النص المفهرس

صفحات 881-900

٣٥٣- علي بن الحسين بن قَتَان بن أبي بكر بن خَطّاب، أبو الحسن
الأنباريُّ ثم البَغْداديُّ السّمسار الرُِّّيُّ.
وُلد سنة خمس مئة. سمع أبا القاسم بن الحُصين، وزاهر بن طاهر،
وهبة الله ابن الطَّبر، وهبة الله الشُّرُوطي، ويحيى وأحمد ابني البَنَّاء، وجماعةً
كثيرةً. وحجَّ نحوًا من أربعين حَجَّة(١).
٣٥٤- علي بن أبي شجاع بن هبة الله بن رَوح الأمينيُّ، أبو الحسن
البَغْدادِيُّ الشَّاعر.
توفي في هذا العام.
وله :
لكُم على الدَّنف العليلِ حكمُ العزيزِ على الذَّليلِ
يومًا سِوَى الصَّبرِ الجميلِ
مالي إذا ما جُرْتُمُ
ضياء طلعته دليلي
من لي بأسمر كالقضيبٍ
ولَفظهُ شَرَكُ العقولِ
من لَحِظُه سحرُ العُيُونِ
كيف السَّبيلُ إلى لُماهُ ورشف ذاك السَّلْسَبيلِ
ما لي عُدُولٌ عن هواهُ فدَع مَلامَكَ يا عذُولي
٣٥٥- علي بن عبدالله بن عبدالرحيم (٢)، أبو الحسن الفِهْريُّ البَلَنسيُّ
المقرىء.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن هذيل. وروى الحديث عن أبي الوليد
ابن الدَّبَّاغ، وجماعةٍ .
وكان صالحًا، مُنعزلاً عن الناس؛ روى عنه أبو الربيع بن سالم، وقال:
توفي في حدود التِّسعين وخمس مئة(٣).
٣٥٦- عيسى ابن الصالح عبدالرحمن بن زيد بن الفَضْلِ الوَرَّاق، أبو
شجاع العَتَّابيُّ البغداديُّ.
(١) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٢١.
(٢) هكذا في النسخ، وفي تكملة ابن الأبار: عبدالرحمن.
(٣) من تكملة ابن الأبار ٢١٨/٣. وسيعيده المصنف فيمن توفي على التقريب من هذه السنة
(الترجمة ٤٣٤).
تاريخ الإسلام ١٢/ م٥٦
٨٨١

سمع من جدِّه لأَمِّه أبي السعود أحمد بن علي المُجلي، وهبة الله بن
الحُصين، وأحمد بن مُلوك الوَرَّاق. وحدَّث؛ روى عنه يوسف بن خلیل،
وأجاز لابن الدُّبيثي(١).
٣٥٧- محمد بن أبي علي الحسن بن الفَضْل بن الحسن الأدميُّ، أبو
الفَضْلِ الأصبهانيُّ.
سمع من أبي علي الحَدَّاد، وأجاز له. توفي في ذي القَعدة(٢).
٣٥٨- محمد ابن الفقيه أبي علي الحُسين بن مُفرِّج بن حاتم
المَقْدسيُ ثم الإسكندرانيُّ، رشيد الدين الواعظ.
وُلد سنة ثلاث عشرة وخمس مئة. وسمع من أبيه. روى عنه ابن عَمِّه
الحافظ أبو الحسن. وتوفي في رمضان(٣).
٣٥٩- محمد بن ساكن بن عيسى بن مَخْلُوف، أبو عبدالله الحِمْيريُّ
المصريُّ.
شيخٌ جليلٌ عالمٌ، جَمَعَ لنفسه ((مشيخةً)). ذَكَرَ فيها أنه قرأ القرآن على
أبي الحسن علي بن محمد الرَّوحاني، والشريف أبي الفُتُوح ناصر بن الحسن،
وأبي العباس بن الخُطَيئة، ومحمد بن إبراهيم ابن الكِيزاني. وأنه سمِع من
عبدالرحمن بن الحُسينِ الجَبَّاب، والفقيه عُمر بن محمد البَلَوي الذَّهبي،
وعبدالله بن رفاعة، والسِّلَفي، وطائفةٍ .
وحدَّث وألَّفَ مجاميع، وتصدّر بجامع مصر، وخَطَبَ بجيزة الفُسطاط
مدَّة .
توفي في أوائل شوال (٤) .
٣٦٠- محمد بن عبدالله ابن الفقيه مُجَلِّي بن الحسين بن علي بن
الحارث الرَّمليُّ الأصل المصريُّ الفقيه الشافعيُّ، القاضي أبو عبدالله.
وُلد سنة اثنتي عشرة وخمس مئة. ناب في القضاء بمصر نحوًا من
عشرين سنة. وسمع من أبي الفتح سُلطان بن إبراهيم الفقيه، وأبي صادق
(١) ينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٧٩ (كيمبرج)، وتكملة المنذري ١/ الترجمة ٢١٩.
(٢) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢١٤.
(٣) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢١١ .
(٤) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢١٢ .
٨٨٢

مُرشد بن يحيى، وابن رفاعة. وحدَّث.
و کان يُقال له: حَسُّون.
وهو والد القاضي أبي محمد عبدالله. وكان جَدُّه الفقيه مُجَلِّي قد سمع
من القاضي الخِلَعي، ووَليَ عَقد الأنكحة بالرَّملة(١).
٣٦١- محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن منصور بن محمد بن
الفَضْل بن منصور بن أحمد بن يونس بن عبدالرحمن بن الليث بن
عبدالرحمن بن المُغيث بن عبدالرحمن بن العلاء بن الحَضْرمي، الفقيه أبو
عبدالله ابن الشيخ أبي القاسم بن أبي عبدالله الحَضْر ميُّ العَلائِيُّ الصِّقِلَيُّ ثم
الإسكندرانيُّ المالكيُّ.
وُلد سنة أربع عشرة وخمس مئة بالإسكندرية وسمع من أبي عبدالله
محمد بن أحمد الرَّازي. وتفقه على مذهب مالك. وكان في القضاء بالثَّغر
مدة .
روى عنه أبو الحسن بن المُفضَّل، وابن رَوَاج، وعبدالرحمن بن يحيى
ابن علاس القصديري، وعلي بن إسماعيل بن سُكَين، وعلي بن عُمر بن ركاب
الإسكندرانيون(٢).
٣٦٢- محمد بن علي بن محمد، أبو بكر السّرخسيُّ ثم البغداديُّ
الخَيَّاط، المعروف بالخاتوني.
سمع من أبي القاسم سعيد ابن البنَّاء، وأبي بكر ابن الزَّاغوني، وجماعةٍ،
وحدَّث(٣).
٣٦٣- محمد بن محمد بن عبدالحميد بن الحارث، أبو عبدالله وأبو
بكر اليَعْمريُّ الأندلسيُّ الأديب الشاعر.
روى عن أبي عبدالله بن أبي الخصال. روى عنه أبو عبدالله ابن الصَّفَّار،
وغيرُ واحد (٤).
(١) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ١٨٨.
جُل الترجمة من تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٠٦.
(٢)
(٣) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢٢٠.
(٤) من تكملة ابن الأبار ٢/ ٦٧.
٨٨٣

٣٦٤- المبارك بن كامل بن مُقَلَّد بن علي بن نَصر بن مُنقذ، الأمير
سيف الدّولة أبو المَيْمون الكِنَانيُّ الشَّيزَريُّ.
وُلد بشَيْزَر سنة ستٍّ وعشرين وخمس مئة، وسمع بمكة قليلاً من أبي
حَفص المیانشي. روی عنه ولده الأمیر إسماعيل.
وقد وَلَيَ سيف الدَّولة أمْرَ الدَّواوين بمصر مدةً، وله شِعرٌ يسيرٌ. وكان
مع شمس الدولة تورانشاه أخي السُّلطان لمَّا مَلَكَ اليَمَن، فناب في مدينة زَبيد
عنه. ثم رجع معه، واستناب أخاه حطان، فلمَّا مات شمس الدولة حَبَسه
السُّلطان، لأنه بلغه عنه أنه قَتَلَ باليَمَن جماعةً وأخذ أموالهم، فصادره وضَيَّقَ
عليه، وأخذ منه مئة ألف دينار، وذلك في سنة سَبع وسبعين.
ولمَّا توجَّه سيف الإسلام طُغْتكين إلى اليَمَنْ، تحصَّنَ الأمير حطان في
فَلعةٍ وعَصَى، فخَدَعَه سيف الإسلام حتى نزل إليه، فاستصفى أمواله وسَجَنه،
ثم أعدمه.
وقيل: إنه أخذ منه سبعين غلاف زَرَدية مَمْلوءًا ذَهبًا .
توفي سيف الدولة في رمضان بالقاهرة(١).
٣٦٥- المبارك بن أبي بكر بن أبي العزِّ، أبو الفتح البغداديُّ
المقرىء، المعروف بابن غلام الدِّيك، وبابن الدِّيك.
وُلد سنة اثنتي عشرة وخمس مئة. وسمع من أبي القاسم بن الحُصين،
وأبي القاسم ابن الطَّبر، وأبي السُّعُود أحمد ابن المُجْلي، وأبي الحُسين محمد
ابن الفَرَّاء، وجماعةٍ .
وكان واعظًا فاضلاً؛ سمع منه محمد بن مَشِّق، وتميم البَنْدَنيجي،
وجماعةٌ.
واسم أبيه أحمد.
توفي في المحرَّم(٢).
(١) من وفيات الأعيان ١٤٤/٤ - ١٤٦.
(٢) من تاريخ ابن الدبيثي، كما في المختصر المحتاج إليه ١٦٧/٣، وتكملة المنذري
١/ الترجمة ١٨٥.
٨٨٤

٣٦٦- المبارك بن أبي نَصر بن أبي عبدالله بن أبي طاهر بن أبي
حنيفة، أبو محمد ابن القارص البغداديُّ الحَرِيميُّ. ويُقال: اسمه الحسن.
سمع من أبي القاسم بن الحُصين، وجماعةٍ. وتوفي في شعبان(١).
٣٦٧- مُبشِّر بن أحمد بن علي، أبو الرشيد الرَّازيُّ ثم البَغْداديُّ
الفَرَضيُّ الحاسب.
له مصنَّفاتٌ مُفيدةٌ. روى عن أبي الوَقت. وتوفي برأس عين في ذي
القَعدة. وانتفع عليه جماعةٌ.
ولقد بالَغَ ابن النَّجَّار في تقريظه، وقال: كان إمامًا في الجَبرِ والمُقابلة
والمَسَاحة وخَوَاصِّ الأعداد واستخراج الضَّمير وحساب الوَقف وقِسْمة
الفرائض والمَنطق والفَلْسفة والهَيْئة؛ صَنَّفَ في جميع ذلك، وكان شديدَ
الذَّكاء، شُدَّت إليه الرِّحال. إلى أن قال: وكان يُرمى بفساد العقيدة وإنكار
البَعْث، ويتهاونُ بالفرائض. نُفِّذ من الدِّيوان رسولاً إلى الشام، فمات برأس
العين.
٣٦٨- محاسن بن أبي بكر بن سلمان بن أبي شريك، أبو البَدْر
الحَرْبيُّ.
روى عن عبدالله بن أحمد اليُوسُفي. وتوفي في جمادى الأولى(٢).
٣٦٩- محمود ابن خُوارزم شاه أرسلانِ ابن خُوارزم شاه آتسز بن
محمد بن أنوشتِكِين، السُّلطان الخُوارزميُّ، ولَقبُه: سُلطان شاه. وهو أخو
علاء الدین خُوارزم شاه تكش .
تملَّكَ بعد والده في سنة ثمانٍ وستين، وجَرَت له أمورٌ يطولُ شَرحُها .
وكان أخوه قد سَلَّمَ إليه أبوه بعض المدائن، فحَشَدَ وجَمَعَ وقَصَدَ أخاه، فترك
خُوارزم وهَرَبَ. وذلك مذكورٌ في الحوادث. ثم إنه استولى على مَملكة مَرْو.
وكان نظيرًا لأخيه في الحَزْم والعَزْم والرَّأي والشَّجاعة، وحَضر غير
مصافٍّ، واستعان بجيش الخَطَا، وافتتح جماعةَ مدائن. وكان السيف بينه وبين
أخيه، لأنه أخذ منه خُوارزم، والتقاه فهزمه، وأسَرَ أُمَّه أمَّ محمود فقَتَلها،
(١) تقدمت ترجمته باسم ((الحسن)) برقم (٣٣٥).
(٢) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ١٩٥.
٨٨٥

واستولى على أكثر حواصل أبيهما؛ أعني علاء الدين. ونَقَلَ ابن الأثير في
((كامله))(١) فَصْلاً طويلاً في أخبارهما استطرادًا، وحكى فيه عن بعض المؤرِّخين
أنَّ سُلطان شاه أخذ مَرو، ودَفَعَ الغُزَّ عنها، ثم تجمَّعوا له وأخرجوه، وانتهبوا
خزائنه، وقتلوا أكثر رجاله، فاستنجد بالخَطَا، وجاء بعَسكرٍ عظيمٍ، وأخرج
الغُزَّ عن مَرو وسَرْخَس ونَسَا وأبيوَرَد، وتملَّكها، ورجعت الْخَطَا إلَى بلادهم
بالأموال.
ثم كاتب غياث الدين الغُوري ليسلِّم إليه هَرَاة، وبعث إليه غياث الدين
أيضًا، فأمره أن يخطب له ببلاده، فسار وشَنَّ الغارات، ونَهَبَ بلاد الغوري،
وظَلَمَ وعَسَفَ، فجهَّزَ الغُوري لحربه ابن أخيه بهاء الدين وصاحب سِجِستان،
فتقهقر سُلطان شاه إلى مَرو بعد أن عَمِلَ كلَّ قبيح بالقُرى. فتحزَّبَ لقَصْده
غياث الدين وأخوه شهاب الدين صاحب الهند. وجَمَعَ سُلطان شاه العساكر،
واستخدم الغُزَّ وأُولي الطَّمع، وعسكرَ بمَرو الرُّوذ، وعسكر الغُورِيُّون
بالطَّالقان. وبَقُوا كذلك شهرين، وتردَّدت الرُّسُل في معنى الصُّلح، فلم ينتظم
أمر. ثم التقى الجَمعان، وصَبَرَ الفريقان، ثم انهزم جيش سُلطان شاه، ودخل
هو مَرو في عشرين فارسًا، فانتهز أخوه تكش الفُرصةَ وسار في عسكر، وبعث
عسكرًا إلى حافة جَيْعُون يمنعون أخاه من الدُّخول إلى الخَطا إنْ أرادهم، فلمَّا
ضاقت السُّبُل على سُلطان شاه، خاطَرَ وسار إلى غياث الدين، فبالَغَ في إكرامه
واحترامه، وأنزله معه. فبعث علاء الدين تكش إلى غياث الدين يأمره بالقَبض
عليه، فلم يفعل. فبعث علاء الدين يتهذَّدُهُ بقَصد بلاده، فتجهّزَ غياث الدين
وجَمَعَ العساكر، فلم ينشب سُلطان شاه أنْ توفي في سَلْخِ رمضان في سنة تسع
هذه، فاستخدم غياث الدين أكثر أجناده، وأنعم عليهم، وجرى بعده لعلاء
الدين تكش ولغياث الدين اختلاف وائتلاف طَمِعَت بسَبَب ذلك الغُز، وعادوا
إلى النَّهب والتَّخريب، فتهجَّزَ علاء الدين تكش، وسار ودخل مَرو وسَرْخس
ونَسَا، وتطرَّقَ إلى طُوس .
قلتُ: وساق ابن الأثير رحمه الله قَوْلاً آخر مُخالفًا لهذا في أماكن،
واعتذَرَ عنه ببُعد الدِّيار، واختلاف النَّقَلة من السُّفَّار.
(١) الكامل ١١/ ٣٧٧ - ٣٨٥.
٨٨٦

٣٧٠- مسعود ابن الملك مَودود بن أتابك زَنكي بن آقسُقُر،
السُّلطان عزّ الدين أبو المظفَّر صاحب المَوْصل.
وَصَلَ إلى حلب قبل السَّلطنة مُنجدًا لابن عَمِّه الصالح إسماعيل بن نور
الدين على السلطان الملك الناصر صلاح الدين، وليُرهب صلاح الدين، لئلا
يَطْمعَ ويَقْصدَ المَوصل، فانضمَّ إليه عسكر حلب، وسار في جَمع كثيرٍ، فوقع
المصافُّ على قُرُون حَمَاة، فَكَسَره صلاح الدين، وأسَرَ جماعةً من أمرائه في
سنة سبعین، کما ذكرناه في الحوادث.
ولما(١) احتُضر الصالح أوصى بمملكة حلب لابن عَمِّه عز الدين هذا،
فساقَ إليها، وصَعِدَ القلعة، وورث ابن عَمِّه واستولى على الخزائن النُّورية
وتزوج بامرأة الصالح، وعَلِمَ أنه لا يمكنه حفظ حلب والموصل، فاستناب
بحلب مظفر الدين ابن صاحب إربل، ورجع، فلما وصل إلى الرقة لقيه أخوه
عماد الدين زنكي صاحب سنجار، فقايضه بسنجار وجاء إلى حلب فتملَّكها.
وبلغ السلطان صلاح الدين أن عز الدين مسعود قد راسل الفِرَنج يحثهم على
قتال صلاح الدين، فعلم أنه قد غَدَر، فقصد حلب والمَوْصل، فنازلَ حلب في
سنة ثمان وسبعين، فأقام عليها ثلاثة أيام. ثم جاءه مظفر الدين ابن صاحب
إربل منابذًا لعز الدين فَقَوَّى عزمهُ على قصد الجزيرة، فعدا الفرات فأخذ الرُّها
والرقة ونصيبين وسروج واستناب بها. ثم سار فنزل على الموصل وعَلِمَ أنه بلد
عظيم لا يُنال بالمُحاصرة، فَتَرَخَّلَ ونزل على سنجار أيامًا، فأخذها وأعطاها
إلى ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر، وعاد إلى حَرَّان. ثم عاد بعد
سنتين إلى منازلة الموصل، فنزلت إليه والدة مسعود وطلبت المصالحة، فردها
ظنًا أنَّ ذلك عجز من ولدها، واعتذر إليها. ثم ندم بعدُ. وبذل أهل الموصل
جهدهم في القتال لكون صلاح الدين رد المصالحة، فأقام عليها إلى أن بلغته
وفاة شاه أرمن صاحب خلاط وقيام مملوكه بُكتمر. ثم عجز بُكتمر وكاتب
صلاح الدين أن يسلم إليه خلاط وأن يعوضه عنها، فقصد خِلاط وترك حصار
الموصل، فنزل بطوانة، بُلَيدة بقرب خلاط، وراسل بكتمر وإذا شمس الدين
(١) من هنا إلى قوله: ((وعاد صلاح الدين فحاصر الموصل ثالثًا)) قد سقط من النسخة الباريسية،
فاستدركناه من أ، وهو منقول من وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/ ٢٠٤ -٢٠٧.
٨٨٧

بَهْلوان بن إلدكز صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط قاصدًا
محاصرتها، فبعث إليه يُعَرِّفه بأنه إن لم يرجع عنه وإلا سَلَّم البلد إلى صلاح
الدين، فصالحه. فنزل صلاح الدين على مَيافارقين، فقاتلها قتالاً شديداً ثم
أخذها صلحًا بالخديعة. وكان صاحبها قطب الدين إيلغازي بن ألبي الأرتقي،
فمات وخلف ولده حسام الدين بولق أرسلان وهو صبيٍّ فطمع صلاح الدين
وتسلمها بمعاملة من واليها. وأما بُكتمر فقويت نفسه بمصاهرته لصاحب
أذربيجان.
وعاد صلاح الدين فنازل المَوصل ثالثاً، فمَرِضَ في الحَرِّ مَرضًا أشفى
منه على المَوت، فترخَّلَ إلى حَرَّان، فسَيَّرَ صاحب المَوْصل عز الدين رسولاً،
وهو القاضي بهاء الدين يوسف بن شَدَّاد إلى صلاح الدين في الصُّلْح. فأجاب
وحَلَفَ له وقد تماثل من مَرَضه، ووفى له إلى أن مات. فلم تطَل مدة عزّ
الدين بعد صلاح الدين، وعاش أشهرًا. وتوفي في شعبان في التاسع والعشرين
منه .
قال ابن الأثير(١): وكان قد بَقِيَ ما يزيد على عشرة أيام لا يتكلَّمُ إلا
بالشَّهادتين وتلاوة القرآن، وإذا تكلّمَ بغيرها استغفر الله، ثم عاد إلى التِّلاوة،
فرُزقَ خاتمة خَيْرٍ. وكان خَيِّرَ الطَّبع، كثيرَ الخَيْرِ والإحسان، يزورُ الصالحين
ويقرِّبُهم ويشفّعُهم. وكان حليمًا حيِّيًا، لم يُكلُّم جليسه إلا وهو مُطرق. وكان
قد حجَّ، ولَبِسَ بمكة خِرْقةَ التَّصوُّف. فكان يلبس تلك الخِرْقة كل ليلة،
ويخرج إلى مسجد داره، فيُصلِّي فيه إلى نحو ثُلُث الليل. وكان رقيقَ القَلْب،
شفوقًا على الرَّعِية.
قلتُ: ودُفن في مدرسته بالمَوْصل، وهي مدرسةٌ كبيرةٌ على الشَّافعية
والحنفية، وتَسَلطن بعده ولده نور الدين إلى أن مات عن ولدين، وهما القاهر
عز الدين مسعود والمنصور عماد الدين زنكي. وقَسَّم البلاد بينهما، فأعطى
القاهر المَوْصل، وأعطى المنصور قلاعًا. وقد توفي القاهر صاحب المَوْصل
:
فجاءة في سنة خمس عشرة وست مئة ودُفن بمدرسته.
وأما زَنكي فانتقل إلى إرْبل، وتزوَّجَ بابنة صاحبها مظفَّر الدين، وكان من
(١) الكامل ١٢/ ١٠٢.
٨٨٨

أحسن الناس صورة، ثم قَبَضَ عليه مظفَّر الدين لأمورٍ جَرَت، وسيَّره إلى
الملك الأشرف موسى، ثم أطلقه وعاد. وأُعطي بَلَد شَهْرَزُور وأعمالها. وتوفي
في حدود سنة ثلاثين وست مئة، وقام بعده ولده قليلاً، ومات.
٣٧١- المُكَرَّم(١) بن هبة الله بن المُكَرَّم، أبو محمد الصُّوفيُّ، أخو
أبي جعفر محمد.
شيخٌ معروفٌ سمع أبا بكر محمد بن عبدالباقي، وعلي بن علي بن
سُكَينة، وأبا سعد أحمد بن محمد الزَّوْزني، وشيخ الشُّيوخ إسماعيل بن أبي
سَعد، وجماعةً. روى عنه الشيخ المُوفَّق، والبهاء عبدالرحمن، والضّياء
محمد، والزَّين بن عبدالدَّائم، وجماعةٌ. وحدَّث بدمشق وبغداد.
وتوفي في رجب(٢).
٣٧٢- منصور بن المبارك بن الفَضْل بن أبي نُعيم، أبو المظفَّر
الواسطيُّ الواعظ، المُلقَّب بجرادة.
سمع من أبي الوَقت السِّجْزي، وذكر أنه سمع ((المَقَامات)) من أبي محمد
الحريري، وله فصول وعظية.
وكان شيخًا مُسنًّا، يُقال: إنه جاوز المئة، والصحيح أنه عاش سَبعًا
و ثمانين سنة .
وله نَظمٌ ونَثرٌ ودُعابة. وكان يَعظُ في الأعزية ببغداد.
ذكره ابن النَّجَّار.
٣٧٣- موسى بن حَجَّاج، أبو عِمران الأشِیريُّ.
دخل الأندلس في سنة بضع وثلاثين وخمس مئة، وسمع بقُرْطُبة من أبي
عبدالله محمد بن أصْبغ الفقيه، وآبي مَروان بن مَسَرَّة. وسمع بإشبيلية من أبي
الحسن شُرَيح. وبالمَرِية من عبدالحق بن عطية. وعُنيَ بالرِّواية.
قال الأبار(٣): إلا أنه عديمُ الضَّبط، نزل الجزائر وأمَّ بها وحدَّث بها،
وتوفي في صَفَر .
:
(١) قيده المصنف في المشتبه ٦١١ .
(٢) تنظر تكملة المنذري ١ / الترجمة ٢٠٣.
(٣) التكملة ٢/ ١٨٣.
٨٨٩

٣٧٤ - هبة الله بن عبدالمحسن بن علي، الفقيه أبو البركات الأنصاريُّ
المالكيُّ المصريُّ مُدرِّس المدرسة المجاورة لجامع مصر العتيق.
تفقه عليه جماعةٌ، وكان مشهورًا بالصلاح والعِلْم، توفي في ذي
القَعدة(١) .
٣٧٥- يحيى بن علي بن عبدالرحمن، أبو زكريا القَيسيُّ المقرىء
المالكيُّ.
سمع من عبدالله بن رفاعة، وتصدَّرَ بالجامع العتيق بمصر(٢) .
٣٧٦- يوسف، السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين، أبو المظفَّر
ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مَروان بن يعقوب الدُّوينيُّ الأصل
التكريتيُّ المولد.
ودُوين بطرف أذْربيجان من جهة أرَّان والكرج، أهلها أكراد رَوَادية،
والرَّوادية بَطن من الهَذَبانية .
وُلد سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة إذْ أبوه والي تكريت. وسمع من أبي
طاهر السّلَفي، والإمام أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المُسَلَّم ابن بنت أبي
سَعد، وأبي الطاهر بن عَوف، وعبدالله بن بَرِّي النَّحوي، والقُطب مسعود
النَّيسابوري، وجماعةٍ.
وروى الحديث، ومَلَكَ البلاد، ودانت له العباد، وافتتح الفتوحات،
وكَسَرَ الفِرَنجِ مرَّات، وجاهَدَ في سبيل الله بنفسه ومالِهِ. وكان خليقًا للمُلك.
وأقام في السَّلْطنة أربعًا وعشرين سنة. روى عنه يونس بن محمد الفارقي،
والعماد الكاتب، وغيرهما.
وتوفي بقلعة دمشق بعد الصُّبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من
صفر وحَضَرَ وفاته القاضي الفاضل.
وذكر أبو جعفر القُرْطُبي إمام الكلَّسة أنه لما انتهى في القراءة إلى قوله
تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الحشر ٢٢] سمعه
وهو يقول: صحيح. وكان ذِهنه غائبًا قبل ذلك، ثم توفي. وهذه يَقَظةٌ عند
(١) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢١٦.
(٢) من تكملة المنذري ١ / الترجمة ١٩٤.
٨٩٠

الحاجة. وغَسَّله الدَّولعي، وأُخرج في تابوت، وصَلَّى عليه القاضي محيي
الدين ابن الزَّكي، وأُعيد إلى الدار التي في البُستان التي كان مُتمرِّضًا فيها.
ودُفن بالصُّفة الغربية منها. وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعَظُمَ الضَّجيج،
حتى إن العاقل يتخيَّلُ أن الدنيا كلَّها تصيحُ صَوتًا واحدًا. وغَشيَ الناس من
البُكاء والعَوِيل ما شَغَلَهم عن الصَّلاة، وصَلَّى عليه الناس أرسالاً، وتأسَّفَ
الناسُ عليه، حتى الفِرَنجِ، لِمَا كان من صِدق وفائه إذا عاهَدَ. ثم بنى ولده
الأفضل صاحب دمشق قُبَّة شمالي الجامع، وهي التي شُبَّاكها القِبلي إلى
الكلَّسة، ونَقَله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين، ومَشَى بين يدي
تابوته. وأراد العلماء حَمْلَه على أعناقهم، فقال الأفضل: تكفيه أدْعِيتكم
الصالحة. وحَمَله مماليكه، وأُخرج إلى باب البريد، فصُلِّ عليه قُدَّامِ النَّسْر،
وتقدَّمَ في الإمامة القاضي محيي الدين بإذْن ولده. ودخل الأفضل لَحْده،
وأودعه وخرج، وسَدَّ الباب. وجلس هناك للعَزَاء ثلاثة أيام، وذلك خلاف
العادة، وخلاف السُّنَّة.
كان رحمه الله كريمًا، جَوَادًا، بَطَلاً، شُجاعًا، كاملَ العَقْلِ والقُوى،
شديدَ الهَيْبة، افتتح بسَيفه وبأقاربه من اليَمَن إلى المَوْصل، إلى أوائل الغرب،
إلى أسوان .
وفي ((الرَّوضتين)) (١) لأبي شامة أن السُّلطان رحمه الله لم يُخلِّف في
خزائنه من الذَّهب والفِضَّة إلا سبعةً وأربعين درهمًا، ودينارًا واحدًا صوريًّا .
ولم يخلِّف ملكًا ولا عَقَارًا وخَلَّفَ سبعةَ عشر ولدًا ذَكرًا، وابنة صغيرة.
ومن إنشاء العماد الكاتب إلى الخليفة على لسان الأفضل: ((أصدر العبدُ
هذه الخِدمة وصَدرهُ مَشْروحٌ بالوَلاءِ، وقلبه مغمورٌ بالضِّياءِ، ويده مَرْفوعةٌ إلى
السَّماء، ولسانه ناطقٌ بالشُّكْر والدُّعاء، وجَنَانه ثابت من المَهَابة والمحبّة على
الخَوف والرَّجاء، وطَرفه مُغْمضٌ من الحياء. وهو للأرض مُقَبِّل، وللفَرْض
مُتَقبِّل، يمثُّ بما قدمه من الخدمات، وذخره ذخر الأقوات لهذه الأوقات. وقد
أحاطت العلوم الشريفة بأنَّ الوالد السعيد الشَّهيد الشَّديد السَّديد المُبيد للشِّرك
المبير، لم يزل مستقيمًا على جديد الجَدِّ، ومصر بل الأمصار باجتهاده في
(١) الروضتين ٢١٧/٢ .
٨٩١

الجهاد شاهدة، والأنجاد والأغوار في نَظَر عَزمه واحدة، والبيت المُقدَّس من
فتوحاته والمُلْك العقيم من نتائج عزماته، وهو الذي مَلَكَ ملوك الشَّرق وغلَّ
أعناقها، وأسَرَ طواغيت الكُفر وشدَّ خناقها، وقَمَعَ عَبَدَةَ الصُّلْبان وقطع
أصلابها، وجَمَعَ كَلِمة الإيمان وعَصَمَ جنابها، وقُبضَ وعَدْلُه مبسوطٌ، ووِزره
مَخطوط، وعَمَلُه بالصَّلاحِ مَنُوط، وخرج من الدنيا وهو في الطاعة الإمامية
داخل» .
قال العماد الكاتب: لمَّا توفي ومَلَكَت أولاده كان العزيز عثمان بمصر
يقرِّب أصحاب أبيه ويُكرمهم، والأفضل بدمشق يفعل بضِدٍّ ذلك. وأشار عليه
جماعة كالوزير الجَزَري الذي استوزره يعني الضُّياء ابن الأثير.
وفيه يقول فتيان الشاغوري :
متى أرَى وزيرَكم وما له من وَزَرِ
يقلعه اللهُ فذا أوانُ قَلعِ الجَزَرِ
ومن كتابٍ فاضلي: ((أمَّا هذا البيت، فإن الآباء منه اتَّفقوا فمَلَّكُوا، وإن
الأبناء منه اختلفوا فھَلَکوا)).
قلتُ: خَلَّفَ من الأولاد صاحب مصر السُّلطان الملك العزيز، والملك
الأفضل علي صاحب دمشق، والملك الظاهر غازي صاحب حلب، والملك
المعز فتح الدين إسحاق، والملك المؤيد نجم الدين مسعود، والملك الأعز
شرف الدين يعقوب، والملك الظافر مظفَّر الدين خَضِر، والملك الزَّاهر مُجير
الدين داود، والملك المُفضَّل قُطب الدين موسى، والملك الأشرف عزيز
الدين محمد، والملك المُحسن ظهير الدين أحمد، والملك المعظّم فخر الدين
تورانشاه، والجواد رُكن الدين أيوب، والغالب نصير الدين ملك شاه، وعماد
الدين شاذي. ونُصرة الدين مَروان، والمنصور أبو بكر، ومؤنسة زَوجة
الكامل؛ هؤلاء كلهم عاشوا بعده، وكان أكثرهم بحلب عند الظاهر، وآخرهم
مَوتًا تورانشاه؛ توفي بعد أخذ حلب، وكان بقَلْعتها.
قال الموفَّق عبداللطيف: أتيتُ الشام، والملك صلاح الدين بالقُدس،
فأتيتُهُ فرأيت مَلِكًا عظيمًا، يملأ العيونَ رَوعةً، والقُلوبَ مَحبَّةً، قريبًا بعيدًا،
سَهلاً مُحببًا، وأصحابه يتشبّهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قال الله
٨٩٢

تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ﴾ [الحجر ٤٧]. وأول ليلةٍ حَضَرتُهُ وجدتُ
مجلسًا حَفلاً بأهل العِلْم يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يُحسن الاستماع
والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار وحَفر الخنادق، ويتفقهُ في ذلك،
ويأتي بكل معنى بديع. وكان مُهتمَّا في بناء سور القُدس، وحَفر خَنْدقه؛ يتولَّى
ذلك بنفسه، وينقل الحجارة على عاتقه، ويتأسَى به جميع الناس؛ الأغنياء
والفُقراء والأقوياء والضُّعفاء حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل. ويركب
لذلك قبل طلوع الشمس إلى وَقت الظُّهر، ويأتي داره فيمدُ السِّماط، ثم
يستريح، ويركب العَصْر، ويرجع في ضوء المَشَاعل، ويصرفُ أكثر الليل في
تَذْبير ما يعمل نهارًا. وقال له بعض الصُّنَّاع: هذه الحجارة التي تُقطع من أسفل
الخندق، ويُبنى بها السُّور رَخوةٌ. قال: نعم، هذه تكون الحجارة التي تَلِيَ
القرار والنَّداوة، فإذا ضَرَبَتها الشمس صَلُبَت. وكان رحمه الله يَحْفظ
((الحَمَاسة))، ويظنُّ أن كل فقيه يَحْفظُها، فكان ينشد القِطْعة، فإذا توقَّفَ في
مَوْضع استطعم فلا يُطعم، وجرى له ذلك مع القاضي الفاضل، ولم يكن
يحفظها، فخرج من عنده، فلم يزل حتى حَفِظَها. وكتب لي صلاح الدين
بثلاثين دينارًا في الشَّهر على ديوان الجامع بدمشق، وأطلق لي أولادُهُ رواتب،
حتى تقرََّ لي في كل شهر مئة دينار. ورجعتُ إلى دمشق، وأكبيتُ على
الاشتغال وإقراء الناس بالجامع .
قال: وكان عَمُّه أسد الدين شِيركُوه من أمراء دولة نور الدين، وكان أبوه
أيوب معروفًا بالصلاح. وكان شِيركُوه معروفًا بالشَّجاعة، وكان لأيوب بنون
وبنات، ولم يكن صلاح الدين أكبرِهم، وكان شِحنةَ دمشق، ويشرب الخمر،
فمُذ باشَرَ المُلك طَلَّقَ الخَمر واللَّذَّات. وكان مُحبَّبًا خفيفًا على قلب نور
الدين، يُلاعبُهُ بالكُرة. ومَلَكَ مصر.
وكانت وَقعته مع السُّودان سنة بضع وستين، وكانوا نحو مئتي ألف،
ونُصرَ عليهم، وقَتَلَ أكثرهم، وهَرَبَ الباقون، وابتنى سورَ القاهرة ومصر على
يد الأمير قَراقُوش .
وفي هذه الأيام ظَهَرَ مَلكُ الخَزَرِ، ومَلَكَ دُوين وقَتَلَ من المسلمين
ثلاثين ألفًا .
٨٩٣

ثم في سنة سبع قطع صلاح الدين خُطبة العاضد بمصر، وخطب
للمُستضيء. ومات العاضد، واستولى صلاح الدين على القَصر وذخائره،
وقبض على الفاطميين.
وفي سنة ثمانٍ وستين فتح أخوه شمس الدولة بَرْقة ونَفُوسًا .
وفي سنة تسع مات أبوه، ونور الدين، وافتتح أخوه شمس الدولة
اليَمَن، وقبض علىَ المُتغلّب عليها عبدالنبي بن مَهدي المهدي، وكان شابًّا
أسودَ.
وفي سنة سبعين سار من مصر، ومَلَكَ دمشق.
وفي سنة إحدى وسبعين حاصَرَ عَزَاز؛ قال ابن واصل(١): حاصَرَ عَزَاز
ثمانيةً وثلاثين يومًا بالمجانيق، وقُتل عليها كثيرٌ من عسكره. وكانت لجاولي
الأمير خَيمة، كان السُّلطان يحضر فيها، ويحضُّ الرِّجال على الحَرْب،
فحضرها والباطنية، الذين هم الإسماعيلية، في زِيِّ الأجناد وقوف، إذ قَفَزَ
عليه واحد منهم، فضرب رأسه بسِكِّين، فلولا المِغْفَر الزَّرَد، وكان تحت
القَلَتْسُوة، لقتله. فأمسك السُّلطان يد الباطني بيديه، فبَقِيَ يضرب في عُنُقُه
ضَربًا ضعيفًا، والزَّردُ يمنع، فأدرك السُّلطان مملوكُه يازكوج الأمير، فأمسك
السِّكِّين فجَرَحته، وما سَيَّبها الباطني حتى بَضَّعوه. ووَثَبَ آخر، فوَثَبَ عليه
الأمير داود بن منكلان، فجَرَحه الباطني الآخر في جَنبه فمات وقُتلَ الباطني،
ثم جاء باطنيٌّ ثالث، فماسَكَه الأمير علي بن أبي الفوارس، فضمّه تحت إبطه
وبَقِيَت يد الباطني من ورائه لا يقدر على الضَّرب بالسِّكِّين، ونادى: اقتلوني
معه، فقد قتلني وأذهب قُوَّتي. فطَعَنه ناصر الدين محمد بن شِيركُوه فقتله،
وانهزم آخر فقطَّعوه، ورَكِبَ السُّلطان إلى مُخيَّمه ودَمُه سائلٌ على خدِّه،
واحتجب في بيت خَشَب، وعَرَضَ الجُند، فمن أنكره أبعده. ثم تسلّم القلعة
بالأمان .
وفي سنة ثلاثٍ كَسَرته الفِرَنج على الرَّملة، وفرَّ عندما بَقِيَ فِي نَفَرٍ يسيرٍ .
وفي سنة خمسٍ وسبعين كَسَرَهم، وأسَرَ ملوكهم وأبطالهم .
وفي سنة ست أمرَ ببناء قَلعة القاهرة على جبل المقطم.
(١) مفرج الكروب ٢/ ٤٤ فما بعدها.
٨٩٤

وفي سنة ثمانٍ عَبَرَ الفرات وفتح حَرَّان، وسَرُوج، والرُّها، والرَّقَّة،
والبيرة، وسِنجار، ونَصِيبين، وآمد، وحاصَرَ المَوصل، ومَلَكَ حلب، وعَوَّض
عنها سِنْجار لصاحبها عماد الدين زنكي الذي بنى العمادية بالمَوْصل.
ثم إن صلاح الدين حاصَرَ المَوْصِلِ ثانيًا وثالثًا، ثم هادنه صاحبُها عِزّ
الدين مسعود، ودخل في طاعته. ثم تسلَّمَ صلاح الدين البوازيج وشَهْرَزُور،
وأنزل أخاه الملك العادل عن قلعة حلب، وسَلَّمها لولده الملك الظاهر وعُمُره
إحدى عشر سنة. وسَيَّرَ العادل إلى ديار مصر نائبًا عنه، وكان بها ابن أخيه تقي
الدين عُمر بن شاهنشاه، فغَضِبَ حيث عَزَله، وأراد أن يتوجّه إلى المغرب،
وكان شَهمًا شجاعًا، فخاف صلاح الدين من مَغَبة أمرهِ، فلاطَفَه بكل وجهٍ حتى
رجع مُغْضبًا وقال: أنا أفتحُ بسيفي ما أستغني به عما في أيديكم. وتوجَّه إلى
خِلاَط، وفيها بُكتمر، فالتقى هو وبُكتمر، فانكسر بُكتمر شَرَّ كُسرة، وسَيَّرَ تقي
الدين عَلَمه وفَرَسه إلى دمشق وأنا بها، وكان يومًا مشهودًا.
وفي سنة ثلاثٍ وثمانين فتح صلاح الدين طَبَرِية، ونازَلَ عَسْقلان،
وكانت وَقْعة حِطَّين، واجتمع الفِرَنج، وكانوا أربعين ألفًا، على تلِّ حِطِّين،
وسبقَ المسلمون إلى الماء، وعَطِشَ الفِرَنج، وأسلموا نفوسهم وأُخذوا عن
بكرة أبيهم وأُسرت ملوكهم. ثم سار فأخذ عَكًّا، وبَيروت، وقَلعة گَوكب،
والسَّواحل. وسار فأخذ القُدس بالأمان بعد قتالٍ ليس بالشَّديد.
ثم إن قراقوش التُّركيَّ مملوك تقي الدين عُمر المذكور توجّه إلى المغرب
لمَّا رجع عنها مَولاه، فاستولى على أطراف المغرب، وكَسَرَ عسكر تونس،
وخطب لبني العباس. وإن ابن عبدالمؤمن قَصَدَ قراقوش، ففرَّ منه ودخل
البَرِّية. ثم دخل إليه مملوك آخر يُسمَّى بُوزبه، واتّفقا، ثم اختلفا، ولو اتَّفقا مع
المايُرقي لأخذوا المغرب بأسره. ووصلت خيل المايُرقي إلى قریب مَرَّاكَش،
وتهيَّ المُوحِّدون للهَرَب، لكن أرسلوا رجلاً يُعرف بعبد الواحد له رأيٌ ودَهَاءٌ،
فقاوم المايُرقي بأنْ أفسد أكثر أصحابه والعرب الذين حوله بالأموال، وكَسَره
مرَّات، وجَرَت أمورٌ ليس هذا موضعها .
ثم إن الفِرَنج نازلوا عَكَّا مدةً طويلةً، وكانوا أُممَا لا يُحصون، وتَعِبَ
المسلمون، واشتدَّ الأمر.
٨٩٥

قال: ومدة أيامه لم يختلف عليه أحدٌ من أصحابه، وفُجِعَ الناس بموته.
وكان الناس في أيامه يأمنون ظُلمه، ويرجون رِفده. وأكثر ما كان عطاؤه يصل
إلى الشُّجعان، وإلى أهل العِلْم، وأهل البيوتات. ولم يكن لمُبْطلٍ، ولا
لصاحب هَزْلٍ عنده نصيب. ووُجد في خزائنه بعد موته دينارٌ صوريٌّ،
وثلاثون درهمًا. وكان حَسنَ الوَفَاء بالعهود، حَسنَ المقدرة إذا قدر، كثيرَ
الصَّفْح. وإذا نازَلَ بلدًا، وأشرف على أخذه، ثم طلبوا منه الأمان أمَّنهم،
فيتألَّمُ جيشه لذلك لفَوَات حظّهم. وقد عاقَدَ الفِرَنج وهادَنَهم عندما ضرس
عسكره الحَرب ومَلُّوا .
قال القاضي بهاء الدين ابن شَدَّاد(١): قال لي السُّلطان في بعض
محاوراته في الصُّلح: أخاف أنْ أصالح، وما أدري أيَّ شيءٍ يكون مني، فيقوى
هذا العَدُوُّ، وقد بَقِيَت لهم بلادٌ فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين،
وترى كلَّ واحدٍ من هؤلاء، يعني أخاه وأولاده وأولاد أخيه، قد قعد في رأس
تَلَّةٍ، يعني قَلْعته، وقال: لا أنزل. ويهلك المسلمون.
قال ابن شَدَّاد: فكان والله كما قال؛ توفي عن قريبٍ، واشتغل كلُّ واحدٍ
من أهل بيته بناحيةٍ، ووقع الخُلف بينهم، وبَعُدَ، فكان الصُّلحِ مَصلحةً، فلو
قُدِّر موتُه والحَربُ قائمةٌ لكان الإسلام على خَطَر .
قال الموفق: حُمَّ صلاح الدين ففصدَهُ من لا خبرة له، فخارت القُوة
ومات قبل الرابع عشر، ووَجَدَ الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء. وما
رأيتُ مَلِكًا حَزِنَ الناس لموته سواه، لأنه كان مُحبًَّا، يحبُّه البَؤُّ والفاجرُ،
والمسلمُ والكافرُ. ثم تفرّق أولاده وأصحابُه أيادي سبأ، ومُزِّقوا في البلاد.
قلتُ: ولقد أجاد في مدحه العماد حیث یقول:
وللناس بالمالك الناصر الصـ ـصَلاح صلاحٌ ونَصرٌ كبيرٌ
هو الشمسُ أفلاكُهُ في البلاد ومَطلعه سَرِجُه والسَّرِيرُ
إذا ما سَطَا أو حَبَا واحتبى فما اللَّيثُ من حاتم ما ثَبِيرُ
وقد طول القاضي شمس الدين تَرجمته(٢) فعَمِلَها في تسع وثلاثين وَرَقة
(١) النوادر السلطانية ٢٣٥ (ط. أستاذنا الدكتور الشيال ١٩٦٤).
(٢) وفيات الأعيان ١٣٩/٧ - ٢١٢.
٨٩٦

بالقَطع الكبير، فمما فيها بالمعنى أنَّ صلاح الدين قدم به أبوه وهو رضيع،
فناب أبوه ببَعْلَبك لمَّا أخذها الأتابك زَنكي في سنة ثلاثٍ وثلاثين. وقيل: إنهم
خرجوا من تكريت في الليلة التي وُلد فيها صلاح الدين، فتطيّروا به، ثم قال
بعضُهم: لعل فيه الخِيَرة وأنتم لا تعلمون. ثم خَدَمَ نجمُ الدين أيوب ووَلِدُه
صلاح الدين الُّلطان نورَ الدين، وصَيَّرهما أميرين، وكان أسدُ الدين شِيركُوه
أخو نجم الدين أرفعَ منهما منزلةً عنده، فإنه كان مُقدَّم جيوشه. ووَلَيَ صلاح
الدين وزارة مصر، وهي كالسَّلطنة في ذلك الوقت، بعد موت عَمِّه أسد الدين
سنة أربع وستين. فلمَّا هَلَكَ العاضد في أول سنة سبع، استقلَّ بالأمر، مع
مُداراة نور الدين ومُراوغته، فإن نور الدين عَزَمَ على قَصْد مصر ليُقيم غيره في
نيابته، ثم فَتَر. ولمَّا مات نور الدين سار صلاح الدين إلى دمشق مُظهرًا أنه
يُقيم نفسه أتابكًا لولد نور الدين لكونه صَبِيًّا، فدخلها بلا كُلفة، واستولى على
الأمور في سَلْخ ربيع الأول سنة سبعين. ونزل بالبلد بدار أبيه المعروفة
بالشريف العقيقي التي هي اليوم الظاهرية. ثم تسلّمَ القَلعة، وصَعِدَ إليها،
وشال الصَّبيَّ من الوسط ثم سار فأخذ حمص، ولم يشتغل بأخذ قَلعتها، في
جمادى الأولى. ثم نازَلَ حلب في سَلْخ الشَّهر، وهي الوَقعة الأولى، فجَهَّزَ
السُّلطان غازي بن مَوْدود أخاه عزَّ الدين مسعود في جيشٍ كبيرٍ لحَرْبه، فترخَّلَ
عن حلب، ونزل على قَلعة حمص فأخذها. وجاء عزّ الدين مسعود، فأخذ معه
عسكر حلب، وساق إلى قرون حَمَاة، فراسَلَهم وراسَلوه، وحَرَصَ على
الصُّلح، فأبوا، ورأوا أن المصافَّ معه ينالون به غَرَضهم لكثرتهم، فالتقوا،
فكانت الهزيمة عليهم، وأسر جماعة. وذلك في تاسع عشر رمضان. ثم ساق
وراءهم، ونزل على حلب ثانيًا، فصالحوه وأعطوه المَعَرَّة وكَفَرطاب وبارين.
وجاء صاحب المَوصل غازي فحاصَرَ أخاه عماد الدين زَنكي بسِنْجار، لكونه
انتمى إلى صلاح الدين، ثم صالحه لمَّا بَلَغَ غازي كَسْرةُ أخيه مسعود، ونزل
بَنَصِيبين، وجَمَعَ العساكر، وأنفق الأموال، وعَبَرَ الفُرات. وقدم حلب،
فخرج إلى تلقِّيه ابن عَمِّه الصالح ابن نور الدين. وأقام على حلب مدة، ثم
كانت وَقعة تلِّ السُّلطان، وهي منزلة بين حلب وحَماة، جَرَت بين صلاح الدين
وبين غازي صاحب المَوصل في سنة إحدى وسبعين، فنُصرَ صلاح الدين،
ورجع غازي فعدَّى الفُرات، وأعطى صلاح الدين لابن أخيه عزّ الدين فَرُخشاه
تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٧٣
٨٩٧

ابن شاهنشاه صاحب بَعْلَبك خَيْمة السُّلطان غازي. ثم سار فتسلَّمَ مَنْبج وحاصر
فَلعة عَزَاز، ثم نازَلَ حلب ثالثًا في آخر السنة، فأقام عليها مدةً، فأخرجوا ابنةً
صغيرة لنور الدين إلى صلاح الدين، فسألته عَزاز، فوَهَبها لها. ثم دخل الديار
المصرية واستعمل على دمشق شمسَ الدولة تُورانشاه، وكان قد جاء من
اليَمَن. وخرج سنة ثلاثٍ من مصر، فالتقى الفِرَنج على الرَّملة فانكسر
المسلمون يومئذٍ، وثبت صلاح الدين، وتحيَّزَ بمن معه، ثم دخل مصر ولمَّ
شَعْث العسكر .
وتقدَّم أكثر هذا القَول مُفرَّقًا .
ونازَلَ حلب في أول سنة تسع، فطلب منه عماد الدين زنكي بن مَوْدود
أن يأخذ ما أراد من القَلعة، ويعطّيه سِنجار ونَصِيبين وسَرُوج وغير ذلك،
فحلف له صلاح الدين على ذلك. وكان صلاح الدين قد أخذ سنجار من أربعة
أشهر، وأعطاها لابن أخيه تقي الدين عُمر، ثم عَوَّضه عنها. ودخل حلب،
ورتَبَ بها ولده الملك الظاهر. وجعل أتابكه يازكوج الأسدي. ثم توجّه
لمحاصرة الكَرَك. وجاءه أخوه العادل من مصر، فحَشَدَت الفِرَنج، وجاؤوا إلى
الكَرَك نَجدةً، فسَيَّرَ صلاح الدين تقي الدين عُمر يحفظ له مصر. ثم رحل عن
الكَرَك في نصف شعبان. وأعطى أخاه العادل حلب، فدخلها في أواخر
رمضان، وقدم الظاهر وأتابكه، فدخلا دمشق في شوال. وقيل: أعطاه عِوَضَ
حلب ثلاث مئة ألف دينار. ثم إن صلاح الدين رأى أن عَود العادل إلى مصر
وعَوْد الظاهر إلى حلب أصلحُ. وعَوَّض بعدُ العادلَ بحَرَّان والرُّها ومَيَّا فارقين.
وفي شعبان سنة إحدى وثمانين نزل صلاح الدين على المَوْصل،
وتردَّدت الرُّسُل بينه وبين صاحبها عزّ الدين. ثم مَرِضَ صلاح الدين، فرجع
إلى حَرَّان، واشتدَّ مَرَضُه حتى أيسوا منه، وحلفوا لأولاده بأمره، وجعل وَصيَّه
عليهم أخاه العادل وكان عنده. ثم عُوفي ومزَّ بحِمصٍ وقد مات بها ابن عَمِّه
ناصر الدين محمد بن شِيركُوه، فأقطعها لولده شِيركُوه. ثم استعرض التّركة
فأخذ أكثرها. قال عزّ الدين ابن الأثير(١): وكان عُمر شِيركُوه اثنتي عشرة سنة.
ثم إنه حضر بعد سنة عند صلاح الدين، فقال له: إلى أين بلغتَ في
(١) الكامل ٥١٨/١١.
٨٩٨

القرآن؟ قال: إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى خُظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى
بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء ١٠] فعَجِبَ الحاضرون من ذكائه.
وفي سنة اثنتين وثمانين عاد الظاهر فدخل حلب، وزوَّجه أبوه بغازية
بنت أخيه الملك العادل، فدخل بها بحلب في السنة .
وفي سنة ثلاثٍ افتتح صلاح الدين بلاد الفِرَنج، وقَهَرَهم وأباد
خَضْراءهم، وأسَرَ ملوكهم، وكَسَرهم على حِطِّين، وافتتح القُدس، وعَكًّا،
وطَبَرية، وغير ذلك. وكان قد نذر أن يقتل البرنس أرناط صاحب الكَرَك، فكان
ممن وقع في أسره يومئذٍ، وكان قد جاز به قومٌ من مصر في حال الهُدنة، فغَدَرَ
بهم، فناشدوه الصُّلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما فيه استخفاف بالنبي
وَ لّر وقتلهم، فاستحضرهم صلاح الدين، ثم ناول الملك جفري شربةً من
جُلاَّب وثَلج، فشَربَ، وكان في غاية العَطَش، ثم ناولها البِرِنس أرناط فشَربَ.
فقال السُّلطان للتَّرْجُمان: قُل للملك جَفري: أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما
سقيتُه. ثم استحضر البرنس في مجلس آخر وقال: أنا أنتصرُ لمحمد منك؟ ثم
عَرَضَ عليه الإسلام، فامتنع فسَلَّ النيمجاه(١)، وحلَّ بها كَتِفِه، وتَمَّمه بعض
الخاصة. وافتتح في هذا العام من الفتوحات ما لم يفتحه مَلكٌ قبله، وطار
صِيتُه في الدنيا، وهابته الملوك.
ثم وقع المأتم والنَّوح في جزائر الفِرَنج، وإلى رومية العُظمى، ونُودي
بالنَّفير إلى نُصرة الصَّليب، فأتَى السُّلطان من عساكر الفِرَنج ما لا قِبَلَ له به،
وأحاطوا بعَكَّا يحاصرونها، فسار السُّلطان إليها ليكشف عنها، فعِيلَ صَبرُه،
وبذل فوق طاقته، وجرت له أمورٌ وحروبٌ قد ذكرتُها في الحوادث. وبَقِيَ
مرابطًا عليه نحوًا من سنتين، فالله يُثيبه الجنة برحمته .
وكتب القاضي الفاضل بطاقة إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب:
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١]، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ
شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ [الحج] كتبتُ إلى مَولانا السُّلطان الملك الظاهر أحسنَ الله
عَزَاءه، وجَبَرَ مُصابه، وجعل فيه الخَلَفَ في السَّاعة المذكورة، وقد زُلْزِلَ
المسلمون زلزالاً شديدًا، وقد حَفَرت الدُّموعُ المَحَاجر، وبلغت القلوبُ
(١) النيمجاه: خنجر مقوس يشبه السيف القصير وهو معرب نيمجه .
٨٩٩

الحناجر. وقد وذَّعتُ أباكَ ومخدومي وَدَاعًا لا تَلَاَقي بعده، وقَبَّلتُ وجهه عني
وعنك، وأسلمتُهُ إلى الله تعالى مغلوبَ الحيلة، ضعيفَ القوَّة راضيًا عن الله،
ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، وبالباب من الجنود المُجتَّدة والأسلحة المُعمَّدة، ما
لم يدفع البلاء ولا ما يردُّ القضاء، تدمعُ العين، ويخشعُ القَلْب، ولا نقول إلا
ما يُرضي الرَّبَّ، وإنا بك يا يوسف لمحزونون. وأما الوَصَايا فما تحتاج إليها،
والآراء فقد شغلني المُصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إنْ وقع اتِّفاقُ فما
عَدِمتم إلا شَخصه الكريم، وإن كان غيره فالمَصَائب المستقبلة أهونها موته،
وهو الهَوْلُ العظیم.
وقد كتب إلى صلاح الدين ابن التَّعاويذي(١) هذه القصيدة يمتدحه(٢):
إنْ كان دينك في الصَّبابة ديني فقِفِ المَطِيَّ برَمَلَتي يبرينِ
وألثم ثَرَّى لو شارفت به هُضبهُ أيدي المَطِيِّ لَثَمَتهُ بجفوني
فبغير غزلان الصَّريمِ جُنوني
وأنشُد فؤادي في الظِّباء مُعرِّضًا
ونَشيدتي بين الخيام، وإنما
غالطتُ عنها بالظِّبَاءِ العينِ
للهِ ما اشتملت عليه قبابُهم يوم النَّوَى من لؤلؤٍ مكنونٍ
في الحُسن غانية عن التَّحسين
ما بين سالفةٍ لها وجبين
فأنا الذي استودعتُ غيرَ أمين
من كلِّ تائهةٍ على أترابها
خَوْدٍ تَرِى قَمَرَ السماء إذا بَدَت
يا سُلْمَ إنْ ضاعت عُهُودي عندكم
أرَبٌ وقد أربى على الخمسين
هيهات ما للبيض في وُدِّ امرىءٍ
ليت الضَّنين على المُحبِّ بوَصلهِ لقن السَّمَاحة من صلاح الدين
ولعَلَم الدين حسن الشَّاتاني فيه قصيدةٌ مطلعها:
أرى النَّصرَ مقرونًا برايتك الصَّفرا فسِر واهْلِكِ الدُّنيا فأنت بها أحْرَى
وللمهذَّب عُمر بن محمد ابن الشِّحنة المَوْصلي قصيدةٌ فيه مطلعها:
سلامُ مَشُوقٍ قد بَرَاه التَّشوُّقُ على جيرة الحَيِّ الذين تفرَّقوا
منها :
(١) يريد: سبط ابن التعاويذي، ولم يكن الرجل ابنًا للتعاويذي، وهذه من عادات المصنف
رحمه الله، ومثله قوله: ((أبو المظفر ابن الجوزي)) ويريد: سبط ابن الجوزي.
(٢) ديوانه ٤٢٠ - ٤٢٤، وقد بعثها إليه حين كان بدمشق سنة ٥٧٥ .
٩٠٠