعُمُره يومئذ اثنتان وثلاثون سنة. وكان صافي السُّمْرة إلى الطُّول ما هو، جميلَ الوجه، أعينَ، (١) يعني: فيمن اسمه واثق من معجمه. (٢) وترجمه في تاريخه، كما في المختصر المحتاج إليه ٣/ ٢٤٦. (٣) في المعجب للمراكشي ٣٣٦: ((ساحر)). ١٠٥١ أفوهَ، أقنى، أكْحَلَ، مستدير اللِّحية، ضَخْمَ الشَّكْل، جَهْوريَّ الصَّوْت، جَزْلَ الألفاظ، صادقَ اللَّهجة، كثيرَ الإصابة بالظَّنِّ والفِراسة، ذا خِبْرة بالخير والشَّرِّ، وَلِيَ الوزارة لأبيه، فبحث عن الأمور، وكشف أحوال العُمَّال والوُلاة. وكان له من الولد محمد وَلَيُّ عَهْده، وإبراهيم، وموسى، وعبدالله، وعبدالعزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وصالح، وعثمان، ويونس، وسَعْد، ومُساعد، والحسن، والحُسين، فهؤلاء الذين عاشوا بعده. وله عدة بنات. ووَزَرَ له عُمر بن أبي زيد الهنتاتي(١) إلى أن مات، ثم أبو بكر بن عبدالله بن الشيخ عُمر إينْتي، ثم ابن عم هذا محمد بن أبي بكر. ثم هرب محمد هذا وتزهَّدَ ولَبِسَ عباءةً، ثم وَزَرَ له أبو زيد عبدالرحمن بن موسى الهِنْتاتي، وبقيَ بعده وزيرًا لابنه مُدَيْدة. وكتب له أبو الفَضْل بن مَحْشُوَّة، ثم بعده أبو عبدالله محمد بن عبدالرحمن بن عَيَّاش الكاتب البليغ الذي بقيَ إلى سنة تسع عشرة وست مئة وكتب أيضًا لولده من بعده. وقَضَى له أبو جعفر أحمد بن مَضَاء، وبعده أبو عبدالله بن مَرْوان(٢) الوَهْراني، ثم عزله بأبي القاسم أحمد بن محمد بن بَقي . ولمَّا بُويع كان له من إخوته وعُمومته منافسون ومزاحمون لا يرونه أهلاً للإمارة لِمَا كانوا يعرفون من سوء صِباه، فَلِقِيَ منهم شِدَّة، ثم عَبَرَ البحر بعساكره حتى نزل مدينة سَلاً، وبها تمَّت بيعته، لأنَّ بعض أعمامه تلكأ، فأنعم عليهم، وملأ أيديهم أموالاً لها خطر، ثم شرع في بناء المدينة العُظمى التي على البحر والنهر من العُدْوَةِ(٣)، وهي تَلي مَرَّاكُش. وكان أبوه قد اختطَّها ورسمها، فشرع هو في عمارتها إلى أن تمّت أسوارها، وبنى فيها جامعًا عظيمًا إلى الغاية، وعَمِلَ له منارة في نهاية العُلُوِّ على هيئة منارة الإسكندرية، لكن لم يَتِمَّ هذا الجامع لأن العمل بَطَلَ منه بموته. وأما المدينة فتمَّت، وطولها نحوٌ (١) منسوب إلى ((هنتاتة)) من قبائل البربر. (٢) في أ: ((بن أبي مروان)) خطأ، وهو ((أبو عبدالله محمد بن مروان الوهراني)) كما في المعجب ٣٣٩. (٣) هي مدينة الرباط . ١٠٥٢ من فَرْسَخ، لكن عَرْضها قليل بالنّسبة. ثم سار بعد أن تهيَّأت فنزل مَرَّاكش. وفي أول مُلكه، وذلك في سنة ثمانين، خرج عليه صاحب مَيُورقة الملك المعروف بابن غانية، وهو علي بن إسحاق بن محمد بن عليّ بن غانية، فسار في البحر بجيوشه، وقصد مدينة بِجَاية، فمَلَكها وأخرج مَن بها من المُوخِّدين في شعبان من السنة. وهذا أول اختلالٍ وَقَعَ في دولة المُوحدين. وأقام ابن غانية بيِجَاية سبعة أيام، وصَلَّى فيها الجُمُعة، وأقام الخُطبة للإمام الناصر لدين الله العباسي، وكان خطيبه يومئذ الإمام أبو محمد عبدالحق الأزْدي مُصنَّف ((الأحكام)) فأحنق ذلك المنصور أبا يوسف، ورام قَتْلَ عبدالحق، فعَصَمَه الله وتوقّاه قريبًا . ثم سار ابن غانية بعد أن أسَّس أموره ببجاية، ونازَلَ قَلْعة بني حَمَّاد فمَلَكها ومَلَكَ تلك النَّواحي، فتجهّز المنصور لحَرْبه وسار إله بجيوشه، فتقهقر ابن غانية، وقصد بلاد الجريد، فلمّا وصل المنصور إلى بِجَاية تلقَّاه أهلها، فصَفَحَ عنهم، وجهّز جيشًا مع ابن عَمِّه يعقوب بن عُمر، ونزل هو تونس، فالتقى يعقوب وابن غانية، فانهزم المُوحِّدون انهزامًا مُنْكرًا، وتَبِعَهم جيش ابن غانية من العرب والبَرْبر يقتلونهم في كل وَجْه، وهَلَكَ كثيرٌ منهم عَطَشًا، ورجع من سَلِمَ إلى تونس، فلمَّ المنصور شَعْثَهُم، ثم سار بنفسه وعَمِلَ مع ابن غانية مَصَافًا، فانكسر أصحاب ابن غانية، وثبت هو وبيَّن إلى أن أُثخن جراحًا، ففرَّ بنفسه مُتماسكًا، ومات في خَيْمة أعرابية. ثم إن جُنْده قدَّموا عليهم أخاه يحيى، ولَحِقوا بالصَّحراء فكانوا بها مع تلك العُربان إلى أن رجع المنصور إلى مَرَّاكش. وانتقض أهل قَفْصة في هذه المدة، ودعوا لبني غانية، فنزل عليها المنصور، فحاصرها أشدَّ الحِصار، وافتتحها عَنْوة، وقَتَلَ أهلها قَتْلاً ذريعًا. فقيل: إنه ذَبَحَ أكثرهم صَبْرًا، وهَدَمَ أسوارها، ورجع إلى المغرب. وأما يحيى بن غانية فإنه بعث أخاه أبا محمد عبدالله إلى مَيُورقة فاستقلَّ بها، إلى أن دخلها عليه المُوحِّدون قبل الست مئة، وبَقي يحيى بإفريقية يظهر مرة ويَخمُدُ أخرى، وله أخبارٌ يطول شرحها . وفي غيبة المنصور عن مَرَّاكش طَمِعَ عمَّاه في الأمر، وهما سُليمان وعُمر، فأسرع المنصور ولم يَتِمَّ لهما ما راماه. فتلقَّياه وترجلا له، فقبض ١٠٥٣ عليهما، وقيَّدهما في الحال، فلما دخل مَرَّاكُش قتلهما صَبْرًا، فهابه جميع القرابة وخافوه . ثم أظهر بعد ذلك زُهْدًا وتقشُّفًا وخشونةَ عَيْشٍ ومَلْبس، وعَظُمَ صِيتُ العُبَّاد والصالحين في زمانه، وكذلك أهل الحديث، وارتفعت مراتبهم عنده فكان يسألهم الدعاء. وانقطع في أيامه عِلْم الفروع، وخاف منه الفقهاء، وأمر بإحراق كُتُب المذهب بعد أن يُجرَّد ما فيها من الحديث، فأحرق منها جملة في سائر بلاده، ((كالمُدوَّنة))، و((كتاب ابن يونس))، و((نوادر ابن أبي زيد))، و((التهذيب)) البراذعي، و((الواضحة)) لابن حبيب. قال محيي الدين عبدالواحد بن علي المَرَّاكشي في كتاب ((المُعْجب))(١) له: ولقد كنتُ بفاس، فشَهِدتُ يُؤتى بالأحمال منها فتُوضع ويُطْلَق فيها النار. قال: وتقدَّم إلى النَّاس بترك الفقه والاشتغال بالرأي والخَوْص فيه، وتوغَّد على ذلك، وأمرَ من عنده من المحدِّثين بجَمْع أحاديث من المُصنَّفات العشرة وهي ((الموطأ))، والكُتُب الخمسة، و((مُسند أبي بكر بن أبي شيبةٍ))، و((مُسند البَزَّار))، و((سُنَنَ الدارقطني))، و((سُنَن البَيْهقي)) في الصلاة وما يتعلَّقُ بها على نحو الأحاديث التي جمعها ابن تومرت في الطَّهارة. فجمعوا ذلك، فكان يُمليه بنفسه على الناس، ويأخذهم بحِفظه، وانتشرَ هذا المجموع في جميع المغرب وحَفِظَه خَلْقٌ. وكان يجعل لمن حَفِظَه عطاءً وخِلْعةً وكان قَصْده في الجُمِلة مَحْوَ مذهب مالك رضي الله عنه وإزالته من المغرب. وحَمَلَ النَّاس على الظَّاهر من القرآن والسُّنَّة. وهذا المقصد بعينه كانَ مَقْصَدَ أبيه وجَدِّه، إلا أنهما لم يُظهراه، وأظهره هو. أخبرني غير واحدٍ ممن لَقِيَ الحافظ أبا بكر ابن الجَدِّ أنه أخبرهم، قال: دخلتُ على أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف أول دخلةٍ دخلتُها عليه، فوجدتُ بين يديه ((كتاب ابن يونس))، فقال لي: يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المُتشعِّبة التي أُحدِثت في دين الله. أرأيتَ يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال، وخمسة أقوال، أو أكثر في أي هذه الأقوال الحقُّ؟ وأيُّها يجب أن يأخذ به المُقدِّد؟ فافتتحتُ أُبيِّن له، فقال لي، وقطع كلامي: (١) المعجب ٣٥٤ - ٣٥٦، وكل ما تقدم منه أيضًا. ١٠٥٤ يا أبا بكر ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى ((سُنَن أبي داود))، أو السَّيف. قال عبد الواحد(١): وظهر في أيام أبي يوسف يعقوب ما خَفِيَ في أيام أبيه وجدِّه، ونال عنده طَلَبة العِلْم والحديث ما لم ينالوا في أيام أبويه، وانتهى أمره معهم إلى أن قال يومًا بحَضْرة كافة المُوحِّدين: يا معشر المُوحِّدين، أنتم قبائل، فمن نابَه منكم أمرٌ فَزِعَ إلى قبيلته وهؤلاء، يعني الطَّلَبة، لا قَبِيل لهم إلا أنا، فمهما نابَهم أمرٌ فأنا مَلْجَؤُهم. فعَظُموا عند ذلك في أعين الْمُوخِّدين، وبالغوا في احترامهم. وفي سنة خمسٍ وثمانين قصد بِطْرُو بن الرِّيق لعنه الله مدينة شِلْب فنازَلَها فأخذها، فتجهّز المنصور أبو يوسفُ في جُيُوشٍ عظيمة، وعَبَرِ البحر، ونزل على شِلْب، فلم يُطِقِ الفِرَنج دفاعه، وهربوا منها، وتسلَّمها. ولم يَكْفِه ذلك حتى أخذ لهم حِصْنًا، ورجع فمَرِضَ بمَرَّاكُش مَرَضًا عظيمًا، وتكلّم أخوه أبو يحيى في المُلْك، ودعا إلى نفسه، فلما عُوفي قتله صَبْرًا، وقال: إنما أقتلك بقوله وَّ: ((إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الأحدثَ منهما))(٢). تولَّى قَتْله أخوه عبدالرحمن بمَحْضَرٍ من النَّاس. ثم تهدَّد القَرَابة وأهانهم، فلم يزالوا في خُمولٍ، وقد كانوا قبل ذلك لا فَرْق بينهم وبين الخليفة سوى نفوذ العَلامة. وفي سنة تسعين انتقض ما بينه وبين الأُذفُنْش(٣) من العَهْد، وعائت الفِرَنج في الأندلس،. فتجهّز أبو يوسف وأخذ في العُبُور، فعَبَر في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين، ونزل بإشبيلية، فعَرَضَ جُيُوشه، وقَسَمَ الأموال، وقصد العَدُوَّ المَخْذول، فتجهّز الأذْفُنْش في جُموع ضَخْمة، فالتقوا بفُخْص الحديد، وكان الأُذْفُنْش قد جَمَعَ جُمُوعًا لم يجتمع له مثلُها قط، فلما تراءى الجَمْعان اشتدَّ خوف المُوحِّدين، وأمير المؤمنين يعقوب في ذلك كله لا مستنَدَ لَه إلا الدُّعاء والاستعانة بكل مَن يظنُّ أنه صالح، فتواقعوا في ثالث شعبان، فنصَرَ الله الإسلام، ومُنِحَ أكتاف الرُّومِ، حتى لم ينجُ الفُنْش، إلا في نحوٍ من ثلاثين نفسًا من وجوه أصحابه. واستُشْهِد يومئذ جماعة من الأعيان، منهم الوزير أبو بكر بن عبدالله ابن الشَّيخ عُمر إينتي، وأتى أبو يوسف قَلْعة (١) المعجب ٣٥٦ - ٣٦٠. (٢) أخرجه مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ٦/ ٢٣. (٣) ويكتب أيضًا: ((ألفُنْش))، وهو الفُونس الثامن ملك قشتالة. ٠ ١٠٥٥ رباحٍ وقد هَرَبَ أهلها، فدخلها وجعل كنيستها مسجدًا واستولى على ما حول طُلَيْطُلة من الحُصُون، وردّ إلى إشبيلية. ثم قصد الرُّوم من إشبيلية في سنة اثنتين وتسعين، فنزل على مدينة طُلَيْطُلة بجُيُوشه، فقطع أشجارها، وأنكى في الرُّوم نِكاية بيِّنةً ورجع. ثم عاد في المرة الثالثة، وتوغَّلَ في بلاد الرُّوم، ووصل إلى مواضع لم يصل إليها مَلِكٌ من ملوك المسلمين، ورجع، فأرسل الأُذْفُنْش يطلب المُهادنة، فهادنه عشر سنين، وعَبَرَ بعد هذا إلى مَرَّاكش في سنة أربع وتسعين . قال(١): وبلغني عن غير واحدٍ أنه صرَّحَ للمُوحِّدين بالرَّحْلة إلى المشرق، وجَعَلَ يذكر لهم البلاد المِصْرية وما فيها من المناكر والبِدَع ويقول: نحن إن شاء الله مُطهِّروها. ولم يزل هذا عَزْمُه إلى أن مات في صَدْر سنة خمس. وكان في جميع أيامه مُؤثِرًا للعَدْل بحسب طاقته، وبما يقتضيه إقليمه والأُمة التي هو فيها. وكان يتولَّى الإمامة بنفسه في الصَّلَوات الخمس أشهُرًا إلى أن أبطأ يومًا عن العصر حتى كادت تفوت، فخرج وأوسَعهم لَوْمًا وقال: ما أرى صلاتكم إلا لنا، وإلا فما منعكم أن تقدِّموا رجلاً؟ فقد قَدَّم أصحاب رسول الله وَلّ عبدالرحمن بن عَوْف حين دخل وَقْت الصلاة، وهو غائب، أما لكم أُسْوَة؟ فكان ذلك سببًا لقَطْعه الإمامة. وكان يقعد للناس عامَّةً لا يُحْجَب عنه أحدٌ، حتى اختصَمَ إليه رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما وأمر بضربهما قليلاً، وقال: أما كان في البلد حُكَّام قد نُصِبوا لهذا؟ ثم بعد هذا بَقِيَ يقعد في أيام مخصوصة. واستعمل على القضاء أبا القاسم بن بَقِيٍّ، وشَرَط عليه أن يكون قُعُوده بحيث يَسْمع حُكْمه في جميع القضايا وهو من وراءه سِتْر. وكان يدخل إليه أُمناء الأسواق في الشهر مرّتين، فيسألهم عن أسواقهم، وأسعارهم، وحُكَّامهم. وكان إذا وَفَدَ عليه أهلُ بلدٍ سألهم عن وُلاتهم وقُضاتهم، فإذا أثنوا خيرًا قال: اعلموا أنكم مسؤولون عن هذه الشَّهادة يوم القيامة، ورُّبَّما تلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة ٥]. (١) المعجب ٣٦٠ - ٣٦٣. ١٠٥٦ قال(١): وبلغني أنه تصدَّق سنة إحدى وتسعين قبل خروجه إلى الغَزْوَة بأربعين ألف دينار. وكان كلَّما دخلت السنة أمر أن يُكتَب له الأيتام والمنقطعون، فيُجْمَعون إلى عند قَصْره، فيُخْتَنون، ويأمر لكلِّ صَِيٍّ منهم بِمِثْقال وثوب ورغيف ورُمَّانة؛ هذا كله شهِدْتُهُ. وبنى بمَرَّاكش بيمارستانًا ما أظنُّ في الدنيا مثله، أجرى فيه مياهًا كثيرةً، وغَرَسَ فيه من جميع الأشجار، وزَخْرَفَه، وأمر له من الفُرش بما يزيد على الوَصْف. وأجرى له ثلاثين دينارًا كل يوم برَسْم الأدوية. وكان كل جُمُعة يعود فيه المَرْضَى ويقول : كيف حالكم؟ كيف القومةُ عليكم؟ وفي سنة نَيٍِّ وثمانين وَرَدَ عليه من مصرٍ قَرَاقُشِ التَّقَوي، فتى تقي الدين عُمر ابن أخي الشُّلْطان الملك الناصر، والأمير شعبان، والقاضي عماد الدين في جماعة، فأكرمهم وأقطعهم، حتى أقطع رجلاً منهم من أهل إربل يُعرف بأحمد الحاجب مواضع، وأقطع شعبان بالأندلس قُرى تغلُّ في السنة نحوًا من تسعة آلاف دينار، سوى ما قَرَّرَ لهم من الجامكية. وأخبرني أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مُطرف بمكة، قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف: يا أبا العباس اشهد لي بين يدي الله أني لا أقول بالعِصْمة، يعني عِصْمة ابن تومرت(٢). وقال لي، وقد استأذنتُهُ في فِعْل: متى نفتقر إلى وجود الإمام؟ يا أبا العباس أين الإمام، أين الإمام؟ أخبرني أبو بكر بن هانىء الجَيَّاني، قال: لمَّا رجع أمير المؤمنين من غَزْوته تلقَّيْناه، فسألني عن أحوال البلد وقُضاته ووُلاته، فلمَّا فَرِغتُ من جوابه سألني: ما قرأتَ من العِلْم؟ فقلتُ: قرأتُ تواليف الإمام، أعني ابن تومرت، فنظر إليَّ نَظْرة المُغْضَب وقال: ما هكذا يقول الطَّالب، إنما حُكْمك أن تقول: قرأتُ كتاب الله، وقرأتُ شيئًا من السُّنَّة، ثم بعد هذا قُلْ ما شئتَ. وقال تاج الدين عبدالسلام بن حَقُّوية الصُّوفي(٣): دخلتُ مَرَّاكش في أيام (١) المعجب ٣٦٣ - ٣٦٩. (٢) كانت العامة تعتقد أن ابن توموت هو المهدي. (٣) هو أبو محمد عبدالسلام (ويُسمى أيضًا: عبدالله) بن عمر بن علي بن حموية الجويني الخراساني، توفي سنة ٦٤٢هـ. وقد زار المغرب سنة ٥٩٣هـ، وعاش في بلاط المنصور يعقوب بن يوسف وكان على صلة قوية به، وبقي هناك إلى سنة ٦٠٠ هـ، فدون مذكراته في كتاب نقل منه الذهبي كثيرًا من كتبه (ينظر كتابنا الذهبي ومنهجه ٤٠٨). تاريخ الإسلام ١٢ / م ٦٧ ١٠٥٧ السَّيِّد الإمام أبي يوسف يعقوب، ولقد كانت الدَّولةُ بسيادته مُجمَّلةً، والمحاسنُ والفَضَائل في أيامه مُكمَّلةً، يقصده العُلماء لفَضْله، والأغنياءُ العَدْله، والفُقراءُ لبَذْله، والغُزاة لكَثْرة جهاده، والصُّلحاءُ والعامَّة لتكثير سواده وزيادة إمداده، والزَُّّادُ لإرادته وحُسْن اعتقاده. كما قال فيه بعض الشُّعراء: أهْلٌ لأن يُسْعَى إليه ويُرْتَجَى ويُزار من أقصى البلاد على الوجَا مَلِكٌ غدا بالمَكْرُمات مُقلَّدًا ومُوشَّحًا ومُختَّمًا ومُتوَّجا عمرت مقاماتُ الملوك بذِكْره وتعطَّرت منه الرِّياح تأْرُّجَا وَجَدَ الوجودَ وقد دجا فأضاءَهُ ورآه في الكُرَبِ العِظامِ فَفَرَّجَا ولمّا قدمتُ عليه أكرم مَقْدَمي، وأعذب في مشارعه مَوْردي، وأنجح في حُسن الإقبال والقَبول مَقْصَدي، وقرَّرَ لي الرُّتْبة والرَّاتب، وعيَّنَ أوقات الدُّخول إلى مجلسه بغير مانع ولا حاجب. وكانت أكثر مَجَالسه المُرتَّبة بحضور العُلماء والفُضَلاء، يفتتح في ذلك بقراءة القرآن، ثم يقرأ بين يديه قدر ورقتين أو ثلاث من الأحاديث النَّبوية. وربما وقع البَحْث في معانيها، ثم يُختم المجلس بالدُّعاء، فيدعو هو. وكذا كان يدعو عند نزوله من الرُّكوب. ثم ينزل فيدخل قَصْره. والذي أعلمه من حاله أنه كان يُجيد حِفْظ القرآن، وكان يحفظُ مُتُون الأحاديث، ويتكلَّمُ في الفقه والأحكام كلامًا بليغًا، ويُناظرُ ويُباحثُ. وكان فُقهاء الوَقْت يرجعون إليه في الفتاوى والمُشْكلات وله فتاوٍ مجموعةٌ. وكانوا ينسوبه إلى مذهب الظَّاهر والحُكْم بالنُّصوص. وكان فصيحَ العبارة، مَهِيبًا، مَلْحوظَ الإشارة، مع تمام الخِلقة وحُسْن الصُّورة وطَلَاقة البِشْر، لا يُرى منه اكفهرارٌ، ولا له عن مجالسه إعراض ولا إزورار. يدخل عليه الدَّاخل فيراه بزي الزُّهاد والعُلماء، وعليه جلالة الملوك. وقد صنَّفَ كتاب ((التَّرْغيب)) في الأحاديث التي في العبادات، فمن فتاويه: حضانة الولد للأُمِّ ثم للأب ثم للجدَّة. اليمين على المُنكِر ولا ترد على المُدَّعي بحال. مَن نَكَلَ عن اليمين حُكم عليه بما نُكِل عنه. الشُّفْعة لا تنقطع إلا بتصريح من الذي يجب له إسقاطها؛ من ادَّعى العَدَم وأشكلَ أمره، خُيِّر طالبه بين أَن يُخلِّي سبيلَه، وبين أن يَخْبسَه ويُنْفِقَ عليه. وله شِعْرٌ جيّدٌ، ومؤُشَّحاتٌ مشهورةٌ. وبلغني أن قومًا أتوه بفيلٍ هدية من بلاد السُّودان، فوصلهم ولم يقبل الفيل، وقال: لا نريد أن ١٠٥٨ نكون أصحاب الفيل. وقيل: بل جَرَى ذلك لوالده يوسف. ثم ذكر فَضْلاً فيه طولٌ في كَرَمه وعَدْله وخَيْرِه إلى أن قال: فإذا كان عشر ذي الحجَّة أمر ولاة الزَّكاة بإحضارها، فيفرِّقُها في الأصناف الثمانية. حدَّثني بعضُ عُمَّالهم أنه فَرَّقَ في عيد سنة أربع وتسعين ثلاثًا وسبعين ألف رأس من مَعِز وضأن. ثم ذكر أنه عمل مكتبًا كبيرًاً فيه جماعة عُرَفاء، وغيرهم، ويُجري عليهم النَّفَقات والكِسْوة للصِّبْيان، فسألتُ واحدًا فقال: نحن عشرة مُعلِّمين، والصِّبيان يزيدون على الألف، وقد ينقصون. وكان يكسو الفُقراء في العام، ويختنُ أولادهم، ويعطي الصَّبِيَّ دينارًا . قال عبد الواحد(١): وكان مُهْتَمًّا بأمر البناء، لم يَخْلُ وَقْتٌ من قَصْر يستجدُّه، أو مدينة يعمرها. وزاد في مَرَّاكش زيادةً كبيرة. وأمر أن يُميَّز اليهود بلباس ثياب كُحْلِيَّة وأكمام مفْرطة في الطُّول والسِّعة، تصل إلى قريب أقدامهم، وبدلاً من العمائم كَلْوتَات على أشنع صُوَر كأنها البراذع، تبلغ إلى تحت آذانهم وشاعَ هذا الزِّيُّ فيهم. وبقوا إلى أن توسّلوا إلى ابنه بعده بكل وسيلةٍ وشفاعة، فأمرهم ابنه بثيابٍ صُفْر، وعمائم صفْر، فهم على ذلك إلى وقتنا، وهو سنة إحدى وعشرين وست مئة. فائدة ذكر تاج الدين بن حقُّوية أنه سأل ابن عطية الكاتب، ما بال هذه البلاد، يعني المغرب، ليس فيها أحدٌ من أهل الذِّمة ولا كنائس ولا بِيَع؟ فقال: هذه الدولة قامت على رَهْبةٍ وخُشونة. وكان المهدي قد قال لأصحابه: إن هؤلاء المُلَّمين مُبْتدِعة مجسِّمة مُشبِّهة كَفَرة يجوز قَتْلهم وسبيهم بعد أن يُعْرَضوا على الإيمان، فلمَّا فعل ذلك، واستولوا على السَّلاطين بعد موت المهدي، وفتح عبدالمؤمن مَرَّاكُش، أحضر اليهود والنَّصارى وقال: ألستُم قد أنكرتم، يعني أوائلكم، بعثة النبي وَلّ، ودفعتم أن يكون هو الرسول المَوْعود به في كتابكم، وقلتم: إن الذي يأتي إنما يأتي لتأييد شريعتنا وتقرير مِلَّتنا؟ قالوا: نعم. قال: فأين مُنتظركم إذًا؟ سيَّما وقد زعمتم أنه لا يتجاوز خمس مئة عام. وهذه خمس (١) المعجب ٣٧٠ و٣٨٣. ١٠٥٩ مئة عام قد انقضت لمِلَّتنا، ولم يأتِ منكم بشيرٌ ولا نذيرٌ. ونحن لا نُقِرُكم على كُفْركم، ولا لنا حاجة بجِزْيتكم، فإمَّا الإسلام، وإمَّا القَتْل. ثم أجَّلهم مدة لتخفيف أثقالهم، وبَيْع أملاكهم، والنّزوح عن بلاده. فأمَّا أكثر اليهود، فإنهم أظهروا الإسلام تَقِيَّةً، فأقاموا على أموالهم، وأما النَّصَارى فدخلوا إلى الأندلس، ولم يُسْلِم منهم إلا القليل. وخربت الكَنَائس والصَّوامع بجميع المَمْلكة، فليس فيها مُشْرك ولا كافر يتظاهر بكُفره إلى بعد الست مئة، وهو حين انفصالي عن المغرب. قال عبدالواحد(١): وإنما حمل أبا يوسف على ما صَنَعه بهم شَكُه في إسلامهم. وكان يقول: لو صحَّ عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بنا في أنكحتهم وأمورهم. ولو صَحَّ عندي كُفْرهم لقتلتُهم، ولكنني مُتردِّدٌ فيهم، ولم ينعقد عندنا ذِمَّة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المَصَامِدة، ولا في جميع بلاد المغرب بيعة ولا كنيسة، إنما اليهود عندنا يُظهرون الإسلام، ويُصَلَّون في المساجد، ويقرئون أولادَهم القرآن جارين على مِلَّتنا وسُنَّتنا، والله أعلم بما تُکِنُّ صدورهم. قلتُ: ما ينبغي أن يُسمَّى هؤلاء يهود أبدًا بل هم مسلمون. مِخنة ابن رُشد وسببها أنه أخذ في شَرْح كتاب ((الحيوان)) لأرسطوطاليس فهذَّبه، وقال فيه عند ذكر الزُّرافة: رأيتها عند ملك البَرْبر. كذا غير مُلتفت إلى ما يتعاطاه خَدَمَةُ الملك من التَّعظيم، فكان هذا مما أحنقهم عليه، ولم يظهروه. ثم إن قومًا ممن يناوِئه بقُرْطُبة ويدَّعي معه الكفاءةَ في البيت والحِشْمة سَعَوا به عند أبي يوسف بأنْ أخذوا بعض تلك التّلاخيص، فوجدوا فيه بخطه حاكيًا عن بعض الفلاسفة: قد ظهر أن الزُّهْرة أحد الآلهة. فأوقفوا أبا يوسف على هذا، فاستدعاه بمَحْضَرٍ من الكبار بقَرْطبة، فقال له: أخَطُك هذا؟ فأنكر، فقال: لعن الله كاتبه، وأمر الحاضرين بلَعنه، ثم أمر بإخراجه مُهانًا. وبإبعاده وإبعاد من يتكلم في شيءٍ من هذه العلوم، وبالوَعيد الشَّديد. وكتب إلى البلاد بالتَّقدُّم (١) المعجب ٣٨٣. ١٠٦٠ ٠ :