النص المفهرس

صفحات 941-960

كما ذكرنا. ثم لم يلبث إلا أيامًا يسيرةً حتى سَلْطنَ ولده الكامل على الدِّيار
المصرية. وقدم عليه أخوه لأُمِّه صاحب المدرسة الفَلَكية بدمشق فَلَك الدين
سُليمان بن سروة بن جَلْدك.
وفيها كان نَقْصُ النِّيل والغلاءُ، والوباء المفْرِط، وخربت ديار مصر،
وجَلا أهلها عنها، واشتدَّ البلاء في سنة سبع، وأكلوا الجِيفَ، ثم أكلوا
الآدميين. ومات بديار مصر أممٌ لا يُحصيهم إلا الله. وكسر النِّيل من ثلاثة عشر
ذراعًا إلا ثلاثة أصابع. وقيل: لم يكمل أربعة عشر ذراعًا.
سنة سبع وتسعین وخمس مئة
قال الموفَّق عبداللَّطيف(١): دخلت سنة سَبْع مفترسة لأسباب الحياة،
ويئسوا من زيادة النِّيل، وارتفعت الأسعار، وأقحُّطت البلاد، وضَوَى أهل
السَّواد والرِّيف إلى أُمَّهات البلاد، وجَلا كثيرٌ إلى البلاد النائية، ومُزْقوا كلَّ
مُمَّق. ودخل منهم خَلْقٌ إلى القاهرة، واشتدَّ بهم الجوع، ووقع فيهم المَوْت
عند نزول الشمس الحمل. ووَبىء الهواء، وأكلوا المَيْتات والبَعر. ثم تَعَدَّوا
إلى أكل الصِّغار، وكثيرًا ما يُعثر عليهم ومعهم صغار مَشْوِيُّون أو مطبوخون،
فيأمر السُّلطان بإحراق الفاعل. رأيت صغيرًا مَشْويًّا مع رجلٍ وامرأة أُحضرا
فقالا: نحن أبواه. فأُمِرَ بإحراقهما. ووُجِدَ بمصر رجل قد جُرِّدت عظامُه وبقي
قَفصًا. وفَشَى أكلُ بني آدم واشتُهِر، وَوُجِد كثيرًا. وحَكَى لي عدة نساء أنه
يتوثَّب عليهنَّ لاقتناص أولادهنَّ ويُحامين عنهم بجَهْدهنَّ. ولقد أُحرق من
النِّساء بمصر في أيام يسيرة ثلاثون امرأة، كلٌّ منهنَّ تُقِرُّ بأنَّها أكلت جماعة.
ورأيتُ امرأةً أُحضرت إلى الوالي وفي عُنُقها ◌ِطِفْلٌ مَشويٍّ، فضُربت أكثر من مئة
سَوْط، على أن تقرَّ، فلا تخبر جوابًا، بل تجدها قد انخلعت عن الطُّباع
البَشَرية، ثم سُجِنت فماتت. وحكَى لنا رجل أنه كان له صديق، فدعاه ليأكل،
فوجد عنده فقراء قُدَّامهم طبيخ كثير اللَّحم، وليس معه خُبْز، فرابه ذلك،
وطلب المِرْحاض، فصادف عنده خزانة مَشْحونة برُمم الآدميين وباللَّحْم
الطَّرِي، فارتاع وخرج هاربًا. وقد جرى لثلاثةٍ من الأطبّاء ممن ينتابني، أما
(١) الإفادة والاعتبار ١٦٢ وما بعدها (طبعة بغداد).
٩٤١

أحدهم فإن أباه خرج فلم يرجع. والآخر فأعطته امرأة درهمين ومَضَى معها،
فلمَّا توغَّلت به مضائق الطُّرُق استراب وامتنع، وشَنَّعَ عليها، فتركت دراهمها
وانسلَّت. وأما الثالث فإن رجلاً استصحبه إلى مريضةٍ إلى الشارع، وجعل في
أثناء الطَّريق يتصدَّق بالكِسَر ويقول: هذا وَقْت اغتنام الأجر. ثم أكثر حتى
ارتاب منه الطّبيب، ودخل معه دارًا خَرِبة، فتوقّف فيِ الدَّرَج، وفتح الرجل
فخرج إليه رفيقه يقول: هل حصل صَيْد ينفع؟ فَجزِعَ الطَّبيب، وألقى نفسه إلى
اصطبل، فقام إليه صاحب الإصطبل يسأله، فأخفى قِصَّته خَوْفًا منه أيضًا فقال:
قد عَلِمتُ حالك، فإن أهل هذا المنزل يذبحون الناس بالحِيَل. ووجدنا بإطفيح
عند عَطَّار عدة خوابي مملوءة بلحوم الآدميين في الماء والملح، فسألوه فقال:
خِفْت دوامِ الجَدْب فيهزل الناس. وكان جماعة قد أوَوْا إلى الجزيرة، فعُثِرَ
عليهم، وطُلبوا ليُقْتَلوا فهربوا، فأخبرني الثّقة أن الذي وُجد في بيوتهم أربع مئة
جمجمة .
ثم ساق غير حكاية، وقال(١): وجميعُ ما شاهدناه لم نتقصّده ولا تتبَّعنا
مَظَانَّه، وإنما هو شيء صادفناه اتِّفاقًا. وحَكَى لي من أثِقُ به أنه اجتاز على امرأةٍ
وبين يديها مَيِّت قد انتفخ وانفجر، وهي تأكلُ من أفخاذه، فأُنكِر عليها،
فزعمت أنه زوجها .
ثم قال(٢): وأشباه هذا كثير جدًّا. ومما شاع أيضًا نَبْش القبور، وأكل
المَوْتى، فأخبرني تاجر مأمون حين وَرَدَ من الإسكندرية بكَثْرة ما عايَنَ بها من
ذلك، يعني من أكل بني آدم، وأنه عايَنَ خمسة أرؤس صغار مطبوخة في قِدْر.
وهذا المقدار كافٍ، وأعتقد أني قد قصَّرتُ.
وأمَّا مَوْت الفقراء جوعًا فشيءٌ لا يعلمه إلا الله تعالى، فالذي شاهدناه
بالقاهرة ومصر وهو أن الماشي لا يزال يقع قَدَمُه أو بَصَرُه على مَيِّت، أو مَن
هو في السِّياق، وكان يُرفع من القاهرة كل يوم إلى المَيْضَأة ما بين مئة إلى
خمس مئة. وأما مصر فليس لمَوْتاها عَدَدٌ، يُرْمَون ولا يُوارَون، ثم عَجَزوا عن
رميهم، فبَقُوا في الأسواق والدَّكاكين. وأما الضَّواحي والقُرى، فهَلَكَ أهلها
(١) الإفادة والاعتبار ١٦٦ - ١٦٧ (طبعة بغداد)،
(٢) نفسه ١٦٧ - ١٦٩ .
٩٤٢

قاطبةً إلا من شاء الله. وأنَّ المسافر ليمرُّ بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، وتجد
البيوتَ مفَتَّحَةً وأهلُها مَوْتى، حدَّثني بذلك غيرُ واحدٍ. وقال لي بعضهم: إنه مرَّ
ببلدٍ ذُكر لنا أن فيها أربع مئة نَوْل للحياكة، فوجدناها خَرَابًا، وأن الحائك في
جورة حياكته مَيِّت، وأهله مَوْتى حوله، فحضرني قوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا
صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ ﴾﴾ [يسّ].
قال(١): ثم انتقلنا إلى بلدٍ آخر، فوجدناه ليس به أنيس، واحتجنا إلى
الإقامة به لأجل الزِّراعة، فاستأجرنا من ينقل المَوْتى مما حولنا إلى النِّيل، كل
عشرة بدرهم. وأخبرتُ عن صَيَّادٍ بفُوهة تِنِيس أنه مرَّ به في بعض يوم أربع مئة
آدمي يقذف بهم النِّيل إلى البحر. وأما أنا فمررتُ على النِّيل، فمرَّ بي في ساعة
نحو عشرة مَوْتی .
وأمَّا طريق(٢) الشام فصارت منزرعةً ببني آدم، وعادت مأدبة بلحومهم
للطَيْرِ والسِّباع. وكثيرًا ما كانت المرأة تتخلّص من صِبيتها في الزِّحام،
فيتضورون حتى يموتوا، وأما بيع الأحرار فشاع وذاع، وعُرِضَ عليَّ جاريتان
مراهقتان بدينار واحد. وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وكانت جميلة دون
البلوغ بخمسة دراهم. فعرَّفتها أن ذلك حرام فقالت: خذها هدية. وقد أُبيع
خَلْقٌ، وجُلِبوا إلى العراق وخُراسان. هذا، وهم عاكفون على شَهَواتهم،
منغمسون في بَحْر ضلالاتهم، كأنَّهم مُسْتَئنون. وكانوا يَزْنون بالنِّساء حتى أن
منهم من يقول: إنه اقتضَّ خمسين بِكْرًا، ومنهم من يقول: سبعين. كلُّ ذلك
بالكِسَر.
وأمَّا(٣) مصر فخلا مُعْظمها، وأما بيوت الخليج وزقاق البِرْكة والمَقْس
وما تاخمَ ذلك، فلم يَبْقَ فيها بيتٌ مَسْكون، ولم يَبْقَ وَقود الناس عوض
الأحطاب إلا خشب السُّقوف والبيوت الخالية. وقد استغنى طائفةٌ كبيرةٌ من
الناس في هذه النَّوبة. وأما النِّيل فإنه اخترق في برمودة اختراقًا كبيرًا، وصار
المقياس في أرض جرز، وانحسر الماء عنه نحو الجزيرة، وظهر في وسطه
جزيرة عظيمة ومُقطَّعات أبنية، وتغيَّرَ ريحه وطَعْمه، ثم تزايد الثَّغيُّر، ثم
(١) الإفادة والاعتبار ١٦٩ (طبعة بغداد).
(٢) الكلام لا يزال لعبد اللطيف، وهو في الإفادة والاعتبار ١٧٠ - ١٧١ .
(٣) الإفادة والاعتبار ١٧١ - ١٧٣ (طبعة بغداد).
٩٤٣

انكشف أمره عن خُضْرة طحلبية، كلما تطاولت الأيام ظهرت وكَثُرت كالتي
ظهرت في أبيب من السنة الخالية. ولم تزل الخُضْرة تتزايدُ إلى أواخر شعبان،
ثم ذهبت، وبَقِيَ في الماء أجزاء نباتية منتنة، وطاب طَعْمه وريحه، ثم أخذ
يَنْمَى ويَقْوَى جَرْيه إلى نصف رمضان، فقاس ابن أبي الرداد قاع البركة فكان
ذراعين، وزاد زيادةً ضعيفة إلى ثامن ذي القعدة، ثم وقف ثلاثة أيام، فأيقن
النَّاس بالهلاك، واستسلموا. ثم إنه أخذ في زيادات قوية، فبلغ في ثالث ذي
الحجة خمسة عشر ذراعًا، وستة عشر إصبعًا، ثم انحطّ من يومه، ومسَّ بعض
البلاد تَحِلَّة القَسَم، وأرْوَى الغربية ونحوها، غير أنَّ القُرَى خالية كما قال
تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]. وزرع الأمراء بعض
البلاد. ونهاية سِعْر الإرْدَبِّ خمسة دنانير. وأما بقُوص والإسكندرية فبلغ ستة
دنانير .
ودخلت(١) سنة ثمان وتسعين والأحوال على حالها أو في تَزِيُّد إلى زُهاء
نصف السنة. وتناقصت مَوْت الفقراء لقِلّتهم، لا لارتفاع السَّبب المُوجب،
وتناقص أكل الآدميين ثم عُدم، وقَلَّ خَطْفُ الأطعمة من الأسواق لفناء
الصَّعاليك، ثم انحطّ الإرْدَبُّ إلى ثلاثة دنانير لقِلَّة الناس، وخَفَّت القاهرة.
وحُكِيَ لي أنه كان بمصر تسع مئة مَنْسَج للحُصْر، فلم يبقَ إلا خمسة عشر
منسجًا، فقِس على هذا أمر باقي الصُّنَّاع من سائر الأصناف. وأما الدَّجاج فعُدِمَ
رأسًا، لولا أنه جُلِبَ من الشام. وحُكِيَ لي أن رجلاً جلب من الشام دَجَاجًا
بستين دينارًا، باعها بنحو ثمان مئة دينار، فلمَّا وُجِدَ البَيْض بِيع بَيْضة بدرهم،
ثمَّ كَثُرَ. وأما الفراريج فاشتُري الفَرُوج بمئة درهم، ثم أُبيع بدينارٍ مُدَيدة.
وقال في أمر الخراب(٢): فأما الهلالية ومُعظم الشارع ودور الخليج
وحارة السَّاسة، والمَفْس وما تاخم ذلك، فلم يبقَ فيها أنيس، وإنما ترى
مساكنهم خاويةً على عروشها .
قال(٣): والذي تحت قَلَم ديوان الحبس من المَوْتى الحشرية وضَمَّته
المَيْضأة في مدة اثنتين وعشرين شهرًا مئة ألف وأحد عشر ألفا إلا شيئًا يسيرًا.
(١) الإفادة والاعتبار ١٧٦ - ١٧٧ (طبعة بغداد).
(٢) نفسه ١٧٧ .
(٣) نفسه ١٧٨ .
٩٤٤

قلتُ: هذا في القاهرة.
قال(١): وهذا مع كَثْرته نَزْرٌ في جَنْب ما هَلَك بمصر والحواضر، وكلُّه
نَزْرٌ فِي جَنْب ما هَلَكَ بالإقليم. وسمعنا من الثّات عن الإسكندرية أنَّ الإمام
صَلَّى يوم الجُمُعة على سبع مئة جنازة، وأن تَرِكةً انتقلت في مدة شهر إلى أربعة
عشر وارثًا، وأن طائفة تزيد على عشرين ألفًا انتقلوا إلى بَرْقة وأعمالها،
فعَمَروها وقَطَنوا بها، وكانت مملكةً عظيمةً خربت في زمان خلفاء مصر على يد
الوزير اليازوري، ونَزَحَ عنها أهلها .
ومن عجيب ما اتفق لشيخ من أطبّاء اليهود ممن كان ينتابني أنه استدعاه
رجلٌ ذو شارة وشُهرة، فلمَّا صَار في المنزل وأغلق الباب وَثَبَ المريض عليه
فجعل في عُنُقُه وَهقًا (٢)، ومَرَث(٣) خصيتَه ولم يكن له معرفة بالقَتْل، فطالت
المُناوشة، وعلا ضجيجه، فتسامع الناس، ودخلوا فخَلَّصوا اليهودي. وبه
رَمَقٌ، وقد وجبت خِصَاه، وكُسِرَتَ ثَنِيَّتاه، وحُمل إلى منزله، وأُحضر ذاك إلى
الوالي فقال: ما حَمَلك على هذا؟ قال: الجوع. فضربه ونفاه.
في سَحَر(٤) يوم الاثنين السادس والعشرين من شعبان ارتاع الناس،
وهَبّوا من مضاجعهم مدهوشين، وضَجُّوا إلى الله تعالى، وبقيت مدة، وكانت
حَرَكتُها كالغَرْبلة، أو كخفْق جناح الطَّائر. وانقضت على ثلاث زحفات قوية،
مادَت الأبنية، واصطفقت الأبواب، وتداعى من الأبنية الواهي والعالي. ثم
تواترت الأخبار بحدوثها في هذه الساعة في البلاد النائية، فصحَّ عندي أنها
تحرَّكت من قُوص إلى دمياط والإسكندرية، ثم بلاد الساحل بأسرها، والشام
طولاً وعَرْضًا، وتعفَّت بلادٌ كثيرةٌ، وهَلَكَ من الناس خَلْقٌ عظيمٌ وَأُمَمٌ لا
تُحصى، ولا أعرفُ في الشام أحسن سَلامة من القُدْس. وأنكت في بلاد الفِرَنج
أكثر. وسمعنا أنها وصلت إلى خِلاَط وإلى قبرس، وأن البحر ارتطم وتشوَّهت
مَنَاظِرُهُ، وصار فرقا كالأطواد، وعادت المراكب على الأرض. ثم تراجعت
المياه، وطفَا سَمَكٌ كثيرٌ على سواحله. ووردت كُتُب من الشام بأمر الزَّلْزلة،
(١) نفسه ١٧٨ - ١٨٠.
(٢) الوهق: الحبل يرمى في أنشوطة فتؤخذ به الدابة والإنسان.
(٣) مرث: مَرَس.
(٤) الإفادة والاعتبار ١٨٠ وما بعدها.
تاريخ الإسلام ١٢ / م٦٠
٩٤٥

واتَّصل بي كتابان أوردتُهما بلفَظهما، يقول في أحدهما: زَلْزلةٌ كادت لها
الأرض تسير سَيْرًا، والجبال تَمُور مَوْرًا، وما ظنَّ أحدٌ من الخَلْقِ إلا أنَّها زَلْزلة
الساعة، وأتت في الموقت على دُفْعتين، فأما الدُّفعة الأولى فاستمرَّت مقدار
ساعةٍ أو تزيد عليها، وأما الثانية فكانت دونها، ولكن أشد منها. وتأثَّرَ منها
بعض القلاع، فأوَّلها قَلْعة حَمَاة. وفي الكتاب الآخر: إنَّها دامت بمقدار ما قرأ
سورة ((الكَهْف))، وأن بانياس سَقَطَ بعضها، وصَفَد لم يَسْلَم بها إلا ولد
صاحبها لا غير، ونابُلُس لم يَبْقَ بها جدارٌ قائمٌ سوى حارة السَّمرة، وكذلك
أكثر حَوران غارت ولم يُعرف لبلد منها موضعٌ يقال فيه هذه القرية الفلانية.
قلتُ: هذا كَذِبٌ وفُجُور من كاتب هذه المُكاتبة، أما استحى من الله
تعالى!
ثم قال فيه: ويُقال: إن عِرْقة خُسِفَ بها، وكذلك صافيتا.
قال الموفَّق(١): وأخبرونا أنَّ بالمقْس تلاَّ عظيمًا عليه رِمَمٌ كثيرةٌ فأتيناه
ورأيناه وحَدَسْناه بعشرة آلاف فصاعدًا، وهم على طبقاتٍ في قُرْب العَهْد
وبُعْده، فرأينا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية اتِّصالها وتناسبُها وأوضاعها ما
أفادنا عِلْمًا لا نستفيده من الكُتُب. ثم إننا دخلنا مصر، فرأينا فيها دروبًا
وأسواقًا عظيمةً كانت مغتصَّةً بالزِّحام، والجميع خالٍ ليس فيه إلا عابر سبيل.
وخرجنا إلى سُكُرُجة فِرعون، فرأيتُ الأقطار كلها مُغتصَّة بالجُثث والرِّمم، وقد
غلبت على الآكام بحيث جلَّلَتها. ورأينا في هذه الأسْكرجَة، وهي عظيمة،
الجماجم بيضًا وسودًا ودُكنًا. وقد خَفِيَ أكثرها وتركها سائر العظام، حتى كأنَّها
رؤوس لم تكن معها أبدان، أو كأنها بَيْدر بطيخ.
قال أبو شامة(٢): وجاءت في شعبان سنة سَبْع زَلْزلةٌ هائلةٌ عَمَّت الدُّنيا
في ساعةٍ واحدةٍ، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهَدْمِ خَلْقٌ كثيرٌ، ثم امتدَّت
إلى الشام، فهدمت مدينة نابُلُس، فلم يَبْقَ فيها جدار قائم إلا حارة السَّمرة
ومات تحت الهَدْم ثلاثون ألفًا. وهُدِمت عَكَّا وصُور وجميع قلاع السَّاحل .
قلتُ: هذا نقله الإمام أبو شامة من ((مرآة الزمان))(٣) ومُصنفه شمس
(١) الإفادة والاعتبار ١٨٤ وما بعدها.
(٢) ذيل الروضتين ٢٠.
(٣) انظر الخبر في مرآة الزمان ٨/ ٤٧٧ - ٤٧٩.
٩٤٦

الدين يوسف رحمه الله كثير الخَسْف والمُجازفة، وإلا مَن عنده وَرَع لم يُطْلق
هذه العبارات إذا لم تصل الصورة إلى هذا الحد، فقوله أولاً: عَمَّت الدنيا
مجرد دعوى، فما الذي أطلعه على جميع الممالك. وقوله: فلم يَبْقَ منهما
جدار قائم، مُجازفةٌ أيضًا. وقوله: هُدِمت جميع قلاع الساحل، فيه بعضُ ما
فیه کما تری، فلا تعتمد على تهويله .
قال أبو شامة(١): ورَمَت بعض المَنَارة الشرقية بجامع دمشق، وأكثر
الكلَّسة، والمارِسْتان النوري، وعامة دُور دمشق إلا القليل، وهرب الناس إلى
المَيادين، وسقط من الجامع ست عشرة شرافة، وتشقَّقت قُبَة النَّسر، وتهدَّمت
بانياس وهونين وتِبْنين. وخرج قومٌ من بَعْلَبَكَّ يجمعون الريباس من جبل
لبنان، فالتقى عليهم الجبلان فماتوا، وتهدَّمت قَلْعة بَعْلَبكَّ مع عِظَم حجارتها،
وانفرق البحر، فصار أطوادًا، وقذف بالمَرَاكب إلى الساحل فتكسَّرت.
وأُحْصِيَ من هَلَكَ في هذه السنة فكان ألف ألف ومئة ألف إنسان.
ثم قال(٢): نقلتُ ذلك من ((تاريخ أبي المظفر سِبْط ابن الجَوْزي)).
وقال ابن الأثير(٣): لمَّا مَلَكَ العادل مصر وقطع خُطْبة المنصور ولد
العزيز لم يَرْضَ الأمراء بذلك، وراسلوا الظاهر صاحب حلب، والأفضل
بصَرْخد، وتكرَّرت المُكاتبات يدعونهما إلى قَصْد دمشق ليَخْرج العادل، فإذا
خرجَ إليهم أسلموه وتحوَّلوا إليهما، ففشا الخَبَر وعَرَفَ العادلُ، فكتب إلى ابنه
بدمشق يأمره أن يحاصر صَرْخَد، فعَلِمَ الأفضل، فسار إلى حلب، فخرج معه
الظَّاهر ونازلا دمشق، واتَّفقا على أن تكون دمشق للأفضلِ، ثم يسيرون إلى
مصر، فإذا تملَّكاها صارت مصر للأفضل، وصارت الشام كلّها للظاهر .
رجعنا إلى قول أبي شامة، قال(٤): وفي ذي القعدة حُوصرت دمشق،
جاء الأفضل والظاهر، ونَجَدَهما من بانياس حُسَام الدين بشارة، وقاتلوا أهل
دمشق أيامًا، وكان بها المُعظّم عيسى. وبلغ أباه فقدم من مصر، ونزل نابُلُس،
وبعث إلى الأمراء مكاتبات، فصَرَفَهم إليه. ثم زحف ابنا صلاح الدين
(١) ذيل الروضتين ٢٠.
(٢) نفسه.
(٣) الكامل ١٢ / ١٦٠ - ١٦٢.
(٤) ذيل الروضتين ٢٠ .
٩٤٧

المذكوران على دمشق، فوصلوا إلى باب الفراديس، وأحرقوا فندق تقي
الدين، وحاربهم الملك المُعظّم، وحَفِظَ البلد، وبَقُوا نحو شهرين، ثم بعث
العادل، فأوقع الخُلْف بين الأخوين فرحلوا. ثم قدم العادل، وجَهَّزَ المُعَظِّم مع
شركس وقَرَاجا، فحاصروا حُسَام الدين بشارة ببانِياس، فقاتلهم وقُتِلَ ولده،
وأخرجوه عن البلد، وتسلَّمها شركس، وتسلّم قراجا صَرْخَد.
قلتُ: ذكر المؤيّد (١) أن الملك الأفضل سَلّمَ صَرْخَد إلى زين الدين
قراجا، ونَقَلَ أُمَّه وأهله منها إلى حِمْص.
واشتدَّ حصار الأخوين لدمشق، وتعلَّق النَّقَّابون بسورها، فلمّا شاهد
الظاهر ذلك قال لأخيه: دمشق لي. فقال: حُرَمي على الأرض ليس لنا
مَوْضع، فهب البلد لك فاجعلهُ لي حتى تملك مصر. فامتنع الظاهر، فقال
الأفضل: يا أمراء اتركوا القتال ونُصالح عَمِّ، فتفرقت الكَلِمة، وتَرَخَّل
الظاهر. ثم ذهب الأفضل وقَنِعَ بسُميْساط.
وأنبأنا ابن البُزُوري، قال: وفيها سار غياث الدين وشهاب الدين مَلِكًا
الغُوْر من غَزْنَة في جنودهما إلى خراسان، وبها الأمير جقر، فأكرماه واستوليا
على مَرْو، وسيَّرا جقر إلى هَرَاة مُكرَّمًا، لأنهما وَعَداه بالجميل. ثم سَلَّمَا مَرْو
إلى هندوخان بن مَلِكشاه بن علاء الدين خُوارزم شاه، وكان قد هرب من عمِّه
محمد إلى غياث الدين. ثم سار غياث الدين فمَلَكَ سَرْخَس صُلْحًا، وسلَّمها
إلى الأمير زَنَكي بن مسعود أحد أولاد عَمِّه، ثم سار إلى طُوس، فتسلَّمها بعد
أيام بالأمان، ثم قصد نَّيْسابور وبها علي شاه ابن السُّلْطان خُوارزم شاه، وقد
استنابه عليها أخوه قُطْب الدين محمد، فراسله في تَسْليمها فامتنع وأظهر
القوَّة، فقال غياث الدين لجيوشه: إن دخلتُموها فَسَحتُ لكم في نَهْبها.
فزحفوا وجَدُّوا حتى أخذوا البلد، ووقعوا في النَّهْب. ثم أمر غياث الدين بكَفِّ
الَّهْب، وأن يَرُدَّ كلُّ شَخْص ما نَهَبَ، فَرَدُّوه جميعًا. أُخْبِرت عن بعض الثُّجَّار،
قال: كنتُ بها، فنُهِبَ لي شيءٌ في جُمْلته قليل سُكَّر وبِسَاط، فحين نُودي في
العسكر برد ما نَهَبوه عدا بسَاطي والسُّكَّر، وكنتُ رأيتُ ما أُخِذَ مني في أيدي
جماعة، فطلبتُهُ فقالوا: السُّكَّر شَرِبناه، ونسألك أن لا تُشِيع ذلك، وإن أردتَ
(١) المختصر في أخبار البشر ٣/ ٩٩.
٩٤٨

الثَّمَن أعطيناك، فجعلتُهم منه في حِلِّ. ثم خرجتُ إلى ظاهر البلد، فرأيتُ
البِسَاط مُلقى على باب البلد، لا يجسر أحد أن يأخذه، فأخذته.
وانهزمت الخُوارزمية، وأُسِرَ علي شاه المذكور، وأُحضر بين يدي
السُّلْطان غياث الدين راجلاً، فصَعُب ذلك عليه، وأنكر على مَن أسَرَه، وأركبه
فَرَسًا، فلمَّا استقرَّ به المجلس أحضره، فقال له علي شاه: هكذا تفعل بأولاد
الملوك؟ فقال: لا، بل هكذا. وأخذ بيده وأجلسه على سريره، وطَيِّبَ قَلْبه،
وسَيَّرَ من كان صُحْبته من الأمراء إلى هَرَاة. واستناب بها ضياء الدين محمد بن
علي بن عمير(١)، وولاَه حَرْب خُراسان، ولَقَّه الملك علاء الدين، وأضاف
إليه الأمراء. ثم سَلَّم علي شاه إلى أخيه شهاب الدين الغُوري.
ثم رحل السُّلْطان غياث الدين نحو هَرَاة، وسار أخوه شهاب الدين نحو
قُهُسْتان، ومَلَكَ بلاد الإسماعيلية وطَرَدَهم عنها، وأظهر بها دين الإسلام،
وأقام بها، فسأل صاحبها السُّلْطان غياث الدين أن يُرحّل أخاه عنها، ففعل
ذلك، وأمر أخاه، فأبى عليه، فعاوَده فرحل عنها إلى بلاد الهِنْد مُغاضِبًا لأخيه،
وأرسل مملوكه قُطْب الدين أيْيَك فحارب عسكر الهِنْد فهزَمَهم، وانضمَّ إِليه
عالمٌ كثيرٌ، ومَلَكَ شهاب الدين مدينةً عظيمة من مُدُنَ الهِنْد بعد أن هَرَبَ مَلِكُها
عنها، فعَلِمَ أنَّه لا يمكن حِفظها إلا بمُقامه بها، وذلك لا يمكنه، فصالَحَ
صاحبها على مالٍ، ورحل عنها(٢).
قال ابن البُزُوري: وزُلْزلت الأرض بالجزيرة والشام ومصر، فأخْرَبت
الزَّلْزَلة أماكنَ كثيرةً جدًّا بدمشق، وحِمْص وحَماة، واستولى الخَرَاب على صُور
وعَكَّا ونابُلُس وطرابُلُس، وانخسفت قَرْية من أعمال بُصْرَى، وخربت عِدَّة قلاع.
وفيها اهتمَّ عبدالله بن حَمْزة العَلَوي المُتغلّب على بلاد اليمن بجَمْع
العساكر، فجَمَع اثني عشر ألف فارس، ونحوها رَجّالة، فخاف منه الملك
المعز إسماعيل بن سيف الإسلام صاحب اليَمَن. ثم إنَّ أمراء ابن حمزة
اجتمعوا للمَشْورة، فوقعت عليهم صاعقةٌ، فبلغ ذلك إسماعيل، فسار لوَقته
وحارب عسكر بن حمزة فهزَمَهم، وقتل منهم ستة آلاف، وتمكن من اليَمَن،
(١) هكذا في النسخ، وفي الكامل ١٢/ ١٦٦: ((ضياء الدين محمد بن أبي علي الغوري)).
(٢) وهذا كله في الكامل ١٢/ ١٦٤ فما بعد فكأن ابن البزوري نقله منه.
٩٤٩

وقَهَرَ الرَّعِيَّة، وادعى الخلافة وأنه أُموي.
وفي ذي القَعْدة عاد القاضي مجد الدين يحيى بن الرَّبيع مُدرِّس النِّظامية،
وكان قد نُفِّذ رسولاً إلى شهاب الدين الغُوري.
وفيها قَدِمَ الأمير مجد الدين طاشتِكين بعسكره من خُوزسْتان. ثم توجّه
في خامس ذي القَعْدة حاجًّا ومُحاربًا للمعز إسماعيل ابن سيف الإسلام. وخرج
نائب الوزارة نصير الدين ناصر بن مهدي فتوجَّهَ إلى الحِلَّة لاستعراض العساكر
التي تحجّ مع طاشتكين. فاستعرضهم، وتوجَّهوا. فلمَّا وصل طاشْتِكين أرسل
إلى إسماعيل يُحذرُه عواقب فِعْله ويُنكر عليه، فلم يردعه العتب، فراسل
طاشْتِكين أمراء اليَمَن يحثُّهم على محاربته ويأمرهم بالجهاد. وكانوا كارهين ما
ادَّعاه إسماعيل من ادِّعاء الإمامة، فأجاب أكثرهم إلى ذلك. وكان إسماعيل
يركب في أُبَّهَة المُلْك، ويحترز كثيرًا على نفسه، فتحالف القرابلي وأخوه
السابق وعيسى بن حوك على اغتياله، فركض يومًا خلف وحش، فوثب عليه
القرابلي فَحَلَّ كتفه بضربة، وضربه السَّابق بَدَّد أمعاءه، وناديا بشِعار الدَّولة
العباسية، فَلَّى دَعْوتهما جَمْعٌ من الأمراء. ونزلا من خَوْفهما مَرْكبًا، وهَبَّت لهم
ريحٌ، فسارا في خمسة أيام فوَصَلا جُدَّة، ثم أتيا مكَّة، فخَلَعَ عليهما طاشْتِكين،
ونَفَّذَ بهما إلى بغداد، فاختارا أن يكونا في خِدْمة طاشتكين بخُوزِسْتان.
وفيها خُلِعَ على الأمير طُغْرُل المستنجدي زعيم البلاد الجبلية .
وفيها وقع الغلاء المُفْرِط ببلاد الشَّراة.
سنة ثمان وتسعين وخمس مئة
في المحرَّم خُلِعَ ببغداد على أبي الحسن علي بن سَلْمان الحِلِّي وقُلِّد
قضاء القضاة .
وفي رابع عشر صَفَر وصل الأمير طاشْتِكِين من مكَّة وفي صُخْبته أبو
أيوب حَنْظَلة بن قتادة بن إدريس العَلَوي المُتغلّب أبوه على مكَّة يسأل أن يُقرّ
والده على الإمارة .
وفيها خرج قَفَلٌ كبيرٌ من بغداد إلى الشَّام، فأخذهم بزغش مملوك ابن
مهارش، وقُتِلَ من القَفَل نَفَرٌ يسيرٌ، فرجع الثُّجَّار فقراء، فتقدَّمَ الخليفة إلى
علاء الدين تتامش بالخروج في عسكره، فقَصَدَ بزغش وأصحابَهُ، فَظَفَرَ بهم
٩٥٠

وَقَتَلهم، وجيء برؤوسهم فأُلقِيَت بباب الثُّوبي، ورُدَّت الأموال إلى أربابها،
وتأرَّجِ عَرْفُ هذه المنْقبة في أقاصي البلاد.
وقدم طاشْتكين ليُقيم للنّاس الحَجَّ.
وفيها سار في الرّسلية مُدرِّس النِّظامية يحيى بن الرّبيع إلى شهاب الدين
صاحب غَزْنة .
وفي وسط السنة تناقَصَ الغَلاَء والوَبَاء عن إقليم مصر، وخفَّ الإقليم من
النَّاس. ثم زاد النِّيل كما قدَّمنا في السنة الماضية.
وفيها خرج العادل من دمشق طالبًا حلب، وكان الملك الأفضل بحِمْص
عند صاحبها وهو زَوْج أُخته، فالتقى عمّه العادل إلى ثَنِيَّة العُقَاب، فأكرمه
وعَوَّضه عن مَيَّافارِقين سُمَيْساط وسَرُوج وقَلْعة نجم. ثم نزل العادل على
حَمَاة، فصالحه الملك الظاهر، فرجع العادل.
وكان في شعبان زَلْزَلةٌ عظيمةٌ شفَّقت قَلْعة حِمْص، وأخربت حِصْن
الأكراد، وتَعَدَّت إلى قُبْرُس، وأخربت بنابُلُس ما بَقيَ.
قال العزُّ النَّسَّابة: هذه هي الزَّلْزلة العُظْمى التي هدمت بلاد السَّاحل؛
صُور وطرابُلُس وعِرْقَة، ورَمَتْ بدمشق رؤوس المآذن، وقتلت مغربيًّا بالكلَّسة
ومملوكًا .
وقال سِبْط ابن الجَوْزي(١): فيها شَرَعَ الشيخ أبو عُمر في بناء جامع
الجبل وكان بقاسيون فامي اسمه محاسن، فأنفق في أساسه ما كان يمتكله،
فبلغ مُظفَّر الدين صاحب إرْبِل، فبعث مالاً لبنائه .
قلتُ: ومن ثَمَّ قيل له الجامع المُظفَّري، ونُسِبَ إلى مُظفَّر الدين.
وفيها كانت قتلة المعز ابن سيف الإسلام صاحب اليَمَن، كما ذكرنا في
ترجمته(٢)، وأُقيم في المُلْك بعده أخوه الملك النَّاصر.
قال ابن واصل(٣): كان له سُرِّيَّةٌ، فعَصَت في قَلْعةٍ منيعةٍ، وعندها أموال
لا تُحصى، ونُقِلَ عنها أنها ما تُسلِّم الحِصْن إلا لرجلٍ من بيت السُّلْطان. وكان
(١) مرآة الزمان ٨/ ٥١٠.
(٢) إنما قال ذلك لأنه كان قد قدّم التراجم على الحوادث في نسخته الخطية، وستأتي ترجمته
في الرقم ٤٢٥ .
(٣) مفرج الكروب ٣/ ١٣٦ - ١٣٩.
٩٥١

لسَعْد الدين شاهنشاه ابن الملك المظفَّ عُمر ولد يُقال له سُليمان، قد تَفَقَّر
وحمل الركوة، وحجَّ بين الفقراء. ثم إنه كاتب والدة الملك الناصر ابن سيف
الإسلام، وكانت قد تغلَّبت على زَبِيد، وهي تنتظر وصول أحدٍ من آل أيوب
تزوَّجه وتُملِّكه، وبعثت إلى مكَّة تكشف أخبار الملوك، فكتب إليها غُلامها،
وعرَّفها بسُليمان هذا، فاستحضرته وخَلَعت عليه، وتزوَّجته، ومَلَّكته اليَمَن،
فملأها ظُلْمًا وجَوْرًا، واطَّرَح الملكة، وأعرض عنها. وكتب إلى السُّلطان
الملك العادل كتابًا أوله: ﴿إِنَُّ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[النمل]. فاستقلَّ العادل عَقْله، وفَكَّرَ فيمن يبعثه ليَمْلِك اليَمَن.
سنة تسع وتسعين وخمس مئة
أنبأنا ابن البُزُوري، قال: في سَلْخ المحرم ماجت النُّجوم، وتطايرت
كتطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفَجْر، وانزعج الخَلْق، وخافوا وضَجُّوا بالدُّعاء
إلى الله تعالى. ولم يُعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله مَلل.
وفيها جَمَعَ الملك العادل عسكرًا عديدًا، وفرّق عليهم العُدَد والأموال،
وقدَّم عليهم ولده الأشرف موسى، وأمره أن يحاصر مارِدين. فقطع صاحب
مارِدين المِيرة عن عسكر العادل، وأمرَ أهلَ القلاع أن يقطعوا السُّبُّل والمِيرةَ،
والتقى طائفةٌ من هؤلاء بطائفة من هؤلاء، فاقتتلوا وانهزم عسكر ماردين بعد أن
قطعوا الطُّرُق وتعذَّرَ سلوكها. وسار جماعة من عسكر العادل إلى رأس عين،
وبَقِيَ الملك الأشرف فلم يَلْ غَرَضَه. ودخل الملك الظاهر صاحب حلب في
الصُّلْح، فأجاب العادل على أن يحمل إليه صاحب ماردين مئة وخمسين ألف
دينار، وأن يخطب له في بلاده، وأن يضرب السِّكَّة باسمه، ويكون عسكر
مارِدِين في خِدْمته، فأجاب صاحب مارِدين إلى ذلك.
وذكر سبط ابن الجَوْزي(١) مثل ما قَدَّمنا من مَوْج النُّجوم وتطايرها.
وقال العزّ النَّسَّابة: رُبِيَ في السَّماء نجومٌ مُتكاثفة مُتطايرة، شديدة
الاضطراب إلى غاية .
وفيها شَرَعَ العادل في عمارة أسوار قَلْعة دمشق.
(١) مرآة الزمان ٨/ ٥١٣.
٩٥٢

وفيها مات السُّلْطان غياث الدين الغُوري، وقبض أخوه السُّلطان شهاب
الدين إلى غازي على جماعةٍ من خواصِّ أخيه وأتباعه وصادرهم، وبالَغَ في
التَّنْكيل بامرأة أخيه، وأخذ أموالها، وسَيَّرها إلى الهِنْد على أسوأ حال، وهدم
تُرْبتها، ونَبَشَ أبويها، ورمَى بعظامهم (١) .
وفيها سَيَّر الملك العادل المنصور علي ابن الملك العزيز، وقيل: اسمه
محمد، إلى مدينة الرُّها، وألزمه المُقام بها. وكان بدمشق هو وأُمُّه وإخوته،
فخاف العادل من مَيْل الرَّعِيَّة إليه، وأن يتملَّكَ دمشق فأبعدَهُ.
وفيها بعث الخليفة الناصر لدين الله إلى الملك العادل وأولاده
بسراويلات الفُتُوَّة ومعها الخِلَعِ.
وكان الأشرف بحَرَّان، مَلَّكَه أبوه بها مع الرُّها وغيرها في عام أول.
وفيها خرج ابن لاون صاحب سِيس لحَرْب البرنس صاحب أنطاكية،
وعاث وأفسد .
وقَدِمَ عَكَّا خلق من الفِرَنج وتحرَّكوا، فاهتمَّ لهم العادل، ثم ترخَّلوا
لأجل الغلاء، والقَحْط بعَكًّا، وخافوا لا يقطع العادل عن عَكَّا المِيرة.
وفيها سار صاحب حَمَاة الملك المنصور ونزل ببَعْرِين، فَقَصَدَه الفِرَنج
من حِصْن الأكراد وطرابُلُس، وغيرها، فالتقوا فهزمهم وقَتَلَ وأسَرَ، وذلك في
رمضان. ثم لم ينشَب أن خرج جمْعٌ منهم في أربع مئة فارس وألف ومئتي
راجل، فالتقاهم صاحب حَمَاة فكَسَرَهم، وقتل منهم مَقْتلةً عظيمةً، وأسَرَ
جماعةً، وذلك في رمضان أيضًا، ومَدَحه الشُّعراء.
سنة ست مئة
قال سِبْط ابن الجَوْزي(٢): فيها سار نور الدين صاحب المَوْصل إلى
تَلْعَفَر (٣)، فأخذها وكانت لابن عَمِّه قُطُب الدين ابن عماد الدين صاحب
سنجار، فاستنجد القُطْب بالملك الأشرف جاره فجَمَعَ جَمْعًا كثيرًا وساق، ۔
فَعَمِلَ مَصَافًّا مع صاحب المَوْصل فكَسَرَه الأشرف، وأسَرَ جماعةً من أمرائه،
(١) من الكامل ١٢ / ١٨١.
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٥١٨.
(٣) مدينة معروفة إلى اليوم بشمال الموصل.
٩٥٣

منهم مبارز الدين سُنْقُر الحلبي، وابنه غازي. ثم اصطلحا في آخر السنة، وتزوَّج
الأشرف بأُخت نور الدين، وهي السِّتُ الأتابكية صاحبة التُّربة بقاسِيون .
وفيها احترقت خزانة السِّلاح بدمشق، وذهب جميع ما كان فيها .
وفيها أُخذت العملة المشهورة من مَخْزَن الأيتام بقَيْسارية الفرش لأيتام
الأمير سيف الدين ابن السَّلَّر، ومبلغها ستة عشر ألف دينار، وبَقِيَت سنين، ثم
ظهرت على ابن الدُّخَيْنة(١)، وقد حُبسَ بسببها جماعةٌ.
وفي رمضان توجَّه أسطولِ الَفِرَنج لَعَنهم الله من عكًّا في البحر عشرون
قطعة، ودخلوا يوم العيد من فَم رشيد في النِّيل إلى بُليدة فُوَّه، فنَهَبوها
واستباحوها ورجعوا، ولم يتجاسروا على هذا منذ فَتِحت ديارِ مصر. وقد
دخلوا من عند دِمياط في النِّيل أيضًا في سنة سَبْع وست مئة إلى قُرب بُورة(٢)،
ففعلوا نحو ذلك.
وفيها نزل صاحب سيس على أنطاكية وجَدَّ في حصارها، فخرج صاحب
حلب وخيَّمَ على حارم، فخاف صاحب سِيسٍ على بلاده، وترخَّلَ. ثم بعدٍ أيام
هَجَمَ أنطائِيَة بمُواطأةٍ من أهلها، فقاتله البرِنْس ساعةً، ثم التجأ إلى القَلْعة،
ونادى بشِعَار الملك الظاهر، وسَرَّح بطاقةً إلى حلب، فَنَجَدَه صاحب حلب،
فبلغ ذلك صاحب سِيس، ففرَّ إلى بلاده.
وفيها أقبلت الفِرَنج من كل ◌ِفَجِّ عميق بعكا عازمين على قَصْد بيت
المقدس، فخرج العادل ونزل على الطُّور، وجاءته النَّجْدة من الأطراف، وأقبلت
الفِرَنج تُغِير على بلاد الإسلام وتأسِر وتَسْبي. واستمرّ الحال على ذلك شهورًا .
وأما القُسْطَنْطينية فلم تزل بيد الرُّوم من قبل الإِسلام، فلمَّا كان في هذا
الأوان أقبلت الفِرَنج في جَمْع عظيمٍ ونازلوها إلى أن مَلَكوها.
قال ابن واصل(٣): ثمّلم تزلَ في أيدي الفِرَنج إلى سنة ستين وست مئة،
فقصدتها الروم وأخذوها من أيدي الفرنج، فهي بأيديهم إلى الآن، يعني سنة
بضع وسبعين وست مئة.
وفيها ظَفَرَ مُتولي واسط برئيس الباطنية محمد بن طالب بن عُصَية ومعه
طائفة، فقُتِلوا بواسط ولله الحمد، وكانوا أربعين نفسًا (٤).
(١) كان ظهور ذلك سنة ٦٠٧، كما ذكر أبو شامة في الذيل ٧٦.
(٢) مدينة معروفة بمصر ينسب إليها السمك البوري.
(٣) مفرج الكروب ٣/ ١٦٠.
(٤) من الكامل لابن الأثير ١٢ / ١٩٧ .
٩٥٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَى آلرّـ
٧
(الوفيات)
سنة إحدى وتسعين وخمس مئة
١- أحمد بن أبي المجد إبراهيم بن محمد بن محمد بن حَسَّان بن
محمد بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبدالرَّحمن ابن
سيف الله خالد بن الوليد بن المغيرة، الحافظ رشيد الدين أبو بكر
المخزومي المَنِعِيُّ الشَّبَذِيُّ، بالإعجام والحَرَكة، وشَبَد: من أعمال
أپیوَرْد(١).
كان شيخًا من أهل العِلْم. ذكره أبو العلاء الفَرَضي، فقال: سمع أبا
المَعَاليِ الفارسي، وعبدالجبار الخُوَاري، ووجيهًا الشَّخَامي، وعبد الوهّاب بن
شاه الشَّاذْياخي، وغيرهم. وأجاز لجميع المسلمين في المحرم سنة إحدى
وتسعین وخمس مئة .
وابنه رشيد الدين محمد، سمع من أبيه، وغِيره. وخرَّج لنفسه .
٢- أحمد بن بدر بن الفَرَج، أبو بكر القَطَّان، الكاتب البغداديُّ.
حدَّث عن أبي سَعْد أحمد بن محمد البغدادي، وأحمد بن علي
الأشقر(٢) .
٣- أحمد بن عثمان بن أبي علي بن مَهْدي، أبو العباس الكُرْدِيُّ
الأربِليُّ، الرجل الصالح.
روى عن أبي الكَرَمِ الشَّهْرزُوري، وأحمد بن طاهر المِيهني، وأبي
الوقت(٣) .
(١) ذكر ذلك في المشتبه أيضًا وترجمه ٣٧٤، وينظر توضيح ابن ناصر الدين ٥/ ١٩٠ حيث
ذکر ابنه وحفيده أيضًا.
(٢) من تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٤٣ (شهيد علي).
(٣) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٨٤.
٩٥٥

٤- أحمد بن عُمر، الفقيه أبو العباس الكُرْديُّ الشافعيُّ، مُعيد
النّظامیة.
تُوفي ببغداد في ذي الحجّة. وكان من كبار الفقهاء(١).
٥- أحمد بن مُدْرك بن الحُسين بن حمزة بن الحُسين بن أحمد، أبو
الرِّضا البَهْرانيُّ القُضَاعِيُّ الحَمَويُّ، قاضي حَمَاة وخطيبها .
وَلِيَ القضاء بها في سنة إحدى وسبعين. وقد تفقَّه بحلب على أبي سَعْد
ابن عَصْرون. وبدمشق على القُطْب النَّيْسابوري.
وكان رئيسًا جليلاً فاضلاً. تردّدَ إلى دمشق وسمع بها من الفقيه نَصْر الله
ابن محمد .
وقيل: بل توفي في جُمادى الآخرة سنة تسعين.
٦- أحمد بن المُظفَّ بنِ الحُسين، الفقيه أبو العباس الدمشقيُّ
الشافعيُّ، المعروف بابن زين التُّجَّار، مُدرّس المدرسة النّاصرية الصَّلاحية
المُجاورة للجامع العتيق بمصر، وبه تُعرف إلى اليوم لأَنَّه دَرَّسَ بها مدة،
وكان من أعيان الشافعية.
تُوفي في ذي القَعْدة(٢) .
٧- أحمد بن أبي منصور محمد بن محمد بن عبدالرحمن بن
الزِّبْرقان، أبو العباس الأصبهانيُّ.
وُلِدَ سنة خمس مئة في رجب. وسمع من جعفر بن عبدالواحد الثَّقْفي،
ومحمد بن عبدالواحد الدَّقَّاق، وإسماعيل بن الفَضْل الإخشيد. وأجاز له أبو
سَعْد محمد بن علي السَّرْفَرْتَج، وغانم البُرْجي، ومحمد بن عبدالله بن مَنْدُوية
الشُّروطي، والحسن بن أحمد الحَدَّاد، والحافظ شيرُوية بن شَهْردار الدَّيْلمي،
وآخرون. وحدّث. وهو من كبار شيوخ أصبهان الذين أدركهم ابن خليل.
تُوفي في ذي القَعْدة في عشر المئة (٣).
٨- أحمد بن أبي نَصْر بن أبي الرَّجاء، أبو نُعَيم الأصبهانيُّ الشَّرابيُّ.
(١) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٦٩ (شهيد علي).
(٢) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢٩٤.
(٣) ينظر التكملة للمنذري ١/ الترجمة ٢٩٥.
٩٥٦

له إجازة من أبي علي الحَدَّادُ(١).
٩- إبراهيم بن محمد بن عبدالله، أبو إسحاق الأُمويُّ الطريانيُّ
الإشبيليُّ.
سمع من أبي بكر ابن العربي، وأحمد بن ثعبان. وأخذ عن شُرَيْح قراءة
نافع. أخذ عنه أبو الرَّبيع بن سالم.
تُوفي في هذا العام أو بُعَيْده(٢).
١٠ - إسماعيل بن أبي سَعْد، أبو الحسن الأصبهانيُّ البَنَّاء.
تُوفي في صَفَر. وقد حدَّث عن فاطمة بنت البغدادي، وفاطمة
الجُوْزْدانية. حدَّث ببغداد(٣).
١١- الحسن بن هبة الله بن علي، أبو علي ابن المكشوط الهاشميُّ
الحَریميُّ.
وُلد سنة إحدى عشرة وخمس مئة. وسمع من أبي القاسم بن الحُصين،
وأبي غالب ابن البنَّاء. وتُوفي في شعبان.
روی عنه یوسف بن خلیل(٤).
١٢- الحُسين بن أحمد بن الحُسين بن سَعْد، الإمام أبو الفَضل
الهَمَذاني اليَزْدِيُّ الحنفيُّ.
حدَّث بجُدَّة عن الشّريف شُمَيْلة بن محمد الحُسيني. وتُوفي بقوص
قاصدًا مصر، وحُمِل إلى مصر فدفِن بالقَرَافة .
سمع منه أبو الجُود نَدَى بن عبدالغني. وقيل: إنه كان تحت يده إحدى
عشرة مدرسة .
مات في ربيع الأول(٥) .
١٣ - الحُسين بن أبي خازم محمد بن الحُسين بن علي، أبو عبدالله
العَبْدِيُّ الواسطيُّ.
(١) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٣٠٣.
(٢) من تكملة ابن الأبار ١/ ١٣٧.
(٣) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢١١ (شهيد علي).
(٤) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢١ (باريس ٥٩٢٢).
(٥) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٦٤.
٩٥٧

حدَّث عن أبي الحسن بن عبدالسلام. وتوفي في رجب(١).
سمع منه ابن الذُّبيثي(٢).
١٤- ذاكر بن كاملٍ بن أبي غالب محمد بن الحسين بن محمد، أبو
القاسم بن أبي عَمْرو الخَفَّاف الحَذَّاء، أخو المبارك.
بغداديٌّ مشهورٌ، سمع بإفادة أخيه من الحسن بن محمد بن إسحاق
الباقَرْحي، والمُعْمَّر بن محمد بن جامع البَيِّع، وأبي علي محمد بن محمد ابن
المَهْدي، وأبي سَعْد أحمد ابن الطَّيوري، وأبي الغنائم ابن المُهتدي بالله، وأبي
طالب اليُوسفي، وعبدالله ابن السَّمَرْقَندي، ومحمد بن عبدالباقي الدُّوري،
وأبي العز القَلاَنسي، وجماعةٍ. وأجاز له أُبِيُّ النَّرْسي، وأبو القاسم بن بيان،
وعبدالغفّار الشِّيرُوبي، وأبي علي الحَدَّاد، ومحمد بن طاهر الحافظ، وأبو
طاهر محمد بن الحُسين الحِثَّائِي الدِّمشقي، وأبو الحسن ابن المَوَازيني، وخَلْقٌ
سواهم .
وحدَّث بالكثير، وكان صالحًا خيِّرًا، قليلَ الكلام. روى عنه أبو عبدالله
الدُّبيئي(٣)، وسالم بن صَصْرَى، ويوسف بن خليل، ومحمد بن عبدالجليل
البغدادي، وعلي بن مَعَالي.
ذكره الحافظ زكي الدين في ((الوفيات))، فقال(٤): كان ذاكرًا كاسمه،
صَبورًا على قراءة الحديث. يُقال: إنه أقام أربعين سنة ما رؤي آكلاً بنهارٍ.
توفي سادس رجب .
قلت: وآخر من روى عنه بالإجازة محمد بن يعقوب ابن الدِّينة. وقد
سمع منه مَعْمَر بن الفاخر، وأبو سَعْد السَّمْعاني.
قال ابن النَّجَّار: كان صالحًا، مُتديِّنًا، كثير الصَّمْت، يأكل من عَمَله.
(١) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٧٩.
(٢)
تأتي بعد هذا في د وأ ترجمة السديد داود ويقال عبدالله الطبيب، وقد ذكر المصنف في
آخر الترجمة أنه توفي في جمادى الآخرة من هذا العام ثم قال: ((وقيل: توفي في العام
الآتي فيضم ما هنا إلى هناك)). وقد ترجمه هناك بأحسن مما هنا، فلبينا رغبة المؤلف
بتصرف يسير عند ذكر الوفاة.
(٣) وترجمه في تاريخه، الورقة ٥٠ (باريس ٥٩٢٢).
(٤) التكملة ١ / الترجمة ٢٧٨.
٩٥٨

وكان أُمِّيَّا لا يكتب. سمعتُ منه سنة تسعين. ومولده سنة ستٍّ وخمس مئة.
١٥- شجاع بن محمد بن سيدهم بن عَمْرو بن حَدِيد بن عَسْكر،
الإمام أبو الحسن المُدْلجيُّ المصريُّ المالكيُّ المقرىء.
وُلد سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مئة. وقرأ القراءات على أبي العباس
أحمد بن الخُطَيْئَة، وسمع منه، ومِن عبدالله بن رِفاعة، وعبدالمنعم بن مَوْهوب
الواعظ، وأبي طاهر السَّلَفي. ولَقِيَ من الفقهاء أبا القاسم عبدالرحمن بن
الحُسين الجَبَّاب، وأبا حَفْص ◌ُعُمر بن محمد الذَّهَبي. وقرأ العربية على أبي بكر
ابن السَّرَّاج. وصَحِبَ أبا محمد بن بَرِّي. وتصدّر بجامع مصر، وأقرأ وحدَّث
وانتفع به جماعة. وآخر مَن قرأ عليه وفاةً أبو الحسن علي بن شجاع الضَّرير.
تُوفي في سابع عشر ربيع الآخر(١).
١٦- عبدالله بن أحمد بن جعفر، أبو جعفر الواسطيُّ المقرىء
الضَّرير.
وُلد بواسط سنة ثلاثٍ وخمس مئة، وقرأ القرآن على أبي عبد الله البارع،
وغيره. وسمع من أبي القاسم بن الحُصين، وأبي غالب الماوَرْدي، وأبي
الحسن علي ابن الزَّاغوني، وجماعةٍ.
وأقرأ وحدَّث، وكان يسكن بباب الأزَج من بغداد. روى عنه الدُّبَيثي،
ويوسف بن خليل. وتُوفي يوم عَرَفَةٍ(٢) .
١٧- عبدالله بن صالح بن سالم بن خَمِيس، أبو محمد الأنباريُّ ثم
البغداديُّ الأزجيُّ الخَبَّاز.
سمع من القاضي أبي بكر محمد بن عبدالباقي، وإسماعيل ابن
السَّمَرْ قندي. وتُوفي في ثاني(٣) جُمادى الآخرة(٤).
١٨ - عبدالله بن عُمر بن جواد البغداديُّ الأزجيُّ.
سمع أبا الفَضْلِ الأُرْمَوي، وابن ناصر. وحدَّث.
(١) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢٦٩.
(٢) من تاريخ ابن الدبيثي، كما في المختصر المحتاج ٢/ ١٣٢ - ١٣٣.
(٣) هكذا في النسخ، وفي تاريخ ابن الدبيئي الذي ينقل منه المصنف: ((حادي عشر جمادى
الآخرة)) وكذلك في التكملة لوفيات النقلة للمنذري ١ / الترجمة ٢٧٤ .
(٤) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٩٣ (باريس ٥٩٢٢).
٩٥٩

وتُوفي في جُمادى الأولى(١).
١٩ - عبدالله بن محمد بن عبدالله بن عبدالمجيد بن إسماعيل، أبو
القاسم المصريُّ الأصل ثم البغداديُّ الصُّوفيُّ.
وُلد سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة. وسمع من جَدِّه لأُمَّهَ عبد الرَّحمن
ابن الحسن الفارسي، وأبي الوَقْت، وأبي القاسم ابن البنَّاء. ووَليَ مَشْيخة رباط
الزَّوْزَني .
وكان صالحًا عابدًا، سَرَدَ الصَّومَ مدة. وكان أبوه قدم بغداد وصار من
أطبّاء المارِسْتان العَضُدي.
توفي أبو القاسم في شوال(٢) .
٢٠- عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عُبيدالله بن سعيد بن
محمد بن ذي التُّون الحَجْريُّ؛ حَجْر ذي رُعين الأندلسيُّ المَرِيِّيُّ، الحافظ
الثَّبت أبو محمد بن عُبيدالله الزَّاهد أحد أئمة الأندلس .
وُلد في نصف ذي الحجَّة سنة خمسٍ وخمس مئة، وسمع ((صحيح
مسلم)) من أبي عبدالله بن زُغَيبة. وسمع من أبي القاسم بن وَرْد، وأبي الحسن
ابن اللوان، وأبي الحسن بن مَوْهَب الجُذَامي. ورحل إلى قُرطبة فَلقيَ بها أبا
القاسم بن بقي، وأبا الحسن بن مُغيث، وأبا عبدالله بن مَكِّي، وأبا جعفر
البِطْرَوجي، وأبا بكر ابن العربي. ولَقِيَ بإشبيلية أبا الحسن شُرَيح بن محمد،
وأَبا عُمر أحمد بن عبدالله بن صالح المقرىء الأزدي. وقرأ ((صحيح البخاري))
على شُرَيْح في سنة أربع وثلاثين، وحضر سماعه نحوٌ من ثلاث مئة نفس من
أعيان طَلَبة البلاد فقرأه في إحدى وعشرين دولةً بسماعه من أبيه، وأبي عبدالله
ابن منظور عن أبي ذَر الهَرَوي. وكان الناس يرحلون إلى شُرَيْح بسببه لكونه قد
عيَّنَ تسميعه في كل رمضان. وأجاز له القاضي عياض، وأبو بكر بن فَنْدَلة،
وجماعةٌ. وسمع أيضًا من محمد بن عبدالعزيز الكِلابي، وجعفر بن محمد
البُرْجي، وأبي بكر يحيى بن خَلَف بن النَّفيس، وإبراهيم بن مَرْوان، ويوسف
(١) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢٧٢ .
(٢) ينظر تاريخ ابن الدبيني، الورقة ١٠٣ - ١٠٤ (باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري
١/ الترجمة ٢٩٠.
٩٦٠